Ibn 'UthayminAl‑Ahzab · 33:36–40

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Al-Ahzab 33:36–40

33:36–40Page 423

وَمَا كَانَ لِمُؤۡمِنٖ وَلَا مُؤۡمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَمۡرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلۡخِيَرَةُ مِنۡ أَمۡرِهِمۡۗ وَمَن يَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلٗا مُّبِينٗا ٣٦

It is not for a believing man or a believing woman, when Allāh and His Messenger have decided a matter, that they should [thereafter] have any choice about their affair. And whoever disobeys Allāh and His Messenger has certainly strayed into clear error.

وَإِذۡ تَقُولُ لِلَّذِيٓ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ وَأَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِ أَمۡسِكۡ عَلَيۡكَ زَوۡجَكَ وَٱتَّقِ ٱللَّهَ وَتُخۡفِي فِي نَفۡسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبۡدِيهِ وَتَخۡشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخۡشَىٰهُۖ فَلَمَّا قَضَىٰ زَيۡدٞ مِّنۡهَا وَطَرٗا زَوَّجۡنَٰكَهَا لِكَيۡ لَا يَكُونَ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ حَرَجٞ فِيٓ أَزۡوَٰجِ أَدۡعِيَآئِهِمۡ إِذَا قَضَوۡاْ مِنۡهُنَّ وَطَرٗاۚ وَكَانَ أَمۡرُ ٱللَّهِ مَفۡعُولٗا ٣٧

And [remember, O Muḥammad], when you said to the one on whom Allāh bestowed favor and you bestowed favor,1 "Keep your wife and fear Allāh," while you concealed within yourself that which Allāh is to disclose.2 And you feared the people,3 while Allāh has more right that you fear Him.4 So when Zayd had no longer any need for her, We married her to you in order that there not be upon the believers any discomfort [i.e., guilt] concerning the wives of their claimed [i.e., adopted] sons when they no longer have need of them. And ever is the command [i.e., decree] of Allāh accomplished.

مَّا كَانَ عَلَى ٱلنَّبِيِّ مِنۡ حَرَجٖ فِيمَا فَرَضَ ٱللَّهُ لَهُۥۖ سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلُۚ وَكَانَ أَمۡرُ ٱللَّهِ قَدَرٗا مَّقۡدُورًا ٣٨

There is not to be upon the Prophet any discomfort concerning that which Allāh has imposed upon him.1 [This is] the established way of Allāh with those [prophets] who have passed on before. And ever is the command of Allāh a destiny decreed.

ٱلَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَٰلَٰتِ ٱللَّهِ وَيَخۡشَوۡنَهُۥ وَلَا يَخۡشَوۡنَ أَحَدًا إِلَّا ٱللَّهَۗ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيبٗا ٣٩

[Allāh praises] those who convey the messages of Allāh1 and fear Him and do not fear anyone but Allāh. And sufficient is Allāh as Accountant.

مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٖ مِّن رِّجَالِكُمۡ وَلَٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّـۧنَۗ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٗا ٤٠

Muḥammad is not the father of [any] one of your men, but [he is] the Messenger of Allāh and seal [i.e., last] of the prophets. And ever is Allāh, of all things, Knowing.

﴿أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] ﴿مَا﴾ هذه نافية، و﴿كَانَ﴾ فعل ماض ناقص، وخبرها ﴿لِمُؤْمِنٍ﴾ الجار والمجرور، و﴿أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ هذا هو اسمها مؤخر.

يقول الله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ﴾ يعني: هذا أمر لا يمكن أن يكون فهو نفي للإمكان، ولكنه للإمكان الشرعي دون القدري؛ إذ إن المؤمن أوالمؤمنة قد يكون لهم الخيرة من أمرهم فيما قضاه الله ورسوله، ولكن شرعًا لا يكون هذه.

يقول: (﴿﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا﴾ ﴾ ﴿﴿أَنْ تَكُونَ﴾ ﴾ بالتاء والياء ﴿﴿لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ ﴾ أي: الاختيار ﴿﴿مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ ﴾ خلاف أمر الله ورسوله).

وقوله: ﴿لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ﴾ وكما سبق فيه ذكر الذكور والإناث ﴿لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ﴾.

وقوله: ﴿إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا﴾ المراد بالقضاء هنا القضاء الشرعي؛ إذ إن القضاء الكوني لا يمكن لأحد أن يختار خلافه لا مؤمن ولا كافر، أليس كذلك؟ لأن القضاء الكوني لا بد أن يقع، فالمراد هنا ﴿إِذَا قَضَى﴾ أي: قضاء شرعيًّا.

وقوله: ﴿إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ عطف رسوله بالواو؛ لأن قضاء الرسول ﷺ الشرعي من قضاء الله.

وقوله: ﴿إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا﴾ ﴿أمرًا﴾ هنا واحد الأمور أو واحد الأوامر؟ واحد الأمور؛ يعني: إذا قضى شأنًا سواء كان ذلك الشأن أمرًا أو نهيًا.

﴿إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا﴾ ﴿﴿أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ ﴾ و﴿أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ أما على قراءة التاء فالأمر فيها ظاهر؛ لأن اسمها أيش؟ مؤنث فأُنِّثَ الفعل من أجله ﴿﴿أَنْ تَكُونَ﴾ ﴾.

وأما عن قراءة الياء فإن الفعل يكون مذكرًا مع أن الاسم مؤنث ولكن هنا لا يجب التأنيث؛ لوجهين:

الوجه الأول: الفصل بين الفعل وفاعله وهنا بين الفعل واسمه.

والثاني: أن التأنيث في الخيرة تأنيث مجازي، وابن مالك يقول:

وَإِنَّمـــا تَلْزَمُ فِعْــــــلَ مُــــضْمَرِ ∗∗∗ مُتَّصِلٍ أَوْ مُفْهِمٍ ذَاتَ حِـــــرِ

وقوله: ﴿الْخِيَرَةُ﴾ أي: الاختيار، أفادنا المؤلف أن الخيرة هنا اسم مصدر بمعنى الاختيار أو بمعنى التخيُّر كالطيرة بمعنى التطيُّر فهي إذن اسم مصدر بمعنى الاختيار، وإن شئت فقل: بمعنى التخير.

وقوله: ﴿مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ قد يقول قائل: إن المتبادر أن يقول: (مِن أمره)؛ لأن ﴿لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ﴾ مفرد، والمتبادر أن يقول: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون له الخيرة من أمره) ولكنه جمع؛ لأن (مؤمن) و(مؤمنة) جاء منكرًا في سياق النفي فيكون للعموم، فعاد الضمير إليه باعتبار المعنى لا باعتبار اللفظ.

وقوله: ﴿مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ يعني معناه أي: من شأنهم، ويجوز أن يكون ﴿مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ أي: من أمر الله إياهم، فعلى الأول يكون الإضافة من باب إضافة الشيء إلى فاعله، وعلى الثاني من باب إضافته إلى مفعوله.

وقول المؤلف: (خلافَ) هذه بالنصب مفعول للخيرة بمعنى الاختيار يعني: ما كان لهم أن يختاروا خلاف أمر الله ورسوله، فتبين الآن معنى الآية؛ معنى الآية أن الله يقول: لا يمكن لمؤمن ولا مؤمنة، لا يمكن شرعًا ولَّا قدرًا؟ شرعًا، إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يخالفوا أمر الله ورسوله وأن يختاروا خلاف أمر الله ورسوله، لماذا لا يمكن؟ لأن ما في قلوبهم من الإيمان يمنعهم من المخالفة، ألا ترى إلى قول النبي ﷺ: «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ»؟ لأنه لو كان في قلبه إيمان حين الزنا ما زنى، «لَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٨١٠)، ومسلم (٥٧ / ١٠٠) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] فالإيمان إذا وقر في القلب لا يمكن أن يكون صاحبه مخالفًا لأمر الله ورسوله.

قال المؤلف: (نزلت في عبد الله بن جحش وأخته زينب خطبها النبي ﷺ لزيد بن حارثة، فكره ذلك حين علم بظنهما قبلُ أن النبي ﷺ خطبها لنفسه ثم رضي للآية).

هكذا ذكر المؤلف أنها نزلت في هذه القصة، وهذ القصة ضعيفة؛ لأنها معضلة ومنقطعة فهي ضعيفة، ونحن لا يهمنا في الحقيقة سبب النزول، سبب النزول صحيح أن فيه فائدة وهو أنه يكشف أحيانًا المعنى ويُبَيِّنُه ويوضحه، لكن المهم الحكم وهو أنه لا يمكن لمؤمن إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يختار خلافَ أمر الله ورسوله، ﴿أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾؛ لأنهم لا بد أن يوافقوا أمر الله ورسوله لما في قلوبهم من الإيمان؛ ولهذا كلما هَمَّ المؤمن بمعصية ذكَّره إيمانه بالله فكفَّ عنه، ألا ترى إلى قول النبي عليه الصلاة والسلام في السبعة الذين يظلهم الله في ظله قال: «وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ»؟ وهذه الدعوة كانت في مَحل خالٍ لا يطلع عليهما أحد سوى الله فقال: «إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ»[[متفق عليه، البخاري (٦٦٠) ومسلم (١٠٣١ / ٩١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] فمنعه إيمانُه من أي شيء؟ من أن يفعل الفاحشة مع سهولة أسبابها، وكذلك «أحد الثلاثة الذين انطبق عليهم الغار حين مَكَّنته ابنة عمه من نفسها فلما جلس منها منها مجلس الرجل مع امرأته» -وأعتقد في هذه الحال أن الرغبة ستكون شديدة وقوية وأنه لا يفصمها إلا إيمان قوي لما جلس منها مجلس الرجل مع امرأته- قالت له: «يا هذا اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه.» فقام منها وهي أحب الناس إليه[[أخرجه البخاري (٢٢١٥) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.]]. هذا من الإيمان بلا شك.

إذن نحن لا يهمنا أن تكون نزلت في زينب بنت جحش وأخيها عبد الله أو في غيرهم.

المهم أن حال المؤمن تمنعه من مخالفة أمر الله ورسوله وأما ما ذكره المؤلف فهو يقول: «إن النبي ﷺ خطب زينب بنت جحش»[[أخرج الحاكم (٦٩٣٣) بسنده عن عمر بن عثمان الجحشي، عن أبيه، قال: قدم النبي ﷺ المدينة، وكانت زينب بنت جحش ممن هاجر مع رسول الله ﷺ وكانت امرأة جميلة، فخطبها رسول الله ﷺ على زيد بن حارثة، فقالت: لا أرضاه، وكانت أيم قريش، قال: «فإني قد رضيته لَكِ» الحديث.]]. وقد خُطِبَت -كما ذكره غيره- خطبت من قبل رجال شرفاء وذوي جاه، فخطبها النبي عليه الصلاة والسلام فظنوا أنه خطبها لنفسه، ثم بعد ذلك بَيَّن لهم أنه خطبها لزيد بن حارثة، زيد بن حارثة مَنْ هو؟ هو مولى رسول الله ﷺ، وكان حسب ما ذكره أهل السير كان عبدًا لخديجة رضي الله عنها فوهبته للنبي ﷺ فأعتقه، لما علم أنه خطبها لزيد امتنع فلما نزلت الآية رضي بذلك، وهذا ليس بغريب على الصحابة لو صح الحديث ليس بغريب أن يُقَدِّموا أمر الله ورسوله على ما تهواه أنفسهم.

* الطالب: (...) خطبها النبي ﷺ وعني (...) زيد منها، ويش معنى (وعني)؟

* الشيخ: عَنَى.

* الطالب: وعنى؟

* الشيخ: لا، ما عندنا بـ(عدى) و(عنى). (خطبها النبي ﷺ لزيد بن حارثة فكره ذلك) أظن ما هي مهمة. اشطب عليها.

قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب ٣٦] ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ﴾ ﴿مَنْ﴾ اسم استفهام؟!

* طالب: شرطية.

* الشيخ: ما الذي أدراكم أنها شرطية؟

* الطالب: (...).

* الشيخ: لا، غير الجواب.

* الطالب: فعل الشرط.

* الشيخ: فعل الشرط؛ لأنه مجزوم ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ﴾ لكنه مجزوم بحذف حرف العلة ﴿مَنْ يَعْصِ اللَّهَ﴾، المعصية مخالفة الأمر أو إن شئت فقل: المعصية خلاف الطاعة سواء كانت وقوعًا في منهيٍّ عنه أو تركًا لمأمور به، لكن إذا قيل طاعة ومعصية صارت الطاعة فعل المأمور والمعصية فعل المحظور.

أما إذا قيل: معصية وحدها أو طاعة وحدها فإنها تشمل الأمرين.

قال: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ﴾ سواء عصاهما جميعًا يعني: أمر من الله وأمر من رسوله وقعت فيه المعصية، أو عصى الله وحده أو عصى الرسول وحده فإنه قد ضلَّ ضلالًا مبينًا، معصيتهما جميعًا مثالها قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن ١٦]، وقال النبي ﷺ: «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٢٨٨) ومسلم (١٣٣٧ / ٤١٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]. لو خالف الإنسان في ذلك يكون قد عصى الله ورسوله؛ لأن الأمر هنا من الله ومن رسوله، وأحيانًا يَرِد الأمر في القرآن دون السنة فإذا عصاه الإنسان صار عاصيًا لله وأحيانًا يرد في السنة دون القرآن فإذا عصاه الإنسان صار عاصيًا للرسول.

ولكن لتعلم أن معصية الرسول عليه الصلاة والسلام معصية لله؛ لأن الرسول يتكلم عمن أرسله، فإذا عصيته فقد عصيت من أرسله؛ لو أن رجلًا أتاك وقال: إن فلانًا أرسلني إليك وقال: ليفعل كذا وكذا. وخالفت الرسول تكون مخالفًا في الواقع لمن؟ للمرسِل؛ ولهذا قال الله عز وجل: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء ٨٠] فعلى هذا يكون من يعص الله ورسوله سواء على سبيل الانفراد أو على سبيل الاشتراك.

﴿مَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ هذا جواب الشرط، وقُرِنَ بالفاء؛ لأنها اقترنت في ﴿قَدْ﴾ وهناك ضوابط لجواب الشرط الذي يجب اقترانه بالفاء ذُكِرَت في بيت قد أُنْشِدَ لكم من قبل فما هذا البيت؟

* طالب:

اسـْــــــمِيَّةٌ طَـــلَــبِيَّةٌوَبِجَـــــــــــامِـــــــــــــدٍ ∗∗∗ وَبِـ(مَا) وَ(لَنْ) وَبِـ(قَدْ)وَبالتَّنْفِيسِ

* الشيخ: نعم.

اســْــــــــمِيَّةٌ طَـــلَـــــبِيَّةٌوَبِجَــــــــــــامِـــــــــدٍ ∗∗∗ وَبِـ(مَا) وَ(لَنْ) وَبِـ(قَدْ)وَبالتَّنْفِيسِ

كم؟ سبعة، إذا كان جواب الشرط أحد هذه الأمور السبعة فإنه يقترن بالفاء وجوبًا ولا يَشُذُّ عن هذه القاعدة إلا أمر نادر كقول الشاعر:

مَنْ يَفْعَلِ الْحَسَنَاتِ اللَّهُ يَشْكُرُهَا ∗∗∗ .........................

ولم يقل: فالله يشكرها. لكن هذا نادر أو ضرورة، هنا اللي معنا من الأشياء السبعة: ﴿قَدْ﴾ ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ قال المؤلف: (بَيِّنًا) ونحن تكلمنا من قبل أن (أبان) الرباعية تكون متعدية وتكون لازمة، إذا كانت لازمة فهي بمعنى (بان)، إذا كانت متعدية فهي بمعنى أظهر.

هنا قال: ﴿ضَلَالًا مُبِينًا﴾ هل تصلح بمعنى أظهر؛ يعني بمعنى ضلالًا مظهرًا؟ ما تصلح.

إذن فهي من (أبان) اللازم الذي يكون منه الاسم على بَيِّن لا على مبين.

وقوله: لا على مبين بمعنى مظهر، طيب ما هو المبين بمعنى مظهر؟

المبين بمعنى مظهر مثل قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ [يس ٦٩] هذا من اللازم ولَّا من المتعدي؟ من المتعدي يقينًا، نعم؛ لأن القرآن مظهر للحقائق؛ ولهذا قال بعده: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [يس ٧٠].

﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾.

قال: (فزَوَّجها النبي ﷺ لزيد، ثم وقع بصره عليها بعد حين فبلغ في نفسه حبها وفي نفس زيد كراهتها، ثم قال للنبي ﷺ: أريد فراقها. فقال: ﴿﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ ﴾ كما قال تعالى: ﴿﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ ﴾ [الأحزاب: ٣٧]).

هذا الذي ذكره المؤلف رحمه الله ذُكِرَ عن بعض المفسرين من السلف والخلف، لكنه كما قال ابن كثير: أقوال ينبغي أن يضرب الإنسان عنها صفحًا؛ لأنها أقوال باطلة لا تليق بمقام النبي ﷺ؛ لأن القصة إذا قرأها الإنسان يتصور أن الرسول ﷺ كان عاشقًا من العشاق، وما أشبه هذه القصة الباطلة بقصة داود عليه الصلاة والسلام التي ذكروا أن داود طلب من أحد جنوده أن يتزوج امرأته ولكنه أبى، فاحتال عليه بحيلة، شوف كيف؟ أيش الحيلة؟ قال: نطلعه مع الجيش عشان يُقْتَل فأتزوج امرأته. هل هذا يمكن أن يقع من نبي من أنبياء الله؟! أبدًا، هذه لو قال قائل: إنها وقعت من أحد السوقة من الناس لقيل: ما أظلم هذا الرجل وما أجهله! فكيف بنبي من أنبياء الله؟!

الرسول ﷺ هل يمكن أن يتصور أحد أنه عشق هذه المرأة، لاحظوا لأن بعض الناس حتى بعض المفسرين والعياذ بالله صار يتلفظ بهذا اللفظ يقول: الرسول عشق المرأة زينب، ولكن هذا قول باطل، وسيأتي إن شاء الله تعالى في الكلام على تفسير الآية بيان معنى الآية وأن معناها ناصع واضح ولم يكن الرسول عليه الصلاة والسلام قال له: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب ٣٧] وأنه أخفى حبها؛ لأن الله قال في نفس الآية: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ فبَيَّن الله أنه سيبدي ما أخفاه في نفسه، لو كان الذي أخفاه النبي عليه الصلاة والسلام في نفسه الحب لكان الله يبديه، لكن ما الذي أبدى الله؟ الذي أبدى الله تزويجه؛ أنه زوجه إياها، فكان الرسول عليه الصلاة والسلام أخفى في نفسه ما أعلمه الله أنه سيتزوجها دون أن يكون هناك حب وعلاقة، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام علم بما أعلمه الله أنه سيتزوجها، فلما جاء هذا الرجل يستشيره قال له: ﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾ لا تطلق المرأة. فعاتب الله رسوله لماذا قال له: اتق الله وأمسكها، وقد علم أن الله تعالى سيزوجه إياها؟ فالمسألة واضحة ما فيها أي إشكال.

ولكن المشكل أن بعض المفسرين يأخذون عن بعض من غير تمحيص ومن غير أن يكون هناك تَرَوٍّ في المسألة، حتى إن بعض الناس اعتذر وقال: إن محبة الإنسان للمرأة ولو كانت عند زوج آخر أمر لا يُنْكَر، إنما الذي ينكر أن يحاول التوصل لهذه المرأة بطريق غير شرعي، وأما أن يقع في نفسه محبة امرأة عند زوج فهذا لا بأس به، وهو أمر قد تدعو إليه الجبلة والطبيعة، وهذا وإن كانت المسألة تحتاج إلى نظر في هذا القول؛ وهو أن محبة الإنسان لزوجة غيره إما أن تكون محبة للجنس أو محبة للشخص، فإن كان محبة للجنس فهذا أمر جائز ولَّا لا؟ جائز أنا ما أبغي بالجنس الشهوة يعني، يعني جنس هذا الطراز من النساء، هذا المراد بقولي: الجنس، إن كان محبة للجنس؛ يعني معناه أنه يرغب مثل هذه المرأة فهذا لا بأس به، والإنسان دائمًا إذا سمع مثلًا من امرأة رجل أنها امرأة صالحة قانتة حافظة للغيب بما حفظ الله يحبها ويحب أن يكون له مثلها.

وأما إذا كان حبًّا شخصيًّا فعندي أن في جواز ذلك نظرًا وأن الإنسان يجب عليه أن إذا تعلقت نفسه بامرأة تعلقًا شخصيًا أو محبة شخصية يجب عليه أن يحاول التخلص من هذا لأنها مشكلة، المحبة في الحقيقة جذابة، المحبة كأنها رِشاء من حديد يجذب الإنسان، فإذا تعلَّق قلبه بامرأة فإن الغالب أن يحاول الوصول إليها إن لم تكن مُزَوَّجة يمكن يخطبها وإن كانت مزوجة مشكلة.

فالذي أرى في هذه المسألة أنه إذا أحبها محبة جنس بمعنى أحب جنس هذه المرأة فهذا لا شك أنه ما فيه مانع ولا يحصل فيه مفسدة، وأما إذا أحبها محبة شخصية فإن الأمر خطير.

* الطالب: ويش يعني؟

* الشيخ: يعني يحب هذه المرأة نفسها؛ إي هذه المرأة مثلًا شافها معها زوجها أنها قائمة باللازم وأحبها هي شخصيًّا.

﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب ٣٧] ﴿إِذْ﴾ يقول المؤلف: (إنه منصوب بـ (اذكر). أين (اذكر)؟ محذوف، (منصوب بـ (اذكر) محذوفًا، أي: اذكر يا محمد ﴿إِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ إلى آخره. اذكر هذا القول حتى تكون مُسْتَعِدًّا لما يُلْقَى إليك من الموعظة؛ لأن الله تعالى وعظه في هذه الآية موعظة عظيمة حتى قالت عائشة رضي الله عنها: «لو كان محمدًا ﷺ كاتمًا ما أُنْزِل إليه لكتم هذه الآية»[[أخرجه مسلم (١٧٧ / ٢٨٨) من حديث عائشة رضي الله عنها.]]. كما سترون.

﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ (للذي أنعم عليه الله بالإسلام ﴿﴿وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ ﴾ بالإعتاق).

بَيَّن الله عز وجل أن هذا الرجل الذي أبهم اسمه هنا ثم أوضحه فيما بعد أن عليه نعمتين: النعمة الأولى لله، والثانية للرسول عليه الصلاة والسلام.

وهنا قال: ﴿لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ﴾ فأتى بالواو الدالة على الاشتراك، مع أن هذا ليس من باب الشرع أو ليس من باب التشريع حتى نقول: إنه يجوز اشتراك أو إشراك الله مع الرسول عليه الصلاة والسلام، بل هنا من باب النعمة والعطاء والفضل، فكيف جمع بين إنعام الرسول ﷺ وإنعام الله بالواو الدالة على التشريك؟

فالجواب أن نقول: جمع بينهما بالواو الدالة على التشريك؛ لأن النعمتين مختلفتان؛ فالنعمة الأولى بماذا؟ بالإسلام، والثانية: النعمة من الرسول ﷺ بالعتق، فلما اختلفت النعمتان صارت الواو لا تدل على الاشتراك لامتناع الاشتراك بين شيئين مختلفين.

(﴿تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ بالإعتاق وهو زيد بن حارثة كان من سَبْيِ الجاهلية اشتراه النبي ﷺ قبل البعثة وأعتقه وتبناه) المشهور أن زيد بن حارثة رضي الله عنه كان مملوكًا لخديجة فوهبته للنبي ﷺ، هذا هو المعروف في السير.

وأيًّا كان فإن زيد بن حارثة كان مملوكًا للرسول ﷺ ثم أعتقه وتبناه أيضًا، رفع معنويته بكونه أضافه إليه ابنًا له وكان يُدْعَى زيد بن محمد حتى أبطل الله ذلك في قوله: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب ٤٠]، وبقوله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأحزاب ٤].

(تقول: ﴿﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ ﴾ في أمر طلاقها). ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ﴾ هنا عدَّى ﴿أَمْسِكْ﴾ بـ (على)؛ لأنها بمعنى اضمم عليك زوجك؛ يعني: اجعلها منضمة عليك لا تفارقها.

﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ والمراد بها زينب بنت جحش رضي الله عنها، وكان زيد قد تزوَّجها بمشورة النبي ﷺ فجاء يستشيره في طلاقها، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ يعني: لا تطلقها. وأمره بأن يتقي الله ﴿وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ إغراء له على إمساكها، وإن كان الرجل لم يفعل خطيئة لأن الطلاق مما يباح للرجال، لكن من باب الإغراء على إمساكها.

وقال بعض المفسرين: إنه -أي: زيد بن حارثة- إنه ذكر زينب بعيب، فقال له الرسول عليه الصلاة والسلام: ﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾ يعني: لا تصفها بالعيب، وليس المعنى: اتق الله لا تطلقها؛ لأن الأصل في الطلاق أنه مباح ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾.

قال الله تعالى: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ الواو حرف عطف ﴿وَتُخْفِي﴾ معطوفة على قوله: ﴿تَقُولُ﴾ يعني: واذكر أيضًا إذ تُخْفِي في نفسك ما الله مبديه، وأبهم الله تعالى ما أخفاه، لكنه بَيَّن أنه سيبديه، وننظر ماذا أبدى الله عز وجل ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا﴾ هذه اسم موصول في محل نصب مفعول لـ ﴿تُخْفِي﴾، و﴿اللَّهُ﴾ مبتدأ و﴿مُبْدِيهِ﴾ خبره، والجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب، يعني: تخفي في نفسك الذي الله مبديه، وهنا لم يقل: وتخفي في نفسك ما يبديه الله، بل قال: ﴿مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ الجملة هنا اسمية، وإنما أتى بالجملة الاسمية الدالة على الثبوت كأن هذا أمر لا بد منه، لا بد أن يبديه الله عز وجل، وهذا هو الذي وقع، ومعنى ﴿مُبْدِيهِ﴾ أي: مظهره وهو مقابل لقوله: ﴿تُخْفِي﴾ ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ إلا أن المقابلة اختلفت من حيث الصيغة؛ فالصيغة في الإخفاء جاءت بالمضارع، وأما الصيغة بالإبداء فجاءت بالجملة الاسمية.

قال: (﴿﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ ﴾ مظهره من محبتها وأن لو فارقها زيد تَزَوَّجْتَها) هذا ما زعم المؤلف تبعًا لكثير من المفسرين؛ أن الذي أخفاه النبي عليه الصلاة والسلام هو محبته لهذه المرأة فأبدى الله ذلك، ولكنك إذا تأملت الآيات وجدت أن الذي أخفاه هو نية الزواج بها بأمر الله عز وجل، فإن الله تعالى أمره أن يتزوجها بعد زيد بن حارثة، وكأن هذا -والله أعلم- من أجل جبر قلبها حيث تزوجت زيد بن حارثة وهو مولى وهي من صميم العرب فأراد الله عز وجل أن يكافئها على خضوعها لمشورة النبي ﷺ بأن يتزوجها الرسول ﷺ هذه من جهة، ومن جهة أخرى أمره الله أن يتزوجها لأجل أن يزول ما كان مشهورًا عندهم في الجاهلية منين؟ من أنَّ ابن التبني لا يجوز لمن تبناه أن يتزوج بامرأته فيكون هذا من باب البيان بالفعل الذي هو أقوى من البيان بالقول.

قال: (﴿﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ ﴾ مظهره من محبتها وأن لو فارقها زيد تزوجها)، وإذا نظرنا إلى الذي أبداه الله وجدنا أنه زواجه، لا أنه يحبها ما قال الله في القرآن: إنك تحبها أبدًا ولا تعرض للحب.

قال: (﴿﴿وَتَخْشَى النَّاسَ﴾ ﴾ أي: تخاف من قولهم ومن كلامهم بأن يقولوا تزوَّج زوجة ابنه)، وهذا عند العرب عيب عندهم فهم يرونه من المنكرات.

قال الله تعالى: (﴿﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ ﴾ في كل شيء، وتزوَّجْها ولا عليك من قول الناس، ثم طلقها زيد وانقضت عدتها) قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ﴾ إلى آخره.

قال الله: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ منين؟ من الناس ولكنه هنا أطلق، قال الله: ﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ ولم يذكر المفضل عليه من أجل العموم لأنه دائمًا يكون الحذف مفيدًا للعموم؛ يعني أحق أن تخشاه من كل أحد؛ من الناس، ومن الجن، ومن غيرهم.

وقوله: ﴿أَنْ تَخْشَاهُ﴾ يعني: أن تخافه، ولكن الخشية خوف مع علم؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر ٢٨]، والخشية أيضًا خوف مع قوة المخشيِّ وعظمته، فالخوف دون الخشية؛ لأن الخوف يقع بدون علم، ولأن الخوف يقع من ضعف الخائف لا من قوة المخوف؛ ولهذا كانت الخشية أرفع مرتبة وأقوى ﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾.

(﴿﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾ ﴾ حاجة ﴿﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ ﴾ فدخل عليها النبي ﷺ بدون إذن وأشبع المسلمين خبزًا ولحمًا).

* الطالب: عندنا بغير إذن.

* الشيخ: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾ أي: حاجة، وهذا دليل على أن زيدًا رضي الله عنه طلَّقها عن رغبة، وأنها انقضت حاجته منها، ولم يطلقها عن ضغط أو إكراه.

وقوله: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ شرعًا أو قدرًا؟ شرعًا وقدرًا، لكن المهم شرعًا؛ لأنه لو كان المراد قدرًا فقط لم يكن بَيْنَها وبين أمهات المؤمنين فرق؛ لأن أمهات المؤمنين أيضًا مما زوجهن الله قدرًا، وكانت هي أي زينب تفتخر على نساء النبي ﷺ فتقول: «زَوَّجَكُنَّ أهاليكُنَّ، وزوَّجَنِي الله من فوق سبع سماوات»[[أخرجه الترمذي (٣٢١٣) من حديث أنس رضي اله عنه.]]، وهذا دليل على أنه تزويج شرعي، ولكنه قدري أيضًا في نفس الوقت.

وقوله: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ في هذا ضميران مفعولان؛ الضمير الأول الكاف، والثاني ﴿هَا﴾ وهو متمشٍ على القاعدة، ابن مالك يقول:

وَقَدِّمِ الْأَخَـــــــصَّ فِي اتِّصَـــــــــالِ ∗∗∗ وَقَدِّمَنَّ مَا شِئْتَ فِي انْفِصَالِ

وضمير المخاطب أخصُّ من ضمير الغائب؛ ولهذا قال: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾.

الحكمة من ذلك قال: ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ﴾ اللام هنا للتعليل، و﴿كَيْ﴾ حرف مصدر؛ لأنها بعد اللام مصدرية محضة أي: لأن، و(لا) نافية، وقوله: ﴿حَرَجٌ﴾ أي: ضيق ومشقة، وقوله: ﴿فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ من أدعياؤهم؟ أبناؤهم الذين تَبَنَّوْهُم، هؤلاء هم الأدعياء، وهؤلاء الأدعياء ليسوا بأبناء كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأحزاب ٤].

وتأمل قوله: ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ ولم يقل: (أبنائهم الذين تبنوهم)؛ لأن هذه البنوة منتفية شرعًا وباطلة شرعًا ولهذا قال: ﴿أَدْعِيَائِهِمْ﴾.

وبهذا نعرف أن قول مَنْ قال في قوله تعالى: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ [النساء ٢٣] أن قوله: ﴿مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ احتراز من ابن التَّبَنِّي يتبيَّن لنا أن هذا القول لا وجه؛ لا لأن ابن التبني لم يسمِّه الله ابنًا أبدًا، بل نفى عنه البنوة فقال: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾، وقال هنا: ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾، وإذا كان ابن التبني لا يُسَمَّى ابنًا شرعًا فإنه لا حاجة إلى أن نأتي بصفة تخرجه لماذا؟ لأنه ليس بداخل أصلًا حتى يُخْرَج بهذه الصفة ﴿الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾، ولكنها احتراز من ابن الرضاعة كما هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

قال: ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ ﴿إِذَا قَضَوْا﴾ الفاعل يعود على من؟ على الأدعياء.

وقوله: ﴿إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ فيه إشارة إلى أنه لو كان ذلك بضغط من الأب المُدَّعِي لكان ذلك فيه حرج، بل لا بد أن يكونوا قد قضوا منهن وطرًا وأنهوا رغبتهنَّ فيهن.

قال: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ قال المؤلف: (مقضي مفعولًا) أمر الله الكوني أو الشرعي؟ الكوني؛ لأن الشرعيَّ قد يُفْعَل وقد لا يفعل، ولكن الأمر الذي لا بد أن يُفْعَل هو أمر الله الكوني، فإذا أمر الله تعالى بشيء كونًا فلا بد أن يقع.

وخلاصة هذه الآية أو تفسير هذه الآية أن نقول: إن الله عز وجل ذَكَّر نبيَّه ﷺ بهذا الأمر العظيم، وهو قوله لزيد بن حارثة حين جاء يستشيره في طلاق زوجته قال له: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ مع علم النبي ﷺ بأن الله سوف يُزَوِّجُه إياها، وكان على النبي عليه الصلاة والسلام أن يسكت على الأقل ويقول: انظر ما يبدو لك في هذا الأمر. لكنه أشار عليه أن يُمْسِك، لماذا؟ لأنه يخشى أن يقول الناس: تزوج امرأة ابنه الذي تبناه، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يخاف من هذا الأمر، ولكن الله تعالى وَجَّهَهُ هذا التوجيه السليم.

ثم قال تعالى: (﴿﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ﴾ ﴾ أحل الله له) إلى آخره.

﴿مَا كَانَ﴾ (ما) نافية و(كان) فعل ماض ناقص، واسمها قوله: ﴿حَرَجٍ﴾، لكن فيها (مِن) الزائدة؛ لماذا؟ لإثبات النفي وتوكيده.

وقوله: ﴿عَلَى النَّبِيِّ﴾ هذا خبرها مقدَّم.

﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ ومعنى ﴿فِيمَا فَرَضَ﴾ أي: فيما أحلَّ الله له أيًّا كان، فكل ما أحلَّ الله فإن لا حرج عليه عند الله، وإذا كان لا حرج عليه عند الله فإن لا يجوز لأحد أن يتكلم في هذا الذي أحلَّ الله له ويقول: لمَ فعلَ؟ لِمَ صنع؟ وسيأتي إن شاء الله تعالى في الفوائد أن هذا عام للرسول ولغيره.

وقوله: ﴿فِيمَا فَرَضَ﴾ الفرض تارة يتعدَّى باللام، وتارة يتعدى بـ (على) فيتعدي باللام مثل هذه الآية: ﴿فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾، ويتعدى بـ (على) مثل فرض الله علينا كذا وكذا، فإن تعدى بـ (على) فهو بمعنى أوجب، وإن تعدى باللام فهو بمعنى أحل؛ لماذا؟ لأن الفرض في الأصل بمعنى التقدير، والمقدَّر قد يكون واجبًا وقد يكون مُحَلَّلًا.

قال الله تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾ أي: كسنة الله فنُصِبَ بنزع الخافض؛ يعني أن الله تعالى نفى عنه الحرج فيما أحل له؛ لأن هذا هو سنة الله تعالى فيمن سبق، و﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾ أي: طريقته، والمعنى كطريقة الله تعالى فيمن سبق من الأنبياء.

قال: (﴿﴿فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ ﴾ من الأنبياء أن لا حرج عليهم في ذلك توسعة لهم في النكاح ﴿﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ ﴾ فِعْلُه ﴿﴿قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ ﴾ مقضيًّا).

يقول الله عز وجل: إن الرسول عليه الصلاة والسلام كغيره من الأنبياء السابقين؛ فما أحل الله له فإنه لا حرج عليه فيه؛ يعني: لا تضييق لا من قِبَل الله ولا من قِبَل عباد الله، وهكذا الأنبياء السابقون ليس عليهم حرج فيما فرَض الله لهم يفعلون ما يشاؤون ما دام الأمر مُحَلَّلًا لهم.

ثم قال: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ قال المؤلف في إعرابها: (﴿﴿الَّذِينَ﴾ ﴾ نعت للذين قبله)، وين (الذين) قبله؟ ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ أي: في الذين يبلغون.

وقوله: ﴿يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ﴾ جمع رسالة، والمراد بها المرسَل به، فهم يبلغون ما (...) به، والتبليغ معناه الإيصال ومنه ما جاء في الحديث: «لَا بَلَاغَ لِيَ الْيَوْمَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٤٦٤)، ومسلم (٢٩٦٤ / ١٠) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]].

﴿وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ [الأحزاب ٣٩] لأن الخشية عبادة، والعبادة لا تكون إلا لله عز وجل، هذا في الأصل مع أن الخشية قد تكون غير عبادة؛ قد تكون خوفًا طبيعيًا لا يتعبد به الإنسان للخائف، فيُفرَّق بين خشية الإنسان للناس وبين خشية الإنسان لله قال: (فلا يخشون مقالة الناس فيما أحل الله لهم) وكذلك في غيره.

﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ حافظًا لأعمال خلقه ومحاسبتهم. إعراب ﴿كَفَى بِاللَّهِ﴾؟

* طالب: (...) جار ومجرور.

* طالب آخر: (...).

* الشيخ: كما قال، طيب و﴿بِاللَّهِ﴾.

* الطالب: حرف زائد.

* الشيخ: حرف جر زائد. كمل.

* الطالب: (الله) فاعل. ﴿حَسِيبًا﴾؟

* الشيخ: اصبر، الفاعل أيش؟ منصوب ولَّا مجرور؟

* الطالب: (الله) فاعل مجرور بالكسرة بدل الرفع.

* الشيخ: فاعل، إذن ما هو فاعل.

* الطالب: (...) مقدرة.

* الشيخ: لا، من يعرف؟ مر علينا هذا الإعراب كثيرًا.

* طالب: (...).

* الشيخ: كيف؟

* الطالب: فاعل مرفوع بضمة مقدرة على آخره.

* الشيخ: لفظ الجلالة اسم مجرور بالباء.

* الطالب: (...).

* الشيخ: نعم.

* الطالب: ﴿حَسِيبًا﴾ تمييز.

* الشيخ: تمييز كذا؟ طيب.

إذن ﴿كَفَى﴾ تتعدى بالباء على أنه حرف جر زائد وهو كثير، وقد تتعدى بنفسها إلى الفاعل كقول الشاعر:

كَفَى الشَّيْبُ وَالْإِسْلَامُ لِلْمَرْءِ نَاهِيًا ∗∗∗ ..........................

فلم يأتِ بالباء، لكن الأكثر أن يأتي بها.

* * *

يقول تبارك وتعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب ٣٦].

* من فوائد الآية الكريمة: أن مقتضى الإيمان ألا يخالف المؤمن أمر الله ورسوله؛ لقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ﴾ إلى آخره.

* ومن فوائدها: أنه كلما قُوِيَ الإيمان قويت الموافقة، ما وجهه؟ لأن الحكم المرتب على وصف يَقْوَى بقوته ويضعف بضعفه؛ * وعليه فتأتي الفائدة الثالثة: أنه كلما نقص الإيمان وضعف كثرت المخالفة؛ ولهذا قال أهل العلم: إن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن ما قضاه الرسول ﷺ من الأمور فهو كما قضاه الله؛ لقوله: ﴿إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا﴾.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الخير كلَّ الخير فيما قضاه الله ورسوله؛ لقوله: ﴿أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ يعني: ما يختارون غيره؛ لأنهم يرون أن الخير فيما قضاه الله ورسوله.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن المعصية ضلال؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾.

* ومن فوائدها: أنه كلما كانت المعصية أكبر أو أكثر كان الضلال أبين وأوضح، وجهه ما أشرنا إليه من قبل؛ أن الحكم المرتب على وصف يزيد بزيادته وينقص بنقصانه.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском