Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Al-Ahzab 33:53–54
33:53–54Page 425
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدۡخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِيِّ إِلَّآ أَن يُؤۡذَنَ لَكُمۡ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيۡرَ نَٰظِرِينَ إِنَىٰهُ وَلَٰكِنۡ إِذَا دُعِيتُمۡ فَٱدۡخُلُواْ فَإِذَا طَعِمۡتُمۡ فَٱنتَشِرُواْ وَلَا مُسۡتَـٔۡنِسِينَ لِحَدِيثٍۚ إِنَّ ذَٰلِكُمۡ كَانَ يُؤۡذِي ٱلنَّبِيَّ فَيَسۡتَحۡيِۦ مِنكُمۡۖ وَٱللَّهُ لَا يَسۡتَحۡيِۦ مِنَ ٱلۡحَقِّۚ وَإِذَا سَأَلۡتُمُوهُنَّ مَتَٰعٗا فَسۡـَٔلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٖۚ ذَٰلِكُمۡ أَطۡهَرُ لِقُلُوبِكُمۡ وَقُلُوبِهِنَّۚ وَمَا كَانَ لَكُمۡ أَن تُؤۡذُواْ رَسُولَ ٱللَّهِ وَلَآ أَن تَنكِحُوٓاْ أَزۡوَٰجَهُۥ مِنۢ بَعۡدِهِۦٓ أَبَدًاۚ إِنَّ ذَٰلِكُمۡ كَانَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمًا ٥٣
O you who have believed, do not enter the houses of the Prophet except when you are permitted for a meal, without awaiting its readiness. But when you are invited, then enter; and when you have eaten, disperse without seeking to remain for conversation. Indeed, that [behavior] was troubling the Prophet, and he is shy of [dismissing] you. But Allāh is not shy of the truth. And when you ask [his wives] for something, ask them from behind a partition. That is purer for your hearts and their hearts. And it is not [conceivable or lawful] for you to harm the Messenger of Allāh or to marry his wives after him, ever. Indeed, that would be in the sight of Allāh an enormity.
إِن تُبۡدُواْ شَيۡـًٔا أَوۡ تُخۡفُوهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٗا ٥٤
Whether you reveal a thing or conceal it, indeed Allāh is ever, of all things, Knowing.
ثم قال الله عز وجل: (﴿﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ ﴾ [الأحزاب: ٥٣] "في الدخول بالدعاء ﴿﴿إِلَى طَعَامٍ﴾ ﴾ فتدخلوا ﴿﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ﴾ ﴾ منتظرين إياه ﴿﴿إِنَاهُ﴾ ﴾ نضجه، مصدر أنى يأني) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ سبق لنا الكلام على مثل هذه العبارة، وبيَّنَّا أن تصدير الحكم بالنداء يدل على الاهتمام به والعناية به؛ لأن النداء يستلزم انتباه المنادى، وأن وصف هذا النداء بالإيمان يدل على أن التزام هذا الحكم من مقتضيات الإيمان، وأن التخلف عنه سبب لنقصان الإيمان، ثم إن التعبير بالإيمان فيه إغراء وحث؛ لأن المؤمن حقًّا يلتزم ما أمر به، ويترك ما نهي عنه، ومن ذلك إذا قلت: يا رجل، افعل كذا. المعنى: بمقتضى رجولتك يلزمك أن تفعل كذا يا مؤمن، افعل كذا؛ أي بمقتضى إيمانك يلزمك أن تفعل كذا، ففيه إغراء وحث.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعني لإيمانكم وجهنا إليكم هذا الخطاب ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾، ﴿بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ جمع ومضاف إلى الرسول ﷺ؛ لأن بيوته كانت تسعة، كل امرأة من نسائه لها بيت، لم يجمعهن عليه الصلاة والسلام في بيت واحد، بل جعل لكل امرأة بيتًا.
وإضافته إلى النبي عليه الصلاة والسلام ﴿بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾، مع أنه أُضيف إلى النساء أنفسهن كما سبق في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ [الأحزاب ٣٤] هل هذا يتناقض مع ذاك؟ لا يتناقض فهو مضاف إلى كل شيء منهما بنسبة معينة، فباعتبار أن هذه البيوت مأوى النبي ﷺ ومسكنه أضيفت إليه، وباعتبار أنها -أي: هذه البيوت- ملك لزوجاته أضيفت البيوت إليهن.
والعلماء اختلفوا؛ هل بيوت زوجات الرسول عليه الصلاة والسلام ملك لهن أو ملك للرسول عليه الصلاة والسلام؟ فيه قولان لأهل العلم، وسبق لنا أن الأظهر أنها ملك للزوجات، بدليل أنهن ورثن هذه البيوت، ولو كانت ملكًا للرسول عليه الصلاة والسلام ما ورثنها؛ لأن النبي ﷺ يقول: «إِنَّا مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٠٩٣)، ومسلم (١٧٥٩ / ٥٢) من حديث أبي بكر.]].
ولا يرد على هذا أن هذه البيوت أُدخلت في المسجد فيما بعد؛ لأنها إما أن تكون أدخلت بعوض وإما أن تكون أدخلت برضا مستحقيها، وهذا لا ينافي التمليك.
﴿بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾، ﴿إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ﴾ بالبناء للمجهول، ولم يقل: إلا أن يأذن النبي؛ لأنه قد تأذن المرأة من نسائه لأحد فيدخل، فليس بشرط أن يكون الإذن من الرسول ﷺ، ولكن الله تعالى اشترط ثلاثة شروط: الإذن، و﴿إِلَى طَعَامٍ﴾، والثالث: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾.
ولننظر هذه القيود، هل هي معتبرة أو لا؟ فقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ يشمل الإذن العرفي والإذن اللفظي، فالإذن اللفظي أن يُقال: ادخل، والإذن العرفي أن يكون هناك علامة تدل على أن المقام مقام إذن كفتح الباب وما أشبه ذلك، فهل يمكن الدخول بدون إذن؟ لا يمكن، فالإذن إِذَنْ مُعتبرٌ، قيدٌ.
قال: ﴿إِلَى طَعَامٍ﴾ هل هذا يدل على أنه لو أذن لهم بالدخول إلى غير طعام لا يحل؟ لا، إلى طعام، فلو دعي إلى غير طعام هل يدخل أو لا؟ إن نظرنا إلى ظاهر قوله: ﴿إِلَى طَعَامٍ﴾ قلنا: لا يدخل؛ لأن الله تعالى قال: ﴿إِلَى طَعَامٍ﴾، ولكننا نقول إن هذا القيد بيان للواقع، وما كان بيانًا للواقع فإنه لا مفهوم له، فالآية وردت في قضية مُعينة وهي دخول هؤلاء إلى الطعام بدون دعوة، فلهذا قُيدت بقوله: ﴿إِلَى طَعَامٍ﴾.
الثالث: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾، (ناظر) إن تعدت بـ(إلى) فهي من النظر بالعين، وإن تعدت بنفسها فهي بمعنى الانتظار، تقول: نظرت إليه، وتقول: نظرته، بمعنى: انتظرت، قال الله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [الأنعام ١٥٨]، ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾ [الأعراف ٥٣]، المعنى: هل ينتظرون؛ لأنها تعدت بنفسها.
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة ٢٢، ٢٣] هذا من النظر بالعين، هنا ﴿نَاظِرِينَ﴾ متعدية بنفسها ولّا بـ(إلى)؟ بنفسها، فتكون بمعنى منتظرين، وقوله: ﴿إِنَاهُ﴾ أي: نضجه، هل هذا شرط ولّا غير شرط؟ نقول: إنه شرط لجواز الدخول أن يدخلوا لطعام غير منتظرين نضجه، وكانوا يتحرون نضج الطعام، فإذا تحروا أنه قد نضج وقارب أن يقدم أو قَدِم دخلوا البيوت؛ لأجل أن يأكلوا، ولا شك أن مفاجأة الإنسان عند أكله تؤذيه، ويُسمى هذا الذي يفجأ الناس عند تقديمه الطعام يسمى طفيليًّا، وضيفنًا، ما هو بضيف، ضيفنٌ بالنون؛ لأن النون هذه مثل اللي يتكأ على عصا كأنه ثقيل.
فإذا كان واحد عندك ضيفًا، وأنت ما تحب أنه يكون عندك، فقلت لصاحبك، قال: عندك ضيف؟ قلت: لا عندي ضيفن؛ يعني: ثقيل طفيلي جاء بلا دعوة، ونام على (...) صاحب البيت، لا يتزحزح ولا يطلع، ويتطلب هات ماء هات شراب هات كذا، أبغي الحمام أبغي كذا، يتعبك.
المهم أن قوله: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ هذا شرط؛ يعني لا يجوز لكم أن تتحروا إنى الطعام حتى تدخلوا، لما في ذلك من التضييق على النبي عليه الصلاة والسلام، ويحتمل أن المعنى: لا تدخلوا مبكرين بحيث تبقون في البيوت حتى ينضج الطعام؛ لأن في هذا أيضًا إشقاقًا على صاحب البيت، إذا كان تجهيز الغداء في الساعة الواحدة فجاء هؤلاء في الساعة الثانية عشرة انتظروا ولّا لا؟ كم انتظروا؟ ساعة، هذا فيه تضييق على النبي عليه الصلاة والسلام، والنبي عليه الصلاة والسلام حيي كريم، لو استأذنوا عليه قبل نضج الطعام بساعة ما يردهم ﷺ، وإن كان يتأذى بذلك لكن لكرمه وحيائه لا يردهم.
فتبين بهذا النهي عن دخول بيوت الرسول عليه الصلاة والسلام إلا بثلاثة شروط: الإذن، وأن يكون إلى طعام، وأن يكونوا غير ناظرين إناه، لكن إلى طعام قلنا: إن هذا ليس بشرط؛ لأنه قيد لبيان الواقع، فلا مفهوم له، كل قيد لبيان الواقع فإنه لا مفهوم له، ولهذا لو دُعُوا إلى غير الطعام فلا بأس أن يدخلوا.
الآن نرجع إلى الآية ﴿إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ قال المؤلف: (فِي الدُّخُول بِالدُّعَاءِ ﴿﴿إلَى طَعَام﴾ ﴾) أفادنا المؤلف بقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ ما يتعلق ﴿يُؤْذَنَ﴾ إلا على وجه التضمين؛ لأن يؤذن لا تتعدى بـ(إلى) وإنما تتعدى بـ(في) أو بـ(اللام)، لكنها بـ(اللام) للمأذون له لا للمأذون إليه، فتتعدى بـ(في) إلا أن يؤذن لكم في طعام، لكنها جاءت بـ(إلى)؛ لأن الإذن هنا ضُمِّن معنى الدعاء؛ يعني: إلا أن تُدْعَون إلى طعام.
وقوله: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ لماذا جاءت منصوبة مع أن الذي قبلها مجرور؟ يعني لم تكن بلفظ إلى طعام غير ناظرين إناه؛ لأنها حال من الكاف في قوله: ﴿يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ إلى طعام حال كونكم غير ناظرين إناه، فإن كنتم منتظرين نضجه وتتحرون نضجه فلا تدخلوا عليه أيضًا؛ لما في ذلك من الإشقاق والأذية.
وقوله: ﴿إِنَاهُ﴾ يقول المؤلف: إنها (مصدر أنى يأني إنًى)، ليست هي شيئًا محذوفًا؛ يعني ليست: (إناءه) في الأصل، بل هي ﴿إِنَاهُ﴾ أصلًا وفرعًا مصدر أنى يأني إنًى.
وقوله: ﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ [الأحزاب ٥٣] لما كان قوله: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ قد يتوهم منه واهم بأنهم لا يدخلون أبدًا، قال: ﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا﴾ فكان في قوله: ﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا﴾ كان فيه فائدة، وهو أنه متى دُعوا دخلوا، إذا دعوا يدخلون، فكونهم هم يدخلون بأنفسهم لا يجوز إلا بالشروط السابقة، لكن إذا دعوا فيدخلون، فإذا طعموا فإنهم ينتشرون، ولهذا قال: ﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا﴾ ولا تدخلوا بغير دعوة.
وهذا غير قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ﴾ [الأحزاب ٥٣] لأن (يؤذن) معناه أنهم جاءوا فاستأذنوا، وأما التي معنا الجملة الثانية: ﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ﴾ فهذه هم الذين دُعوا، وقد كان الرسول عليه الصلاة والسلام يدعو الناس إلى طعامه كما دعا أبا هريرة رضي الله عنه حين وجده جائعًا في يوم من الأيام، «خرج أبو هريرة من بيته وهو جائع حتى كاد يسقط مغشيًا عليه من الجوع، فلما خرج الناس تَبِع عمر بن الخطاب يسأله عن آية من كتاب الله، وأبو هريرة حينما سأله عن الآية يعرف الآية لكن يُؤَمل، لعل عمر يقول: اتبعني، ولكن عمر رضي الله عنه ما فكر في هذا الأمر، أخبره بالآية ومضى، يقول: فلما جاء الرسول عليه الصلاة والسلام ورآني عرف ما في وجهي، فدعاه، فدخل، فجيء بلبن إلى النبي ﷺ، فأمره أن يدعو أهل الصُفَّة -أهل الصفة هم الفقراء المهاجرون الذين ليس لهم مأوى في المدينة، فكان لهم صُفَّة في المسجد يجتمعون فيها، أحيانًا يبلغون الثمانين وأحيانًا يكونون أكثر وأحيانًا يكونون أقل- يقول: لما قال: «ادْعُ أَهْلَ الصُّفَّةِ» واللبن قليل، كأنه تردد رضي الله عنه، قال ما يغني هذا اللبن لأهل الصفة، إذا دعوت أهل الصفة وشربوا اللبن بقيت أنا جائعًا، يقول: ولكن لم يكن لي بد من طاعة الله ورسوله، فذهب فدعا أهل الصفة، فجاءوا فشربوا، كُلٌّ يشرب من هذا اللبن، وكل يشرب، وكل يشرب، فلما بقي بقية قال: «اشْرَبْ»، يقول: فشربت حتى رويت، فقال: «اشْرَبْ أَبَا هِرٍّ»، فقلت: والله يا رسول الله لا أجد له مساغًا، فبقيت بقية فشربها النبي ﷺ»[[أخرجه البخاري (٦٤٥٢) من حديث أبي هريرة.]].
ففي هذه دعوة عامة ودعوة خاصة، وكذلك في حديث أنس «لما صنع النبي عليه الصلاة والسلام طعامًا، قال: «اخْرُجْ فَادْعُ لِي مَنْ لَقِيتَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥١٦٣)، ومسلم (١٤٢٨ / ٩٤) من حديث أنس بن مالك.]]، فإذا دعي المسلمون إلى طعام فادخلوا ﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ [الأحزاب ٥٣]، ولم يَقُل: فإذا شبعتم، قال: ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ﴾؛ لأن الطعام قد يُشبع، وقد لا يُشبِع، وقوله: ﴿انْتَشِرُوا﴾ أي: تفرقوا.
(ولا تمكثوا ﴿﴿مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ ﴾ [الأحزاب: ٥٣]) أفادنا المؤلف بقوله: (ولا تمكثوا) أن كلمة ﴿مُسْتَأْنِسِينَ﴾ حال من فاعل محذوف مع فعله، والتقدير: ولا تمكثوا مستأنسين لحديث، والاستئناس بالشيء معناه الاطمئنان إليه؛ يعني: لا تبقوا بعد الأكل تتحدثون وتنبسطون وتطمئنون، وأما الحديث العابر فلا بأس به بعد الأكل، ولكن هذا ليس من آداب الطاعم على كل حال؛ لأنه علل قال: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ﴾ [الأحزاب ٥٣].
قال: (﴿﴿مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ ﴾ مِنْ بَعْضكُمْ لِبَعْضٍ ﴿﴿إنَّ ذَلِكُمْ﴾ ﴾ الْمُكْث ﴿﴿كَانَ يؤذي النبي فيستحيي منكم﴾ ﴾ أن يخرجكم ﴿﴿والله لا يستحيي مِنْ الْحَقّ﴾ ﴾ أَنْ يُخْرِجكُمْ)، وعلى هذا فيُنْهون عن البقاء مطمئنين للحديث لِعِلَّة وهي الأذية، أذية النبي عليه الصلاة والسلام، وبناء على هذه العلة لو قُدِّر أنه لا يتأذى بذلك فلا حرج على الإنسان أن يبقى، وسيأتي إن شاء الله في الفوائد بيان ما يستعمله بعض الناس أنه إذا طعم يقول له: اجلس شوي، ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ أن هذا استدلال في غير محله.
(...) ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾ أعاد الاسم الظاهر في موضع الضمير تعلية لشأن الرسول ﷺ، وإلا لكان المتوقع أن يقول: إن ذلكم كان يؤذيه، ولكن قال: ﴿يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾ إعلاءً لشأنه ﷺ، وإشارة إلى أنه لنبوته يجب أن يتحاشى المرء أذيته لما له من الفضل، وقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ﴾ لماذا جمع في الخطاب ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ﴾؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، لماذا جمع؟ لأن المخاطبين جمع، اسم الإشارة إذا اقترنت به الكاف فإنه يراعى فيه المخاطب والمشار إليه، المشار إليه يتغير به اسم الإشارة، والمخاطب تتغير به الكاف، أفهمتم القاعدة هذه؟ إذا اقترنت الكاف باسم الإشارة فإنه يُراعى في اسم الإشارة المشار إليه، وفي الكاف ويش اللي يُراعى؟ المخاطب.
فلنفرض أنني أشير إلى جماعة وأخاطب واحدًا، أقول: أولئك، وبالعكس أشير إلى واحد وأخاطب جماعة أقول: ذلكم، أشير إلى جماعة وأخاطب جماعة أقول: أولئكم، أشير إلى جماعة وأخاطب جماعة نساء أقول: أولئكن، أشير إلى واحد وأخاطب جماعة نساء أقول: ذلكن، ﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ [يوسف ٣٢].
والمهم أن اسم الإشارة إذا اقترنت به الكاف فإنه يُراعى في الكاف المخاطب، ويُراعى في اسم الإشارة المشار إليه إن كان جمعًا اجمعها، إذا كان مثنى ثَنِّها، إن كان مفردًا فأفردها، إذا كنت تشير إلى اثنين مخاطبًا اثنين كيف تقول؟ تشير إلى اثنين مخاطبًا اثنين.
* طالب: ذلك.
* الشيخ: لا، تشير إلى اثنين مخاطبًا اثنين؟
* طالب: ذلكما.
* الشيخ: ذلكما لا، ذانكما، إي نعم.
تشير إلى اثنتين مخاطبًا اثنتين؟
* طالب: ما أدري.
* الشيخ: كيف ما تدري.
* طالب: تانكما.
* الشيخ: تانكما، إي نعم، واضح؛ لأن المثنى المؤنث يُقال: تَان، قال ابن مالك:
...................... ∗∗∗ وَذَانِ تَـــانِ لِلْمُثَنَّىالْمُرْتَـــــفِعْ
فهمتم يا جماعة؟ ترى هذه يغلط فيها كثير من الطلبة، يلتبس عليه المشار إليه بالمخاطب.
إذن ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ﴾ المشار إليه هنا مفرد ولّا جمع؟ المشار إليه مفرد، والمخاطب جمع؛ لأنه يخاطب جماعة المؤمنين ويشير إلى شيء مذكور، أن ذلك المذكور يؤذي النبي فيستحيي منكم.
وقوله: ﴿يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾ الأذية ليست هي الضرر، إذ قد يتأذى المتأذي ولا يتضرر بذلك، ولهذا يوصف الله تعالى بالتأذي، ولا يوصف بالضرر، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [الأحزاب ٥٧]، وقال تعالى: في الحديث القدسي «يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٢٦)، ومسلم (٢٢٤٦ / ٢) من حديث أبي هريرة.]] أما في الضرر فقال في الحديث القدسي فقال: «يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي»[[أخرجه مسلم (٢٥٧٧ / ٥٥) من حديث أبي ذر.]]، ونحن نشاهد الآن في أنفسنا أننا نتأذى بالشيء ولا نتضرر به، يتأذى الإنسان بالرائحة الكريهة كرائحة البصل والكراث والوسخ والعرق وما أشبه ذلك، ولكنه لا يتضرر به، إذن لا يلزم من الأذية الضرر.
﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ﴾ [الأحزاب ٥٣]، الفاء عاطفة على قوله: ﴿يُؤْذِي﴾ يعني فكان أيضًا يستحيي منكم أن يخرجكم إذا دخلتم في هذه الحال، وقوله: ﴿فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ﴾ ما هو الحياء؟ عَرِّف الحياء؟ الحياء نكتب عليه (ميم) بخط عريض أي: معروف في القاموس إذا جاءت كلمة معروفة كتب: (ميم) يعني: معروف، ما يحتاج إلى أن نحده كما لو قيل لك: ما هي المحبة؟ ما تستطيع، مثل ما قال ابن القيم في روضة المحبين يقول: إن المحبة ما تُحد بأوضح من لفظها، المحبة هي المحبة.
ما هي الكراهة؟ هي الكراهة، ما تستطيع أن تَحُدَّها؛ لأن هذه انفعالات نفسية يحس بها الإنسان من نفسه، ولا يستطيع أن يعبر عنها، فالحياء هو الحياء ما هو النوم؟ النوم هو النوم، معروف، وبعضهم يقول: إنها غشية ثقيلة تهجم على المخ فتفقد له الوعي والإحساس، أنا لو أتصور أن هذا هو النوم ما جاني النوم، لو أتصور أنه غشية الله يدفع البلاء، فالحاصل أنك إذا قلت: النوم معروف، هذا معروف لكل أحد.
الجوع أو انصفات البطن من قلة الطعام، هذا أثره، أما هو فإنه معروف، فهذه المعاني النفسية لا يمكن في الحقيقة أن يعرِّفَها أحد لا يمكن أن تُعَرَّف بأوضح من لفظها، إذن الحياء معروف، والنبي عليه الصلاة والسلام يستحي من هؤلاء؛ لأنه ﷺ أكمل الناس إيمانًا، والحياء من الإيمان، ولأنه ﷺ أكرم الناس، والكريم يستحي من ضيفه أن يخرجه أو أن يتبرم بوجوده أو أن يتكرَّه له، فلهذا الرسول ﷺ يصبر وإن كان متأذيا من ذلك لما جبله الله عليه من كمال الإيمان وكمال الكرم ﴿فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ﴾.
قال المؤلف: (﴿﴿فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ﴾ ﴾ أن يخرجكم) قوله: (أن يخرجكم) هذه في محل جر بدل اشتمال؛ لأن التقدير فيستحيي من إخراجكم.
﴿وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ [الأحزاب ٥٣]، الله عز وجل لا يستحي من الحق، وهو العدل في الأحكام، والصدق في الأخبار، فالرب عز وجل لا يستحي من الحق؛ لأن الحياء من الحق معناه ترك الحق أو يستلزم ترك الحق والخور وعدم الحزم، والله عز وجل لا يستحي من أن يبين الحق.
ويقول المؤلف: ﴿لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ (أن يخرجكم) هكذا قال المؤلف، إن الله لا يستحي أن يخرجكم، وفي ما قاله نظر، بل الصواب: ﴿لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ أن يبينه لكم؛ لأن المقام هنا ما هو مقام إخراج، المقام مقام تبيين، لما يجب على هؤلاء الذين استأذنوا على الرسول عليه الصلاة والسلام فالمعنى لا يستحي من الحق، قلت: إن الحق هو الصدق في الأخبار والعدل في الأحكام، والمراد بالحق هنا -على رأي المؤلف- هو الإخراج؛ يعني لا يستحيي أن يخرجكم، ولكن الصواب: لا يستحيي أن يبين لكم ما يلزمكم فتخرجوا.
ثم قال المؤلف -عفا الله عنه: (أي لا يترك بيانه) أي: لا يترك بيان الحق، وهذا من التحريف، حيث فسر الحياء بلازِمِهِ وهو الترك؛ لأن من لازم الحياء من الشيء أن يدعه الحيي منه، والمؤلف فسر الحياء بلازمه وهو الترك؛ أي: لا يترك بيان الحق.
وفي قوله: (لا يترك بيان الحق) مع قوله: (لا يستحي أن يخرجكم) فيه شيء من التناقض؛ لأنه جعل المستحيا منه هنا بيان الحق، وجعله بالأول الإخراج، والصواب الرأي الثاني، قوله الثاني هو الصواب، أي: لا يستحي من بيان الحق، لكن تفسيره الاستحياء بالترك هذا باطل؛ لأنه خلاف ظاهر اللفظ، والواجب علينا فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته الواجب علينا أن نجريها على ظاهرها اللائق بالله سبحانه وتعالى، معتقدين أنه لا مثيل له في هذه الصفة، ومبتعدين عن تكييفها.
أما وجوب إجرائها على ظاهرها فلأن الله خاطبنا بلسان عربي مبين، ولو أراد خلاف ذلك الظاهر لكان التعبير بهذا الذي يفيد ظاهره الكفر أو التمثيل لكان التعبير به بيانًا أو خلاف البيان، والله عز وجل يقول: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء٢٦]، وكيف يعبر سبحانه وتعالى أو يتكلم بما هو خلاف البيان فيما يُعتبر صميم العقيدة، وهو ما يتعلق بأسماء الله وصفاته؟!
ولهذا كان طريق هؤلاء المحرفين من أبلغ ما يكون طعنًا في كلام الله عز وجل، بل من أبلغ ما يكون طعنًا في الله نفسه، إذ إن طريقتهم تستلزم أن يكون الله عز وجل لم يبين الحق فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته، وجعل الحق موكولًا إلى ما تقتضيه عقولهم، ويحاولون بعد ذلك أن يردوا كلام الله عز وجل وكلام رسوله إلى ما تقتضيه هذه العقول الفاسدة المتناقضة، والطريق الأسلم والأعلم والأحكم هي طريق السلف، أن تأخذ كلام الله ورسوله على ظاهره؛ لأننا نعلم علم اليقين أنه لا أحد أعلم من الله بنفسه، ولا أحد من الخلق أعلم بالله من رسول الله ﷺ، ونعلم أيضًا أنه لا أحد أصدق كلامًا من الله، ولا أحد من المخلوقين أصدق كلامًا من رسول الله ﷺ، هذا ثابت أيضًا.
الأمر الثالث: أنه لا أحد أوضح بيانًا في كلامه من الله عز وجل، ولا أحد من المخلوقين أعظم بيانًا من رسول الله ﷺ هذه ثلاثة أمور.
الأمر الرابع: نعلم أيضًا أنه لا أحد أصح إرادة وقصدًا من الله عز وجل، فإن الله ما أراد من عباده إلا أن يبين لهم الحق، وكذلك بالنسبة لرسول الله ﷺ لا نعلم أحدًا أنصح منه للخلق، وأصدق إرادة في بيان الحق.
فإذا تمت هذه الأمور الأربعة في كلام -من أي كلام- يكون صار ما يدل عليه ظاهره هو المراد الذي يجب علينا أن نأخذ به، فهذه أمور أربعة إذا اجتمعت في الكلام صار الكلام واجب الأخذ بظاهره، الأربعة هي؟
* طالب: العلم والقصد والصدق..
* الشيخ: نعم، والصدق والبيان، أربعة أمور.
ضدها ما يُؤخذ ولا يُعتبر، لو جاء إنسان جاهل يتكلم لك بكلام من أفصح الكلام، وهو رجل نعرف أنه من أنصح الخلق وأصدقهم، هل تثق بقوله؟ ما نثق بقوله، جاء رجل يتكلم عن الطب ونحن نعلم أنه ما درس في الطب أبدًا، وقام يشرح لنا الطب، نثق به؟ ما نثق به؛ لأنه جاهل.
لو جاء عالم نعرف أنه عالم بما يتكلم به لكنه كذوب هل نثق بكلامه؟
* طلبة: لا.
* الشيخ: لماذا؟ لأنه كذوب، يمكن كذب علينا.
لو جاءنا رجل عالم وصدوق لكنه سيء الإرادة قد يغش ويقصد ضلال الخلق هذا أيضًا ما نثق به؛ لأننا نخشى أنه غشنا فيما قال.
الرابع: لو جاءنا إنسان عالم وناصح وصدوق لكن ما يحسن يعبر، مثل إنسان فارسي ما يعرف اللغة العربية وقام يعبر باللغة العربية هل نثق من قوله؟ لا، ما نثق؛ لأنه ما يعرف –أحيانًا- يقول، إذا بغى يضيف الضمير إلى نفسه يقول: أنت أكلت، وإذا بغى يقول: أنا أكلت، يقول: أنت أكلت، وإذا بغى يقول: أنت أكلت، يقول: أنا أكلت، ما نثق بكلامه يمكن يقلب الكلام؛ لأنه عيي، لكن كلام الله وكلام الرسول ﷺ اجتمعت فيه صفات القبول الأربع، فلهذا يجب علينا أن نؤمن بكل صفة وصف الله بها نفسه.
فإن قال قائل: الآية وما أشبهها فيها نفي الحياء، والنفي ضد الإثبات، فكيف تقول: إن في الآية أنها إثبات للحياء؟ نقول: منطوق الآية: ﴿لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ [الأحزاب ٥٣]، ومفهومها: يستحي من غير الحق، ولّا لا؟ إذ لو لم يكن الأمر كذلك لكان نفي الاستحياء عن الحق لغوًا من القول لا معنى له، ثم نقول: إنه قد ثبتت صفة الحياء لله عز وجل بصيغة الإثبات كما في الحديث الذي في المسند «إِنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ كَرِيمٌ»[[أخرجه الترمذي (٣٥٥٦) واللفظ له، وأحمد (٢٣٧١٤) من حديث سلمان.]]، هذا هو إثبات الحياء لله سبحانه وتعالى.
فكل صفة أثبتها الله لنفسه فإنه يجب علينا أن نأخذها بالقبول، ولكننا ننزه اعتقادنا عن محظورين عظيمين وهما؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، التمثيل والتكييف، والتمثيل أحسن من التشبيه؛ يعني التعبير بالتمثيل أحسن من التعبير بالتشبيه؛ لأن هذا هو الذي نفاه الله عن نفسه، ولأن نفي التشبيه المطلق هذا ليس بصواب؛ لأننا ذكرنا أنه ما من موجودين إلا ويشتركان في صفة الوجود، وإن كانا يتباينان فيما تقتضيه هذه الصفة في مقتضياتها ومستلزماتها، وما من سميعين إلا ويشتركان في صفة السمع، وإن كانا يختلفان في ملزوماتها ومقتضياتها، وما من بصيرين إلا ويشتركان في صفة البصر، فيكون بينهما مشابهة من بعض الوجوه فيما يشتركان فيه، ولهذا نفي التمثيل هو الذي ينبغي لنا -معشر طلبة العلم- أن نعبر به؛ لأنه هو الذي جاء في القرآن، وهو أسلم.
قال: ﴿وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾، ثم قال: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ﴾ أي: لا يترك بيانه، وقرئ ﴿﴿يستحي﴾ ﴾ بياء واحدة، شاذًا أو سبعية؟ شاذًا؛ لأن قاعدة المؤلف -رحمه الله- أنه إذا قال: وقرئ. فهي قراءة شاذة، بخلاف ما إذا قال: وفي قراءة. أو قال: بالياء والنون، أو: بالياء والتاء، وما أشبه ذلك، فهما قراءتان سبعيتان.
* طالب: يكون فيه قصور أو لا يؤدي المطلوب؟
* الشيخ: ما يؤدي المطلوب وفيه قصور؛ لأنه خلاف تعبير القرآن ولأن هذا أدى إلى أن تنكر كثير من الصفات بهذه الدعوى.
* طالب: تعبير الطحاوي؟
* الشيخ: إي نعم، ولهذا شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في العقيدة الواسطية ما قال: من غير تشبيه، قال: من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، وهذا هو الأولى.
﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ﴾ الفاعل يعود على الصحابة، والمفعول يعود على نساء النبي ﷺ، وهن لم يسبق لهن ذكر في الآية، لكن قوله: ﴿بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ يدل على ذلك؛ لأن ساكن بيوت النبي هن أزواج النبي ﷺ.
(﴿﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ﴾ ﴾ أي: أزواج النبي ﷺ) (أي): هذه تفسيرية، و(أزواج): عطف بيان للهاء في قوله: (﴿﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ﴾ ﴾ أي: أزواج النبي ﷺ) ﴿مَتَاعًا﴾ المراد بالمتاع: ما يُتمتع به من ملابس ومطاعم ومشارب وغيره، حتى الدراهم تعتبر متاعًا، فكل ما يُتمتع به فهو متاع.
(﴿﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ ﴾ ستر) ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ﴾ تنصب مفعولين، الأول الهاء في قوله: ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ﴾، والثاني: محذوف دل عليه ما قبله؛ أي: فاسألوهن المتاع من وراء حجاب، وقوله: ﴿مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ حجاب بمعنى ستر، وكلمة ﴿مِنْ﴾ تدل على أن هذا الستر لا بد أن ينفصل، وأنه غير ستر الوجه أو البدن بالثياب، بل هو ستر آخر؛ حجاب، وحجاب أمهات المؤمنين غير حجاب نساء المؤمنين؛ لأن حجاب نساء المؤمنين يصح أن يكون متصلًا بالبدن كالخمار والملحفة وما أشبهها من الثياب، أما حجاب أمهات المؤمنين فإنه حجاب آخر منفصل، يحول بين الرجل وبين رؤية أمهات المؤمنين، ولهذا قال: ﴿مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾، فتدل على أن هذا الحجاب منفصل عن المستتر به، ومنه قوله تعالى عن الكفار يقولون للرسول: ﴿وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ [فصلت ٥] كأنه..
لماذا قال: (ذا)، وقال: (كُم)؟ فـ(ذا) للمفرد و(كُم) للجمع، كيف يتفق الجمع والمفرد؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ما تعرف، أنتم فاهمون السؤال؟ كيف يتلاءم الجمع مع المفرد؟
* طالب: (...).
* الشيخ: يعني: لاختلاف المرجع؛ فاسم الإشارة يعود على المشار إليه، والكاف في الخطاب يعود على المخاطب، فقد يكون المشار إليه مفردًا والمخاطب جمعًا كما هنا.
﴿ذَلِكُمْ﴾ أي: المذكور، والخطاب للصحابة رضي الله عنهم.
﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب ٥٣] ﴿أَطْهَرُ﴾ يعني: أبلغ في طهر القلوب، ﴿لِقُلُوبِكُمْ﴾ أيها السائلون ﴿وَقُلُوبِهِنَّ﴾ أي: المسؤولات (من الخواطر المُرِيبَة). شوف الخطاب الحين لمن؟ للصحابة، وهم أطهر هذه الأمة قلوبًا في جانب مَنْ؟ في جانب نساء النبي ﷺ، وهن أعظم النساء عفةً وبُعدًا عن المكروه، فإذا كان هذا الخطاب في مثل هؤلاء القوم لهؤلاء النساء فما بالك بمن سواهم إذا كان احتمال تدنس القلب بمخاطبة المرأة من دون حجاب؟! إذا كان احتمال هذا واردًا في مثل هؤلاء القوم فما بالك فيمن دونهم بمراحل؛ لا في الزمن ولا في الرتبة؟! يكون هذا أشد وأشد؛ ولذلك يُنْكَر إنكارًا عظيمًا على مَنْ قال: إن الحجاب خاص بأمهات المؤمنين. نقول له: من أين الخصوصية؟ فإذا كان الله علَّل بأنه أطهر لقلوبهم أي: قلوب المخاطبين والمخاطبات وهنَّ بلا شك أطهر النساء وأعفُّهن، وكذلك الذين يخاطبونهنَّ خير الناس كما جاء في الحديث: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٥٢)، ومسلم (٢٥٣٣ / ٢١٢) من حديث عبد الله بن مسعود.]]، فما بالك بمن دونهم، أليس كذلك؟ احتمال تنجس القلب بمخاطبة المرأة بدون حجاب فيمن بعد الصحابة أقرب ولَّا أبعد؟ أقرب وأقرب بكثير، وإذا كان هذا باعتبار الصحابة مع زوجات الرسول ﷺ فغيرهم مع نساء دونهنَّ بكثير من باب أولى.
وقوله: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ المؤلف رحمه الله يقول: (من الخواطر المُرِيبَة) الخواطر التي ترد على القلب، والخواطر التي ترد على القلب إذا لم يطمئن الإنسان إليها ويسترسل معها فإنه لا يعاقب عليها؛ لأنها من حديث النفس، بل هي مما يصول على النفس والتحرز منها أشد؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام ثبت عنه أنه قال: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢٦٩)، ومسلم (١٢٧ / ٢٠١) من حديث أبي هريرة. ]] فإذا كان هذا في حديث النفس فما بالك في ما يهجم على النفس بدون قصد؟! يكون العفو عنه من باب أولى، فالخواطر التي تَرِد على القلب إذا لم يسترسل معها الإنسان ويطمئن إليها فإنها لا تضره، سواء كانت هذه خواطر فيما يتعلق بجلال الله عز وجل أو فيما يتعلق برسوله أو فيما يتعلق بشهوة النفس وإراداتها، فإنها لا تضر الإنسان بشرط ألا يسترسل، بل إن هذه الخواطر ما تَرِد إلا على قلب سليم يهاجم الشيطان بها القلب حتى يفسده؛ ولهذا «لما شكا الصحابة إلى النبي ﷺ مثل هذه الخواطر قال: «أَوَجَدْتُمْ ذَلِكَ» قالوا: نعم قال: «ذَلِكَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ»[[أخرجه مسلم (١٣٢ / ٢٠٩) من حديث أبي هريرة.]] يعني: خالصه؛ لأن الشيطان ما يهجم على قلب فاسد، وإنما يهجم على القلوب الصالحة ليُفْسِدها، ودواء ذلك أن تستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، وأن تنتهي، وأن تثني على الله عز وجل بما هو أهله؛ فتقول: الله أحد صمد،لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد؛ استجارة بالله وانتهاء، ووصف لله تعالى بالكمال وبعد ذلك تزول عنك شيئًا فشيئًا.
قال: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب ٥٣] الخطاب للصحابة رضي الله عنهم وكذلك من بعدهم من باب أولى، ﴿مَا كَانَ لَكُمْ﴾ ومثل هذه العبارة تدل على الممتنع غاية الامتناع؛ ولهذا قال المؤلف رحمه الله: (﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ بشيء)، ما عيَّن، ما بيَّنَها، يعني: ما يصلح ولا يستقيم ولا يمكن لكم أن تؤذوا رسول الله، ومثل هذا التعبير يدل على امتناع الشيء مثل قوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ [المؤمنون ٩١] المعنى أن ذلك ممتنع لا يصلح، ولا يستقيم فكل مؤمن لا يمكن في حقه ولا يستقيم ولا يصلح في حقه أن يؤذي رسول الله ﷺ لا بالقول ولا بالفعل.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [الأحزاب ٥٧] وأذية الرسول ﷺ من أعمال المشركين هم الذين يؤذون الرسول الله ﷺ بالقول وبالفعل.
﴿مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾، وهنا قال: ﴿أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾، وفي أول الآية يقول: ﴿النَّبِيِّ﴾ إشارة إلى أن الرسول عليه الصلاة والسلام شرف لعِظَم من أرسله وهو الله، فلما كان رسول الله كان لا يمكن أن يُؤْذَى؛ لأنه رسول من عند الله تبارك وتعالى؛ أذية الرسول عليه الصلاة والسلام في حياته ما يتصل بشخصه، وأذية الرسول بعد مماته ما يتصل بسنته، فإنه لا ينبغي ولا يصلح لأي مؤمن أن يكون في سنة الرسول عليه الصلاة والسلام على وجه يتأذى به الرسول مثل ردِّها وتحريفها وما أشبه ذلك.
قال: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ إذن هل نجلس مستأنسين للحديث بعد الطعام، يعني في حق الرسول؟ لا؛ لأن الله قال: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾ إذن ما كان لنا أن نجلس ما دام فيه أذية للرسول ﷺ.
﴿وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ يعني: وما كان لكم أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدًا، ﴿تَنْكِحُوا﴾ المراد بالنكاح هنا: العقد، يعني: ما يمكن تعقدوا على أزواجه من بعده، وكل نكاح في القرآن فإنه بمعنى العقد خلافًا لمن قال: كل نكاح في القرآن فهو بمعنى الوطء إلا قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء ٢٢]، والصواب أن كل نكاح في القرآن فإنه بمعنى العقد، وأما مَن قال: إنه بمعنى الجماع إلا في الآية هذه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب ٤٩] فليس بصحيح.
وقوله: ﴿أَزْوَاجَهُ﴾ متى تكون المرأة زوجة للإنسان؟ بالعقد عليها، وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي: من بعد مفارقته لها، ومفارقة النبي ﷺ لها تكون في الحياة وتكون في الموت، والمفارقة في الحياة تكون قبل الدخول وبعد الدخول، فها هنا ثلاث حالات:
الحال الأولى: مَن فارقها بعد موته أو مَن فارقها بموته فهذه لا تَحِلُّ لأحد من بعده بالإجماع ولم يخالف في ذلك أحد.
والحال الثانية: مَنْ فارقها في حياته بدون دخول، فهذه تَحِلُّ ولا نزاع فيها كما ذكره ابن كثير في التفسير.
والثالثة: مَنْ فارقها في حياته بعد دخوله بها، فهذه موضع خلاف بين أهل العلم؛ فمنهم من قال: إنها تحل، ومنهم من قال: إنها لا تحل، وعلى هذا الرأي الذي يقول: إنها لا تحل، يقول: إنه يصدق عليها أنها زوجته وأنها من بعده، ولولا أن مَن عَقَد عليها ثم فارقها قبل الدخول لولا الإجماع لقلنا: أيضًا لا تحل لمن بعده؛ فصارت الأحوال ثلاثًا، ما هي؟
مَنْ فارقها بعد موته فهذه لا تحل بالإجماع.
من فارقها في حياته قبل الدخول بها فهذه جائزة تَحِلُّ لغيره، قال ابن كثير: لا نزاع في ذلك.
من فارقها في حياته بعد الدخول بها، ففيها خلاف بين العلماء؛ منهم من قال: إنها تحل، ومنهم من قال: إنها لا تحل. انتهى الموضوع، ما يحتاج نصحح ولا ما نصحح.
* طالب: يعني ما نقول: إنه الأرجح (...)؟
* الشيخ: أصلًا ما نعلم أن أحدًا تزوج زوجة الرسول بعد الدخول بها، ما هي ظاهرة الآية: ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ قد تكون ظاهرة في أمر من بعد حياته.
* طالب: شيخ، ولكن المرأة المستعيذة التي دخل عليها النبي ﷺ؟
* الشيخ: نعم، ما جامعها ما دخل بها.
* طالب: هل نأخذ أن الدخول يكفي يعني الخلوة؟
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences