Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Al-Ahzab 33:53–54, continued
* الشيخ: لا، يقول: دخل بها يعني: جامعها.
يقول: ﴿وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ [الأحزاب ٥٣] ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ﴾ المشار إليه إيذاء النبي ﷺ ونكاح زوجاته من بعده.
وقوله: ﴿كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ (كان) هنا مسلوبة الدلالة على الزمن، والمراد إثبات عِظَم ذلك عند الله.
﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ وفي كون هذا الأمر عظيمًا عند الله عز وجل دليل على حماية الله عز وجل لرسوله ﷺ ولا سيما فيما يتعلق بالنكاح؛ ولهذا قال الله في قصة الإفك: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور ١٥]، فهنا قال: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ ﴿عَظِيمًا﴾ يعني في قَدْره ورِفْعَتِه ولَّا عظيمًا في إثمه وجُرْمه؟ في إثمه وجرمه، وعلى هذا فالعِظَم معناه عِظَم الشيء؛ يعني كبره، وهو شامل لما يكون مدحًا ولما يكون ذمًا، فهنا كان عند الله عظيمًا في إثمه قال: (فيجازيكم عليه) على حسب الذنب الذي قمتم به؛ لأن الجزاء من جنس العمل (...).
زوجات النبي ﷺ من بعده أنه عظيم عند الله حذَّر من مخالفة ذلك بقوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ﴾ [الأحزاب ٥٤]، والجملة هنا شرطية و﴿شَيْئًا﴾ نكرة في سياق الشرط فتكون دالة على العموم ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا﴾.
وقوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ﴾ قال المؤلف: (في نكاحهن بعده)، والصواب في الآية عدم التقييد وأنها عامة في كل شيء في نكاح زوجات النبي ﷺ بعده وفي غير ذلك.
وقوله: ﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾ يعني: فلا تُظْهِروه لأحد، تخفوه في أنفسكم أو تخفوه فيما بينكم وبين أقاربكم؛ لأن الإخفاء والإظهار أمر نسبيٌّ أشده ما أخفاه الإنسان في نفسه، ثم ما أظهره لذويه وأصحابه وأخفاه عن غيره، ثم ما أظهره لأهل بلده، ثم ما أظهره لعموم الناس، وأيًّا كان فإن كل ما أبداه الإنسان أو أخفاه ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ الجملة هنا جواب الشرط واقترنت بالفاء لأنها جملة اسمية، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾ فهي جملة اسمية وإن قرنت بـ(إن) الدالة على التوكيد، وجه ارتباطها بما قبلها، أي: بفعل الشرط أنه إذا كان الله تعالى عالمًا به فسوف يجازيكم عليه إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، وبعد إكمال هذه الآية لتعلقها بما قبلها، نرجع إلى بيان الفوائد من الآية السابقة لأنه ما أخذناها، الظاهر من ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب ٥٣] أو لا؟
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾.
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: أنه لا يحل لأحد من المؤمنين أن يدخل بيوت النبي عليه الصلاة والسلام إلا بالشروط المذكورة؛ لقوله: ﴿لَا تَدْخُلُوا﴾، والأصل في النهي التحريم حتى يقوم دليل على أنه لغير التحريم، ويؤيد التحريم هنا أن هذا يتعلق بحق الآدمي، وما كان متعلقًا بحق الآدمي فإنه لا يُتَسامح فيه.
* ويستفاد من الآية الكريمة: أن الإضافة تكون لأدنى ملابسة، إضافة الشيء إلى الشيء تكون لأدنى ملابسة سواء كان ذلك على صفة الملكية أو الاختصاصية أو الصحبة أو القرب أو غير ذلك؛ ولهذا من قواعدهم المعروفة أن الإضافة تكون لأدنى ملابسة، لكن لا بد أن يكون بين المضاف والمضاف إليه شيء من الارتباط تؤخذ هذه من قوله: ﴿بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾؛ لأن إضافتها إلى النبي عليه الصلاة والسلام باعتبارها مأواه وإلا فإنها ملك لزوجاته على القول الراجح.
* ويستفاد من الآية الكريمة: أن الإذن بالدخول معتبر سواء كان من صاحب البيت أو ممن أنابه؛ لقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ ولم يقل: (إلا أن يأَذن لكم) أي: النبي، فإذا أُذِنَ للإنسان بالدخول سواء كان من صاحب البيت أو من خادمه أو من ابنه أو ما أشبه ذلك جاز الدخول، وهل يستفاد منه جواز الدخول إذا وجدت الباب مفتوحًا، وقد كان بينك وبين صاحبك وعد ولَّا ما يستفاد؟
إن قلنا بأن الإذن العرفي كالإذن اللفظي فهو مستفاد من ذلك؛ ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور ٢٧] فإن الاستئناس وهو الاطمئنان يشمل الإذن أو الاستئذان باللفظ والاستئذان بالفعل والعرف.
* ويستفاد من الآية الكريمة: أنه يجوز دخول بيوت النبي عليه الصلاة والسلام بهذه الشروط: الإذن، وألا يكون ذلك بانتظار نضج الطعام؛ لما في المفاجأة من الإيذاء لأنه إذا نضج طعامك ثم جاء إنسان يستأذن صار في هذا نوع من الإيذاء، لأنك إن منعته شق عليك وإن أذنت له شق عليك أيضًا؛ فلهذا لا يجوز الدخول لمنتظر نضج الطعام.
* ويستفاد من الآية: تحريم التطفل ولَّا لا؟ نعم؛ لأن الطفيليَّ عادته أنه ينتظر متى يُقَدَّم الطعام فإذا قُدِّم الطعام استأذن أو هجم هجومًا بدون استئذان؛ لأنه قبل أن ينضج الطعام ويقدم يمكن يدخل ثم يقال له: اخرج، لكن بعد أن يقدم الطعام لا بد أن يأكل.
* ويستفاد من هذه الآية الكريمة: مشروعية إجابة الدعوة؛ لقوله: ﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا﴾، وهل يستفاد منها دخول الإنسان المدعو وإن لم يؤذن له إذا وجد الباب على هيئة تدل على الإذن؟
الجواب: نعم، وهو واضح؛ لأنه قال: ﴿إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا﴾، ولم يقل: إذا دُعِيتم فأجيبوا، والدخول أخص وعلى هذا فإذا كنتُ مدعُوًّا وأحضرت إلى الباب فلي أن أدخل إذا علمنا بالقرينة أن الباب قد وضع موضع الإذن كما لو كان مفتوحًا.
* ويستفاد من الآية الكريمة: أن الإنسان ينبغي له إذا قضى حاجته من الطعام أن ينصرف؛ لقوله: ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ وهذا كما أنه في بيوت النبي عليه الصلاة والسلام فهو أيضًا في بيوت غيره، فإن الأفضل لمن دُعِي إلى طعام الأفضل له إذا طَعِم أن ينتشر؛ لأن بقاءه قد يَشُقُّ على صاحب البيت، ولأن الحاجة التي جاء من أجلها قد انتهت، وإذا تأملت الشريعة وجدت أن الإنسان من حسن أدبه وسلوكه أنه كلما فرغ من حاجته التي يريد ينتهي منها وينصرف إلى حاجات أخرى؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في المسافر إذا قضى حاجته قال: «إِذَا قَضَى أَحَدُكُمْ حَاجَتَهُ فَلْيُعَجِّلْ إِلَى أَهْلِهِ وَلَا يَنْتَظِرْ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٨٠٤)، ومسلم (١٩٢٧ / ١٧٩) من حديث أبي هريرة. ]]. ولو أننا حفظنا أوقاتنا بمثل هذا الأدب لكانت أوقاتنا مباركة، لكن تجدنا يضيع أوقاتنا ولسنا نراعي هذه الحال أنه كلما انتهى الشغل ما ننتظر نمشي إلى شغل آخر كما قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح ٧، ٨] لا تضيع الوقت.
* ويستفاد من الآية الكريمة: أن مَن دخل بيوت النبي ﷺ بدعوة ثم طَعِم، فإنه لا يجلس للحديث؛ لقوله: ﴿وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾، وهذا فوق قوله: ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾؛ لأن ذلك أمر، أما هذا فنهيٌ، يُنْهَى أن يبقى هؤلاء المدعوُّون مستأنسين للحديث بعد فراغهم من الطعام.
* ويستفاد من الآية: أن هذا الحكم إنما يكون في حال تَأَذِّي صاحب البيت؛ لقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾، أما إذا كان لا يتأذى به بل يُسَرُّ به، بل قد يكون بطلبه إذا فرغوا من الطعام قال: انتظروا، اجلسوا، نستأنس، نتحدث فإن هذا منهي عنه ولَّا لا؟ جائز، ولا بأس به؛ لأن القاعدة عند أهل العلم أن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، فإذا وُجِدَت العلة وُجِدَ المعلول، وإذا انتفت العلة انتفى المعلول.
* ويستفاد من الآية الكريمة: أن النبي ﷺ كغيره من البشر يتأذى كما يتأذى غيره؛ لقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾ لكنه يختلف عن غيره بقوة صبره وتحمُّلِه ﷺ بخلاف غيره من البشر فإنه لا يصبر ولا يتحمل كما يتحمل النبي ﷺ؛ ولهذا كان الرسول يتأذى من بقائهم مستأنسين للحديث ولا ينهاهم حتى نهاهم الله عز وجل.
* ويستفاد من الآية الكريمة: عناية الله عز وجل بنبيه ﷺ وذلك بالدفاع عن كل ما يؤذيه؛ لقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ﴾.
* ويستفاد منه: كمال حياء الرسول عليه الصلاة والسلام وكرمه؛ لقوله: ﴿فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ﴾، وإنما كان يستحيي لشدة حيائه، فإنه كما وُصِفَ «أحيا من العذراء في خدرها»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٥٦٢)، ومسلم (٢٣٢٠ / ٦٧) من حديث أبي سعيد الخدري.]]، «والحياء من الإيمان»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤)، ومسلم (٣٦ / ٥٩) من حديث عبد الله بن عمر.]] كما ثبت به الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام، وهو أيضًا دليل على كرمه؛ لأن الكريم يستحيي أن يخجل أضيافه بقوله: اخرجوا، أو يخجلهم بالتبرُّم منهم، والتَّكَرُّه لتصرفهم؛ فلهذا كان الرسول ﷺ يعاملهم وكأنه مسرور منهم حتى بَيَّن الله تعالى ذلك للصحابة.
* ويستفاد من الآية الكريمة: أن القرآن شاملٌ لكل شيء حتى أدب الدخول والجلوس والطعام وما أشبه ذلك قد بيَّنَه القرآن فيكون في ذلك إيضاحٌ لقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل ٨٩].
ودلالة القرآن على الأشياء نوعان؛ دلالة عينية بمعنى أنها تدل على الشيء بعينه، وهذا واضح. ودلالة شمول لفظي أو معنوي؛ فالشمول اللفظي بمعنى أن يكون اللفظ عامًّا بصيغته يشمل كل ما يحتمله ذلك اللفظ من المعنى، والعموم المعنوي هو ما يُعْرَف عند أهل العلم بالقياس؛ لأنه يكون المقيس والمقيس عليه متفقينِ في العلة فيكون بينهما عموم في المعنى، فدلالة القرآن على هذا الشيء تكون على هذا الوجه إما دلالة لفظية وإما دلالة معنوية بالشمول اللفظي أو المعنوي.
وهناك أيضًا الدَّلالات؛ دلالة الالتزام وهي متفرعة أو داخلة فيما ذكرنا من الدلالتين، فإن قلت: يرد عليك أنه لا يوجد في القرآن مقدار أنصبة الزكاة، ولا مقدار الواجب، ولا يوجد عدد الركعات، ولا مقدار ما يسن فيها من الذكر، فما هو الجواب؟ الجواب أن السنة قد بيَّنت ذلك، وقد أمرنا الله تعالى في كتابه أن نأخذ بما جاء عن رسول الله ﷺ؛ فقال: ﴿مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر ٧]، فقوله: ﴿مَا آتَاكُمُ﴾ يشمل ما أتانا من المال وما آتانا من العلم، والعلم يسمى إيتاءً؟ نعم، يسمى إيتاءً ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ﴾ [الروم ٥٦] فكما أن إعطاء المال فإعطاء العلم أيضًا يسمى إيتاءً فقوله: ﴿مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ﴾ [الحشر ٧] يشمل ما آتانا من المال وما آتانا من العلم، وكذلك قال الله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء ٨٠]، وقال: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب ٣٦]، وكل هذا يدلُّ على أن ما جاءت به السنة فهو مما جاء به القرآن.
* ويستفاد من الآية الكريمة: وصف الله تعالى بالحياء؛ لقوله؟
* طالب: ﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾.
* الشيخ: من قوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾، وجه الدلالة مع أن هذا نفي؟
* الطالب: غير الحق الله يستحيي منه؟
* الشيخ: وجه الدلالة أنه لو كان الله تعالى لا يوصف بالحياء ما صح أن يُنْفَى عنه الحياء في حال من الأحوال دون الحال الأخرى، وعلى هذا فيكون الآية دليل على أن الله تعالى موصوف بالحياء، ولكن حياء الله تعالى ليس كحياء الإنسان؛ لأن الله يقول في كتابه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى ١١].
* ويستفاد من الآية الكريمة: أن من الأمور ما هو حق، ومنها ما هو باطل؛ فالحق في الأخبار هو الصدق، وفي الأحكام العدل، والباطل فيهما عكس ذلك؛ فالباطل في الأخبار هو الكذب، وفي الأحكام هو الجور.
* ومن فوائد الآية الكريمة * قوله: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا﴾ إلى آخره أنه لا يجوز سؤال زوجات النبي ﷺ شيئًا إلا من وراء حجاب، والآية في ذلك صريحة: ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾.
* ومن فوائدها: جواز تكليم زوجات النبي ﷺ، وجهه ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ﴾، فأباح الله تعالى سؤالهن، والسؤال هنا سؤال استخبار ولَّا سؤال استجداء؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، متاعًا ما هو كله واحد؛ لأنه قال: ﴿إِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا﴾ فهو سؤال استجداء، ولكن سؤال العلم من باب أولى، وهل يستفاد منه جواز مكالمة النساء غير زوجات الرسول عليه الصلاة والسلام؟
الجواب: نعم، يُستفاد؛ لأنه إذا جاز في زوجات الرسول عليه الصلاة والسلام مع ما لهن من الاحترام والتعظيم ففي غيرهن من باب أولى، ولكنه يُشْتَرط في ذلك الأمن من الفتنة، فإن خيفت الفتنة من المكلِّم أو من المرأة كان ذلك حرامًا، وكذلك يشترط ألا يتمتع الإنسان بمكالمة المرأة، وإن لم يكن تمتع شهوة؛ لأنه قد يكون الإنسان مثلًا يتمتع بمخاطبة المرأة ما هو من ناحية الجنسية الغريزية، ولكنه يحب أن يستمر معها في الكلام، فهذا أيضًا لا يجوز، اللهم إلا إذا كانت من محارمه، وأراد أن يتحدث معها ليُؤْنِسها أو يستأنس بها، فهذا لا بأس به.
* ويستفاد من الآية الكريمة أن الحجاب المذكور هنا ليس هو سَتر الوجه فقط، بل هو شيء فوق ذلك؛ لقوله: ﴿مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ ولم يقل: متحجبات، وهذا يدل على أن هذا الحجاب منفصل، وليس من ثياب المرأة، بل هو شيء منفصل مثل أن تكون في خِدْرِها فيتحدث الناس إليها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: ثبوت تعليل الأحكام الشرعية من قوله: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ﴾، ومن قوله فيما سبق: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾.
* ويستفاد منه: أنه يجب على المرء أن يسعى في كل ما فيه تطهير قلبه، وأن يبتعد عن كل ما فيه تدنيس قلبه؛ لأنه علَّل النهي أو علَّل الأمر بالحجاب بكونه أطهر للقلوب، ولا فرق في ذلك بين طهارة القلب من الأخلاق الرذيلة كالزنا واللواط، أو طهارته من الاعتقادات الفاسدة أو الإرادات السيئة، كل هذا يجب على المرء أن يُطَهِّر قلبه منه، وأن يبتعد عن كل ما يدنِّس قلبه من ذلك.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الفتنة في مخاطبة النساء قد تكون من الرجل وحده، ومن المرأة وحدها، ومنهما جميعًا؛ لقوله: ﴿لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾؛ فقد يكون الرجل هو الذي يتلذَّذ بمخاطبة المرأة، والمرأة ما على بالها هذا الأمر ولا اهتمت به ولا فكرت في هذا الموضوع، لكن هو يتلذذ بهذه المخاطبة، فيكون الدَّنَس في قلب الرجل، وقد يكون الأمر بالعكس تتحدث المرأة إلى الرجل وهي تتلذَّذ بهذه المخاطبة، والرجل ما على باله هذا الأمر، فيكون هنا الدَّنَس في قلبها هي، وقد يكون من الطرفين فيكون الدنس في قلبيهما جميعًا.
* ويستفاد من الآية الكريمة: التحريم.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: يمكن، كيف؟ وذكرناها.
* الطالب: (...).
* الشيخ: هذه ثلاثة.
* الطالب: (...).
* الشيخ: من قلب الرجل وحده، أو المرأة وحدها، أو هما جميعًا.
* الطالب: أو هما جميعًا.
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: يعني: ما ممكن مثلًا ما يتلذَّذ الرجل ولا المرأة؟
* الشيخ: لا، يمكن، كيف؟ يعني الرابعة هذه ما أردناها، أردنا أن الدنس يكون من هذا.
* يستفاد من الآية الكريمة: تحريم نكاح زوجات النبي ﷺ بعده؛ لقوله: ﴿وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾.
* ويستفاد منها: أن التحريم فيهن مؤبد؛ لقوله: ﴿أَبَدًا﴾؛ وعلى هذا فالمحرمات إلى الأبد كم من صنف؟ محرمات بالنسب، وبالرضاع، وبالصهر، وبالملاعنة، وبالاحترام، خمسة أنواع، كذا؟ محرمات بالنسب، وبالرضاع وبالصهر وباللعان والاحترام خمسة.
المحرمات بالنسب سبع ذُكِرْن في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ [النساء ٢٣].
وبالرضاع في قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾، وقولِ النبي ﷺ: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٤٥)، ومسلم (١٤٤٧ / ١٢) من حديث عبد الله بن عباس.]].
وبالصهر في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [النساء ٢٢]، وفي قوله: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾.
* طالب: حلائل أبنائكم الذين ليسوا من أصلابكم خرجت بهذه الآية؟
* الشيخ: خرج أيش؟
* الطالب: أبناؤكم غير الذين من أصلابكم؛ يعني من الرضاعة؟
* الشيخ: إي خرج به، خرج بالآية.
المحرمات باللعان: هو أن الرجل إذا قذف امرأته بالزنا ولم تُقِرَّ به ولم يثبت ببينة، فإنه يلاعنها، فإذا تم اللعان حرُمت عليه على التأبيد.
وأما المحرمات إلى الأبد بالاحترام فهن زوجات النبي ﷺ.
* ويستفاد من الآية الكريمة: عِظَم إِثْم من تزَوَّج واحدة من زوجات الرسول عليه الصلاة والسلام من بعده لقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾.
* ويستفاد منها: أن الذنوب تتفاوت في العظم؛ لقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾، وهو كذلك؛ فإن في الذنوب كبائر وصغائر، والكبائر فيها ما هو أكبر وما هو دون ذلك، والصغائر كذلك تختلف، وكذلك الطاعات تختلف؛ منها ما هو من أصول الإسلام، ومنها ما هو دون ذلك.
هل يستفاد من الآية الكريمة أنه لا ينبغي للضيف أن يسأل عن طعام المضيف إذا قدَّمه له ولَّا لا؟ هل يُفْهَم منه أنه لا ينبغي للضيف أن يَسْأَل مضيفه عن طعامه إذا قدَّمه له، فيقول مثلًا لو قدَّم له دجاجًا: هذا الدجاج مستورد ولَّا غير مستورد؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لقوله: ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾، ولم يأمر الله تعالى بالسؤال عن الطعام وهو كذلك، فإنه ليس من المشروع ولا من الأدب أيضًا أن تسأل صاحبك الذي قدَّم لك الطعام تقول: والله منين هذا؟ وحلال ولَّا حرام؟ لأن هذا خلاف هدي النبي عليه الصلاة والسلام، «النبي عليه الصلاة والسلام قدَّمت له امرأة من اليهود شاة فأكل منها ولم يسأل»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦١٧)، ومسلم (٢١٩٠ / ٤٥) من حديث أنس بن مالك. ]]، «ودعاه يهودي إلى طعام فأكل منه ولم يسأل»[[أخرجه أحمد في المسند (١٣٢٠١) (١٣٨٦٠) من حديث أنس بن مالك. ]]، ثم إنك إذا سألت أخجلت صاحبك، رجل أكرمك بالضيافة تقول له: منين هذه؟! منين أنت شارٍ هذه؟! من المشروع ولَّا من المستورد؟! وإذا فتحنا هذا الباب أيضًا نقول: تعال، أصل الطعام هذا منين جاءك؟ يمكن أنه غاصبه؟! سارقه؟! وإذا انتفى هذا يمكن لهذا الرجل له كسب حرام ما ندري عنه نقول له: منين جاءك؟ والله أنا شريته من السوق، طيب هات الشهود أنك شاريه، مشكلة إذا فتحنا هذا الباب انفتحت علينا أبواب كثيرة؛ ولهذا كان من حكمة الشرع أن الإنسان لا يُشْرَع له السؤال أبدًا مهما كان، حتى لو كان اللي مقدمه لك يهوديًّا أو نصرانيًّا لا تسأله عن طعامه؛ لأن هذا من التعنُّت والتعمُّق، وفيه إشقاق على صاحبك وإشقاق على نفسك؛ لأنك إذا عودت نفسك ما تأكل إلا بعد البحث معناه كل شيء تأكله تكون شاكًّا فيه، والحمد لله على السلامة ما دام أن الرسول (...).
يقول: السلام عليكم وأدخل.
* طالب: (...) إحنا قلنا: إذا عرفنا (...).
* الشيخ: نعم دخلنا، وإذا وصلنا سلَّمنا عليه أو نسلم عندما ندخل مع الباب.
* طالب: الآية ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ خاصَّة بالرسول ولَّا عامَّة؟
* الشيخ: ذكرنا قبل أن تحضر بأنها عامة في المعنى؛ يعني: إنه حتى غير الرسول ﷺ إذا لم نعلم أنه يفرح بالبقاء فإنا نخرج وأن كل إنسان دعاك إلى طعام فانتشر إلا إذا قال: استرح نتحدث، فهذا الخيار له.
* طالب: لا يُسْأَل عن لحم البعير؟
* الشيخ: أبدًا، ولا يُسْأَل عن لحم البعير، أولًا إن لحم البعير في الغالب إنه معروف إلا إذا كان حاشية صغيرًا، والإنسان هذا ما تمرَّن بأكل اللحم يمكن يشتبه عليه.
* طالب: إذا كان (...).
* الشيخ: لا يصح، إذا كان محتمٍ لا يأكل أصلًا، ويش اللي يحرجه؟
* طالب: (...).
* الشيخ: هذه ربما نسأل لأجل دفع الضرر ما هو علشان التعمق، يعني: إذا كان قد قيل له: لا تأكل لحم الإبل وشك هذا هل هو لحم إبل أم لا؟ فهذا قد نقول: إن السؤال لا من أجل الحلِّ أو من أجل أنه هل يجب عليه الوضوء أم ما يجب، فهذه لدفع الضرر لا بأس به (...).
تحريم أذية الرسول ﷺ وامتناعه أشد الامتناع من المؤمنين؛ لقوله: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾، الإشارة إلى امتناع ذلك أي: امتناع الأذية لكونه رسول الله؛ لقوله: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾، ولكونه رسولًا من عند الله امتنع غاية الامتناع من المؤمنين أن يؤذوه.
* ومن فوائد الآية: تَشَوُّف الشرع إلى ما يكون سببًا لطهارة القلوب، ما أدري كتبتم هذه ولَّا لا؟ تَشَوُّف الشرع إلى ما يكون سببًا لطهارة القلوب؛ لقوله: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه إذا أوجب الله في ذلك العصر ما يكون سببًا لكمال طهارة القلوب ففي عصرنا من باب أولى، فكل ما يكون سببًا لطهارة القلوب وبُعْدِها عن دناءة الأخلاق فإنه يكون واجبًا، ما أدري كُتِبَت هذه ولا لا؟ ما كُتِبَت؟ وأظن أننا كتبنا أن الشرع أحكامه معللة، كَتَبْناها؟ وكتبنا بيان فوائد ذكر العلة أو ذكر ربط العلة بالحكم، ما كتبناها؟ يتفرع على الفائدة، شوف بعد كم رقمها عندكم؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ثلاثة وثلاثين، الأحكام مربوطة بعللها وأحكامها؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، أنتم كتبتم أن الأحكام مربوطة بعللها وحكمها، في أي فائدة؟ كم رقمها؟
* طالب: (...).
* الشيخ: سبعة عشر.
* طالب: (...) تعليل الأحكام الشرعية (...).
* الشيخ: كم رقمها؟
* الطالب: سبعة عشر.
* طالب آخر: (...).
* الشيخ: عندك واحد عشرين إي، وتعليقًا على ما سبق من قَرْنِ الأحكام بحكمها نقول: إن من فوائد ذلك طمأنينة الإنسان إلى الحكم، وبيان سمو الشريعة وأن أحكامها ليست لغوًا ولا باطلًا، والثالث إلحاق ما وافق الحكم في علته بحكمه، يعني أن يلحق بهذا الحكم ما وافقه في تلك العلة، هذه ثلاثة فوائد أو لا؟ وهي؟
* طالب: سمو الشريعة، طمأنينة الإنسان، إلحاق الحكم ما وافقه في العلة.
ذكرنا من فوائد الآية: إثبات للحياء لله؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ذكرناه، ذكرنا أنه ينبغي مغادرة المكان بمجرد انتهاء الطعام؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ذكرناه، ذكرنا تفاوت الذنوب في عظمها عند الله؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: إذن نأخذ الآية الأخيرة ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا﴾ [الأحزاب ٥٤].
* طالب: (...).
* الشيخ: لا نقول: مشروعية؛ لأن العلماء مختلفون في هذا في غير وليمة العرس مختلفون فيها.
* طالب: (...).
* الشيخ: ما هو على كل حال، حتى حق المسلم على المسلم منها إجابة الدعوة[[متفق عليه؛ البخاري (١٢٣٩)، ومسلم (٢٠٦٦ / ٣) من حديث البراء بن عازب. ]] أبين وأوضح.
لكن إحنا ذكرنا أن الفرق بين (ولكن إذا دُعِيتم فأجيبوا) وبين قوله: ﴿إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا﴾.
قال الله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾.
* يستفاد من الآية الكريمة: عموم علم الله تعالى بكل شيء؛ لقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾.
* ويستفاد منها: تحذير المكلَّف من مخالفة الله عز وجل بقليل أو كثير؛ لأن الفائدة من ذكر علمه هو التحذير من المخالفة.
* ومن فوائدها: الرد على القدرية على الغلاة، على غلاة القدرية المنكرين لعلم الله سبحانه وتعالى بأفعال العبد؛ لقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ إذ إنه يشمل ما سيفعله الإنسان وما قد فعله.
* ويستفاد من الآية الكريمة: أن ما يفعله العبد من خير أو شرٍّ فإنه محاسَب عليه؛ إما له وإما عليه؛ لعموم كلمة ﴿شَيْءٍ﴾، وفي آية أخرى ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ﴾ [النساء ١٤٩]، لكن هذه الآية أعم.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences