Ibn 'UthayminFatir · 35:28–30

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Fatir 35:28–30

35:28Page 437

وَمِنَ ٱلنَّاسِ وَٱلدَّوَآبِّ وَٱلۡأَنۡعَٰمِ مُخۡتَلِفٌ أَلۡوَٰنُهُۥ كَذَٰلِكَۗ إِنَّمَا يَخۡشَى ٱللَّهَ مِنۡ عِبَادِهِ ٱلۡعُلَمَٰٓؤُاْۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ٢٨

And among people and moving creatures and grazing livestock are various colors similarly. Only those fear Allāh, from among His servants, who have knowledge. Indeed, Allāh is Exalted in Might and Forgiving.

ثم قال الله عز وجل: ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر ٢٨] جملة ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ﴾ جملة خبرية قُدِّم فيها الخبر على المبتدأ. و﴿أَلْوَانُهُ﴾ فاعل ﴿مُخْتَلِفٌ﴾؛ لأن ﴿مُخْتَلِفٌ﴾ اسم فاعل، واسم الفاعل يعمل عمل فعله.

وقوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ صفة لقوله: ﴿مُخْتَلِفٌ﴾؛ يعني مختلف كاختلاف ما ذُكِرَ.

وقوله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ هي جملة أيضًا مكونة من فعل وفاعل ومفعول به، وفيها حصر، وطريقه ﴿إِنَّمَا﴾، وجملة ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ كالتعليل لما قبلها كما سيأتي إن شاء الله.

قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ﴾ الناس هم البشر، قالوا: وأصلها (أُنَاس)، ولكنها حُذفت الهمزة تخفيفًا لكثرة الاستعمال كما حُذِفت من شر وخير، وأصلهما أشر وأخير، وحُذِفت أيضًا من (الله) على قول كثير من علماء اللغة وأصلها يكون: (الإله)، والمراد بالناس بنو آدم، وسموا بذلك؛ لأنه يأنس بعضهم إلى بعض.

قال: ﴿وَالدَّوَابِّ﴾ جمع (دابَّة)، وتطلق على عدة معانٍ، تطلق على كل ما دب على الأرض، كما في قوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ [النور ٤٥]، وكما في قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود ٦]، يشمل كل ما دب على الأرض من إنسان وحيوان وحشرات وغير ذلك، وتُطلق الدابة على ما يدب على بطنه مثل الحيَّات، وتُطلق الدابة على ذوات الأربع كالحمار، فما المراد بها في هذه الآية؟

نقول: المراد بها ما عدا الناس والأنعام، فتشمل كل ما دب على الأرض إلا الناس والأنعام، فإن قلت: لماذا لا تجعلها شاملة، وتجعل هذا من باب عطْف العام على الخاص بالنسبة لـ﴿النَّاسِ﴾، ومن باب عطف الخاص على العام بالنسبة لـ﴿الْأَنْعَامِ﴾؟

يعني لو قال قائل: المراد بالدواب كل ما دب على الأرض، لكنها عُطِفت على الناس من باب عطف العام على الخاص، وعُطفت الأنعام عليها من باب عطف الخاص على العام.

قلنا: هذا ممكن، لكن التقسيم يبعده، فيكون المراد بالدواب ما عدا الناس والأنعام، والمراد بالأنعام ما ينتفع الناس به كما قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ﴾ [الزخرف ١٢]، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (٧٢) وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾ [يس ٧١ - ٧٣]، فيكون المراد بالأنعام هنا ما ينتفع الناس به كالإبل والبقر والغنم والطيور الحلال وغير ذلك.

﴿مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ﴾. ﴿مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ﴾ هل المراد اللون، الشكل، أو الصنف أيضًا؟ يشمل، فالناس مثلًا تختلف ألوانهم، هذا أبيض، وهذا أسود، وهذا أحمر، وهذا بين ذلك، واختلاف اللون ظاهر، تختلف أجناسهم أيضًا، هذا ذَكَر، وهذه أنثى، هذا عالِم، وهذا جاهل، هذا أحمق، وهذا حليم، وعلى هذا فقِسْ.

الدواب كذلك تختلف ألوانها بالشكل، وتختلف أصنافها وأنواعها، منها المؤذي، ومنها الضار، ومنها النافع، ومنها ما ليس بضار، ولا نافع، ولا مؤذٍ؛ فهي أربعة أصناف: منها النافع، ومنها الضار، ومنها المؤذي، ولكن لا يضر، ومنها ما ليس مؤذيًا ولا ضارًّا؛ مثال النافع: الأنعام، ومثال الضار: الحيات، والعقارب، والسباع، وما أشبهها، ومثال المؤذي: الصراصر، والخنفساء، والجعلان، وما أشبه ذلك، الناموس قد يكون ضارًّا، ومثال ما ليس بمؤذٍ ولا ضار؛ النمل وغيره أيضًا من الدواب الكثيرة اللي نشوفها، طيور مثلًا تأتي نرى طيورًا تطير في الجو ليست حلالًا مثلًا ولكنها لا تضر.

وقوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ قال المؤلف: (كاختلاف الثمار والجبال) فصار الاختلاف في مخلوقات الله تعالى شاملًا للحيوان ولما ينتفع به الحيوان من الثمار وغيرها ولطبقات الأرض كالجبال.

ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ لما ذكر هذه الأصناف، وفيها ما يدل على كمال الله عز وجل في صفاته التي تتضمنها هذه الأصناف المذكورة بَيَّن أن العالم بذلك هو الذي يخشى الله، فقال: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ يعني لا يخشى اللهَ إلا العلماء، والخشية هي أعلى الخوف، أو إن شئت فقل: هي الخوف المبني على العِلْم، وبعضهم قال: هي الخوف المبني على عِظَم الْمَخُوف ولا يمتنع أن تكون الخشية هي الخوف بكل الأنواع الثلاثة؛ يعني هي أعلى أنواع الخوف، أو الخوف المبني على العلم، أو الخوف المبني على عِظَم الْمَخُوف، أما الخوف المجرد عن الخشية؛ فهو قد يكون عن جهل يخاف الإنسان من شيء؛ لأنه جاهل به، وإلا فليس أهلًا لأن يُخَاف منه (ككفار مكة)، وصدق المؤلف في قوله: (بخلاف الجهال) وأما التمثيل بكفار مكة، فليس على سبيل الحصر بل هو على سبيل المثال، فكل كافر فهو في الحقيقة جاهل، وهي جهالة العلم ولَّا جهالة التصرف؟ جهالة التصرف في الغالب، وإلا فإن الكافر يكون عنده علم لكنه -والعياذ بالله- يستمر على طغيانه ولا يؤمن.

(...) قال تبارك وتعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا﴾ الاستفهام هنا (...) لإثبات الأسباب؛ لزم علينا القول بوجوب الفعل؛ لأن السبب يستلزم وجود المسبَّب، وهذا يقتضي أن نُوجب على الله عز وجل وجود المسبَّب لوجود السبب، علماء الكلام أنكروا الحكمة كالجبرية مثلًا، أنكروا حِكمة الله، يقولون: لأنه لو قلنا بثبوت الحكمة والسببية؛ لزم من ذلك أن نُوجِب على الله تعالى أن يفعل كما قال ذلك خصومهم من المعتزلة، المعتزلة يقولون بوجوب الأصلح، وبعضهم يقول بوجوب الصلاح على الله عز وجل؛ لأن هذا مقتضى الحكمة، وأولئك الجهمية بالعكس يقولون: إن الله عز وجل يخلق الشيء بدون سبب، وبدون حكمة؛ لأنك لو أثبت الحكمة والسبب لزم إيجاب المسبَّب أو الفعل الذي يكون مسببًا لهذا السبب، وهذا يقتضي أن نوجب على الله عز وجل فعل الشيء، فما هو الجواب؟

نقول: إن إثبات الحكمة أو السبب لا يستلزم أن نُوجب على الله، ولكن مقتضى كونه حكيمًا أن يفعل، وأن يوجد المسبَّب عند وجود السبب، ونحن لم نوجبه ولكن الذي أوجبه الله على نفسه بمقتضى اسمه (الحكيم) ووصفه بالحكمة، وإيجاب الله على نفسه ليس بممتنع، كما أن تحريمه على نفسه ليس بممتنع، فقد قال الله تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام ٥٤]، وقال تعالى في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي»[[أخرجه مسلم (٢٥٧٧ / ٥٥) من حديث أبي ذر.]]. فلله أن يُحرِّم على نفسه، وأن يُوجِب على نفسه ما شاء، أما نحن فلا، فإذا قيل مثلًا: هذا مصلحة، فيجب أن يكون، فإننا نقول: نعم، نلتزم بهذا، ولكن هل نحن الذين أوجبناه على الله؟ لا، بل الله هو الذي أوجبه على نفسه، وهذا لا ينافي كماله، بل هو من مقتضى كماله، إلا أن المحذور هنا في هذا الباب أن نظن أن المصلحة في كذا، وحقيقة الأمر أن المصلحة في عدمه، هذا هو الذي يُخشى منه، وحينئذٍ نعتقد أن هذا واجب على الله وهو لم يجب، نعتقد أنه واجب على الله بمقتضى فهمنا أن هذا مصلحة وخير، ثم نوجبه على الله، هذا هو المحذور، أما إذا تُحقِّقت المصلحة، فلا مانع من أن نقول: إن الله سبحانه وتعالى أوجب على نفسه أن تكون المصلحة؛ لأن هذا هو مقتضى اسم الله الحكيم، وفي هذه الحال لم يحصل منا أي عدوان أو ظلم، بل قلنا بمقتضى حكمة الله سبحانه وتعالى. هنا قال: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ﴾ (...) وتعالى.

قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ أي: ذو عزة، قال العلماء: والعزة ثلاثة أنواع: عزة القدْر، وعزة القهْر، وعزة الامتناع؛ فأما عِزَّة القدْر فمعناه أن الله تعالى ذو قدْر عزيز، والقدْر بمعنى المكانة والشرف والسؤدد ونحو ذلك، عزة القهر؛ أي أن الله تعالى غالِب غير مغلوب، ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [ص ٢٣] أي: غلبني.

عزة الامتناع؛ أي: أن الله سبحانه وتعالى يمتنع عليه النقص في ذاته أو في صفاته، ومنه قولهم: أرضٌ عَزَازٌ؛ أي: شديدة صلبة، لا يتجاوزها شيء لصلابتها، ولا يؤثر فيها شيء؛ لقوتها وشدتها، فالعزة إذن ثلاثة معانٍ؛ عزة القدْر، وعزة القهر، وعزة الامتناع.

﴿غَفُورٌ﴾ أي: ذو مغفرة كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد ٦]، والمغفرة سَتْر الذنب والتجاوز عنه، يدل لذلك اشتقاقها، فإنها مشتقة من الْمِغْفَر، وهو ما يُغَطَّى به الرأس، وتُتَّقى به السهام، وفي الْمِغْفَر ستر ووقاية، وعلى هذا فنقول: الغفور ذو المغفرة، وهي سَتر الذنب والتجاوز عنه، ويدل لهذا المعنى زيادةً على دلالة الاشتقاق ما ثبت في الحديث الصحيح: أن الله عز وجل يخلو بعبده المؤمن فيقرره بذنوبه حتى يقر بها، ثم يقول: «قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٤١)، ومسلم (٢٧٦٨ / ٥٢) من حديث ابن عمر.]]. يعني أتجاوز عنها، وفي الدنيا ستَرَها الله على العبد، ومناسبة ذِكْر العزة والمغفرة هنا بعد ذِكْر الخشية الإشارة إلى أن الله سبحانه وتعالى أهل لأن يُخشَى؛ لأنه عزيز، وأنه إذا نقص شيء من الخشية فإنه يُقابَل بماذا؟ بالمغفرة فهو عزيز؛ فلذلك كان أهلًا للخشية، وهو غفور إذا نقص شيء مما يجب له من خشيته سبحانه وتعالى.

أما فوائد الآية فإننا نقول وبالله نقول:

* يستفاد من الآية الكريمة: بيان قدرة الله سبحانه وتعالى باختلاف ألوان الناس والدواب والأنعام؛ أي أصنافها وأشكالها؛ لأن اختلاف هذه الألوان وهي شيء واحد، أو نوع واحد دليل على القدرة، فبنو آدم مثلًا لا يمكن أن يشترك شخصان، أو أن يتماثل شخصان في كل شيء أبدًا إن قُدِّرَ تماثلهما في الخِلْقَة فسيختلفان في الْخُلُق، والتساوي في الخلق أمر مستحيل؛ لأن الناس يتباينون فيه تباينًا عظيمًا، يتباينون فيه تباينًا أشد من التباين الخلقي، وإن كان التباين الخلقي أظهر؛ لأنه يُشاهَد ويُرَى، لكن التباين الخلقي أشد؛ لأنه لا يمكن أن يتفق الناس فيه، أو أن يتساوى الناس فيه أبدًا؛ لأن أي كلمة تحصل من أحدهما دون الآخر يحصل فيها التباين.

* ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة خشية الله عز وجل، حيث لا يتصف بها إلا العلماء.

* ومن فوائدها أيضًا: فضيلة العلم؛ لكونه سببًا لخشية الله عز وجل، والخشية صفة لها آثار حميدة؛ لأن الإنسان إذا خشي ربه فإنه يتجنب معاصيه، ويفعل أوامره خوفًا منه سبحانه وتعالى؛ ولهذا لما ذكر الله عز وجل ثواب ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [البينة ٧، ٨]. قال: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ وهو دليل على أن الخشية تُوجِب الإيمان والعمل الصالح.

* ومن فوائدها: إثبات اسمين من أسماء الله وهما العزيز والغفور، وإثبات ما تضمناه من الصفة، وهي العزة والمغفرة، وإثبات ما تضمناه من الحُكم وهو الأثر، صح؟ أما الغفور فنعم، لها أثر وحُكم، كما قال تعالى في آخر سورة البقرة: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة ٢٨٤].

(العزيز) هل لها حكم؟ ما هو قلنا: إن من معانيها الغَلَبة، وإذا كانت (عَزَّ) بمعنى (غَلَبَ) صارت متعدية فيكون لها حُكم أي أثر، إذن إثبات ما تضمنه الاسمان من الصفة والْحُكم الذي نُعَبِّر عنه أحيانًا بالأثر، ومَرَّ علينا فيما سبق أن أسماء الله عز وجل إما لازمة وإما متعدية؛ فاللازمة يُثبت منها الاسم والصفة، والمتعدية يُثبت منها الاسم والصفة والأثر.

* طالب: قول المؤلف في ملكه.

* الشيخ: (﴿إنَّ اللَّه عَزِيز﴾ في ملكه ﴿غَفُور﴾ لذنوب عباده المؤمنين) ما شرحنا كلام المؤلف.

قوله: (﴿إنَّ اللَّه عَزِيز﴾ في ملكه) هذا مبني على أن العزة بمعني الغلبة كما يفسرها كثير من المفسرين بذلك فيقول: العزيز أي: الغالب، ولكن هذا التفسير الذي ذكرناه ما نطلقها في ملكه، تقول: هو عزيز ولا نقيدها في الملك؛ لأن الله سبحانه وتعالى عزيز في ملكه وعزيز في صفاته كلها، وعزيز في شرعه؛ فالعزة عامة ما دمنا نقول: إنها عزة الامتناع والقدْر والقهر.

وأما (﴿غَفُور﴾ لذنوب عباده المؤمنين) فتقييدها بذلك أيضًا فيه نظر، ولو قال المؤلف: غفور لمن تاب إليه، أو لمن استغفره لكان أشمل؛ لأن الله تعالى يغفر حتى لغير المؤمنين إذا تابوا إلى الله ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال ٣٨] ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر ٥٣]؛ فالتعميم أوْلَى من التخصيص.

35:29Page 437

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَتۡلُونَ كِتَٰبَ ٱللَّهِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ سِرّٗا وَعَلَانِيَةٗ يَرۡجُونَ تِجَٰرَةٗ لَّن تَبُورَ ٢٩

Indeed, those who recite the Book of Allāh and establish prayer and spend [in His cause] out of what We have provided them, secretly and publicly, [can] expect a transaction [i.e., profit] that will never perish -

ثم قال تعالى: (﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ [فاطر ٢٩] زكاةً وغيرها ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ تهلك) الإعراب في هذه الآية واضح، ما فيه إشكال إلا أن قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ﴾ تحتاج إلى خبر، فما هو الخبر؟ الخبر جملة ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ فهذا هو الصحيح من أقوال المعربين؛ يعني: إن هؤلاء فعلوا ذلك يرجون تجارةً لن تبور، فجملة ﴿يَرْجُونَ﴾ هي خبر ﴿إِنَّ﴾.

قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ﴾ قال المؤلف: (يقرؤون). والصواب أن التلاوة أعم من القراءة، فالتلاوة نوعان تلاوة لفظية وهي القراءة، وتلاوة عملية وهي اتباع القرآن تصديقًا للخبر وامتثالًا للأمر؛ ولهذا يقال: تلاه بمعنى تبعه؛ أي: جاء بعده، فالتلاوة أعم من القراءة، وهو التلاوة نوعان؛ تلاوة لفظية، وتلاوة عملية: تلاوة لفظية أن يقرأ الإنسان القرآن، والتلاوة العملية أن يتَّبعه بامتثال أوامره وتصديق أخباره أو بموافقته، وتصديق أخباره، التلاوة العملية تستلزم فهم المعنى ولَّا لا؟ نعم؛ لأنه لا يمكن أن يعمل إلا بما يفهم، وعلى هذا يكون فعل الصحابة رضي الله عنهم تطبيقًا لهذه الآية تمامًا؛ لأنهم لا يتجاوزون عشر آيات حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل قالوا: «فَتَعَلَّمْنَا الْقُرْآنَ وَالْعِلْمَ وَالْعَمَلَ جَمِيعًا»[[أخرجه الطحاوي في مشكل الآثار (١٤٥٢) والفريابي في فضائل القرآن (١٦٩) من حديث أبي عبد الرحمن السلمي.]].

يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ﴾ فعل مضارع يدل على الاستمرار بخلاف ما لو قال: إن الذين تلوا في الماضي فإنه لا يفيد المعنى الذي يفيده المضارع ﴿يَتْلُونَ﴾.

وقوله: ﴿كِتَابَ اللَّهِ﴾ هل هو القرآن أو هو أعم من ذلك؟ الجواب: أعم من ذلك.

﴿كِتَابَ اللَّهِ﴾ الكتب التي أنزلها الله تعالى على الرسل، فيشمل جميع الكتب؛ لأن هذا الحكم يشمل المؤمنين من هذه الأمة والمؤمنين ممن سبقهم، فيكون المراد بالكتاب هنا ﴿كِتَابَ اللَّهِ﴾ المراد به كل كتاب أنزله الله تعالى على رسله.

﴿يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ معطوفة على ﴿يَتْلُونَ﴾. قال المؤلف: (أداموها)، والصواب خلاف ما قاله المؤلف؛ يعني معناه أننا نختار كلمةً أشد مطابقةً للفظ، أقاموا الصلاة أي أتوا بها مستقيمة، فيشمل فِعْل الصلاة تامةً بشروطها وأركانها وواجباتها ومستحباتها، ويشمل الإدامة ولَّا لا؟ يشمل الإدامة أيضًا؛ لأن الإدامة من الإقامة، وعلى هذا نقول: (أقاموا الصلاة)؛ أي: فعلوها قائمةً أي مستقيمة على الوجه المطلوب منهم، لو أن الإنسان أدام الصلاة لكن يُخِل بأركانها أو واجباتها، فهل يُقال: إنه أقام الصلاة؟ لا، فالرجل الذي جاء يصلي ولا يطمئن كان يصلي هذه الصلاة منذ أسلم والرسول عليه الصلاة والسلام قال له: «صَلِّ؛ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٥٧)، ومسلم (٣٩٧ / ٤٥) من حديث أبي هريرة.]]. مع أنه يُديم الصلاة ويصلي لكنه لم يُصَلِّ حيث إنه لم يأتِ بها قائمةً على الوجه المطلوب، فالصواب أن الإقامة هنا بمعنى أن يفعلها على الوجه المطلوب منه، والصلاة معروفة للجميع لا تحتاج إلى تعريف؛ لأنها عبادة ذات أقوال وأفعال معلومة مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم.

قال: ﴿وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ أنفقوا بمعنى بذلوا وأخرجوا. ﴿مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ مما أعطيناهم؛ لأن الرزق بمعنى العطاء.

وقوله: ﴿مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ هل (مِن) لبيان الجنس أو هي للتبعيض؟ الأَوْلى أن نجعلها لبيان الجنس؛ لتشمل ما لو أنفقوا جميع أموالهم على الوجه الذي يرضاه الله ورسوله فإنهم يدخلون في هذا الوصف.

وقوله: ﴿سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ ﴿سِرًّا﴾ مصدر، ولكنها في موضع الحال؛ أي: مُسِرِّين ومعلنين؛ الإسرار أن يخفوا الإنفاق فلا يعلم به إلا الْمُنفَق عليه، والإعلان أن يُظهِروه للناس إما إظهارًا كاملًا شاملًا، وإما أن يكون إظهارًا نسبيًّا يعلم به من حولهم، كل ذلك يمدحون عليه، وسيأتي إن شاء الله في ذكر الفوائد أن هذا يكون بحسب الحال.

قال: (زكاةً وغيرها)، غير الزكاة كالإنفاق الواجب على الأقارب وكصدقات التطوع، فالإنفاق هنا شامل.

قال: ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ ﴿يَرْجُونَ﴾ يعني يُؤَمِّلون، ويطلبون منه هذه التجارة.

﴿تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ أي: لن تهلك كما قال المؤلف، ما هذه التجارة؟ التجارة ذكرها الله عز وجل في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [الصف ١٠ - ١٢]، فهنا عِوَض ومُعَوَّض؛ العِوَض الإيمان بالله والجهاد في سبيله، الْمُعَوَّض ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً﴾ [الصف ١٢]، هذه التجارة لا شك أنها أربح التجارات، وأنها أبقى التجارات، أربح التجارات؛ لأن الربح فيها العشر مئة ولَّا لا؟ الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وأبقى كذلك هي أبقى التجارات بلا شك؛ لأنها في جنات عدن؛ أي: في جنات إقامة لا ظعن فيها، والله أعلم.

﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ إلى آخره، ما المراد بتلاوة (...).

* يستفاد من هذه الآية فوائد، منها: فضل تلاوة كتاب الله عز وجل؛ لقوله: ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾.

* ومنها: أن الرجاء ينبغي أن يكون في محله، بحيث يكون الإنسان قد عمل عملًا يرجو الثواب عليه، أما الرجاء بدون عمل فهو من التمني الذي لا ينفع العبد، وفي الحديث: «الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ الْأَمَانِيَّ»[[أخرجه الترمذي (٢٤٥٩) وابن ماجه (٤٢٦٠) من حديث شداد بن أوس.]]. فلا رجاء إلا بعمل، وفي الحديث الصحيح أيضًا: «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ»[[أخرجه مسلم (٢٨٧٧ / ٨٢) من حديث جابر بن عبد الله.]]، وفي الحديث الصحيح: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٤٠٥)، ومسلم (٢٦٧٥ / ٢) من حديث أبي هريرة.]]. وكل هذه النصوص وما أشبهها إنما تكون فيمن يعمل ما يمكن أن يرجو به ذلك، وأن يُحسِن به الظن، لو أن أحدًا أساء واستكبر عن عبادة الله وقال: أنا أُحسِن الظن بالله، لكان هذا ظن وهم لا بد من شيء يبني عليه هذا الظن، لو قال: أنا أرجو رحمة الله. قلنا: هذا وَهْم حتى تعمل؛ ولهذا قال تعالى في سورة البقرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ [البقرة ٢١٨] هؤلاء هم الذين يرجون، وهنا أيضًا مثلها.

* من فوائد الآية الكريمة: أن الثواب في الآخرة لا ينقطع؛ لقوله: ﴿لَنْ تَبُورَ﴾ بل ربما نقول: إن هذا أعم بحيث يُثاب الإنسان في الدنيا ثوابًا مستمرًّا إلى الآخرة؛ لأن الحسنات قد يرى الإنسان ثوابها في الدنيا، وثوابها في الدنيا يستمر إلى الثواب في الآخرة كما قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (٣١) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ [النحل ٣١، ٣٢].

* ومن فوائد الآية الكريمة: فضْل إقامة الصلاة؛ لقوله: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾، وهو شامل -كما قلنا في التفسير- شامل لفرض الصلاة ونفلها، فما تُقام به الفريضة تُقام به النافلة، وما تقام به النافلة تُقام به الفريضة إلا بدليل يدل على الفرق بينهما، وأظننا قد جمعنا الفروق بين فرْض الصلاة ونفلها فبلغت ثمانيةً وعشرين فرْقًا؛ منها ما هو واضح دلت عليه السنة، ومنها ما هو دون ذلك، المهم أن الأصل أن إقامة الفريضة إقامة للنافلة، وإقامة النافلة إقامة للفريضة، هذا الأصل، فما ثبت في إحداهما ثبت في الثاني إلا بدليل.

* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: فضيلة الإنفاق؛ لأنه أعقب الصلاة به، ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا﴾، وهو يدل على أن هذا الإنفاق يشمل الزكاة وغير الزكاة؛ لأن الله تعالى يقرن دائمًا في الذكر بين الصلاة والزكاة.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن المنفِق ليس مانًّا على الله عز وجل؛ لأنه إنما ينفق مما رزقه الله، فمهما بلغت بك نفسك من الإعجاب والكبرياء على إنفاقك فاذكر قوله: ﴿مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ كل شيء تنفقه فليس لك فيه مِنَّة على الله عز وجل، بل لله المنة عليك به في إيجاده وفي إنفاقه؛ في إيجاده؛ لأنه لولا أن الله رزقك ما حصل لك، وفي إنفاقه؛ لأن كثيرًا من الناس يبخلون بما آتاهم الله من فَضْلِه ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ﴾ [آل عمران ١٨٠]، فمن نِعمة الله عليك أن يَمُنَّ عليك بالإنفاق بعد أن من عليك بالرزق والعطاء.

* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن الإنفاق، لا نقول: إن الإسرار فيه أفضل ولا إن الإعلان فيه أفضل بل هو بحسب الحال، فتارةً يكون الإنفاق سرًّا أفضل وتارة يكون الإنفاق علنًا أفضل، حسب ما تقتضيه الحال بخلاف الصَّدَقة؛ فالأصل فيها السر، قال الله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة ٢٧١]؛ لأن الصدقة فيها نوع مِنَّة على الْمُعْطَى، فربما ينكسر أمام الناس إذا أُعْلِنت الصدقة له، فصار إخفاؤها أفضل، وفي الحديث الصحيح في الذين يظلهم الله في ظله: «رَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (١٤٢٣)، ومسلم (١٠٣١ / ٩١) من حديث أبي هريرة.]].

أما الأشياء العامة والْمُعلَنة كما لو أردنا أن ننفق في مشروع خيري عام، لا يظهر فيه المِنَّة على شخص معين فهنا قد يكون الإعلان فيه أفضل، وكذلك لو أن شخصًا جاء إلينا وقال: أرجو أن تجمعوا لي من الناس، فهنا ربما يكون الإعلان أفضل من أجل أن يقتدي بك غيرك، وهذا الرجل الذي طلب منا أن نجمع له، لا يهمه أن يعلم الناس بأنه يُتصدق عليه أو لا يتصدق.

المهم أن نقول: إن السر والإعلان في الإنفاق كله خير لكن الصدقة الأفضل فيها السر لما في إظهارها من كسر قلب الْمُعْطَى، وأما الأشياء العامة أو الصدقة على شخص معين هو الذي طلب منا أن نجمع له مثلًا فهذا قد يكون الإعلان فيه أفضل.

* ومن فوائد الآية الكريمة: التنبيه على الإخلاص؛ لقوله: ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً﴾ لا يريدون تجارةً تبور وتهلك؛ يعني لا يريدونها سُمْعة؛ لأن السمعة والجاه بين الناس لا شك أنه كسب للمرء، ويُعتبر تجارة، لكن هذه تجارة هالكة تزول بزوال الشخص، أو تزول بزوال ما اشتهر به؛ لأن من حُمِدَ على شيء ذُمَّ على فقده، لكن الذي يرجو ثواب الله ويُحسِن النية والقصد هذا هو الذي حصل على تجارة لن تبور، ففيه التنبيه على الإخلاص، وأنه ينبغي للإنسان أن يكون مخلصًا لله تعالى في عمله اللازم أو القاصر والمتعدي، القاصر كالصلاة، والمتعدي كالصدقة.

35:30Page 437

لِيُوَفِّيَهُمۡ أُجُورَهُمۡ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضۡلِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ غَفُورٞ شَكُورٞ ٣٠

That He may give them in full their rewards and increase for them of His bounty. Indeed, He is Forgiving and Appreciative.1

ثم قال الله عز وجل: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [فاطر ٣٠] قال: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ﴾ أي: يعطيهم أجورهم وافية كاملة، والضمير ضمير الفاعل يعود على الله؛ لقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ﴾.

وقوله: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ﴾ اللام هذه للعاقبة. وقيل: للتعليل، فعلى القول بأنها للعاقبة تكون متعلقة بـ﴿يَرْجُونَ﴾. ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ عاقبتهم أن يُوفيهم الله أجورهم، وعلى أنها للتعليل متعلقة بـ﴿يَتْلُونَ﴾، ﴿وَأَقَامُوا﴾، ﴿وَأَنْفَقُوا﴾ يعني يتلون ليوفيهم أجورهم، أقاموا الصلاة ليوفيهم أجورهم، أنفقوا مما رزقناهم ليوفيهم أجورهم؛ يعني قصدوا ما رَتَّب الله على هذه الأعمال من الأجور، وهذا الفعل ينصب مفعولين أحدهما هنا: (الهاء)، والثاني: (أجور) وهو من أخوات؟

* طالب: من أخوات كسا.

* الشيخ: نعم، من أخوات كسا وأعطى؛ لأنه نصب ما لا يصح أن يكون مبتدأً وخبرًا، وكل فعل ينصب مفعولين لا يصح أن يكون أحدهما خبرًا عن الآخر فهو من باب (كسا).

(﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ﴾ أي: ثواب أعمالهم المذكورة) والتوفية هذه معروفة لنا جميعًا وهو أن الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، فمثلًا الصلاة حسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ومع الجماعة تكون كم حسنة؟ سبعًا وعشرين حسنة، كل حسنة بعشر أمثالها.

قال: ﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ معطوفة على (يوفيهم) ﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾؛ يعني يزيدهم عطاءً وأجرًا من فضله، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة ٢٦١].

وقوله: ﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ يشمل الفضل في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فإن الإنسان إذا عمل العمل الصالح مخلصًا لله به حَبَّب الله إليه العمل حتى يزيد في العمل، وهذا شيء مُشاهَد، كذلك إذا أعطى وأنفق زاده الله من فضله، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ أي: يأتي بخلفه؛ فالزيادة إذن تشمل زيادة الأجور، وزيادة الأعمال، وزيادة المال الْمُنفَق منه؛ زيادة الأعمال؛ لأني قلت: كلما عمل الإنسان عملًا صالحًا حَبَّب الله إليه العمل، وزاده فيه؛ زيادة المال ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ ٣٩]، ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم ٣٩]، ﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي عطائه الذي يتفضل به عليهم.

(﴿إنَّهُ غَفُور﴾ لذنوبهم ﴿شَكُور﴾ لطاعتهم)، هذا تعليل لما سبق من توفية الأجور والزيادة من الفضل؛ يعني أن الله عز وجل لكونه غفورًا رحيمًا صار يوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله، وفي هذا إشارة إلى مغفرة الله سبحانه وتعالى للعامل وإلى شكره إياه.

(الغَفُور) صيغة مبالغة، أو صفة مُشبَّهة مأخوذة من (الغَفْر)، وهو الستر مع الوقاية؛ لأن أصل هذه المادة الْمِغْفَر والْمِغفر يحصل به الستر والوقاية، إذن ما معنى أن الله غفور؟ معناه أن الله يستر الذنوب، ويتجاوز عن العقوبة، وما أدري ما أكثر ما نذنب فيما بيننا وبين ربنا ومع ذلك يسترها الله عز وجل، وإذا كان يوم القيامة عفا عن عقوبتها؛ وبذلك تتحقق المغفرة.

أما الشكور فنقول في تصريفه كما قلنا في (غفور): إنه إما صيغة مبالغة، وإما صفة مشبهة، فهو سبحانه وتعالى شكور أي: يشكر مَنْ عمل العمل الصالح، ومن شكره إياه أنه يُضاعف له الأجر الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وانظر إلى كمال الله عز وجل في صفته أنه هو الذي يمن عليك بالعمل، ثم يشكرك عليه ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن ٦٠] سبحان الله العظيم! ربنا يحسن إلينا ثم يقول: ما جزاء إحسانكم إلا أن نحسن إليكم، وهو الذي تفضل به أولًا ثم ثانيًا، وهذا يدلك على سعة كرم الله، والحمد لله، وأنه عز وجل واسع الكرم.

* في هذه الآية عدة فوائد، أولًا: أن طلب الإنسان للثواب غاية عظيمة؛ لأن اللام كما أشرنا إليه آنفًا لغير العاقبة، اللام للتعليل، هذا إذا قلنا: إنها للتعليل وهي صالحة للتعليل، فكون الإنسان يعمل من أجل الأجر، هذا لا يُعدُّ نقصًا خلافًا للصوفية الذين يقولون: لا تعبد الله لثواب الله، ولكن اعبد الله لله، فنقول لهم: هذا خطأ، فالله تعالى وَصَفَ أشرف هذه الأمة وخير هذه الأمة بأنهم يريدون فضلًا من الله ورضوانًا، قال الله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح ٢٩].

ومع ذلك لا نقول: إنك لا تعبد الله لله، اعبد الله لله ولثواب الله، فإنك لن تصل إلى الله إلا بعد وصولك إلى ثواب الله؛ فإن لقاء الله، اللقاء الذي هو الرضا التام إنما يحصل متى؟ في الجنة؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران ١٨٥] هذا الفوز الكامل.

وقوله: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ [الرعد ٢٢] متى يرون وجه الله؟ إذا دخلوا الجنة، رؤية وجه الله، الرؤية التامة بعد دخول الجنة، الحاصل أن في هذه الآية وأمثالها ما يدل على ضعف ذلك المسلك الذي سلكه أولئك الصوفية بألا تعبد الله لثواب الله ولكن اعبد الله لله، فنقول: ما أكثر الآيات الدالة على أن العبادة تكون لفضل الله وثوابه.

* ومن فوائد الآية الكريمة: ضمان الثواب؛ يعني أن الثواب مضمون للعامل الذي يتعامل مع الله عز وجل بناءً على أن اللام للعاقبة؛ أي أن هذا العمل سوف يُوفَّى ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ﴾.

وفيه أيضًا وجه آخر لضمان الثواب؛ أن الله سماه أجرًا، والأجر لا بد أن يُدفَع لمن قام بالعمل، بل جاء في الحديث الصحيح القدسي قال الله تعالى: «ثَلَاثةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ»[[أخرجه البخاري (٢٢٢٧) من حديث أبي هريرة.]]. فإذا كان الله خصم هؤلاء؛ لأنهم لم يعطوا الأجر فإنه يدل على أن الأجر الذي ضمنه الله لعباده سوف يحصل قطعًا، ولكن لا بد أن يكون العمل صحيحًا.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن جزاء الحسنات أكثر مما يجب؛ لقوله: ﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾. وزيادة الفضل شرحناها في التفسير.

* ومِن فوائدها: إثبات الاسمين الكريمين (الغفور) و(الشكور)، وما تضمناه من صفة؛ وهي المغفرة والشكر، وما تضمناه أيضًا من أثر وهو الْحُكْم فإن (غفور) يُؤخَذ منها أنه يغفر، وشكور يُؤخَذ منها أنه يشكر من يستحق الشكر.

* وفيه أيضًا في الآية الكريمة: دليل على ثبوت الأفعال الاختيارية لله عز وجل؛ لقوله: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ﴾، ﴿وَيَزِيدَهُمْ﴾، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة أنهم يثبتون لله تعالى الأفعال الاختيارية؛ أي التي تقع بمشيئته، فإنه تعالى فعَّال لما يريد خِلافًا لمن زعم أن الله تعالى لا يُوصف بشيء حادث أبدًا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском