Ibn 'UthayminFatir · 35:40–41

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Fatir 35:40–41

35:40Page 439

قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ شُرَكَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلۡأَرۡضِ أَمۡ لَهُمۡ شِرۡكٞ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ أَمۡ ءَاتَيۡنَٰهُمۡ كِتَٰبٗا فَهُمۡ عَلَىٰ بَيِّنَتٖ مِّنۡهُۚ بَلۡ إِن يَعِدُ ٱلظَّٰلِمُونَ بَعۡضُهُم بَعۡضًا إِلَّا غُرُورًا ٤٠

Say, "Have you considered1 your 'partners' whom you invoke besides Allāh? Show me what they have created from the earth, or have they partnership [with Him] in the heavens? Or have We given them a book so they are [standing] on evidence therefrom? [No], rather, the wrongdoers do not promise each other except delusion."2

ثم قال تعالى: (﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ﴾ تعبدون ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [فاطر ٤٠] أي غيره، وهم الأصنام الذين زعمتم أنهم شركاء لله)، ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ﴾ يعني أخبروني، و(شركاء) مفعول أول، يعني (أرأيت) تنصب ثلاثة مفاعيل؛ مفعول أول صريح منطوق به، والمفعول الثاني والثالث معلق بهمزة الاستفهام، فهنا ﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ نعم ﴿أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾، لكن هنا قال: ﴿أَرُونِي﴾ من باب التحدي أخبروني عن شركائكم، وقوله: ﴿شُرَكَاءَكُمُ﴾ يعني الذين جعلتموهم شركاء، فالإضافة هنا باعتبار جعلهم، أي: جعل العابدين لها شريكًا مع الله.

وقوله: ﴿الَّذِينَ تَدْعُونَ﴾ قال المؤلف: (تعبدون)، فحول الدعاء إلى معنى العبادة، ولا شك أن الدعاء يأتي بمعنى العبادة؛ كقوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ [غافر ٦٠] ولم يقل: عن دعائي، فهذا دليل على أن الدعاء بمعنى العبادة، ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾.

ولكن لو قال قائل: إن قوله: ﴿تَدْعُونَ﴾ شامل لدعاء المسألة -وهو طلب الحاجة- ودعاء العبادة، لكان أولى؛ لأن هذه الأصنام التي يدعونها أحيانًا يجمعون بين الأمرين فيركعون لها ويسجدون ويذبحون وينذرون، وأحيانًا يدعونها دعاء، وأحيانًا يجمعون بين الأمرين، فالأولى أن نجعل الآية شاملة لدعاء المسألة ودعاء العبادة، والله أعلم.

﴿قُلْ﴾ يا محمد ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ والخطاب بـ﴿قُلْ﴾ هنا خطاب لمفرد، وإذا جاء مثل هذا في القرآن فإما أن يكون مما يختص به الرسول ﷺ، فالأمر فيه واضح؛ كقوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح ١]، ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ﴾ [المائدة ٦٧] وما أشبهها، فهذا خاص بمن؟ بالرسول، والأمر فيه واضح، إذا جاء مفردًا وليس خاصًّا بالرسول عليه الصلاة والسلام يعني لم يقم دليل على اختصاصه به، فهل نقول: إن الخطاب موجه لكل من يتأتى خطابه، أو إنه موجه إلى الرسول وأمته تبعًا له، وإنما وجه إليه وحده باعتباره الإمام المتبوع؟

في هذا خلاف بين أهل العلم، والخلاف هنا قريب من اللفظي؛ لأن الكل متفقون أن هذا الحكم يشمل الأمة؛ إذ لا دليل على اختصاص الرسول ﷺ به، بخلاف ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ فهذا خاص بالرسول؛ لأنه ليس كل أحد قد شرح الله له صدره، طيب هنا ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ﴾ الخطاب لمفرد، فهل هو للرسول عليه الصلاة والسلام أو لكل من يتأتى خطابه؟ قيل: إنه لكل من يتأتى خطابه، وقيل: للرسول باعتباره الإمام، وغيره مثله، حتى مثلًا في زمننا هذا نقول للمشركين: ﴿أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾.

وسبق أن المؤلف رحمه الله فسر الدعاء هنا بالعبادة، وقلنا: إنه تفسير ناقص؛ لأن الدعاء يكون للعبادة ويكون للمسألة، والمشركون أشركوا بشركائهم بالنوعين جميعًا؛ فقد يدعون هؤلاء الشركاء وقد يعبدونهم، وسبق أنهم يقولون: إن الأصنام شركاء لله عز وجل، حتى «إن المشركين في تلبيتهم يقولون: لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك تملكُه وما ملَك»[[أخرجه مسلم (١١٨٥ / ٢٢) من حديث ابن عباس.]].

يقول: ﴿أَرُونِي﴾ (أخبروني) ﴿مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾، قوله: ﴿مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ من حيث الإعراب يجوز فيها وجهان:

الوجه الأول أن نعرب (ماذا) جميعًا على أنها اسم استفهام مفعول مقدم لـ(خلقوا)، والثاني أن نعرب (ما) وحدها على أنها اسم استفهام، و(ذا) بمعنى الذي، وعلى هذا فيكون في ﴿خَلَقُوا﴾ ضمير محذوف هو العائد لاسم الموصول، والتقدير: ماذا خلقوه من الأرض، والمعنى لا يختلف، فهؤلاء يتحدون ويقال: أرونا ماذا خلقوا من الأرض؟ هل خلقوا الجبال؟ هل خلقوا الأشجار؟ هل خلقوا الرمال، الأنهار، البحار؟

الجواب: ما خلقوا شيئًا من هذا، طيب ينتقل إلى أعلى ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾، وهنا ما قال: أم خُلقوا شيئًا من السماوات، قال: ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ﴾؛ لأن السماوات ليست في متناول أيديهم، لكن يحتمل أن يكون لهم فيها مشاركة، نعم، فالذي لهم متناول فيه قيل: ﴿مَاذَا خَلَقُوا﴾؛ لجواز أن يقول قائل: لهم شرك في الأرض، فهذا له مثلًا مساحة يأتي الناس إليه وهي حريم قبره مثلًا، فنقول: طيب، هل خلقوا هذا؟ إذا ادعيتم أن هذه الأرض مثلًا له، وأنه (...) على هذا القبر لزائريه أو ما أشبه ذلك، فهل خلقوها؟ لكن في السماوات ما قال: أم ماذا خلقوا من السماوات قال: ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ﴾، لا على سبيل الخلق ولا على سبيل التملك، ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ﴾ (شركة مع الله) ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾، وقول المؤلف: (﴿فِي﴾ خلق ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ ) فيه نظر، بل الصواب أن نقول: في السماوات، سواء كان ذلك عن طريق التملك أو عن طريق الخلق، ويش الجواب؟

* طالب: (...).

* الشيخ: لا، لا هذا ولا هذا ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ﴾ (بأن لهم معي شركة) يعني: أو عندهم إذا قلتم: لم يخلقوا شيئًا من الأرض، وليس لهم شركة في السماوات، نقول: طيب، هل عندهم كتاب وهم على بينة –حجة- منه بأنهم شركاء مع الله؟ ويش الجواب؟

لا، فكل هذه التقسيمات كلها منتفية بالنسبة للأصنام، فلم يخلقوا شيئًا من الأرض، وليس لهم شركة في السماوات، وليس معهم بينة من الله –كتاب- بأنهم شركاء مع الله، وإذا انتفت هذه الأمور الثلاثة لا خلق ولا مشاركة ولا وثيقة تبين أيش؟ تبين بطلانها، قال: ﴿بَلْ إِنْ﴾ (ما)، يعني أن (إن) هنا نافية بمعنى (ما) (﴿يَعِدُ الظَّالِمُونَ﴾ الكافرون ﴿بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا﴾ باطلًا بقولهم: الأصنام تشفع لهم)، يعني أن ما يعد الظالمون بعضهم بعضًا فهو غرور، أي: تغرير وخداع وليس له حقيقة، والوعد الذي يعد به الظالمون بعضهم بعضًا أنهم يقولون: هذه الأصنام تشفع لكم عند الله، اعبدوا محمدًا ﷺ، اعبدوا جبريل، اعبدوا الشجر، اعبدوا اللات، اعبدوا العزى؛ فإنها تشفع لكم ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس ١٨] كيف يعبدونهم ثم يكونون شفعاء؟ الشافع هل ينال درجة المشفوع إليه؟ لا، الشافع درجته دون درجة المشفوع إليه، نعم؛ إذ لو كان مساويًا أو أعلى ما احتاج أن يشفع، إن كان أعلى أمر أمرًا، وإن كان مساويًا غالبه، فأيهما غلب عاد يكون السلطة له.

على كل حال نقول: إن الظالمين يغر بعضهم بعضًا في الباطل حتى يخدعوا ويظنوا أن الباطل حق وأن الحق باطل، التغرير تارة يكون بالأقوال الكاذبة الملفقة التي ليس لها أصل، وتارة يكون بالألقاب السيئة التي تشوه السمعة، فأما الأقوال الكاذبة فمثل قولهم فيما حكى الله عنهم: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ [الأعراف ٢٨]، قولهم: ﴿وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ هذا كذب وزور، ولهذا قال الله تعالى مبطلًا لهذه الدعوى: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، هذا من جملة التغرير أن يدعوا قولًا كذبًا وزورًا، أو بالألقاب السيئة ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٤) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص ٤، ٥]، فأتوا بالألقاب السيئة: ساحر أيش بعد؟ وكذاب. العامة إذا قيل لهم، ولا سيما إذا كان القائل زعماء، إذا قيل: هذا ساحر أو كذاب يتبعونه ولَّا لا؟ لا يتبعونه، طيب وإذا قيل لهم، أي للعامة: إنكم إذا عبدتم الولي الفلاني، أو القبر الفلاني، فإن ذلك ينفعكم، فإن العامة تنخدع؛ لأنه ليس عندها علم وليس عندها عقل ولب فتنخدع.

هذه الآية يستفادُ منها عدَّة فوائد:

* أولًا: قوة القرآن في أسلوب المناظرة، وذلك بالترديد والتقسيم، وجهه: أن الله تحداهم بثلاثة أمور: هل خلقوا شيئًا من الأرض؟ هل شاركوا الله في السماء؟ هل عندهم كتاب من الله أن هذه الأصنام تنفعهم، وإن لم تكن شريكة لله في السماوات ولم تخلق شيئا من الأرض؟ الجواب: لا، لو خلقت شيئًا من الأرض لكان لها الحق؛ لأنها تخلق، لو شاركت الله في ملكه في السماء لكان لها الحق؛ لأنها شريك لله عز وجل في ملكه، لو أن الله أنزل كتابًا يقول بأن هذه الأصنام لها الحق أن تُعبَد وتُدعَى من دون الله لكان لهم شبهة أو حجة، فلما انتفت الأمور الثلاثة تبين أنه لا حجة لهم، ثانيًا أنه ينبغي في المناظرة أن تُذكَر جميع الأقسام التي يمكن أن ترد في الذهن ثم تبطل؛ احترازًا من أي شيء؟ مما لو ذكرت شيئًا واحدًا ثم بينت بطلانه، فقد يورد عليك شيء آخر؛ لأنه كما أن القول الحق لا ينحصر إثباته بدليل واحد، فكذلك الباطل لا ينحصر إيراد الشبه فيه في شبهة واحدة، فإذا أردت أن تفحم خصمك لا تأت بشبهة واحدة، ايت بجميع ما يمكن ويَحتمل أن يكون شبهة لتبطلها حتى يكون عندك القوة الكاملة التي لا يمكن أن يورد عليك أحد منها خللًا.

* ومِن فوائد الآية الكريمة: أنه لا أحد يخلق مع الله ﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾، فإن قلت: يرد عليك أن الله أثبت أن هناك خالقين في قوله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون ١٤]، وفي قول الرسول ﷺ: «يُقَالُ لَهُمْ» أي: المصوِّرين «أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢١٠٥)، ومسلم (٢١٠٧ / ٩٦) من حديث عائشة.]]؟

فالجواب أنهم لم يخلقوا هذا، ولكن حولوه من صورة إلى صورة، فهنا ليس منهم إيجاد، بل تحويل من صورة إلى صورة، فالمصور مثلًا الذي أخذ الطين وجعل منه صورة على صورة إنسان، أو صورة طير، أو صورة دابة، ماذا نقول؟ هل خلق هذا الشيء؟ لا، لكن حوله من كونه كتلة من الطين إلى كونه صورة وليس خلقًا جديدًا، النجار مثلًا إذا أتى على الخشب ونجره على صورة معينة ما نقول: إنه خلقه؛ لأنه لم يوجده، لكن حوله من صورة إلى أخرى.

* ومِن فوائد الآية الكريمة: بطلان ألوهية هذه الأصنام، ومن باب أولى ربوبيتها، وجه هذا: أن الله تحدى أن تكون هذه الأصنام صالحة للمشاركة بكل وجه من الوجوه أيش؟ الخلق والمشاركة والوثيقة، كل هذه منتفية إذن، فيبطل جعلها إلهًا مع الله.

* ومِن فوائد الآية الكريمة: أن الظالمين -ويشمل الكافرين ومن دونهم- أن الظالمين لا يعد بعضهم بعضًا إلا غرورًا وخداعًا، فيشمل ذلك الكافرين الذين يزينون الكفر، ويشمل ذلك أهل الخلاعة الذين يزينون الخلاعة، ويشمل أهل اللهو الذين يزينون اللهو، فكل باطل يزينه أصحابه نقول فيه: لا يعد الظالمون بعضهم بعضًا إلا غرورًا.

* ومن فوائد الآية: الحذر من أن يتمنى الإنسان على الله الأماني، بل الذي ينبغي أو يجب أن يكون الإنسان كيسًا فطنًا حازمًا كما يُروى عن النبي عليه الصلاة والسلام: «الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا، وَتَمَنَّى عَلَى اللهِ الْأَمَانِيَّ»[[أخرجه الترمذي (٢٤٥٩) وابن ماجه (٤٢٦٠) من حديث شداد بن أوس.]]، فالوعود التي يُوعَد بها الإنسان من قبل الظالمين أو من قبل نفسه إذا كانت مخالفة للشرع فما هي إلا غرور وباطل، فليحذر الإنسان منها.

35:41Page 439

۞ إِنَّ ٱللَّهَ يُمۡسِكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ أَن تَزُولَاۚ وَلَئِن زَالَتَآ إِنۡ أَمۡسَكَهُمَا مِنۡ أَحَدٖ مِّنۢ بَعۡدِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ كَانَ حَلِيمًا غَفُورٗا ٤١

Indeed, Allāh holds the heavens and the earth, lest they cease. And if they should cease, no one could hold them [in place] after Him. Indeed, He is Forbearing1 and Forgiving.

(...) الله تبارك وتعالى مبينًا تمام قدرته ومنَّته على عباده، قال: (﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ أي: يمنعهما من الزوال)، قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ الإمساك بمعنى القبض على الشيء والتمكن منه، وفسره المؤلف بالمنع، وهو لازم للإمساك.

وقوله: ﴿أَنْ تَزُولَا﴾ (أن) هذه مصدرية، حذف منها حرف الجر؛ لأنه يطرد حذف حرف الجر مع (أن)، و(أن) نعم إذا أُمن اللبس وهنا اللبس مأمون، وإذا كان الكلام على تقدير (من) فحول (أن) وما دخلت عليها إلى مصدر يكن سبك الكلام: إن الله يمسك السماوات والأرض من الزوال.

وقوله: ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ ترد هذه العبارة كثيرًا في القرآن، وهي جمع السماوات وإفراد الأرض، ولم تأت الأرض مجموعة في القرآن بلفظها، لكن جاءت بلفظ يدل على التعدد، وهو قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢] فإن المثلية هنا تتعين أن تكون في العدد؛ لأنه لا يمكن أن تكون الأرض مثل السماوات في الحجم، ولا مثلها في الصفة، وإذا امتنع أن تكون مماثلة للسماء في الحجم وفي الصفة تعين أن تكون مماثلة للسماء في العدد، والسنة جاءت في اللفظ الصريح في أن الأرضين سبع أرضين كما في قوله ﷺ: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا طُوِّقَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٥٢)، ومسلم (١٦١٠ / ١٣٧) واللفظ له، من حديث سعيد بن زيد.]].

﴿يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا﴾ قال: (لام قسم)، اللام لام القسم، و(إن) شرطية، و﴿زَالَتَا﴾ الفعل هنا فعل الشرط، و﴿إِنْ أَمْسَكَهُمَا﴾ الجملة جواب الشرط، و(إن) هنا يقول المؤلف: (ما) أي: تكون نافية، ﴿أَمْسَكَهُمَا﴾ قال المؤلف (يمسكهما) إشارة إلى أن ﴿أَمْسَكَهُمَا﴾ فعل ماضٍ، لكنه بمعنى المضارع؛ لأنه وقع جوابًا للشرط، ومعلوم أن جواب الشرط يكون للمستقبل لا يكون للماضي؛ لأنه لا يكون إلا بعد تحقق الشرط، وتحقق الشرط أمر مستقبل. وقوله: ﴿مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾، ﴿مِنْ أَحَدٍ﴾ (من) هذه زائدة زائد، كذا؟ كلام صحيح ولا فيه تناقض، زائدة زائدة، ما فيه تناقض، كيف ذلك؟

* طالب: زائدة في الإعراب.

* الشيخ: أحسنت، زائدة في الإعراب ولكنها تزيد في المعنى، و(زائدة) اسم فاعل من زاد يزيد، ونحن نعرف أن (زاد) يأتي متعديًا ويأتي لازمًا، فإذا قلت: زاد الشيء يعني: ارتفع وكثر وما أشبه ذلك، فهي لازمة، وإذا قلت: زدته خيرًا نعم صارت متعدية، لهذا نقول: هي زائدة زائدة، قد يقول بعض الناس إذا رأى مثل هذا الكلام قال: هذا تناقض، كيف يكون الشيء زائدًا زائدًا، نقول: (من) زائدة إعرابا زائدة معنى؛ لأنها تزيد في المعنى، وهو تأكيد النفي، وقوله: (أحد) فاعل (أمسك) مرفوع بضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائدة، المعنى: لئن قدر أن تزول السماوات والأرض فإنه لا أحد يستطيع أن يمسكهما سوى الله عز وجل، وهو كذلك هذا هو الواقع، بل لو زال ما دون السماوات والأرض من النجوم والكوكب والشمس والقمر ما استطاع أحد أن يمسكه سوى الله عز وجل، بل لا يستطيع أحد أن يصرف شيئًا من هذه الكواكب أو النجوم أو الشمس والقمر أن يصرفه عن جهة سيره إلا الله عز وجل، ولا أن يمنعه من سيره إلا الله عز وجل. في الإعراب هنا قلنا: إن اللام في (لئن) لام القسم، و(إن) شرطية، وإن ﴿أَمْسَكَهُمَا﴾ جواب الشرط ولَّا جواب القسم؟

* طالب: القسم.

* الشيخ: إي جواب القسم، لماذا؟ لأن لدينا قاعدة: إذا اجتمع الشرط والقسم حُذف جواب المتأخر منهما. قال ابن مالك مقررًا هذه القاعدة:

وَاحْذَفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ ∗∗∗ جَـــــوَابَ مَـــا أَخَّــــــرْتَ فَهْـــــــوَمُلْـــــــــــتَزَمْ

إذن المؤخر هنا الشرط، فيكون جوابه هو المحذوف، دل عليه جواب القسم.

يقول: (﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ أي: في تأخير عقاب الكفار)، قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا﴾ هذه الجملة مناسبتها لما قبلها أنها تعليل لما قبلها، فارتباطها به ارتباط العلة بالمعلول، يعني أنه في إمساكه للسماوات والأرض كان حليمًا غفورًا، ولولا حلمه ومغفرته لزالت السماوات والأرض وهلك من فيهما.

(الحليم) اسم من أسماء الله، ومعناها ذو الحلم، والحلم هو تأخير العقوبة عن مستحقها، تأخير العقوبة وليس ترك العقوبة؛ لأن ترك العقوبة عفو، ولكن تأخير العقوبة عن المسيء يسمى هذا حلمًا، قال ابن القيم رحمه الله:

وَهُوَ الْحَلِيمُ فَلَا يُعَاجِلُ عَبْدَهُ ∗∗∗ بِعُقُــــوبَةٍ لِيَتُــــوبَ مِنْعِــــصْيَانِ

فبحلمه عز وجل تتأخر العقوبات، لعل الناس يتوبون إلى الله سبحانه وتعالى، ﴿غَفُورًا﴾ هذا يغفر الذنب ويمحو أثره بالكلية، وسبق لنا أن المغفرة هي ستر الذنب والتجاوز عنه؛ وذلك لأنها مأخوذة من المـغفر الذي يغطي الرأس ويقيه السهام، وليست كما قيل مجرد الستر؛ لأن مجرد الستر لا تحصل به الوقاية، بل لا بد مع الستر من الوقاية، ويدل لهذا المعنى قوله سبحانه وتعالى في الحديث القدسي لعبده إذا خلا به وقرره بذنوبه، يقول: «كُنْتُ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٤١)، ومسلم (٢٧٦٨ / ٥٢) من حديث ابن عمر.]]، فإن هذا يدل على أن الستر غير المغفرة وأن المغفرة لا بد فيها من عدم المؤاخذة وعدم العقوبة.

في هذه الآية الكريمة فوائد:

* الفائدة الأولى: بيان قدرة الله عز وجل على إمساك السماوات والأرض، فهذه الأجرام العظيمة أمسكها الله تعالى بقدرته بدون معاناة، وبدون تعب، وإنما يقول للشيء: كن فيكون، ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق ٣٨] قال الله تعالى: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت ١١].

* ومِن فوائدها أيضًا: بيان رحمة الله عز وجل بعباده، حيث سخر لهم السماوات والأرض، بل سخر لهم ما في السماوات والأرض أيضًا، وهذا من كمال رحمته، فلولا رحمة الله عز وجل بعباده لوقعت السماوات على الأرض وهلك الناس وما تُرك عليها من دابة.

* ومن فوائد هذه الآية: أن السماوات والأرض مخلوقتان من جملة المخلوقات مسخرتان بأمر الله، ففيه رد على الفلاسفة الذين يقولون بقدم العالم وقدم الأفلاك وأن الفلك التاسع كما يزعمون هو المدبر لما تحته، بل نقول: هذه الأفلاك كلها مخلوقة لله مسخرة بأمره، لو شاء الله عز وجل أن تزول لزالت ولم يستطع أحد أن يمسكها.

* طالب: وجه الفائدة؟

* الشيخ: وجه الفائدة أنها مخلوقة من مخلوقات الله فليست قديمة.

* طالب: من أين نأخذه من الآية؟

* الشيخ: ﴿يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ﴾ فإن إمساكها دليل على أنها قائمة بأمره.

* ومِن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أنه لا أحد يستطيع أن يدبر هذه المخلوقات العظيمة الكبيرة؛ لقوله: ﴿وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾.

* ومِن فوائد الآية الكريمة أيضًا: توجيه الخلق؛ أنهم إذا رأوا في هذه الآيات في السماوات والأرض إذا رأوا ما يزعجهم ويقلقهم ألا يرجعوا إلى أحد إلا إلى الله عز وجل، فالزلازل والبراكين والكسوف والصواعق وغيرها مما يخوف العالم لا نرجع فيه إلا إلى الله؛ لأنه هو الذي يمسك السماوات والأرض أن تزولا، ولا أحد يمسكهما إذا زالتا إلا الله، ولكن كيف نلجأ إلى الله في هذه الأمور؟ هل نلجأ إليه بالصفة التي أرشدنا إليها النبي عليه الصلاة والسلام في صلاة الكسوف، أو نلجأ إلى الله تعالى بالصفة التي أرشد إليها النبي ﷺ في صلاة الكسوف في الكسوف فقط، وما عداه فإننا نلجأ إلى الله تعالى بالدعاء المطلق، هذا محل خلاف بين العلماء، فمنهم من قال: إنه إذا وُجدت آيات أفقية تخيف العباد فإنه يُشرع للعباد أن يصلوا صلاة الكسوف حتى يذهب ما بهم..

الذين قالوا بالأول: إنه يُصلَّى لكل آية تُخَوِّف العباد استدلوا بقول النبي ﷺ: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَر (...) يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِمَا عِبَادَهُ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا -يعني كَاسِفَتَيْنِ- فَصَلُّوا وَادْعُوا»[[أخرجه البخاري (١٠٤٨) من حديث أبي بكرة.]]. إلى آخره.

قالوا: وتخويف العباد بالصواعق والزلازل أشد وقعًا في نفوسهم من الكسوف، فإذا شُرِعَت الصلاة للكسوف، فمشروعيتها لهذه الآيات من باب أولى، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، «واستدل بفعل ابن عباس رضي الله عنها حين صلى صلاة الكسوف في زلزلة»[[أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٨٤١٠) من حديث ابن عباس.]]، ولكن المذهب يقولون: إنه لا تُصلَّى صلاة الكسوف إلا للكسوف، أو للزلزلة احتجاجًا بفعل ابن عباس رضي الله عنهما، ولكن الصواب ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، فإن هذا الذي ذهب إليه يدل عليه التعليل في الحديث: «آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِمَا عِبَادَهُ»[[أخرجه البخاري (١٠٤٨) من حديث أبي بكرة.]].

* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات العلة، والسبب في أفعال الله عز وجل؛ لقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [فاطر ٤١]. وإثبات العلل في أفعال الله أو في أحكامه تدل على كماله لا على نقصه، خلافًا للناقصين الذين زعموا أن إثبات الحكمة في أفعال الله تعالى وأحكامه تدل على النقص؛ ولهذا نفوا الحكمة عن أفعال الله وأحكامه، يقولون: لأن ذلك يقتضى النقص، وأنه فعل لغرض، أو حَكَم لغرض، والفاعل لغرض ناقصٌ بدونه، وعلى هذا فيكون نفي الحكمة عن أفعال الله وأحكامه من تنزيه الله تعالى عن النقص.

وفي الحقيقة أن أي إنسان يعتقد أن إثبات الحكمة في أفعال الله وأحكامه نقص فهو الناقص، حتى إن الإنسان بمجرد ما يتأمل في المسألة يعرف أن من فعل لغير حكمة فقد أتى سفهًا، وإن فعل لحكمة فقد أتى رشدًا؛ لأن الرشيد هو الذي يفعل الشيء لحكمة وحُسن تصرف، والسفيه بالعكس؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء ٥]. وعلى هذا ففي الآية هذه وغيرها من نصوص الكثيرة في الكتاب والسنة والعقل الصريح ما يدل على إثبات الحكمة لله عز وجل، وأن الحكمة من أجل صفات الله سبحانه وتعالى، وبيانها في أحكام الله وأفعاله من أعظم الأمور وأظهرها.

نقول: في الآية إثبات الحكمة؛ لأنه علل إمساك السماوات والأرض بماذا؟ بكون ذلك مقتضى حلمه ومغفرته.

* وفي الآية أيضًا من الفوائد: إثبات هذين الاسمين لله، وهما الحليم والغفور، وإثبات ما تضمناه من الصفة؛ لأن كل اسم من أسماء الله فهو متضمن لصفة، ليس في أسماء الله اسمٌ جامدٌ أبدًا حتى اسم الجلالة (الله)، ليس بجامد بل هو مشتق من الألوهية، وكذلك بقية الأسماء كلها ليست جامدة بل هي مشتقةٌ من معانٍ تدل عليها، والمعاني التي تدل عليها أسماء الله قد تكون متعددة في اسم واحد كما مر عليها في الدلالة أنها تكون دلالة مطابقة ودلالة تضمن ودلالة التزام.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском