Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Ya-Sin 36:48–51
36:48–49Page 443
وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلۡوَعۡدُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٤٨
And they say, "When is this promise, if you should be truthful?"
مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيۡحَةٗ وَٰحِدَةٗ تَأۡخُذُهُمۡ وَهُمۡ يَخِصِّمُونَ ٤٩
They do not await except one blast1 which will seize them while they are disputing.
قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يس ٤٨] يقول مَن؟ يقول الكفارُ المكذِّبون بوعد الله عز وجل، ومنه القيامة.
و﴿مَتَى﴾ هنا استفهامُ استبعادٍ وتَحَدٍّ؛ يعني: يقولون مستبعدين هذا الأمرَ مُتَحَدِّين مَن يقوله، يقولون: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. و﴿مَتَى﴾ هذه خبر مقدَّم، و﴿هَذَا﴾ مبتدأ مؤخَّر؛ وذلك لأن ﴿مَتَى﴾ واقعة موقع النكرة، و﴿هَذَا الْوَعْدُ﴾ معرفة، والمعروف أن المعرفة هو المبتدأ، والخبر يكون نكرةً وقد يكون معرفةً، لكن إذا وُجد نكرة ومعرفة وأمكن أن تكون المعرفة هي المبتدأ فهي المبتدأ، لماذا؟ لأن المبتدأ محكومٌ عليه، فلا بدَّ أن يكون معرفة، والمعرفة كما تعلمون تعيِّن المدلول وتخصِّصه، فلا بدَّ أن يكون المحكوم عليه معلومًا، ولهذا قال العلماء في هذه القاعدة: إذا وُجد كلمتان إحداهما معرفة والأخرى نَكِرة وأمكنَ أن تكون المعرفة هي المبتدأ فلتكنْ هي المبتدأ، وتعليل ذلك أن المبتدأ محكومٌ عليه، فلا بدَّ أن يكون معلومًا متعيِّنًا.
يقول: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، قال: (﴿الْوَعْدُ﴾ بالبعث ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ). يقولون هذا أيش؟ استبعادًا وتحدِّيًا، ولهذا قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾؛ إن كنتم صادقين بأننا نُبعث فمتى يكون؟! ولا شك أن هذا شُبهةٌ داحضةٌ؛ لأن الذين قالوا بالبعث لم يُعَيِّنوه بيومٍ معيَّن حتى يقول: يالَّا، أعطونا البعث.
وانظر إلى حُجَّتهم في آيةٍ أخرى تكون أَبْين: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجاثية ٢٥]، وهل الذين قالوا: إنهم يُبعثون، قالوا: إنكم تُبعثون في الدنيا، حتى يقولوا: ائتوا بآبائنا؟ أبدًا، ما قالوا هكذا، إنما قالوا: ستُبعثون يوم القيامة، فقولهم: ﴿ائْتُوا بِآبَائِنَا﴾ يعني: ابعثوهم لنا، هذا تَحَدٍّ في غير محلِّه؛ لأنهم ما قيل لهم: إنكم ستُبعثون في الدنيا، بل في يوم القيامة. هم يقولون: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أيش الجواب؟ ذكر الله هذا في القرآن: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [الجاثية ٢٦]، فالوعد لم يَحِنْ وقتُه بعد، انتظروا وسوف يأتي هذا الوعد.
قال الله تعالى: ﴿مَا يَنْظُرُونَ﴾ [يس ٤٩] هذا الجواب، أيضًا في هذه الآية أجاب، قال: (﴿مَا يَنْظُرُونَ﴾ أي: ينتظرون ﴿إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [يس ٤٩] وهي نفخة إسرافيل).
(نَظَر) تُستعمل متعدِّيةً في نفسها، وإذا كانت متعدِّيةً بنفسها فهي بمعنى الانتظار؛ مثل: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [يس ٤٩]، ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ﴾ [فاطر ٤٣]، ولها أمثلةٌ.
وإنْ تعدَّتْ بـ(في) صار المراد بها نَظَر الفِكْر؛ تقول: نَظَرَ في كذا؛ أي: فكَّر فيه وتأمَّلَه.
وإذا تعدَّتْ بـ(إلى) فهي النظر بالعين؛ تقول: نظرتُ إليه، ومنه قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة ٢٢، ٢٣].
ما ينتظر هؤلاء (﴿إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ وهي نفخة إسرافيل الأُولى). ﴿صَيْحَةً﴾ يعني: يُصاح بهم، وذلك في النفخة الأُولى في الصُّور؛ لأن هذه النفخة يكون لها صوتٌ عظيمٌ مزعجٌ، يفزع الخلائق؛ قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [النمل ٨٧]، كل الخلائق تفزع إلا مَن شاء الله عز وجل، فيفزعون فزعًا شديدًا يؤدي إلى الصَّعْق، إلى الموت، وحينئذٍ تكون نفخة واحدة فيها فزعٌ وفيها صَعْقٌ.
قال الله تعالى: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ﴾ تأخذهم كما يأخذ العدوُّ عدوَّه بحيث لا تُمهلهم ولا تُنظِرهم.
(﴿وَهُمْ يَخَصِّمُونَ﴾ بالتشديد، أصلُه (يختصمون)، نُقِلت حركةُ التاء إلى الخاء وأُدغِمت في الصاد؛ أي: وهم في غفلةٍ عنها بتخاصُمٍ وتَبايُعٍ وأكْلٍ وشُربٍ وغير ذلك).
أصل ﴿يَخَصِّمُونَ﴾ أصله (يختصمون) يقول المؤلف: (نُقِلت حركةُ التاء إلى الخاء)، والخاء في الأصل ساكنة، فصارت ﴿يَخَصِّمُونَ﴾ ، نعم، وهذا إحدى القراءات. بالفتح ﴿يَخَصِّمُونَ﴾ ؛ لأنه قال: (نُقِلت حركةُ التاء إلى الخاء)، والتاء مفتوحة، ولم يذكر شيئًا آخَر.
والقراءة التي في المصحف: ﴿يَخِصِّمُونَ﴾، وكأنها كُسرت الخاءُ مراعاةً لكسر الصاد؛ ﴿يَخِصِّمُونَ﴾.
فيها القراءة الثالثة: ﴿يَخْصِمُونَ﴾ كـ(يَضْرِبون)، فتكون القراءات الآن ثلاثًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: ذكر ﴿يَخْصِمُونَ﴾ .
* طلبة: (...).
* الشيخ: إي، لكن الله يهديكم هذه ﴿يَخْصِمُونَ﴾ ، عندنا ثلاث قراءات الآن، هو ذكر قراءتين فقط.
* طالب: (...).
* الشيخ: سبحان الله العظيم! ليتكم ما تستعجلون بس، فيه قراءتان فقط عندي، ومعكم الجمل، أيش يقول؟
* طالب: قوله: ﴿يَخَصِّمُونَ﴾ بفتح الياء، مضارع (خَصَّم) -كعَلَّمَ- وأصله (اخْتَصمَ) فنُقلت حركة التاء إلى الخاء، ثم قُلبت –أي التاءُ- صادًا وأُدغمت في الصاد، وحُذفت همزة الوصل للاستغناء عنها بتحريك الخاء، فوقع الإعلال في الماضي كما وقع في مضارعه الذي أشار له بقوله: (أصلُه يختصمون). وقوله: (نُقلت حركة التاء) أي: بتمامها أو بعضها، فُتحت، هذا قراءتان: فَتْح الخاء فتحةً تامَّةً، واختلاسُها؛ أي: النطقُ ببعض فَتْحتها. وقوله: (وأُدغمت) أي: بعد قَلْبها صادًا. وقوله: (وفي قراءة ...) إلى آخره، تلخَّص من كلامه أن القراءات هنا ثلاث، وبقي رابعةٌ وهي فَتْح الياء وكَسْر الخاء وكَسْر الصاد المشدَّدة، وعلى هذه القراءة فحركةُ الخاء ليست حركةَ نَقْل، وإنما هو لَمَّا حُذفت حركةُ التاء صارت ساكنة، فالتقت ساكنةً مع الخاء، فحُرِّكت -أي الخاء- بالكسر على أصل التخلُّص من التقاء الساكنين، فتلخَّص أن القراءات أربعة، وكلُّها سبعية، وكلُّها مع فتح الياء، وليس لنا قراءة سبعية بضمها.
* الشيخ: زين إذَنْ -بعد- زاد على ثالثة، وأنتم تحاولون أن تكون قراءتان فقط، نعم، ولهذا أنا أنصحكم بعدم التسرع، الكتاب معي الآن، وأنا أرى كما ترون، اللي معنا الآن القراءات التي ذكر المؤلف قراءتان فقط؛ يقول -وانتبهوا لها عشان تعرفون (...) المؤلف- قال: (بالتشديد، أصله (يختصمون) نُقلت حركة التاء إلى الخاء) وحركة التاء هي الفتحة (وأُدغمت في الصاد) ما هي اللي أُدغمت؟ التاء، فصارت على هذه القراءة ﴿يَخَصِّمُونَ﴾ ، القراءة اللي في المصحف ﴿يَخِصِّمُونَ﴾ بكسر الخاء، هذه قراءتان، القراءة الثالثة: ﴿يَخْصِمُونَ﴾ كـ(يضربون)، القراءة الرابعة التي أشار إليها المحشِّي هو أن نجعل الخاء لا مفتوحةً خالصةً ولا مكسورةً خالصةً، نختلس الفتحة، هذه قراءة رابعة ما أشار إليها المفسر.
القراءة الثالثة أيضًا ما أشار إليها، وهي القراءة الموجودة في المصحف: ﴿يَخِصِّمُونَ﴾، والقراءة الموجودة في المصحف وجَّهها المحشِّي بأن الحركة أُزيلت من التاء فصارت ساكنة، فلمَّا صارت ساكنة حُرِّكت الخاء بالكسر لالتقاء الساكنين على الأصح.
فالمهم اللي عندنا المؤلف يقول رحمه الله، يقول: (أي: وهم في غفلةٍ عنها بتخاصُمٍ وتَبايُعٍ وأكْلٍ وشُربٍ وغير ذلك)، فالصيحة إذَن أخذتهم على غِرَّة وهم غافلون عنها، لاهون بأمورهم ودُنياهم، يتخاصم بعضهم مع بعض، وهذا يدلُّ على عدم ائتلاف قلوبهم في تلك الساعة، وأنهم من جنس البهائم، ولهذا لا تقوم الساعة إلا على شِرار الخلْق.
ولم يذكر الله عز وجل سوى التخاصم، كأنَّ أكثر ما هم عليه في ذلك الوقت هو التخاصم والتباغض والتدابر؛ لأنهم ما عندهم إيمان، هم شِرار الخلق في معاملة الله، وشِرار الخلق في التعامل فيما بينهم.
(وفي قراءةٍ: ﴿يَخْصِمُونَ﴾ كـ(يَضرِبون) أي: يخصم بعضهم بعضًا)، فيكون الظهور للغالب في الخصومة لا للحق؛ لأنهم في هَرْج ومَرْج، وليس عندهم إيمانٌ ولا مروءةٌ ولا خُلُق، هم شِرار الخلْق، فكانت هذه -والعياذ بالله- حالهم عند قيام الساعة، ويأتي إن شاء الله بقية الكلام.
(...) تعنُّت هؤلاء ومكابرتهم؛ ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ [يس ٤٨].
* فيُستفاد من ذلك: أن بني آدم يَصِلون إلى حدِّ التحدي لرب العالمين ولمن بلَّغ رسالته في قولهم: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾.
* ومن فوائدها: أن الرُّسُل بلَّغوا البلاغ المبين، وبيَّنوا للناس أنهم سيُبعثون ويجازَون وأنهم وُعدوا بذلك؛ لقولهم:
﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾.
* ومن فوائدها: أن هؤلاء الذين قالوا هذا القول تَحَدِّيًا واستبعادًا لم يُصَدِّقوا الرسل، بل كذَّبوهم، ولَيْتَهم نظروا في الأمر وفكَّروا؛ لقوله هنا: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
* ومن فوائد الآية التي بعدها: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً﴾ [يس ٤٩]: إثبات عِلْم الله عز وجل وسَمْعه؛ لأن قوله: ﴿مَا يَنْظُرُونَ﴾ جواب قولهم: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾.
* ومن فوائدها: تهديد هؤلاء المكذِّبين بهذه الصيحة التي تأخذهم.
* ومن فوائدها: بيان قدرة الله عز وجل حيث يُؤخذ هؤلاء كلُّهم بصيحةٍ واحدةٍ؛ لقوله: ﴿إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾، وهنا أكَّد الصيحة بـ﴿وَاحِدَةً﴾ ليبيِّن أنه لا يعيدها مرَّة ثانية، بل بأول مرَّة يؤخذون.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذه الصيحة تأتيهم بغتةً؛ لقوله: ﴿وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾، غافلين عنها.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: بيان حال هؤلاء الذين تقوم عليهم القيامة وتأخذهم الصيحة، وهي الخصوم والتنازع، مما يدلُّ على سوء أحوالهم، وسوء أخلاقهم، وأنهم لا همَّ لهم إلا هذا الأمر؛ إلا المخاصمة والمنازعة شُحًّا وطمعًا في الدنيا وغفلةً عن الآخرة، ولهذا جاء في الحديث الصحيح أنَّ الساعة لا تقوم إلا على شِرار الخلْق[[أخرجه مسلم (١٩٢٤ / ١٧٦) من حديث عبد الله بن عمرو.]]، وهؤلاء من المعلوم أنهم يأكلون ويشربون، لكن لم يذكر الله إلا هذا التخاصم لبيان سوء حالهم في ذلك الزمن.
36:50–51Page 443
فَلَا يَسۡتَطِيعُونَ تَوۡصِيَةٗ وَلَآ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِمۡ يَرۡجِعُونَ ٥٠
And they will not be able [to give] any instruction, nor to their people can they return.
وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ ٱلۡأَجۡدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ يَنسِلُونَ ٥١
And the Horn will be blown;1 and at once from the graves to their Lord they will hasten.
ثم قال الله عز وجل: ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ [يس ٥٠]؛ يعني إذا أخذتهم لم يتجاوزوا مكانهم، بل ولا يستطيعون الكلامَ لشدَّة ما هم فيه من الفزع.
﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ يعني: لا يستطيعون أن يُوصوا إلى أهليهم وإلى صغارهم وإلى سُفَهائهم؛ لأن الأمر عظيمٌ لا يتكلمون فيه.
﴿وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ لأنهم لا يتجاوزون مكانَهم، فلا هم الذين وصلوا إلى أهليهم وشاهدوهم، ولا هم الذين استطاعوا أن يُوصوا فيهم أحدًا، وهذا يدلُّ على أن الأمر الذي يأخذهم أمرٌ عظيمٌ، وهو كذلك؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل ٨٧].
قال: (﴿وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ من أسواقهم وأشغالهم، بل يموتون فيها).
(﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ [يس ٥١] هو قرنُ النفخة الثانية للبعث، وبين النفختين أربعون سنة).
﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ النفخ في الصور يذكره الله عز وجل دائمًا بالبناء لمجهول ﴿نُفِخَ﴾؛ لأن الإبهام أبلغ في التهويل والتعظيم مِمَّا إذا ذُكر الفاعل، ولهذا تجدون قول الله تعالى: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ [طه ٧٨] أَبْلغ مِمَّا لو بُيِّن هذا الذي غَشِيهم، فالإبهام أحيانًا يفيد التهويل والتعظيم.
هنا أبهمَ النافخَ، وفي كل الآيات مُبْهَم، النافخ مُبْهَم؛ لبيان عِظَم هذا الأمر، وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أن الذي وُكِّل بنفخ الصور هو إسرافيل أحد حملة العرش[[أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٣٤٨) من حديث عبد الله بن عباس.]].
قال المؤلف: (النفخة الثانية للبعث، وبين النفختين أربعون سنة ﴿فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾ ) إلى آخره.
﴿نُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ للبعث، وقد ذكر الله تعالى النفخ في الصُّور في هذه الآية وفي سورة الزمر، وفي سورة النمل، وكذلك في سورة الأنعام وغيرها.
المهم أنَّ العلماء اختلفوا في النفخات هل هنَّ ثلاث أو هما اثنتان؛ منهم مَن قال: إنهما اثنتان، ومنهم مَن قال: إنها ثلاث. والظاهر أنهما اثنتان فقط، لكن الأولى منهما فيها فزع وصَعْق، والثانية فيها بَعْث، وهذا ظاهر ما ذهب إليه المؤلف حيث قال: (النفخة الثانية للبعث)، فتكون نفختان، لكن الأولى منهما يحصل فيها فزعٌ عظيمٌ ثم موت.
وقال بعض العلماء: إنها ثلاث: النفخة الأولى فزع، والنفخة الثانية صَعْق وموت، والنفخة الثالثة بعث.
في سورة الزمر قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر ٦٨]، فذكر اثنتين.
في سورة النمل: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل ٨٧]، ثم ذكر يوم القيامة وطوى ذكر الثانية، فيكون هذا الفزع قبل الموت، ثم الموت، ثم البعث.
قال: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ والصُّور: قرنٌ عظيمٌ واسعٌ، ورد في الحديث أنَّ سعته كما بين السماء والأرض[[أخرجه البيهقي في البعث والنشور (٦٠٩) من حديث أبي هريرة.]]، يُنفخ فيه للبعث، فتخرج الأرواح منه، وتأوي كلُّ روحٍ إلى جسدها الذي تعمره في الدنيا لا تُخطئه، على كثرة الأرواح الخارجة من هذا الصور لا تخطئ روحٌ جسدَها الذي كانت تعمره في الدنيا، حتى لو قُدِّر أن عشرات الناس دُفنوا في مكانٍ واحدٍ فإن روح كلِّ واحدٍ لا تأوي إلا إلى جسدها، تقدير العزيز العليم جل وعلا.
قال الله تعالى: (﴿فَإِذَا هُمْ﴾ أي: المقبورون ﴿مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾ القبور ﴿إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ يخرجون بسرعة).
قوله ﴿فَإِذَا هُمْ﴾ الفاء عاطفة و(إذا) حرف دالٌّ على المفاجأة، و﴿هُمْ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿يَنْسِلُونَ﴾ خبره، و﴿إِلَى رَبِّهِمْ﴾ متعلقة بـ﴿يَنْسِلُونَ﴾.
يقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ﴾ يعني بمجرد ما يحصل النفخ لا يحصل وقتٌ بينهما؛ أي: بين النفخ في الصور والخروج من القبور.
﴿فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾ من القبور، يخرجون إلى الله تعالى مسرعين.
وقوله: ﴿فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾ الضمير في ﴿هُمْ﴾ قال المؤلف: (أي: المقبورون)، من أين عَلِمْنا أنَّ المراد المقبورون؟ لقوله: ﴿مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾؛ لأن الأجداث هي القبور.
وقوله: ﴿فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾ هذا بناء على الأغلب الكثير؛ لأن من الناس من لا يكون في جدثٍ، بل يُلقى في اليمِّ أو يُلقى في الأرض على ظاهرها، أو تأكله السِّباع، أو يحترق وتَذْروه الرياح، لكن الغالب والأكثر أنهم في القبور.
وقوله: ﴿إِلَى رَبِّهِمْ﴾ فيه تقديم المعمول لإفادة الحصر؛ يعني لا ينسلون إلى دنيا أو إلى قريبٍ أو إلى صديقٍ، وإنما ينسلون إلى الله عز وجل. والنَّسَلان معناه السير بسرعة؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء ٩٦] أي: يخرجون بسرعة.
* من فوائد الآية الكريمة التي قبل هذه وهذه أيضًا: أن النفخ في الصور إذا وقع (...).
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences