Ibn 'UthayminYa-Sin · 36:52–61

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Ya-Sin 36:52–61

36:52–61Page 443

قَالُواْ يَٰوَيۡلَنَا مَنۢ بَعَثَنَا مِن مَّرۡقَدِنَاۜۗ هَٰذَا مَا وَعَدَ ٱلرَّحۡمَٰنُ وَصَدَقَ ٱلۡمُرۡسَلُونَ ٥٢

They will say, "O woe to us! Who has raised us up from our sleeping place?" [The reply will be], "This is what the Most Merciful had promised, and the messengers told the truth."

إِن كَانَتۡ إِلَّا صَيۡحَةٗ وَٰحِدَةٗ فَإِذَا هُمۡ جَمِيعٞ لَّدَيۡنَا مُحۡضَرُونَ ٥٣

It will not be but one blast, and at once they are all brought present before Us.

فَٱلۡيَوۡمَ لَا تُظۡلَمُ نَفۡسٞ شَيۡـٔٗا وَلَا تُجۡزَوۡنَ إِلَّا مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٥٤

So today [i.e., the Day of Judgement] no soul will be wronged at all, and you will not be recompensed except for what you used to do.

إِنَّ أَصۡحَٰبَ ٱلۡجَنَّةِ ٱلۡيَوۡمَ فِي شُغُلٖ فَٰكِهُونَ ٥٥

Indeed the companions of Paradise, that Day, will be amused in [joyful] occupation -

هُمۡ وَأَزۡوَٰجُهُمۡ فِي ظِلَٰلٍ عَلَى ٱلۡأَرَآئِكِ مُتَّكِـُٔونَ ٥٦

They and their spouses - in shade, reclining on adorned couches.

لَهُمۡ فِيهَا فَٰكِهَةٞ وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ ٥٧

For them therein is fruit, and for them is whatever they request [or wish]

سَلَٰمٞ قَوۡلٗا مِّن رَّبّٖ رَّحِيمٖ ٥٨

[And] "Peace," a word from a Merciful Lord.

وَٱمۡتَٰزُواْ ٱلۡيَوۡمَ أَيُّهَا ٱلۡمُجۡرِمُونَ ٥٩

[Then He will say], "But stand apart today, you criminals.1

۞ أَلَمۡ أَعۡهَدۡ إِلَيۡكُمۡ يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ أَن لَّا تَعۡبُدُواْ ٱلشَّيۡطَٰنَۖ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٞ ٦٠

Did I not enjoin upon you, O children of Adam, that you not worship Satan - [for] indeed, he is to you a clear enemy -

وَأَنِ ٱعۡبُدُونِيۚ هَٰذَا صِرَٰطٞ مُّسۡتَقِيمٞ ٦١

And that you worship [only] Me? This is a straight path.

والمعروف أن العائد المذكور لا يُحذف إلا إذا كان عامل الموصول موافقًا لعامل المحذوف لفظًا ومعنًي، هذا هو المعروف عند النحويين، ولكن الراجح أنه يجوز حذْف العائد سواءٌ كان عامله من جنس عامل الموصول أو من غير جنسه، وأن القاعدة التي ذكرها ابن مالك بقوله:

وَحَذْفُ مَا يُعْلَمُ جَائِزٌ...... ∗∗∗ ........................

هذه عامَّة في كلِّ شيء، ليست في المبتدأ والخبر، بل في كلِّ شيء.

وقوله: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ [يس ٥٢] ﴿الرَّحْمَنُ﴾ اسمٌ من أسماء الله عز وجل من الأسماء المختصَّة به التي لا تُطلق على غيره، فلا يُسَمَّى أحدٌ رحمانًا، وأمَّا (رحيم) فيوصف بها الخلْق؛ قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة ١٢٨] لكن (رحمان) لا يجوز أن يوصف بها أحد، والفرق بينها وبين الرحيم أنَّ الرحيم باعتبار الفعل والرحمان باعتبار الوصف، فإذا قال: (الرحمن) يعني: ذو الرحمة الواسعة، و(الرحيم) الذي تصل رحمته إلي مَن شاء من عباده.

وهنا ذكر ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ ولم يقُل: ما وعد الله؛ لأن رحمة الله يوم القيامة تتجلَّى تجلِّيًا أكثر منها في الدنيا؛ فإن لله تعالى مئة رحمةً، جعل منها رحمةً في الأرض، فإذا كان يوم القيامة صار له مئة رحمة، التسع والتسعون الباقية والرحمة الأولى[[أخرج ابن أبي شيبة (٣٥٢١٠) بسنده من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ اللَّهَ خَلَق يوم خَلَق السماواتِ والأرضَ مئةَ رحمةٍ، فجعل في الأرض منها رحمةً، فبها تعطفُ الوالدةُ على ولدِها والبهائمُ بعضُها على بعض، وأخَّرَ تسعًا وتسعين إلى يوم القيامة، فإذا كان يوم القيامة أكملَها بهذه الرحمة مئةَ رحمة»، وأخرجه مسلم (٢٧٥٣) من حديث سلمان الفارسي رضي الله عنه بنحوه.]]، وهذا يدلُّ على تجلِّي رحمة الله تعالى في ذلك اليوم، ولهذا قال هنا: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾.

﴿الرَّحْمَنُ﴾ مشتقٌّ، يدل على أيش؟ على صفة الرحمة، ويجب علينا في أسماء الله تعالى أن نؤمن بالاسم، ويش بعد؟ وما دلَّ عليه من الصفة والأثر المترتب على ذلك، ويجوز أن نقول: والحكم، فهنا (الرحمن) اسمه، و(الرحمة) صفته و(يرحم من يشاء) فِعله سبحانه وتعالى، وهو أثر الرحمة.

قال: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾، ﴿وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ لأنه سيكون يومٌ يُبعث فيه الناس، ويُجازَى فيه المحسنُ بإحسانه والمسيءُ بإساءته، ومجازاة المحسن الحسنة بعَشْر أمثالها إلى سبع مئة ضِعْفٍ إلى أضعافٍ كثيرة.

قال: (﴿وَصَدَقَ﴾ فيه ﴿الْمُرْسَلُونَ﴾ ) (صَدَقَ) بمعنى أخبر بالصدق، و(صَدَّقَ) بمعنى صدَّق القائلَ، فالتصديق من المخاطَب، والصِّدق من المتكلم، يقال: صَدَقَ، ويقال: صَدَّقَ، (صَدَقَ) بمعنى أخبر بالصدق؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ [آل عمران ١٥٢] و(صَدَّقَ) أيش؟ صدَّق القائل؛ يعني أقرَّ بقوله واعترفَ به؛ قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر ٣٣]، فهو صادق مصدِّق، والله أعلم.

* الفوائد: يقول الله عز وجل: ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس ٥٢] في هذا دليلٌ على شدَّة حسرة المكذِّبين؛ الذين يكذِّبون بالبعث إذا بُعثوا يقولون: ﴿يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾، ودليل ذلك قولهم: ﴿يَا وَيْلَنَا﴾، وهذه الكلمة دعاء بالثُّبور والحسرة على مَن نطق بها.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن عذاب البرزخ بالنسبة لعذاب الآخرة هيِّن، حتى إنه مِثْل النوم عند النائم.

* ومن فوائد الآية الكريمة: توبيخ هؤلاء المكذِّبين حين يُقال لهم: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى صادقُ الوعدِ لا يُخلفه؛ وذلك لأن إخلاف الموعد يكون من أحد أمرينِ: إما الكذب وإما العجز، وكلاهما مُنْتَفٍ عن الله عز وجل، فلا كَذِبَ في وعده، ولا عَجْز عن تنفيذه، ولهذا فهو عز وجل لا يُخلف الميعاد لكمال صدقه وقدرته.

* ومن فوائد الآية الكريمة: صِدْق الرسل عليهم الصلاة والسلام فيما أخبروا به من البعث وغيره؛ لقوله: ﴿وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾.

* ومن فوائدها: أن المشركين كانوا يُقِرُّون بالحق، لكن متى؟ إذا شاهدوا الحق، والإقرار بالحق بعد مشاهدته لا ينفع؛ لأن الإقرار بالحق إذا لم يكن غيبًا لم يكن الإنسانُ مؤمنًا بالغيب، بل كان مؤمنًا بالشهادة.

فإن قلتَ: قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام ٢٣]، فهنا أنكروا الشرك مع أنهم كانوا مشركين، بل إنهم يُقِرُّون بشركهم كما قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء ٤٢]، فكيف الجمع؟

الجمع بينهما أن يقال: إنَّ يوم القيامة ليس لحظةً ولا ساعةً قليلةً، بل هو خمسون ألف سنة، فهُم يتقلَّبون؛ أحيانًا يُقِرُّون بكل ما عملوا، وأحيانًا يُنكرون، إذا رأوا نجاةَ المؤمنين قالوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ لعلهم ينجون كما نجا غيرهم، ولكن يُختم على أفواههم وتُكلِّم أيديهم وأرجلُهم، وحينئذٍ يُقِرُّون ولا يكتمون الله حديثًا، والله أعلم.

* * *

* طالب: (...) قراءتين (...) ﴿وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾، قراءة الفتح واضحة.

* الشيخ: ما هي بعندنا قراءتان، فيها قراءتان؟! ما فيها.

* طالب: قرأتَها يا شيخ.

* الشيخ: لا.

* طالب: (وصَدَّقَ)، (وصَدَقَ).

* الشيخ: لا، قلت: إنه يقال: صَدَّق، ويقال: صَدَقَ.

* طالب: ليست قراءة؟

* الشيخ: لا، ما هي بقراءة.

* طالب: الراجح في عدد النفخات هي نفختان أم ثلاث؟

* الشيخ: الراجح أنهما اثنتان.

* طالب: والنفخة التي قال عنها الرسول ﷺ أنه أول مَن يرى موسى[[أخرج البخاري (٧٤٧٢) ومسلم واللفظ له (٢٣٧٣ / ١٦٠) بسندهما من حديث أبي هريرة قال: استبَّ رجلانِ؛ رجلٌ من اليهود ورجلٌ من المسلمين، فقال المسلم: والذي اصطفى محمدًا ﷺ على العالمين، وقال اليهودي: والذي اصطفى موسى عليه السلام على العالمين. قال: فرفع المسلمُ يده عند ذلك فلطمَ وجْه اليهودي، فذهب اليهودي إلى رسول الله ﷺ فأخبره بما كان من أمره وأمر المسلم، فقال رسول الله ﷺ: «لا تُخَيِّروني على موسى؛ فإنَّ الناسَ يصعقون فأكونُ أول مَن يُفيق، فإذا موسى باطشٌ بجانب العرش، فلا أدري أكان فيمَنْ صعق فأفاق قبلي أم كان مِمَّن استثنى اللَّهُ».]]؟

* الشيخ: هذه نفخة الصعق.

* طالب: الصعق.

* الشيخ: أي نعم.

* طالب: شيخ، فيه دليل على أن (...)؟

* الشيخ: لا، أبو هريرة قال: أربعون، بينهما أربعون، فسُئل أبو هريرة فقال: أَبَيْتُ[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨١٤)، ومسلم (٢٩٥٥ / ١٤١)، من حديث أبي هريرة.]]، لكن لعل المؤلف أخذها من دليلٍ آخَر، وإلا أبو هريرة راوي الحديث أَبَى أن يُفصح بشيءٍ؛ يعني ما هو سمع عن الرسول، لكنْ ذكر ابن القيم في النونية أن بينهما أربعين سنة أو أربعين يومًا، ترى أني نسيت في النونية هل ذكر أربعين يومًا أو أربعين سنة.

* * *

* طالب: بسم الله الرحمن الرحيم. (...).

* الشيخ: قال الله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [يس ٥٤]، ﴿الْيَوْمَ﴾ يعني يوم القيامة حين يُحضَر الناس للفصل والقضاء، فـ(أل) هنا للعهد الحضوري؛ يعني: ففي حضرتهم لذلك اليوم حينما يُحضرون لا تُظْلَم نفسٌ شيئًا.

وقوله: ﴿لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ أي: لا تُنقص، والنقص يكون بأحد أمرين: إمَّا بزيادة السيئات وإمَّا بنقص الحسنات، وكِلَا الأمرينِ مُنْتَفٍ كما قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه ١١٢] أي: لا يخاف هضمًا من حقِّه في الحسنات، ولا ظُلمًا بزيادة السيئات.

يقول: ﴿لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾، و﴿نَفْسٌ﴾ نكرة في سياق النفي، فتشمل كلَّ نفسٍ، حتى الكافر يكون عذابه على حسب عمله، ولهذا قال: ﴿وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ يعني: لا تُكافَؤون على أعمالكم إلا ما كنتم تعملون.

قال المؤلف رحمه الله: (إلا جزاء ما كنتم تعملون) وإنما قدَّر (جزاء) لئلَّا يتسلَّط الفعل على نفْس العملِ والعملُ قد مضى وانقضى، والذي يوجد في يوم القيامة هو الجزاء، ولهذا قال: (إلا جزاء ما كنتم)، لا نفس العمل؛ فإن العمل كان في يوم الدنيا ليس في يوم القيامة، والذي في يوم القيامة هو الجزاء، فلهذا قدَّر المؤلف: (إلا جزاء ما كنتم تعملون).

فإن قال قائل: كلام المؤلف هنا أفلا يكون منتقَدًا لأنه كالاستدراك على كلام الله عز وجل؟

فالجواب على هذا أن يقال: لا، ليس بمنتقَد، وليس مقتضاه الاستدراك على كلام الله؛ لأن المؤلف أراد أن يفسِّر المعنى المراد، ولم يُرِدْ أنَّ في الكلام نقصًا، وقد عُلم في البلاغة أن الإيجاز نوعان: إيجازُ حذفٍ وإيجازُ قِصَر؛ إيجاز الحذف معناه أن تكون الجملة فيها شيءٌ محذوفٌ يُعلم من السياق، وإيجازُ قِصَرٍ أن تكون الجملة ذات كلمات يسيرة ولها معانٍ كثيرة، فعلى كلام المؤلف يكون في الكلام إيجاز حذف.

فإذا قال قائل: إن هذا التركيب الذي ذكره المؤلف فيه شيءٌ من الركاكة (لا تُجزون إلا جزاء ما كنتم تعملون) إذا قُورن بقوله: ﴿وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾؟

فالجواب: نعم، القرآن أفصحُ بلا شك وأَبْيَنُ وأَسَدُّ؛ لأن التعبير عن الجزاء بالعمل أبلغُ في التأثير على النفس؛ فإذا علم الإنسانُ أنه لا يُجزَى يوم القيامة إلا عملَه فإنَّه سوف يزدجر عن المحرَّمات، وسوف يقوى على فعل المأمورات؛ لأنه يعلم أن عملَه هذا نفسه هو الذي سيُجزاه يوم القيامة، فالذي يظهر لي أن الكلام لا يحتاج إلى هذا التقدير الذي ذكره المؤلف؛ لأنَّ جَعْلَ الشيءِ الذي هو العمل هو الذي يُجزى به الإنسانُ أبلغُ في إثارة النفس كما قرَّرناه.

وقوله: ﴿إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، ﴿كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ متى؟ في الدنيا، و﴿تَعْمَلُونَ﴾ هذه خبر (كان)، الجملة تحتاج إلى عائد يعود على الموصوف؛ على ﴿مَا﴾؛ لأنه قد تقرَّر في علم النحو أن كل اسمٍ موصولٍ يحتاج إلى عائدٍ يربطه بصِلَته، كما أن كل خبرٍ للمبتدأ يكون جملةً يحتاج إلى رابطٍ يربط بين الجملة الخبرية وبين المبتدأ التي هي خبرٌ عنه. هنا نقول: إنَّ العائد محذوفٌ؛ أي: ما كنتم تعملونه، العمل يُطلق بلا شك على الفعل، ويُطلق أيضًا على القول، ويُطلق على عمل القلب وهو الركونُ إلى الشيء والاطمئنانُ به، فإذا أُطلِقَ العملُ شَمِل هذه الثلاثة، هي؟

يُطلق على الثلاثة، كلمة عمل تكون للثلاثة:

عمل القلب؛ وهو ركونه إلى الشيء ورضاه به وطمأنينته به، هذا يُسمَّى عمل القلب.

قول؛ يعني عمل اللسان.

فعل؛ عمل الجوارح.

هذا إذا أُطلق العمل، أمَّا إذا قيل: عملٌ وقولٌ، أو: قولٌ واعتقادٌ وعملٌ، فإن العمل يفسَّر هنا بماذا؟ بالفعل الذي هو عمل الجوارح، وهذا يكون كثيرًا في اللغة العربية وفي القرآن، وهو أن الشيء إذا أُفرِد يكون شاملًا، وإذا قُرِنَ بغيره صار خاصًّا؛ لأنه إذا قُرِنَ بغيره صار الكلام على جهة التقسيم، والتقسيم لا بد فيه من مُقَسَّم، المقسَّم يكون كلُّ قَسيمٍ منه ضِدًّا للقسيم الآخَر.

والخلاصة الآن أن المراد بالعمل هنا أيش؟ عمل القلبِ، والجوارحِ، واللسانِ الذي هو القول، يشمل كلَّ هذا؛ لأن هذا كلَّه يُجازى عليه الإنسانُ يوم القيامة.

فإذا قال قائل: هل يشمل العملُ الكفَّ؟ أي: إذا تَرَك الإنسانُ المعصيةَ هل يقال: إن هذا عملٌ يُجزى عليه؟

الجواب: نعم، يقال: إنه عملٌ يُجزى عليه، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ هَمَّ بِالسَّيِّئَةِ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ حَسَنَةً كَامِلَةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٤٩١)، ومسلم (١٣١ / ٢٠٧)، من حديث عبد الله بن عباس.]]؛ لأنه تركها لله، فما وجْه كونِ الترك عملًا؟ لأن الترك كفُّ النفس عن جماحِها وإقدامِها، فهو عمل، وحينئذٍ نقول: الكلمة -أعني ﴿تَعْمَلُونَ﴾ - تشمل أربعة أشياء هي:

* طالب: (...).

* الشيخ: فإنه عملٌ ويُجزى عليه الإنسان ﴿إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.

ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾ [يس ٥٥]، ثم قال: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [يس ٥٩].

لَمَّا ذكر الله عز وجل أن ذلك اليوم يُجازى فيه العاملُ بعمله ذكر أصنافَ العاملين، وهم صنفان؛ الصنف الأول: أصحاب الجنة، والصنف الثاني: المجرمون. المجرمُ هو مقترف الذنب كما سيأتي، أصحابُ الجنة لم يذكر عملهم، لكنَّه ذكر في آيات كثيرة عملَهم الذي يكون سببًا لدخولهم الجنة.

قال: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾، ﴿أَصْحَابَ﴾ جمع صَحْب، وصَحْب اسمُ جمعِ صاحب، والصاحبُ هو الملازم لمصحوبه، ولا يُسَمَّى الشيءُ صاحبًا للشيء إلا بعد الملازمة حسب ما يقتضيه العُرف، إلا شيئًا واحدًا استثناه العلماء وهو صحابة رسول الله ﷺ، فإنَّ صُحبته تثبت بمجرَّد اللقاء ولو لحظة، فكلُّ مَن اجتمع بالنبي ﷺ مؤمنًا به ومات على ذلك ولو لحظةً فهو صحابيٌّ له.

﴿الْجَنَّةِ﴾ مرَّ علينا أنها في اللغة العربية اسمٌ للبستان الكثير الأشجار، وسُمِّي بذلك لأنه لكثرة أشجاره يجنُّ مَن فيه وما فيه أيضًا، يجنُّ بمعنى أيش؟ بمعنى يستر؛ لأن هذه المادة (الجيم والنون) كلها تدور على هذا المعنى وهو الاستتار، ومنه سُمِّي الجنين لاستتاره في بطن أمِّه، وسُمِّي الجنُّ لاستتارهم عن الأعين، وسُمِّيت الْجُنَّة لأن المقاتل يستتر بها عن السهام.

فالْجَنَّة إذَنْ في اللغة: كلُّ بستانٍ كثير الأشجار، سُمِّي بذلك لأنه يجنُّ مَن فيه وما فيه؛ مَن فيه مِن الساكن وما فيه من الأشجار الصغيرة التي تكون تحت الأشجار الكبيرة، هذا هو أصل معنى هذه الكلمة في اللغة.

لكن معناها شرعًا: هي الدار التي أعدَّها الله سبحانه وتعالى للمتقين؛ ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران ١٣٣]، الجنة هي الدار التي أعدَّها الله تعالى للمتقين، فيها ما لا عينٌ رأتْ، ولا أُذُنٌ سمعتْ، ولا خطر على قلبِ بشر. ولا يصحُّ أن نقول: إن الجنة في الآخرة هي البستان الكثير الأشجار. لو قلْتَ هكذا لَنَزَّلْتَ من قيمتها في نفوس الناس، لكن إذا قلتَ: هي الدار التي أعدَّها الله للمتقين، فيها مالا عين رأتْ، ولا أُذُنٌ سمعتْ، ولا خطر على قلب بشر، صار ذلك حافزًا للعمل لها.

وقوله: ﴿الْيَوْمَ﴾ يعني يوم القيامة، و(أل) هنا للعهد، أيِّ العهود؟

* طلبة: الذِّكْري

* طلبة آخرون: الحضوري.

* الشيخ: الذِّكْري، للعهد الذِّكْري؛ لأنه سبق ذكره، و(أل) تكون للعهد الذِّكري إذا سبق ذِكْر مدخولها، ومنه قوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل ١٥، ١٦] فإذا كان مدخول (أل) سبق ذِكْره فهي للعهد الذِّكري.

﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ﴾ الجارُّ والمجرور هو خبر إنَّ.

﴿فِي شُغُلٍ﴾ يقول المؤلف: (بسكون الغين وضمِّها) ﴿شُغْلٍ﴾ و﴿شُغُلٍ﴾، القراءتان سبعيتان أو إحداهما شاذة؟

* الطلبة: سبعيتان.

* الشيخ: سبعيتان؛ لأن المؤلف رحمه الله من طريقه أنَّه إذا قال: (في قراءة)، (وفي قراءة)، فهما متساويتان؛ أي: كلتاهما قراءة سبعية، أمَّا إذا قال: (وقرئ)، فإنَّ هذه القراءة تكون شاذَّة، فليُعلم اصطلاحه حتى لا يشتبه.

(...) رأيت في كلام المؤلف هذا (وفي قراءة) فاعلمْ أن هذه القراءة سبعية؛ يعني أنها من القراءات الصحيحة التي إن شئتَ فاقرأْ بها وإن شئتَ فاقرأْ بالقراءة الثانية، فيجوز لنا الآن أن نقول: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغْلٍ فَاكِهُونَ﴾ ، ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾.

وهل الأفضل أنْ نقتصر على قراءةٍ واحدةٍ، أو أنْ نقرأ تارةً بهذه وتارةً بهذه؟

الصحيح أنَّ الأفضل أن نقرأ بهذه تارةً وبهذه تارةً؛ لأن الكلَّ ثبت عن النبي ﷺ، ونحن إذا بقينا على قراءةٍ واحدةٍ هجرنا بقيَّة القراءات مع أنها شرعيَّةٌ ثابتةٌ عن الرسول عليه الصلاة والسلام، فالأَوْلى أن تقرأ مرَّةً بهذه ومرَّةً بهذه، إلَّا أمام العامَّة فلا تفعل؛ لأنك إذا قرأتَ بقراءةٍ مخالفةٍ عما بين أيديهم من المصاحف فسوف يكون في ذلك فتنة، ويكون في ذلك زعزعة للثقة في كتاب الله عز وجل، لكن إذا كنتَ تقرأ لنفسك أو تقرأ بين طلبة عِلْم فالأفضل أن تقرأ أحيانًا بهذا وأحيانًا بهذا.

قال المؤلف: (﴿فِي شُغُلٍ﴾ بسكون الغين وضمِّها، عمَّا فيه أهل النار؛ مِمَّا يتلذَّذون به). إذَنْ هم منشغلون عمَّا فيه أهل النار، ولو أنَّ المؤلف جعلها مطْلقة على إطلاقها لَكان أَوْلى، هُم في شُغل عن كلِّ شيءٍ بما يتلذَّذون به؛ يعني كأنَّهم لا يفكرون في أيِّ شيءٍ آخَر؛ لأن هذا الذي هم فيه من النعيم قد شغلهم وانشغلوا به عن غيره، وهذا كقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ [الكهف ١٠٨] أي: لا يبغون تحوُّلًا أو نُزولًا عمَّا هم فيه، بل ولا صُعودًا، حتى النازلُ منهم يرى أنه أكملُ الناسِ نعيمًا، فالأَوْلى أن نُطْلق ونقول: ﴿فِي شُغُلٍ﴾ أي إنهم مشتغلون بما هم فيه من النعيم عن كلِّ شيءٍ لا ينظر أحدهم أو لا ينتظر أحدهم نعيمًا أرقى مما هو فيه بحيث يرى أنَّ نعيمه ناقصٌ، ولا يلتفت إلى شيء أبدًا.

﴿فِي شُغُلٍ﴾ قال المؤلف: (كافتضاض الأبكار). الكاف هنا للتشبيه وليست للحصر؛ يعني: مِن جملة ما ينشغلون به التلذُّذُ بافتضاض الأبكار؛ يعني النساء من نساء الدنيا وكذلك الحور العين، وإنما مثَّل المؤلفُ بذلك لقوله: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ﴾ [يس ٥٦].

قال: (كافتضاض الأبكار، لا شُغل يتعبون فيه، لأن الجنة لا نَصَبَ فيها). يعني: لا تعبَ فيها. معلومٌ أن هذا الشغل ليس شغلًا يتعبون فيه، ولكنَّه شغلٌ يستريحون فيه؛ لأنه شغلٌ فيما يَسُرُّ وفيما يحصل به التنعُّم.

قال: (﴿فَاكِهُونَ﴾ ناعمون، خَبَرٌ ثانٍ لـ﴿إِنَّ﴾، والأول ﴿فِي شُغُلٍ﴾ ).

﴿فَاكِهُونَ﴾ خبر ثانٍ لـ﴿إِنَّ﴾ أين الأول؟

* الطلبة: ﴿فِي شُغُلٍ﴾.

* الشيخ: ﴿فِي شُغُلٍ﴾ الجار والمجرور، فتكون ﴿إِنَّ﴾ هنا لها خبران. وهل يجوز أن يتعدَّد الخبر؟

الجواب: نعم، يجوز أن يتعدَّد الخبر؛ قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج ١٤ - ١٦]، هذه خمس خَبَرات، فالخبر يجوز أن يتعدَّد، لكن تعدُّد الخبر قد يكون لكل كلمةٍ منه معنًى مستقلٌّ، وقد تكون كلمتان في معنى كلمةٍ واحدةٍ؛ فمثلًا إذا قلت: هذا البرتقال حلوٌ حامضٌ. هاتان كلمتان، لكنهما بمعنى كلمةٍ واحدةٍ؛ أي: مُزٌّ؛ يعني: جامعٌ بين الحلاوة والحموضة.

لكن لو قلت: فلانٌ قائمٌ مسرورٌ. هل الخبران بمعنى خبرٍ واحدٍ؟ لا، كلُّ واحدٍ منهما له معنًى مستقلٌّ، بدليل أنَّ أحدهما ينفرد عن الآخَر بمعنًى مستقل.

الخلاصة الآن أننا فهِمْنا من كلام المؤلف أن الخبر يجوز أن يتعدَّد سواءٌ كان منسوخًا كما في الآية أم غير منسوخ.

قال: (﴿هُمْ﴾ مبتدأ)، ﴿وَأَزْوَاجُهُمْ﴾ معطوفة عليه، ﴿فِي ظِلَالٍ﴾ [يس ٥٦] خبر المبتدأ.

﴿هُمْ﴾ أي: أصحاب الجنة، ﴿وَأَزْوَاجُهُمْ﴾ جمع زوج، وتُطلق على الذكر والأنثى فيقال: هذا زوج فلانة، ويقال: هذه زوج فلان. لكن أهل العلم قالوا: يجب التفريق -وإنْ كان لغةً ضعيفةً- في باب الفرائض فيقال: (زوجة) للأنثى، ويقال: (زوج) للرجل، لماذا؟ لئلَّا يشتبه على المتعلِّم كونُ المسألة المتوفَّى فيها زوجٌ ذَكَرٌ أو زوجٌ أُنثى، وإلا فاللغة العربية الفصحى حذْف التاء من (زوج) سواءٌ كان للأنثى أو للذَّكر.

(﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ﴾ جمع ظُلَّة أو ظِلٍّ، خبر)، يعني أنَّ ﴿فِي ظِلَالٍ﴾ خبر للمبتدأ ﴿هُمْ﴾، و﴿ظِلَالٍ﴾ جمع ظُلَّة أو جمع ظِلٍّ، والمعنى لا يختلف كثيرًا؛ فهُم في ظلالٍ ليس عندهم شمسٌ تصهرهم أو تسخِّن الجو، وإنما هو أنوار، قال بعض أهل العلم: كالنور الذي يكون بين طلوع الفجر وطلوع الشمس، نورٌ ساطعٌ ولكنَّه لطيف؛ لأن ألطف ما يكون هو مِثْل ذلك الوقت، فهو ظل ظليل.

(﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ جمع أريكة، وهو السرير في الحجَلة أو الفُرُش فيها). ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ خبر مقدَّم، و﴿مُتَّكِئُونَ﴾ مبتدأ مؤخَّر، ويجوز ما ذكره المؤلف فيما بعد.

قال: (﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ جمع أريكة). الأريكة هي السرير في الحجَلة أو الفِراش فيها، ولكن الأكثر أنها السرير، والحجَلة عبارة عن بيتٍ صغيرٍ في وسط البيت الكبير؛ يعني أنها بمنزلة الحجرة الخاصة بالمنام فيما نعرفه بيننا، فالدار مثلًا تشمل حُجَرًا كثيرة متعددة، والحجرة الخاصة بالنوم هي مثل الحجَلة؛ خيمة صغيرة تكون خاصَّة بالرجُل وأهله، أو بالرجل وحده، أو بالمرأة وحدها.

(﴿مُتَّكِئُونَ﴾ خبرٌ ثانٍ متعلق ﴿عَلَى﴾ ) يعني ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ متعلقة بـ﴿مُتَّكِئُونَ﴾، وعلى كلام المؤلف يكون المبتدأ ﴿هُمْ﴾، و﴿فِي ظِلَالٍ﴾ خبرًا، و﴿مُتَّكِئُونَ﴾ خبرًا ثانيًا، فالجملة على كلامه واحدة ولَّا متعدِّدة؟ الجملة واحدة، هم في ظلالٍ متكئون، الجملة واحدة لكنَّها متعددة الخبر، و﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ -على كلام المؤلف- متعلقة بـ﴿مُتَّكِئُونَ﴾، ومناسبة تقديمها على عاملها مراعاة الفواصل-فواصل الآي- وأنتم تعلمون أن القرآن الكريم يكون فيه مراعاة الفواصل حتى وإنْ أدَّى إلى تقديم المفضول على الفاضل؛ كما في قوله تعالى في سورة طه: ﴿بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ [طه ٧٠]، فقدَّم هارون على موسى مع أن موسى أفضل للفواصل؛ لأن الفواصل إذا كانت متَّفقة كان لها تأثير في الاستماع والإصغاء، والقرآن أَبْلغ الكلام. هذا ما ذهب إليه المؤلف.

ولنا رأيٌ ثانٍ في المسألة في الإعراب: أنْ تكون ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ خبرًا مقدَّمًا، و﴿مُتَّكِئُونَ﴾ مبتدأً مؤخَّرًا، وعلى هذا فيكون لدينا جملتان: جملة ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ﴾، والثانية: (متكئون على الأرائك). وما ذكرناه أعمُّ؛ لأن ما ذكرناه يشمل أن يكونوا متكئين على الأرائك مع زوجاتهم أو بدون زوجاتهم، وعلى كلام المؤلف يقتضي أن يكونوا متكئين على الأرائك مع الزوجات.

ثم قال عز وجل (﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ﴾ فيها ﴿مَا يَدَّعُونَ﴾ [يس ٥٧] ما يتمنَّون).

* طالب: متعلق (على) (...).

* الشيخ: متعلق (على)، متعلق؛ يعني أن ﴿مُتَّكِئُونَ﴾ تعلقت به ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾.

(﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ﴾ فيها ﴿مَا يَدَّعُونَ﴾ )

* طالب: (...).

* الشيخ: تفسير. ﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾ إلى آخره.

﴿لَهُمْ﴾ أي: لأصحاب الجنة ﴿فِيهَا﴾ أي: في الجنة ﴿فَاكِهَةٌ﴾ أي: ما يتفكَّهون به. وكلُّ أكل أهل الجنة فاكهة؛ لأنهم يأكلونه على سبيل التفكُّه لا على سبيل الحاجة والضرورة، نحن في الدنيا نأكل أحيانًا تفكُّهًا، وأحيانًا للحاجة، وأحيانًا أيش؟ للضرورة، أمَّا في الجنة فكل ما نأكله للتفكُّه؛ لأنه ليس هناك حاجة ولا ضرورة، ولهذا يأكل الإنسانُ الأكلَ ويخرج هذا الأكل رشْحًا -يعني مثل العرق- أطيب من ريح المسك، وليس فيها بول وليس فيها غائط.

فإذا قال قائل: أنت إذا جعلت الفاكهة اسمًا لكلِّ ما يأكلون لأنهم يأكلونه على سبيل التفكُّه، فكيف تُجيب على قوله تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن ٦٨] والأصل في العطف أن يكون للمغايرة؟ والنخل والرمان يؤكل ولَّا لا؟ يؤكل.

فالجواب يُعلم مما ذكرنا آنفًا وهو أنَّ الشيء إذا أُفرِدَ صار له معنى عامٌّ، وإذا قُرِنَ بغيره صار له معنى خاصٌّ مقابلٌ لِمَا قُرِنَ معه؛ لأن التقسيم يقتضي هكذا؛ أنْ يكون المقسَّم إليه من طرفٍ غير المقسَّم إليه من الطرف الآخَر.

فنقول: النخل والرمان نصَّ عليهما بخصوصهما لخاصِّية فيهما وإلا فهُما من الفاكهة، ويكون هذا من جنس عطْف الخاصِّ على العامِّ، وعطْفُ الخاصِّ على العامِّ في اللغة العربية كثير مثل؟

* الطالب: (...) الآية.

* الشيخ: إي، وغير الآية؛ لأنه ما يمكن أن تستشهد بما تحكم به.

* طالب: ﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [آل عمران ٨٤].

* الشيخ: لا، هذه من باب عطف العامِّ على الخاصِّ، نريد عطف الخاصِّ على العامِّ.

* طالب: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ﴾ [القدر ٤].

* الشيخ: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾، و(الروح) جبريل، وهو من الملائكة.

قال: ﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ﴾ قال المفسِّر: (فيها ﴿مَا يَدَّعُونَ﴾ يتمنَّون).

كلُّ ما يتمنَّونه فإنه حاصل، بل إن الله يعطيهم أكثر مِمَّا يتمنَّون؛ لأن أمنية الإنسان محدودة؛ قد يرى أن هذا أكبر شيءٍ وفيه شيءٌ آخَر أكبر منه ولكنَّه لا يُدركه، كُنَّا نقول ونحن صغار: المليون أكثر شيء، وين اللي عنده مليون! وصار المليون الآن أكثر شيء؟

* طلبة: لا.

* الشيخ: صار فوقه أشياء، فوقه بلايين، وفوق البلايين -بعد- أشياء ثانية، فالمهم أن الإنسان في الآخرة يُعطى كلَّ ما يتمنَّى بل يُزاد على ما يتمنَّى، فإذا قال قائل: هل..

فالجواب أن هذا أمر محتمل يحتمل أن الإنسان إذا اشتهى شيئًا حصل له، ويحتمل أنه لا بد أن يدَّعيه، والدعوى بمعنى الطلب لا بد أن يطلبه، وفائدة الطلب إظهار صدق الإرادة كما أن الفعل يدل على صدق الإرادة؛ فلو أن أحدًا من الناس قال: أنا أريد أن أزور فلانًا، فإن هذا الإرادة لا تظهر إلا إذا زاره بالفعل، وإلا فما دام لم يقم بالفعل فإن الإرادة قد تكون غير صادقة.

على كل حال يكفينا أن الله عز وجل يقول: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ [الزخرف ٧١] فإن ظاهر الآية أن كل ما تشتهيه وإن لم تطلبه يحصل لك.

قال الله عز وجل: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس ٥٨] ﴿سَلَامٌ﴾ قال المؤلف: (مُبْتَدَأ ﴿قَوْلًا﴾ أَيْ بِالْقَوْلِ، خَبَره ﴿مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ بِهِمْ أَيْ: يَقُول لَهُمْ سَلَام عليكم)؛ يعني: معنى كلام المؤلف أن الله سبحانه وتعالى يقول لهم: سلام، و(قول) هنا منصوبة على كلامه بنزع الخافض؛ لأنه قال: (أي: بالقول)، والنصب بنزع الخافض في غير (أنّ) و(أنْ) ليس بمطرد بل هو سماعي؛ يعني: إن سُمِع عن العرب النصب عُمِل به، وإن لم يُسمع فإنه لا يُعمَل به، وقاعدة ذلك أنه قد يحذف الجار يعني: حرف الجر، فإذا حُذف حرف الجر صار مدخوله منصوبًا ويقال فيه: منصوب بأيش؟ بنزع الخافض، ولكنه كما قال ابن مالك:

نَقَلًا وَفِي (أَنَّ) وَ(أَنْ) يَطَّرِدُ ∗∗∗ مَعْ أَمْنِ لَبْسٍ كَعَجِبْتُ أَنْ يَدُوا

أظنكم وجدتم هذا فيما سبق، (فِي (أَنَّ) وَ(أَنْ) يَطَّرِدُ) لكن بشرط أيضًا أن يُؤمَن اللَّبس (كعجبت أن يدوا)، على كل حال المؤلف مشى على أن ﴿قولًا﴾ منصوب بنزع الخافض أي: يقال لهم: سلام عليكم، وهذا القول صادر من رب رحيم، ويأتي إن شاء الله بقية الكلام على الآية في الدرس القادم.

* طالب: (...).

* الشيخ: الجنة التي فيها آدم مختلف فيها هل هي جنة الخلد أو جنة بستان؛ جنة دنيا؟ وعلى القول بأنها جنة الخلد وهو الذي أوردت فيه الإشكال يقال: إن هذا مستثنى، وربما يحدث الله أنواعًا وأصنافًا من النعيم لم تكن موجودة في عهد آدم.

* طالب: الجنة تفاضل يا شيخ (...).؟

* الشيخ: بلى.

* طالب: الذي في مرتبة أقل لا يرى أنه (...).

* الشيخ: لا يرى أنه أعلى منه، لكنه لا يطمع في ذلك ولا يتحسر ويندم أنه لم يكن في مرتبته، نحن إذا مررنا بالقصور كل واحد منا يقول: والله بيتي ما هو شيء عند هذا القصر، ويتمنى أن له هذا القصر إذا كان من أهل الدنيا ولَّا اللي من أهل الآخرة ما يهمه، لكن هناك لا يحصل في (...) هذا أبدًا نعم.

* طالب: (...)؟

* الشيخ: نعم، نحن ذكرنا مثل هذا تمامًا في قوله: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن ٦٨] وأجبنا عنه.

* طالب: النخل والرمان (...).

* الشيخ: أبدًا، اللحم أيضًا يُتَفَكَّه به، أنت الآن عندما يُقَدَّم لك لحم جمل قد بلغ في السنِّ عتيًا ولحم طير صغير من (...) ما يكون، ويش يكون لحم الطير بالنسبة للحم الجمل؟ نعم، فاكهة تتفكه به؛ لأن لحم الجمل تقعد تمضغه لك ساعتين ما فتته فضلًا عن أن تسيغ ابتلاعه، أما هذا بمجرد يمكن ما يقبل على فمك يتفتت ويدوب بينهما فرق.

* طالب: (...).

* الشيخ: الشك إذا رُكِنَ إليه، أما إذا طرده ولم يركن إليه واستعاذ بالله من الشيطان الرجيم فهذا لا يضره؛ يعني: مثلًا أنا شككت في أن فلانًا قَدِم، هو صحيح، ما عندي علم، هذا شك، ركنت إليه، لكن رجل قادم، ثم شككت في قدومه، هذا لا أركن إليه، وإن كان قد يرد على النفس، فالأمور التي يؤمن بها المؤمن هي عنده بمنزلة المُشاهدة، فإذا طرأ على نفسه ما يوجب الشك طَرده، لكن إذا كان مرتابًا -والعياذ بالله- تجد أنه يطمئن لهذا الشك، ويكون حقيقة حكمية في قلبه.

* طالب: (...).

* الشيخ: إي نعم، إذا طردها، الصحابة شَكَوْا إلى الرسول أنهم يجدون في أنفسهم ما يحبون أن يخروا من السماء ولا يتكلمون به فقال: «هَذَا صَرِيحُ الْإِيمَانِ»[[أخرجه مسلم (١٣٢ / ٢٠٩) من حديث أبي هريرة.]].

* فيما سبق من الآية الكريمة: ذكر الله سبحانه وتعالى أنه إذا نفخ في الصور قام الناس من الأجداث أي: من القبور، يقومون إلى ربهم ينسلون فيقول الكفار: ﴿يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس ٥٢]، ففي هذا دليل أو يؤخذ من هذه الآية فوائد:

* منها: دعاء هؤلاء الكفار على أنفسهم بالويل إذا شاهدوا الحساب يوم القيامة؛ لقولهم: ﴿يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾.

* ومن فوائدها: أن البقاء في القبور ما هو إلا كنوم النائم ينام ثم يستيقظ ويغادر المكان؛ لقولهم: ﴿مِنْ مَرْقَدِنَا﴾.

* ومن فوائد الآية: أن الله عز وجل يُبَيِّن لهم توبيخًا بأن هذا ما وعد الرحمن به من البعث والجزاء.

* وفيه أيضًا: أنهم يقرون على الاحتمال الثاني يقرون على أنفسهم بأن ما وعد الله به فسيقع بناء على أن قوله: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ [يس ٥٢] من كلامهم.

* ومن فوائدها أيضًا: أن الرسل عليهم الصلاة والسلام صادقون فيما يُخبرون به عن الله سبحانه وتعالى وعن غيره؛ لقوله: ﴿وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس ٥٢].

ثم قال: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس ٥٣].

* في هذه الآية: دليل على كمال قدرة الله سبحانه وتعالى وأنه عز وجل يصيح بأصحاب القبور صيحة واحدة فيقول مثلًا: اخرجوا، فيخرجون جميعًا لا يتخلف منهم أحد؛ ولهذا قال: ﴿فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾.

* ومن فوائدها أيضًا: أن الله سبحانه وتعالى إذا أمر بشيء لا يعيد الأمر مرة ثانية، بل يكون الشيء بأول أمر، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر ٥٠] الذي يعيد الأمر أو الكلام هو العاجز، وأما القادر فلا يعيده.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском