Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Ya-Sin 36:68–75
36:68–75Page 444
وَمَن نُّعَمِّرۡهُ نُنَكِّسۡهُ فِي ٱلۡخَلۡقِۚ أَفَلَا يَعۡقِلُونَ ٦٨
And he to whom We grant long life We reverse in creation;1 so will they not understand?
وَمَا عَلَّمۡنَٰهُ ٱلشِّعۡرَ وَمَا يَنۢبَغِي لَهُۥٓۚ إِنۡ هُوَ إِلَّا ذِكۡرٞ وَقُرۡءَانٞ مُّبِينٞ ٦٩
And We did not give him [i.e., Prophet Muḥammad (ﷺ)] knowledge of poetry, nor is it befitting for him. It is not but a message and a clear Qur’ān
لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيّٗا وَيَحِقَّ ٱلۡقَوۡلُ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ٧٠
To warn whoever is alive1 and justify the word [i.e., decree] against the disbelievers.
أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا خَلَقۡنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلَتۡ أَيۡدِينَآ أَنۡعَٰمٗا فَهُمۡ لَهَا مَٰلِكُونَ ٧١
Do they not see that We have created for them from what Our hands1 have made, grazing livestock, and [then] they are their owners?
وَذَلَّلۡنَٰهَا لَهُمۡ فَمِنۡهَا رَكُوبُهُمۡ وَمِنۡهَا يَأۡكُلُونَ ٧٢
And We have tamed them for them, so some of them they ride, and some of them they eat.
وَلَهُمۡ فِيهَا مَنَٰفِعُ وَمَشَارِبُۚ أَفَلَا يَشۡكُرُونَ ٧٣
And for them therein are [other] benefits and drinks, so will they not be grateful?
وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ ءَالِهَةٗ لَّعَلَّهُمۡ يُنصَرُونَ ٧٤
But they have taken besides Allāh [false] deities that perhaps they would be helped.
لَا يَسۡتَطِيعُونَ نَصۡرَهُمۡ وَهُمۡ لَهُمۡ جُندٞ مُّحۡضَرُونَ ٧٥
They are not able to help them, and they [themselves] are for them soldiers in attendance.1
ثم قال: ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ ننكسه فِي الْخَلْقِ﴾ [يس: ٦٨].
قال الله عز وجل ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ ننكسه فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾ الجملة هذه شرطية، فعل الشرط هو قوله: ﴿نُعَمِّرْهُ﴾، وجوابه ﴿ننكسه﴾ ، يقول الله عز وجل: ﴿مَنْ نُعَمِّرْهُ﴾ أي: نجعل عمره طويلًا؛ ولهذا قال المؤلف: (بإطالة أجله ﴿ننكسه﴾ وفي قراءة بالتشديد من التَّنْكِيس)، والقراءة الأصل التي جعلها المؤلف أصلًا من الإنكاس[[الصواب ﴿نَنْكُسْهُ﴾ من (النكس)، وليست من الإنكاس، وسوف يُنَبَّهُ عليها فيما بعدُ.]]، والإنكاس والتنكيس بمعنى الرَّدِّ من حال كاملة إلى حال ناقصة.
وقوله: ﴿نُنَكِّسْهُ﴾ أو﴿ننكسه فِي الْخَلْقِ﴾ يقول المؤلف في تفسيرها: (أي خلقه فيكون بعد قوته وشبابه ضعيفًا وهرمًا) نعم، كلما طال العمر بالإنسان فإنه يرجع إلى الوراء ليس بالقوة البدنية فحسب، بل في القوة البدنية والقوة العقلية والقوة الفكرية فيضعُف ويعود إلى أرذل العمر كما قال الله عز وجل، والغرض من هذا التنبيه وإن كان أمرًا واقعًا، كل يعرفه الغرض من هذا أن يبادر الإنسان عمره ما دام في قوته وشبابه؛ لأنه سيأتيه اليوم الذي لا يكون عنده تلك القدرة البدنية ولا القدرة الفكرية ولا القدرة العقلية، يكون تفكيره محدودًا كتفكير الصبي لا يفكر إلا فيما يحيط به جدران بيته، ويكون عقله كذلك محدودًا لا يستطيع أن ينظر ويعقل ويفكر في الأمور ويوازن بينها ويحكم عليها، كذلك أيضًا يكون حفظه للأشياء محدودًا فيمر به الشيء الصباح ولا يستطيع التعبير عنه في المساء، كل هذا أمرٌ واقع وظاهر، بل من الناس مَنْ يُسْلَب عقله نهائيًّا، وربما يصل إلى حد يشبه الجنون يؤذي أهله بالصراخ والعويل والأناشيد، وما أشبه ذلك، حسب ما كان عليه حين الصغر، حتى إن الإنسان إذا كان مثلًا جمالًا وكان يُنْشِد الأشعار تجده إذا كبر وهرم يبدأ ينشد هذه الأشعار، كل هذا أمر لا بد منه؛ ولهذا قال الشاعر:
لَا طِيبَ لِلْعَيْشِ مَا دَامَتْ مُنَغَّصَةً ∗∗∗ لَذَّاتُهُ بِادِّكَارِ الْمَوْتِوَالْهَرَمِ
كل إنسان عاقل إذا تَذَكَّرَ أن مآله إما موت عاجل وإما هرم فإنه لا يطيب له العيش، ولكن ليس معنى (لا يطيب له العيش) أنه يبقى ندمان في حزن، لا، بل، يسعى ويستعد لهذه الحال التي لا بد منها.
قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ﴾ (أن القادر على ذلك المعلوم عندهم قادر على البعث فيؤمنون به، وفي قراءة بالتاء) ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ وهي سبعية، كما هو معروف، هكذا قال المؤلف رحمه الله: إن المراد الاستدلال بتغيير حال الإنسان إلى هذه الحال الدانية على أن الله تعالى قادر على أن يبعثكم، وهذا الذي قاله ممكن لكن أحسن منه أن يقال إن معنى قوله: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ ، أفلا يكون لكم عقل فتبادروا أعماركم قبل أن تصلوا إلى هذه الحال، تبادرونها بماذا؟ بالإيمان والعمل الصالح ما استطعتم، حتى إذا وصلتم إلى هذه الحالة، وإذا أنتم على أَتَمِّ استعدادٍ لها، وغالبًا أن الإنسان الذي يُمْضِي وقته بطاعة الله سبحانه وتعالى أنه إذا هرم تجده لا يهتم إلا بالطاعات، كثير من المسلمين إذا هَرِموا تجده يقول: أين الماء، أنا أريد أن أتوضأ؟ أو تجده يصلي دائمًا، أو تجده يقرأ القرآن دائمًا، أو يذكر الله دائمًا، وهذه من نعمة الله سبحانه وتعالى أن الإنسان يهرم على الحال التي يكون عليها، وعكس ذلك سيكون بالعكس من كان في حال قوته وشبابه على غير هذا العمل الصالح سوف يكون هذيانه إذا كبر بهذا العمل السَّيِّء، قال: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾
(﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ أي: النبي ﴿الشِّعْرَ﴾ رَدٌّ لقولهم: إن ما أتى به من القرآن شعر. ﴿وَمَا يَنْبَغِي﴾ يَسْهل ﴿لَهُ﴾ الشعر، ﴿إِنْ هُوَ﴾ ليس الذي أتى به ﴿إِلَّا ذِكْرٌ﴾ عظة ﴿وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ مُظهِر للأحكام وغيرها).
قوله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس ٦٩]، أمَّا (علَّمنا) فهي تعود (نا) إلى الله سبحانه وتعالى، وأما الضمير الهاء فيعود إلى النبي ﷺ.
فإذا قال قائل: أين مرجع الضمير؛ لأن كل الآيات السابقة ليس فيها ذكر للنبي ﷺ؟
قلنا: إن الضمير يُعْلَم مرجعه من السياق السابق أو السياق اللاحق، وهذا يُشْبِه العهد الذهني في (أل) أو من الفهم بحيث يكون الأمر مفهومًا عند المخاطب، وهذا كالعهد أيش؟ كالعهد الذهني.
هنا يُعْلَم مرجع الضمير في قوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾، ومعلوم أن الذي جاء بهذا الذكر والقرآن المبين هو محمد ﷺ.
يقول الله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ أي: ما علَّمْنَا النبي ﷺ الشعر؛ لأن الشعر في الواقع لو علَّمَه الله النبي ﷺ لكان في ذلك حُجَّة للمبطلين المكذبين، ولقالوا: إن هذا القرآن من جملة الشعر الذي عُلِّمَ إياه؛ ولهذا لم يُعَلَّم الشعر ولم يعلم الكتابة كما قال تعالى:﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت ٤٨].
يقول: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾ فالنبي ﷺ لم يَقُلْ شعرًا أبدًا، وإذا قُدِّرَ أن جرى على لسانه كلام موزون وزن الشعر فإنه ليس عن قَصْدٍ وإرادة وإنما جاء عفوًا، والذي يأتي عفوًا ليس مقصودًا فلا يكون معلومًا؛ مثل قوله ﷺ: «أَنَّا النَّبِيُّ لَا كَذِبٌ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلَبِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٨٦٤)، ومسلم (١٧٧٦ / ٧٨) من حديث البراء بن عازب.]].
فإن هذا رجز، ولكنه ليس عن قصد فلا يكون ذلك تعليمًا، أما الشعر فإنه الكلام الموزون المقفى وسُمِّيَ شعرًا؛ لأنه يأخذ بالشعور، ولهذا تجد أن النَّظْمَ يأخذ باللُّبِّ أكثر مما يأخذ النثر؛ يعني: ربما تسمع خطبة بليغة جيدة جدًّا وتجد ما يماثلها في المعاني من نظم، ولكنك ترى أن تأثير النظم أشد، وأخذَه بالشعور أكثر؛ ولهذا سُمِّيَ شعرًا، وبه نعرف أن ما يُسَمَّى الآن بالشعر المنثور ليس بشعر؛ لأنه لا يأخذ بالمشاعر، ليس بشعر وليس بنثر، وإنما هو كالمنافق لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، لا يطرب إليه من يطربون إلى النثر والخطب، ولا من يطربون إلى الشعر والقصائد، فهو في الحقيقة ليس بشيء، ولكن لكل امرئ من دهره ما تعود، الذين أحدثوه يطربون له ويرون أنه أشدَّ شاعرية من شعر امرئ القيس، فنحن نقول: إن الشعر هو الذي يأخذ بالمشاعر؛ بأن يكون كلامًا موزونًا مُقَفًّى يأخذ باللُّبِّ.
يقول: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾ قال المؤلف: (رَدٌّ لقولهم: إن ما أتى به من القرآن شعر)، والمكذبون والذين يقومون ضد أي إنسان لا بد أن يَصِفُوا قوله بالمعائب؛ لماذا؟ من أجل أن يُنَفِّروا الناس عنه، ولكن كما قال الله عز وجل: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ [التوبة ٣٢]، قال الله سبحانه وتعالى في سورة الذاريات: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات ٥٢].
كل الرسل وُصِفوا بهذين الوصفين من أعدائهم؛ السحر والجنون، ومحمد عليه الصلاة والسلام أيضًا وُصِفَ بذلك؛ وصفوه بأنه ساحر وشاعر ومجنون وكاهن وكذاب، كل ذلك من أجل أن يُنَفِّروا الناس عنه، ولكن هل حَصَل الأمر؟ هل نفر الناس؟ أبدًا؛ لأن الحق -والحمد لله- سيعلو مهما قُوبِل به من صدمات فإن العاقبة له.
فإذا قال قائل: هذا الوصف للرسول عليه الصلاة والسلام هل يتعدى إلى أتباعه؟
فالجواب: نعم، كل ما وُصِفَت به الرسل يوصف بمثله أتباعُهُم، ألم تعلموا أن المجرمين إذا رأوا المؤمنين يقولون: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾ [المطففين ٣٢] يصفونهم بالضلال، وفي عصرنا يصفونهم بالرجعية والتأخر وما أشبه ذلك من الكلمات التي ينفروا الناس بها عن الحق، وأهل البدع يصفون أهل السنة والجماعة بألقاب السوء يقولون: إنهم نوابت، غثاء، حشو، حشوية، مجسمة، مشبهة، وما أشبه ذلك. كل هذا من أجل التنفير عما هم عليه، ولكن -الحمد لله- أن الأمر يكون ثَوابًا لهؤلاء الذين يصفون بهذه العيوب وامتحانًا لهم بالصبر على ما هم عليه من الحق، ثم العاقبة تكون لهم.
المؤلف رحمه الله قال: (وما يَسْهُل له الشعر) يعني: ليس سهلًا له، بل هو صعب عليه إنشاءً، وصعب عليه إنشادًا يعني: هو عليه الصلاة والسلام إذا أنشد شعر غيرِه ينشده أحيانًا على غير الوزن المعروف؛ لأنه ليس له عناية بالشعر أو تَحَفُّظٌ له، أما بنفسه فلا يُنْشِد، ولكن الأولى أن يفسر هنا ﴿مَا يَنْبَغِي﴾ أي: ما يمكن، ولا يصلح له، ولا يليق به؛ لأنها كلما جاءت في القرآن ﴿مَا يَنْبَغِي﴾ فالمراد بها الممتنع غاية الامتناع، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم ٩٢]، ليس معنى ﴿مَا يَنْبَغِي﴾ يعني أنه ما هو طيب، ولكن يمكن لكنه مستحيل غاية الاستحالة، ومثل قوله: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ [يس ٤٠] يعني: هذا شيء مستحيل أن تدرك القمر، وهذا حسب العادة فيما يتعلق بالشمس ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ أي: ما يمكن ولا يليق به عليه الصلاة والسلام أن يكون شاعرًا.
﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ قال المؤلف: (ليس الذي أتى به ﴿إِلَّا ذِكْرٌ﴾ ) فأفادنا بأنَّ ﴿إِنْ﴾ هنا نافية؛ يعني: ما هو إلا ذكر، ﴿إِنْ﴾ مكسورة الهمزة تأتي لعدة معان نستذكرها الآن، وإن كانت قد مرت علينا، الأول.
* طالب: نافية.
* الشيخ: نعم، نافية كما هنا، وعلامتها غالبًا أن يأتي بعدها (إلا)، طيب والثانية.
* طالب: شرطية.
* الشيخ: شرطية مثل؟
* طالب: إن تذاكر تنجح.
* الشيخ: إن تذاكر تنجح، طيب. وتأتي..
* طالب: زائدة.
* الشيخ: زائدة، مثل؟
* طالب: ما إن.
* الشيخ: ما إن، هات البيت.
* طالب:
بَنِي غُدَانَةَ مَا إِنْ أَنْتُمُ ذَهَبٌ ∗∗∗ وَلَا صَرِيفٌ وَلَكِنْ أَنْتُمُ الْخَزَفُ
* الشيخ:
بَنِي غُدَانَةَ مَا إِنْ أَنْتُمُ ذَهَبٌ ∗∗∗ وَلَا صَرِيفٌ وَلَكِنْ أَنْتُمُ الْخَزَفُ
طيب، هذه ثلاث.
* طالب: مخففة من الثقيلة.
* الشيخ: مخففة من الثقيلة، مثل؟
* طالب: (...).
* الشيخ: أيش؟
* طالب: (...).
* الشيخ: طيب، ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ [طه ٦٣].
................... ∗∗∗ وَإِنْ مَالِكٌ كَانَتْ كِرَامَالْمَعَادِنِ
طيب، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ قال: (عِظَة).
* طالب: (...) على الطاعة، هل يؤجر على هذا (...)؟
* الشيخ: ما هو بالظاهر، الظاهر ما يُشْتَرط.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي ما في شك؛ لأنه كونه يكون في قلبه هذا الشيء أحسن من أن يكون في قلبه محبة الدنيا، وما أشبه ذلك.
* طالب: (...) معناه أنه يُؤْجَر عليه (...).
* الشيخ: والله، إني أشك في الأجر إلا إذا كان عنده قصد، إن كان عنده قصد، لكنه هو في الحقيقة قاصد لهذا الأمر، لكن هل قصد به القُرْبَة، الله أعلم.
* طالب: (...).
* الشيخ: معلوم (...) يقصد بها القُرْبة، يقصد العمل والتقرب إلى الله بها، لكن هنا هل إنه يقصد التقرب أو شيء يجري على لسانه؛ لأنه هذا اللي في ذهنه من قبل؟
* طالب: (...).
* الشيخ: اللي عندي، عندي ﴿نُنْكِسْهُ﴾ ، وفي قراءة بالتشديد من التنكيس، نراجع. عندنا قراءتان الآن، نراجع القراءتين الآن، ما عندك.
* طالب: قوله: ﴿نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ﴾ أي: نُقَلِّبُه فيه فلا يزال يتزايد ضعفه وانتقاصه بنيته وقواه (...).
وقرأ عاصم وحمزة ﴿نُنَكِّسْهُ﴾ من التنكيس وهو أبلغ (...)، ﴿نُنْكِسُهُ﴾ . قرأ عاصم وحمزة بضم النون الأولى وفتح الثانية وكسر الكاف مشددة من نكَّس مبالغة، والباقون بفتح النون الأولى وتسكين الثانية وضم الكاف خفيفة من نَكَس وهي محتملة للمبالغة وعدمها.
* الشيخ: ﴿نَنْكُسْهُ﴾ طيب، ما ذكر اللي عندنا الثالثة ﴿نُنْكِسْه﴾ الأخير، أعد.
* طالب: وقرأ عاصم وحمزة ﴿نُنَكِّسْهُ﴾ من التنكيس وهو أبلغ.
* الشيخ: لا ويش اللي قبله؟ قال: وهو أبلغ.
* طالب: (...).
* الشيخ: ولا ضبطها؟
* طالب: ضبطها.
* الشيخ: المتن ﴿نُنْكِسْهُ﴾ .
* طالب: (...) وقرأ عاصم وحمزة ننكسه من التنكيس وهو أبلغ، (...) قرأ عاصم وحمزة بضم النون الأولى وفتح الثانية وكسر الكاف المشددة من نكَّسه وغلبه، والباقون بفتح الأولى وتسكين الثانية وضم الكاف خفيفة.
* الشيخ: ﴿نَنْكُسْهُ﴾ على هذا الضبط.
* طالب: وهي محتملة للمبالغة وعدمها (...) من باب قتل (...) ومنه قيل..
* الشيخ: نشوف بعدين، ما هو عندكم المصحف اللي فيه القراءات؟
* طالب: لِمَ وصف العرب الجاهليون القرآن بالشعر مع أن الفرق بين الشعر والنثر واضح لدى عامتهم فضلًا عن شعرائهم أما كانوا يعرفون أنه ليس بشعر؟
* الشيخ: على كل حال أنت تعرف المبطل يُمَوِّه بكل شيء، وإذا كثرت الدعايات والكلام والقول فقد ينقلب الأمر، فهم يفهمون أن هذا ليس بشعر، لكن قد يقول مثلًا: هذا شعر أتى به جديدًا على وجه جديد، وما أشبه ذلك، ويروجون لدعايتهم حتى يشتبه الأمر.
* طالب: لأن المروجين للشعر الحديث.
* الشيخ: نعم.
* طالب: قالوا: إن الشعر كان عند العرب نزل (...) بدليل أنهم نعتوا القرآن بالشعر وهو ليس موزونًا مقفى.
* الشيخ: لا، إحنا نقول: هذا من باب الترويج؛ ولهذا ما تستطيع أن تأتي بقصيدة واحدة للشعراء السابقين على مثل شعرهم هذا أبدًا.
﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ لأيش؟
﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ يعني: ما علمنا محمدًا ﷺ الشعر، ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ أي: لا يصح ولا يمكن أن يتعلم الشعر؛ لأن تعلمه الشعر يوجب احتجاجًا من المبطلين، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت ٤٨]، فلو تعلم النبي ﷺ الشعر لقالوا: إن هذا القرآن شعر مما تعلمه، كما أنه لو كان يكتب لقالوا: إن هذا شيء مما كتبه؛ قال الله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾، أظن وقفنا على هذه الجملة وبينا أن إن تأتي لعدة معان وهي؟
* طالب: شرطية، ونافية، وزائدة، ومخففة من الثقيلة.
* الشيخ: من الثقيلة. طيب، والذي يعين المعاني المتعددة في الكلمة الواحدة هو السياق، وهذه قاعدة في كل كلمة ذات معان متعددة يعينها السياق وقرينة الحال.
قال: ﴿إِنْ هُوَ﴾ أي: ما هو أي: الذي علمناه ﴿إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾، فقوله: ﴿إِنْ هُوَ﴾ ضمير يعود على المصدر المفهوم مِنْ (علمنا)، وكون مرجع الضمير مصدرًا معلومًا من الفعل السابق أمر لا يُسْتَغْرَب، ألم تر إلى قوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة ٨] ﴿هُوَ﴾ أي: العدل المفهوم من كلمة ﴿اعْدِلُوا﴾، فهنا ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ﴾ أي: الذي علمناه، ﴿إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ أي: ما الذي علمناه إلا ذكر وقرآن مبين.
قوله: ﴿إِلَّا ذِكْرٌ﴾ قال المؤلف: (عِظَة) يعني: موعظة يتذكر بها مَنْ تَذَكَّر، ومن الذي يتذكر؟ الذي يتذكر بهذا القرآن بَيَّنه الله تعالى في قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق ٣٧]، وهذا باعتبار الاستعداد والقبول، وقال تعالى في آية أخرى ما يدل على أن كل المتقين يتعظون بهذا القرآن، فيكون فيه بيان للذين يتعظون به من حيث السلوك، ففي سورة (ق) بيان للذين يتعظون به من حيث القبول والاستعداد في التذكر.
وفي الآيات الأخرى التي تربط التذكر بالقرآن بالإيمان والتقوى وما أشبه ذلك دليل على من يتعظ به من حيث السلوك والعمل وكلما ازداد الإنسان عملًا بالقرآن ازداد تَذَكُّرًا به، وهذا الذي ذكره المؤلف رحمه الله في معنى الذكر هو أحد معاني؛ لأن الذكر الذي وُصِفَ به القرآن يتضمن عدة معانٍ:
المعنى الأول ما ذكره المؤلف وهو أيش؟ العظة والتذكر به.
المعنى الثاني أنه ذِكْرٌ يذكر به الله وهو أشرف أنواع الذكر، كيف ذلك؟ لأن القرآن كلام الله عز وجل فبمجرد ما تتلوه وأنت تشعر أنه كلام الله سوف تذكر عظمة الله عز وجل، ولأن القرآن يشتمل على أخبار هي أصدق الأخبار وأنفعها للقلوب، ولأنه يشتمل على قصص هي أحسن القصص وأجملها وأتمها، ولأنه يشتمل على أحكام مِنْ لَدُنْ حكيمٍ خبير هي أعدل الأحكام وأقومها بمصالح العباد، ولأنه يشتمل على أوصاف الله تعالى وأسمائه التي هي أفضل الأسماء وأشرف الأوصاف. كل هذا في الواقع ذِكْرٌ، فالقرآن نفسه ذكر لله عز وجل؛ لأنه يشتمل على كل هذه المعاني التي بينها الله تعالى في كتابه.
المعنى الثالث للذكر أنه رِفعة وشرف لمن يقوم به ويعمل به؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف ٤٤]، والذكر بمعنى الرفعة والشرف موجود في القرآن كما في الآية التي تلوتُها الآن، وكما في قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح ٤] أي: ذكرك بالشرف والتبجيل والتعظيم.
فصار معنى الذكر هنا التذكر الذي هو الموعظة، والذكر الذي هو ذكر الله عز وجل بما يشتمل عليه القرآن مما أشرنا إلى شيء منه، والثالث الشرف؛ لأنه لا شك أن مَنْ تَمَسَّك بهذا القرآن فإنه له الشرف والسيادة على جميع الخلق؛ ولهذا فإني أحثُّكم على أن تمسكوا بهذا القرآن وأنتم إذا تمسكتم به عقيدة وعملًا وهديًا فستكون العاقبة لكم، ولا تظنوا أنكم قليلون، لو كنتم قليلين فإن الاهتداء بالقرآن يستلزم أن ينجذب الناس للمهتدي به حتى يكثروا شيئًا فشيئًا كالحجر تلقيه في اليم ثم تتسع الدائرة حتى يشمل اليم كله، فالحاصل أن المهم أن الإنسان إذا تَمَسَّك بهذا القرآن الكريم فسوف يكون له الشرف والسيادة والظهور على جميع الخلق.
قال: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾، ﴿قُرْآنٌ﴾ يحتمل أن يكون بمعنى مفعول وأن يكون بمعنى فاعل؛ لأن قرآن مصدر مثل الشكران والغفران والنكران وما أشبهها، والمصدر يأتي بمعنى اسم الفاعل ويأتي بمعنى اسم المفعول؛ وعلى هذا فالقرآن قارئ ومقروء؛ أما كونه قارئًا فلأنه من القَرْء يعني الجمع فهو جامع للأحكام والأخلاق والآداب الموجودة في الكتب السابقة قبله كما قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة ٤٨]، فهو جامع أيضًا لكل ما تقوم به أمور الدنيا وأمور الآخرة، هو أيضًا مقروء أي: متلو؛ لأنه يُتْلَى، والقراءة بمعنى التلاوة.
إذن قرآن نقول: إنه مصدر بمعنى اسم الفاعل واسم المفعول، وهل له نظير أعني إتيان المصدر على وزن فعلان؟
* طالب: نعم، له نظير.
* الشيخ: إي نعم، له نظير قلنا: الغفران والشكران والنكران وما أشبهه.
قال: ﴿مُبِينٌ﴾ قال المؤلف رحمه الله: (مظهر للأحكام وغيرها) فـ﴿مُبِينٌ﴾ هنا من (أبان) بمعنى أظهر، وقد سبق لنا مرارًا أن (أبان) يكون لازمًا ويكون متعديًا، يكون لازمًا بمعنى ظهر وهو كثير في القرآن مثل: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران ١٦٤] أي: بَيِّنٌ ظاهر، وتأتي مبين من (أبان) بمعنى أظهر أي المتعدي كما في هذه الآية.
﴿مُبِينٌ﴾ أي: مظهر، لأي شيء هو مظهر؟ مظهر للأحكام وغير الأحكام كما قال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل ٨٩]، فما من شيء يحتاج الناس إليه إلا وجد في القرآن كل شيء يحتاج الناس إليه موجود في القرآن، لكن وجوده في القرآن إما أن يكون على وجه صريح أو على وجه ظاهر، أو على وجه الإيماء والإشارة، أو على وجه الشمول والعموم، أو على وجه اللزوم.
المهم أن القرآن مبين لكل شيء؛ تارة يذكر الدليل على المسألة، وتارة يذكر التوجيه إلى الدليل على المسألة، فمثلًا في مسائل كثيرة لا توجد في القرآن وهي من أهم أحكام الإسلام كعدد الركعات في الصلوات وتقدير أنصباء الزكاة وما يجب فيها وما أشبه هذا، لكن في القرآن ما يشير إليه مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر ٧] هذه الآية إذا وجهتها إلى السنة شملت جميع السنة، وشرعنا كله لا يعدو الكتاب والسنة، إذن فالقرآن مُبَيِّن لكل شيء؛ ولهذا قال: ﴿مُبِينٌ﴾ في الأحكام وغيرها، هو أيضًا مبين لكل ما سبقنا من الحوادث التي يكون في بيانها مصلحة كقصص الأنبياء وقصص الأولياء وقصص المكذبين للرسل وغير ذلك، كل ما سبق مما في ذكره مصلحة لنا فهو مذكور، أما ما ليس لنا فيه مصلحة فإنه لا حاجة إلى ذكره، وقد يكون هذا الشيء الذي لم يُذْكَر موكولًا إلى عقول الناس وتجاربهم كما في كثير من طبائع الأشياء، الأمور الطبيعية سواء كانت فلكية أو جيولوجية أو غير ذلك نجد أن القرآن لم يفصِّلْها، ولم يبينها لماذا؟ لأنه ليس فيها فائدة، فائدتها تكْمُن في أن الناس يطلبونها وينظرون في آيات الله ويتحركون حتى يدركوها.
ولهذا تجد بعض المسائل التي يتنازع فيها الناس كمسألة دوران الأرض هل هي موجودة في القرآن على وجه صريح؟ ما هي موجودة لو كان هذا مما يتعين علينا اعتقاده إثباتًا أو نفيًا لكان الله عز وجل يبينه بيانًا واضحًا كما بَيَّن الأمور التي لا بد لنا من الاعتقاد فيها على وجه صريح، إذن هذه موكولة للناس استخراج ما في الأرض من المعادن وغيرها من المصالح العظيمة التي لم يُطْلَّع عليها إلا أخيرًا، هذا أيضًا لم يُذْكَر في القرآن وإن كان في القرآن إشارة إليه لكنه لم يُذْكَر على وجه التفصيل، بل قال الله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾ [الرعد ٤] و﴿قِطَعٌ﴾ هذه من صيغ جموع التكثير، لو تقول: إنها ملايين القطع لم يخرج عن دلالتها، هذه القطعة لولا أنها تختلف في منافعها وذواتها وكل ما يتعلق بها ما قال الله: ﴿قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾ إذن هي متباينة في هذه الآية مثلًا تستطيع أن تقول: إن الله أرشدنا إلى استخراج أيش؟ المعادن من الأرض لأن الله بَيَّن أنها قطع، ما هي القطع اللي فوق التراب، هذا فقط في أشياء كثيرة ما تُعْلَم، وربما تُعْلَم في المستقبل، وربما ظهر علمها الآن، المهم أن القرآن مبين أيش؟ مبين لكل شيء.
وأنت إذا تدبرت القرآن مرة بعد أخرى لا تعيد التدبر مرة ثانية إلا ظهر لك معنى جديدًا غير الأول، ولا يمكن لأحد أن يحيط بمعاني القرآن، لكن كلما تدبره الإنسان طالبًا الحقَّ مريدًا للصواب فإنه يهتدي إلى معانٍ كثيرة.
سُئِل علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه هل عهد إليكم رسول الله ﷺ بشيء؟ لأنه كان يُرَوَّج في ذلك الوقت -من وقت علي والشيعة- يروجون بأن النبي ﷺ عهد بالخلافة لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، فسُئِلَ هل عهد إليكم رسول الله ﷺ بشيء؟ يعني: من الخلافة أو من العلوم التي كتمها عن الناس، فقال: «لَا، وَالَّذِي بَرَأَ النَّسَمَةَ وَفَلَقَ الْحَبَّةَ إِلَّا فَهْمًا يُؤْتِيهِ اللَّهُ تَعَالَى مَنْ شَاءَ فِي كِتَابِهِ، وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ، وَالَّذِي فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ الْعَقَلُ وَفِكَاكُ الْأَسِيرِ وَأَلَّا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ»[[أخرجه البخاري (٣٠٤٧) من حديث علي بن أبي طالب.]] الشاهد كلامه الأول إلَّا فَهْمًا يؤتيه الله تعالى مَنْ شاء في كتابه، هذا الفهم يختلف فيه الناس اختلافًا كبيرًا جدًّا جدًّا، ترى بعض العلماء يتكلم على آية يستخرج منها فوائد محدودة معدودة، وترى آخر يتكلم عليها يستخرج منها أضعافًا مضاعفة بالنسبة لما استخرجه الأول، كل ذلك بحسب استعداد الإنسان وفَهْمِه وبصيرته، وكلما ازداد الإنسان إيمانًا وتقوى ازداد هدى بالقرآن؛ ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد ١٧].
قال عز وجل: (﴿لِيُنْذِرَ﴾ بالياء والتاء) ﴿لِيُنْذِرَ﴾ بالياء، فالضمير يعود على أيش؟ على القرآن. ﴿لِتُنْذِرَ﴾ الضمير يعود على رسول الله ﷺ، لكن على قراءة التاء قَدَّر المؤلف: (به) لتنذر به؛ ولهذا قال: (بالياء والتاء به) كلمة (به) تعود على القراءة الثانية وهي ﴿تُنْذِرَ﴾ ، أما القراءة الأولى فلا تحتاج إلى هذا التقدير، ولا شك أن القرآن نفسه منذر، وأن النبي ﷺ منذر به، فالقرآن فيه وعيد، وفيه أوصاف لمن يستحق هذا الوعيد، وهذا هو الإنذار، كما أن فيه أيضًا بشارة وأوصافًا للمبشرين، وهذا هو التبشير، فالقرآن فيه بشارة وفيه إنذار والنبي ﷺ جاء بالقرآن وأَنْذَر به وخَوَّف به ورغب به. ﴿مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ قال المؤلف: (يعقل ما يخاطب به وهم المؤمنون).
﴿مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ هل المراد بالحياة هنا الحياة المعنوية التي هي حياة القلب أو الحياة الحسية التي هي حياة الجسم؟ الظاهر أنه يشمل الأمرين؛ ولهذا قال ابن كثير رحمه الله: ﴿مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ على وجه الأرض؛ يعني: من كان حيًّا حياةً جسمية؛ لأن رسالة الرسول ﷺ رسالة عامة لجميع الخلق فهو يُنْذِر من كان حيًّا يعني: ينذر كل حي أو من كان حيًّا حياة معنوية؛ يعني: حياة القلب؛ حيث يراد به مَنْ يعقل ويتبصر ويؤمن وعكسه مَنْ؟ عكسه الميت ميت الجسم، وميت القلب، أما ميت الجسم فلا يمكن إنذاره بالقرآن؛ لأنه انتقل إلى دار الجزاء ولا يمكن أن يفهم ولا أن يعلم، وأما ميت القلب فلأنه قد طبع على قلبه -والعياذ بالله- فلا يصل إليه النور ولا يصل إليه الحق.
(﴿وَيَحِقَّ الْقَوْلُ﴾ العذاب ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ وهم كالميتين لا يعقلون ما يخاطبون به) هنا قال: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ فينتفع بالإنذار ويتَّعظ ويتجنب المحرمات ويأتي بالواجبات، ﴿وَيَحِقَّ الْقَوْلُ﴾ ماذا تتوقع أن يقال؟ أتوقع أن يقال: ويحق القول على من كان ميتًا أو على الأموات؛ لأن هذا مقتضى المقابلة، نعم، لكن عدل عن هذا إلى ذكر الكافرين ﴿وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [يس ٧٠]، وفائدة العدول عن ذكر المقابل بلفظه أمران:
الأمر الأول: أن المراد بالميت الكافر، وأن الكافر لا يمكن أن ينتفع بالقرآن.
والثاني: التسجيل على أن من لم ينتفع بالقرآن فهو كافر، ومن انتفع به في شيء دون آخر ففيه خصلة من خصال الكفر؛ ولهذا كل معصية فهي من خصال الكفر لكنها قد تكون قليلة، وقد تكون كثيرة فلهذا عدل الله عز وجل عن هذا إلى قوله: ﴿وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ دون قوله: (ويحق القول على الميتين) بل قال:
﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾، ومن هذا.. يعني من هذه الأمثلة وهو كثير في القرآن قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ [غافر ٢٠] لم يقل: لا يقضون بالباطل، بل قال: ﴿لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ ليشمل الباطل وغير الباطل؛ يعني: ليس لهم قضاء إطلاقًا؛ لأنهم مربوبون مملوكون فلا يقضون بشيء ﴿وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾.
ثم قال عز وجل: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ [يس ٧١] إلى آخره.
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ الاستفهام هنا لأيش؟ للتقرير؛ لأنه كلما دخل الاستفهام على نفي فهو للتقرير سواء كانت أداة النفي حرفًا مثل (لم) أو فعلًا مثل (ليس)، المهم أن الاستفهام هنا للتقرير، والواو حرف عطف، والمعطوف عليه ما سبق، أو أن المعطوف عليه مقدر بين الهمزة والواو بحسب ما يقتضيه السياق.
يقول: ﴿يَرَوْا﴾ قال: (يعلموا) فَفَسَّر الرؤية هنا برؤية العلم، ويمكن أن يراد بها رؤية البصر، ورؤية البصر أقوى في التقرير من رؤية العلم؛ لأن رؤية العلم قد يُنْكِر الإنسان ويقول: أنا ما أعلم بهذا. لكن رؤية البصر إذا كان الشيء أمامه يشوف الإبل مثلًا لا يمكنه أن ينكر، والحقيقة أنها محتملة لهذا وهذا؛ فباعتبار أن الله خلق هذه الأشياء لا شك أنها رؤية علم لأننا لم نشهد خلق هذه الأشياء كما قال تعالى: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الكهف ٥١]، وباعتبار المخلوق رؤية بصر لأنها يُشاهَد ويُعلَم ولا يمكن إنكارُه.
قال المؤلف: (والاستفهام للتقرير والواو الداخلة عليها للعطف) الواو الداخلة عليها الآن هل الواو داخلة ولَّا مدخولة؟ يعني: قولوا عن علم، لا تكن مثل الصبي إذا ذكرت له شيئين يأخذ بالأخير دائمًا، لو تقلب عليه العبارة أخذ بالأخير الذي هو الأول في العبارة الأولى، فالآن هل الواو مدخولة ولَّا داخلة؟
* طلبة: داخلة.
* الشيخ: والواو الداخلة عليها للعطف؟ الواو داخلة عليها ولَّا مدخولة؟
* طالب: داخلة.
* الشيخ: ما هو الداخل هل السابق ولَّا اللاحق؟
* طالب: اللاحق.
* الشيخ: يا إخوان، السابق لا شك، الداخل على الشيء هو السابق، فمثلًا إذا جاءك الواو عندنا، الهمزة والواو أنت تقول: دخلت الهمزة على الواو، ولَّا دخلت الواو على الهمزة؟
* طالب: الواو على الهمزة.
* الشيخ: المؤلف يقول هكذا، لكن نقول: دخلت الهمزة على الواو، إذا قلت: سوف يقوم، هل (يقوم) دخل على (سوف)، ولَّا (سوف) دخلت على (يقوم)؟ سوف دخلت على (يقوم) فالداخل هو الأول، والمؤلف يقول: (والواو الداخلة عليها) يشير إلى القول الثاني في مثل هذا الترتيب، وهو أن التقدير (وألم يروا أنا خلقنا لهم)، وهذا أحد القولين كما هو معروف فهنا المؤلف رحمه الله جعل الواو داخلة على الهمزة، والواقع أن الهمزة حسب الترتيب داخلة على الواو، لكنه رحمه الله يرى أن في المسألة تقديمًا وتأخيرًا وأن الواو داخلة على الهمزة في الأصل فأصله (وألم يروا).
(﴿أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ﴾ في جملة الناس ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ أي: عَمِلْنَاهُ بِلَا شَرِيك وَلَا مُعِين ﴿أَنْعَامًا﴾ هِيَ الْإِبِل وَالْبَقَر وَالْغَنَم) ﴿أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ﴾ أي: أوجدنا لهم من العدم أنعامًا، والله سبحانه وتعالى مختص بالخلق، لا خالق إلا الله سبحانه وتعالى، وإضافة الخلق إلى المخلوق يعني: أن يكون للمخلوق خلق ليس على سبيل الإضافة بالنسبة إلى الله؛ لأن خلق الله للأشياء خلق إيجاد من عدم، خلق المخلوق للأشياء ليس خلق إيجاد، ولكنه خلق تغيير من حال إلى حال أو وصف إلى وصف، إذا نَجَّرْتَ الخشبة بابًا فقد خلقتها بابًا، لكن هل أنت أوجدت هذه الخشبة؟ الجواب: لا، لكن صيَّرْتَها إلى هيئة معينة، وهذا نوع من الخلق؛ ولهذا يقال للمصورين يوم القيامة: أَحْيُوا أيش؟ ما خلقتم[[متفق عليه؛ البخاري (٢١٠٥)، ومسلم (٢١٠٧ / ٩٦) من حديث عائشة.]]، مع أنهم لم يوجدوا الصورة من عدم، لكن غَيَّروا ونقلوا من حال إلى حال. فالخلق الخاص بالله هو خلق الإيجاد، أما الخلق الذي يكون من المخلوق فما هو إلا تغيير وتحويل فقط.
﴿أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ﴾ اللام هنا للملك ولَّا للاستحقاق؟
* طالب: للاستحقاق.
* الشيخ: للاستحقاق، ويصح أن تكون للملك كما سيأتي في الآية نفسها.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences