Ibn 'UthayminYa-Sin · 36:68–75

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Ya-Sin 36:68–75, continued

﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ أي: مما عملنا مِنْ نِعَمٍ، وليس المعنى أن الله سبحانه وتعالى خلق هذه الأنعام بيده، لو كان أراد ذلك سبحانه وتعالى، وكان الواقع كذلك لقال: مما عملنا بأيدينا كما قال تعالى في آدم يخاطب إبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص ٧٥]، فهنا أضاف الخلق إلى نفسه وجعل المخلوق به اليد. أما هنا فأضاف العمل إلى اليد ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ فهو كقوله تعالى: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى ٣٠] وما أشبهها مما يضاف فيه الفعل إلى اليد والمراد الإنسان كذلك، هنا أضاف الله تعالى العمل إلى يديه، والمراد أيش؟ المراد نفسه أي: مما عملنا. وهنا قال: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ بالجمع، فهل الله عز وجل له أكثر من يد؟ الجواب: لا. هل لله تعالى أكثر من يدين؟ الجواب: لا. ليس لله أكثر من يدين، ليس له إلا يدان اثنتان، فلماذا جَمَع هنا؟ جمع من أجل المناسبة؛ لأن الأفصح في المثنى إذا أُضِيفَ إلى جمع الأفصح فيه الجمع. ألم تر إلى قوله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم ٤] مع أنه ليس للإنسان إلا قلب واحد؟

فهنا لَمَّا أضافه إلى الضمير المفيد للجمع -وهنا للتعظيم بلا شك- ناسب الجمع، وأيضًا فإن الجمع أبلغ في التعظيم؛ فلهذا جُمِعَت، وأيضًا فإن هذه الأنعام لا يُحْصيها إلا الله عز وجل فهي جموع كثيرة، كل واحدة منها تحتاج إلى فعل ولَّا لا؟ إلى فعل خاص؛ لأن لكل واحدة خلق خاص، فجمع أيضًا باعتبار المعمول الذي هو هذه الأنعام.

طيب، على كل حال هذه الآية لا شك أنها تفيد إثبات اليد لله عز وجل، ولكنها لا تفيد أن له أكثر من يدين لما عَلِمْتُم من وجوه الجمع، لا تفيد أن لله أكثر من يدين لما علمتم من وجه الجمع.

فإذا قال قائل: ما هو الدليل على أنه ليس لله إلا يدان اثنتان؟

قلنا: الدليل أن الله تعالى تَمَدَّح بهما في مقام المدح والعطاء والرزق، ولو كان له أكثر من ذلك لذكره لاقتضاء المقام إياه؛ قال الله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة ٦٤] ولو كان له أكثر من ثنتين لقال: بل أيديه؛ لأنه كلما كثرت الأيدي كثر العطاء وهذا باعتبار المخلوق، أما الخالق عز وجل فعطاؤه لا ينفد ولا يُعَدُّ، وليس له إلا يدان اثنتان، هذا ما عليه أهل السنة والجماعة.

* طالب: (...).

* الشيخ: كيف؟

* طالب: الضابط في عدم التكلف في حمل الآيات (...).

* الشيخ: ينظر إذا كان اللفظ يقتضيه ويدل عليه بمقتضى اللغة العربية ثبت بالقرآن.

* طالب: (...).

* الشيخ: هي بالنسبة للرسول عليه الصلاة والسلام صفة نقص لا شك، لو كان شاعرًا لكان هذا نقصًا، وإن لم يكن نقصًا لذاته لذات الشعر لكن لما يترتب عليه من الشبهات، كما أن الأمية وصف نقص من حيث هي لكن هذا باعتبار النبي عليه الصلاة والسلام هي صفة كمال؛ ولهذا مدحه الله بذلك في قوله: ﴿النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ [الأعراف ١٥٧] فالشيء قد يكون كمالًا باعتبار إضافته لشيء ونقصًا باعتبار إضافته لشيء، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: «إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ لَحِكْمَةً»[[أخرجه البخاري (٦١٤٥) من حديث أبي بن كعب.]] فهذا الذي منه الحكمة لا شك أنه كمال.

* طالب: (...).

* الشيخ: نعم، فيه محذور؛ المحذور أنه لو قلنا بذلك لكانت الأنعام أشرف من الأنبياء.

* طالب: قوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ فلمَ نقول: إن ﴿ذِكْرٌ﴾ أي: الوحي اللي هو السنة والقرآن هو القرآن المبين؟

* الشيخ: لأن المشركين قالوا: إن القرآن شعر، ولم يقولوا عن قول الرسول عليه الصلاة والسلام: إنه شعر، فأبطل الله قولهم، وقال: هذا الذي تقولون: إنه شعر وأن الرسول عُلِّمَه ما هو إلا ذكر، وفي القرآن كثير من وَصْفِ الله تعالى القرآن بالذكر ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر ٩].

في الآية اللي بعدها * فائدة خامسة وهي إثبات العلة، وإن شئت فقل الحكمة؛ لقوله: ﴿لِيُنْذِرَ﴾ اللام، وكلما رأيت اللام لام التعليل في كتاب الله عز وجل فهي مثبتة للحكمة في أفعال الله تعالى أو في مشروعاته.

ثم قال عز وجل: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ [يس ٧١] إلى آخره.

* من فوائد هذه الآية: تقرير نعمة الله عز وجل على عباده بهذه الأنعام؛ لقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾.

* ومن فوائدها: أن هذه الأنعام ملك لنا ننتفع بها لجميع وجوه الانتفاعات؛ لقوله: ﴿خَلَقْنَا لَهُمْ﴾، فكل وجوه الانتفاعات فإنه يجوز لنا أن ننتفع بها؛ لأنها ما دامت لنا فنحن فيها أحرار إلا ما قام الدليل على منعه.

* ويتفرع على هذه الفائدة أنه يجوز أن نركب ما لم تجر العادة بركوبه؛ مثل أن نركب البقر، ولهذا قال الفقهاء: يجوز الانتفاع بهذه الحيوانات في غير ما خُلِقَت له.

فإن قلت: ما الجواب عن الحديث الصحيح: «بينما رجل راكب بقرة يسوقها إذ التفتت إليه فقالت له: إنا لم نخلق لهذا، قال النبي ﷺ:» «فَأَنَا أُؤْمِنُ بِذَلِكَ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٦٦٣)، ومسلم (٢٣٨٨ / ١٣) من حديث أبي هريرة.]]؟

فالجواب على هذا أن نقول: إن هذا الرجل قد ركبها ركوبًا يشق عليها، وهي ما خلقت لتعذب وهو كذلك، حتى لو أن الإنسان ركب الإبل على وجه يعذبها قلنا له: إنها لم تخلق لهذا.

* من فوائد الآية الكريمة: صحة نسبة العمل إلى الله؛ لقوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾، لكن هل يسمي الله بالعامل؟ لا، كما لا يُسَمى بالصانع أخذًا من قوله تعالى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل ٨٨]؛ وذلك لأن باب الخبر أوسع من باب الإنشاء والتسمية، يجوز أن نشتق من كل اسم صفة ولا يجوز من كل صفة اسمًا، ولهذا نقول: الصفات أوسع من الأسماء؛ يعني باب الصفات -صفات الله- أوسع من باب الأسماء؛ لأن كل اسم متضمن لصفة وليس كل صفة تتضمن اسمًا.

* من فوائد الآية الكريمة: إثبات اليد لله عز وجل؛ لقوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾، وهذه اليد التي وصف الله بها نفسه أو أضافها إلى نفسه يدٌ حقيقية ثابتة لكن بدون أن تكون مماثلة لأيدي المخلوقين؛ لأن مماثلة الخالق للمخلوق ممتنعة غاية الامتناع عقلًا وسمعًا، قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى ١١]، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [النحل ٧٤]، وأما العقل فإن كل عاقلٍ يدرك الفرق بين الخالق والمخلوق في الذات والصفات، فالواجب علينا نحن أن نؤمن بكل ما وصف الله به نفسه من غير تمثيل.

ثم اعلم أن ما وصف الله به نفسه ينقسم إلى صفات لازمة وصفات غير لازمة، وإلى ما نظيره أجزاء وأبعاض لنا.

فمثلًا السمع والعلم والقدرة والحياة هذه صفات لازمة، ويسميها أهل العلم الصفات الذاتية. ومثل الاستواء على العرش، والنزول إلى السماء الدنيا، والخلق، وما أشبه ذلك، صفات غير لازمة.

الله لم يزل ولا يزال خالقًا لكن المخلوق يتجدد، فكل خلق يتعلق بهذا المخلوق فإنه يكون حادثًا بعد أن لم يكن، ولكن هذا حدوث نوع وليس حدوث جنس؛ لأن الله لم يزل ولا يزال خالقًا، لكن الاستواء على العرش هذا لا شك أنه حادث؛ لأنه قبل العرش ليس مستوٍ عليه.

الذي نظيره أبعاض وأجزاء مثل: اليد، والوجه، والقدم، والعين، هذا نظيره بالنسبة لنا جزء من الذات أو بعض منها، ولا يصح أن نقول: إنه جزء من الله أو بعضٌ من الله؛ لأن الله عز وجل لا يتجزأ ولا يتبعَّض؛ إذ إن الجزء ما جاز وجود أصله بعدمه، هذا الجزء، بالنسبة لله عز وجل لا يمكن أن يكون هكذا؛ يعني لا يمكن أن تنفصل اليد -مثلًا- وحاشَ لله عز وجل، أو الوجه، أو ما أشبه ذلك، بالنسبة للمخلوق يمكن أن تنفصل ولَّا لا؟ يمكن، ولهذا يجب أن نقول: ما نظيره أجزاء وأبعاض لنا، ولا نقول: ما هو أجزاء وأبعاض لله؛ لأن هذا منكَر غاية الإنكار.

اليد نقول: إنها حقيقة يد حقيقية ثابتة لله على وجه لائق به ولكن لا تماثل أيدي المخلوقين، وهذا مذهب السلف وعليه جرى أئمة المسلمين.

لكن ابْتُلِي قوم بالتحريف؛ تحريف اليد وقالوا: إنها النعمة أو القوة، بناء على أن عقولهم تُحِيل أن يتصف الله عز وجل باليد الحقيقية، ولا شك أن هذا ضلال وجناية على النصوص؛ أما كونه ضلالًا فلأنهم حكموا على الخالق بعقولهم القاصرة، وهذا لا شك أنه ضلال، كيف تحكم على الخالق بعقلك؟!

الخالق عز وجل يقول عن نفسه: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة ٦٤]، ويقول: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص ٧٥]، ويقول: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس ٧١]، وأنت تقول: ليس له يد، سبحان الله! لولا التأويل لكان تكذيبًا، لولا تأويلهم لها وقالوا: نحن نثبت اليد لكن المراد كذا لكان هذا تكذيبًا للنصوص، ونحن نعلم أن المكذِّب للنصوص كافر.

جناية على النصوص من وجهين؛ لأنهم يقولون: إن الله لم يرد كذا وأراد كذا، فنفوا ما أراد الله وأثبتوا ما لم يرده، فكان جناية على النصوص من الوجهين؛ السلبي، ويش بعد السلبي؟ والإيجابي؛ السلبي حيث نفوا ما أثبت الله، والإيجابي أثبتوا ما لم يرده الله.

إذا قال الله عز وجل: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص ٧٥]، فقال: أراد باليدين النعمة أو القوة، نقول: سبحان الله! ما الذي أعلمك؟ الله يقول: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص ٧٥] وأنت تقول: ليس له يد بل هي نعمة، من الذي قال لك هذا؟ فنفيك قول على الله بلا علم، وإثباتك لما أثبت قول على الله بلا علم، فكانت جناية على النصوص من وجهين.

والحقيقة أن الإنسان يعجب غاية العجب أن يسلك هذا المسلك أئمة مشهودٌ لهم بالخير والصلاح ونفع الأمة ولكنه يعرف بذلك تمام حكمة الله عز وجل، وأن الإنسان مهما كان فهو ضعيف وقاصر، وإلا سبحان الله! الله سبحانه وتعالى يتحدث عن نفسه بحديث هو أصدق الحديث وأحسن الحديث وصادر من أعلم بما يقول، ثم نقول: والله ما أراد هكذا!

إذن يجب أن نؤمن بأن الله له يد حقيقية ولَّا مجازية؟ حقيقية لائقة به لا تماثل أيدي المخلوقين بأي حال من الأحوال، وهكذا يجب علينا أن نجري جميع آيات الصفات وأحاديثها.

بقي علينا أن نقول: ما تقولون في تفسير بعض العلماء قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات ٤٧] أي: بقوة؟

الجواب أن نقول: هذا صحيح، (أيد) هنا بمعنى قوة؛ لأن (أيد) مصدر (آدَ، يَئِيدُ، أَيْدًا)، ولا يجوز أن نقول هي كقوله: ﴿أَيْدِينَا﴾ [يس ٧١]، هذا حرام علينا أن نقول: إنه هكذا كقوله: ﴿أَيْدِينَا﴾؛ لأن الله لم ينسبها إلى نفسه ما قال: والسماء بنيناها بأيدينا، وإذا لم ينسب الله ذلك إلى نفسه حَرُم علينا أن ننسبه إلى الله، فكان يتعين أن نفسر قوله: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ أي: بقوة، و(أيد) هنا مصدر (آدَ يَئِيد) كـ(باع، يبيع، بيعًا) و(كال، يكيل، كيلًا)، هذا معناها، وإذا لم يُضِفِ الله الشيء إلى نفسه حرم أن نضيفه إليه؛ لأننا لو أضفناه إليه وهو لم يضف إليه لكنا نقول على الله بلا علم.

ألم تَرَ إلى قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم ٤٢]، اختلف السلف في قوله: ﴿عَنْ سَاقٍ﴾ هل المراد عن شدة أو المراد عن ساقه عز وجل؟ ونحن إذا أخذنا القاعدة التي قررناها الآن بأن ما لم يضفه الله إلى نفسه يحرم علينا أن نضيفه إليه قلنا: إن المراد بالساق هنا الشدة ولا بد، ولا يمكن أن نفسره بساق الله؛ لأن الله لم يضفه إلى نفسه، ما قال: يوم نكشف عن ساقنا بل قال: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾.

ولكن إذا تأملت سياق الآية الكريمة وما جاء في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وجدت أن ذلك يقتضي أن يكون المراد به ساق الله؛ فإن في حديث أبي سعيد الطويل المشهور: أن الله يكشف عن ساقه، فيسجد له كل من كان يسجد لله تعالى في الدنيا، ويعجز عن السجود من لم يسجد لله في الدنيا[[متفق عليه؛ البخاري (٤٩١٩)، ومسلم (١٨٣ / ٣٠٢).]]، فهنا ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ [القلم ٤٣، ٤٢] نجد أن سياق الآية يوافق لسياق الحديث، وحينئذٍ نقول: إن كلام الله يُفَسَّر بكلام الله ويُفَسَّر بكلام رسوله ﷺ، فإذا دل سياق حديث أبي سعيد على ما دل عليه سياق الآية فإن الآية تُفَسَّر به، وحينئذٍ يكون القول الراجح أن المراد بالساق الذي جاء على وجه النكرة المراد به ساق الله عز وجل ولكنه نُكِّر للتعظيم؛ لأن التنكير قد يراد به التعظيم.

فإذا قال قائل: الآية التي معنا في سورة (يس) ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ [يس ٧١]، فهل تصفون الله بأن له أيديًا كثيرة أم ماذا؟

نقول: الذي عليه أهل السنة أنه ليس لله إلا يدان اثنتان، وحينئذٍ نحتاج إلى الجمع بين هذا القول الذي دل عليه قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص ٧٥]، وقوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة ٦٤]، نحتاج إلى جمع بين هذا وبين هذه الآية ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ [يس ٧١]، وإلى الجمع بينه وبين الإفراد الذي جاء في قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الملك ١]، وما أشبه ذلك.

قال أهل العلم: الجمع بينهما متيسر ولله الحمد؛ لأنه ليس في خلق الرحمن من تفاوت، ولا في كلامه من تفاوت أيضًا؛ لا يتفاوت الكلام ولا يتناقض كما لا يتناقض الخلق أيضًا، الخلق منسجم بعضه مع بعضه، كذلك الشرع منسجم بعضه مع بعض. كيف ذلك؟ قالوا: إن المفرد المضاف يشمل؛ لأنه للعموم، ألم تر إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل ١٨]، كم من نِعَم؟ لا تحصى، مع أنه قال: ﴿نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ واحدة، لكن المفرد المضاف يكون للعموم؛ يشمل كل ما يثبت لهذا المفرد من معنى وإن كَثُرَ.

إذن ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك ١] لو فرض أن هناك أيديًا كثيرة يدخل في ذلك ولَّا لا؟ واليدان تدخل، إذن لا منافاة بين المفرد وبين العدد جمعًا كان أو مثنى، ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ اليد مفرد مضاف، (يد) مضاف، والضمير مضاف إليه، المفرد المضاف ماذا يفيد؟ يفيد العموم؛ أيُّ مفردٍ مضاف فهو مفيد للعموم.

هنا أقف لأتبين، لو قال رجل: امرأتي طالق، وله أربع نسوة، من يطلق؟ كل النسوة، إلا إذا نوى أنها واحدة، ولو قال: عبدي حرٌّ وله أكثر من عبد عَتَقَ الجميعُ ما لم يُرِدْ واحدًا، ولو قال: بيتي وقفٌ صارت بيوته كلها وقفًا ما لم يرد واحدًا، إذن المفرد المضاف يَعُم.

هل هناك مثالٌ من القرآن أو من السنة يؤيد ما قلت؟ نعم، مثل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل ١٨]، فإن ﴿نِعْمَةَ﴾ مفرد مضاف، فيشمل جميع النعم التي لا تحصى. إذن ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ نقول: هذا لا ينافي أن يكون المراد باليد هنا اليدين الثنتين.

بقينا الجمع بين اليدين الثنتين والجمع الذي هو ﴿أَيْدِينَا﴾، كيف نجمع بينهن؟ والجواب على هذا من وجهين:

الوجه الأول: أن كثيرًا من علماء اللغة يقولون: إن أقل الجمع اثنان، واستدلوا لذلك بقوله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم ٤]، فهنا جمعٌ مع أن المراد اثنان، وبقوله تعالى: ﴿إِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء ١١] مع أن الأم تحجب باثنين؛ تحجب من الثلث إلى السدس باثنين، وبقول النبي عليه الصلاة والسلام: «الِاثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ فِي الصَّلَاةِ»[[أخرجه ابن ماجه (٩٧٢) من حديث أبي موسى الأشعري.]].

ولكن أكثر علماء اللغة يقولون: إن أقل الجمع ثلاثة، وحينئذٍ يمكن الجمع بالوجه الثاني؛ وهو أن نقول: إن المراد بالجمع في قوله تعالى: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ المراد به التعظيم؛ لأن الجمع يدل على التعظيم، ولهذا يأتي ضمير الجمع (نا) في مقام التعظيم، كل ضمير أضافه الله إلى نفسه -وهو (نا)- فليس المراد به الجمع، المراد به التعظيم، فهنا الجمع للتعظيم، وللمناسبة أيضًا، المناسبة ما هي؟ لأنه أضيف إلى ما يفيد الجمع، فكان الأنسب أن يكون مجموعًا، فهذه المناسبة لفظية وإرادة التعظيم مناسبة معنوية، وبهذا يزول الإشكال.

فإذا قال قائل: لماذا لا تقولون: إن لله أيديًا كثيرة؟

فالجواب أن هذا يمنعه المعنى؛ لأن الله تعالى لما تمدح وأثنى على نفسه بالعطاء لم يذكر إلا يدين اثنتين ولو كان له أكثر، لو كان له أكثر لكان يذكر الأكثر؛ لأنه أبلغ في المدح، فلما قال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة ٦٤] عُلِمَ أنه ليس له إلا يدان اثنتان.

ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر ٦٧]، فأثبت القبضة بيد، ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ باليد الأخرى، والنصوص في هذا كثيرة، ولهذا نعتقد نحن أن الله سبحانه وتعالى ليس له إلا يدان اثنتان فقط.

ومثل ذلك نقول في صفة العين؛ العين وردت مجموعةً ووردت مفردةً ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه ٣٩]، ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر ١٤]، فنقول: (عين) مفردٌ مضافٌ فيعم، ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ إما أن نقول: للتعظيم، أو بأن أقل الجمع اثنان، وليس لله تعالى أكثر من عينين اثنتين، ودليل ذلك حديث الدجال حينما تحدث النبي ﷺ عنه وبين تمويهاته قال: «إِنَّهُ أَعْوَرُ، وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٤٣٩)، ومسلم (١٦٩ / ٢٧٣) من حديث عبد الله بن عمر.]]، فبيَّن العلامة الحسية الظاهرة وهي عور عين الدجال.

ومن العجب أن بعض الناس قال: المراد بالعور هنا العيب؛ يريد أن يثبت أن لله تعالى أعينًا كثيرة بناء على الجمع في قوله: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾، ولكن هذا عورٌ منه، عورٌ من هذا القائل؛ لأن الحديث صريح في أن المراد عور العين حيث قال: «أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُمْنَى» ولم يقل: (أعور) فقط، لو قال: (أعور) فقط ربما يحتمل ما قاله مع أنه ضعيف؛ لأن اللغة العربية تُعَبِّر بالعور عن العين، الرسول ﷺ قال: «أَرْبَعٌ لَا تَجُوزُ لِلْأَضَاحِي: الْمَرِيضَةُ، وَالْعَجْفَاءُ، وَالْعَوْرَاءُ، وَالْعَرْجَاءُ»[[أخرجه أبو داود (٢٨٠٢)، والترمذي (١٤٩٧)، والنسائي (٤٣٦٩)، وابن ماجه (٣١٤٤) من حديث البراء بن عازب.]]، فجعل العور غير العيب، كل الثلاثة الأخرى كلها عيوب لكن جعل العور في العين، فنحن نقول لهم: أصل العور في العين، ثم إذا جاء الحديث: «أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُمْنَى» » صار قاطعًا للاحتمال قطعًا نهائيًّا لا يمكن أن يراد به العيب.

فإذا قال قائل: ما وجهه؟

قلنا: وجهه لو كان لله أكثر من عين لكان الرسول ﷺ يذكره؛ لأنه أدل على تعظيم الله وأبين في التمييز؛ أدل على التعظيم إذا كان له أعين كثيرة، وأبين في التمييز أبين من أن يقال: إن الفرق هو أن هذا أعور والرب عز وجل ليس بأعور.

وبهذا يتبين أن دلالة حديث الدجال -وهو صحيح- دلالة واضحة ظاهرة، على أنه روي في حديث عن الرسول عليه الصلاة والسلام ذكره ابن القيم في مختصر الصواعق المرسلة: «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَإِنَّهُ بَيْنَ عَيْنَيِ الرَّحَمْنِ»[[أخرجه المروزي في تعظيم قدر الصلاة (١٢٨) من حديث أبي هريرة.]]، وهذا الحديث فيه ضعف، لكننا في الحقيقة لسنا بحاجة إليه؛ لأن الحديث ثابت في الصحيحين في قصة الدجال واضح والحمد لله، (...).

* من فوائد الآية الكريمة: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾.

* من فوائدها: إثبات اليد لله عز وجل في قوله: ﴿أَيْدِينَا﴾، وقد سبق الكلام عليها مستوفى في الدرس الماضي.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أننا نملك هذه الأنعام ملكًا شرعيًّا وملكًا حسيًّا قدريًّا؛ أما الشرعي فإننا نملك أعيانها ومنافعها بالبيع والشراء والتأجير وغير ذلك، وأما الكوني الحسي فلأننا نملك زمامها وربطها، وهي مسخرة لنا؛ نقيمها وننيخها، ونذهب بها ونرجع بها، وهذا من تمام نعمة الله سبحانه وتعالى علينا بهذا الملك.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه أتى بقوله: ﴿فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ الجملة الاسمية التي تفيد الثبوت والاستمرار؛ أي: ملك مستقر تام.

ثم قال عز وجل: ﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾ [يس ٧٢].

* من فوائدها: بيان نعمة الله سبحانه وتعالى علينا بتذليل هذه الأنعام، ولو استعصت علينا ما تمكَّنا من الانتفاع بها، ولهذا لما نَدَّ بعير من الإبل في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام أدركه رجل بسهم، فقال النبي ﷺ: «إِنَّ لِهَذِهِ الْإِبِلِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ، فَمَنْ نَدَّ مِنْهَا فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٥٠٩)، ومسلم (١٩٦٨ / ٢٠) من حديث رافع بن خديج.]]، فهذه البعير تمرَّدت على أهلها ولم يدركوها إلا بالسهم.

* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان أن أفعال المخلوقات مخلوقة لله؛ لقوله: ﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ﴾ لكنها مفعولة للفاعل مباشرة، فهي تُنْسَب إلى الله عز وجل تقديرًا وخلقًا وتُنْسَب إلى الفاعل كسبًا وعملًا، فهذه الإبل المذللة الذي ذللها هو الله، إذن أفعالها صادرة بخلق الله عز وجل.

وهذا هو المذهب الصحيح في هذه المسألة؛ أي مسألة أفعال العباد هل هي مخلوقة لله أو هي للعباد استقلالًا؟ والمسألة فيها ثلاثة أقوال، بل ثلاثة مذاهب:

المذهب الأول: مذهب الجبرية الذين يقولون: إن خلق الله عز وجل شامل لكل حركة في السماوات والأرض، وأن الإنسان مجبور على عمله ليس له فيه اختيار، بل الحركة الإرادية الاختيارية كالحركة الإجبارية التي ليس له فيها إرادة، يقولون: إن أفعال الإنسان كحركة السعفة في الريح ليس باختيارها.

فإذا قيل لهم: إن هذا يلزم منه الفوضى بحيث يفعل كل إنسان ما شاء ويقول: هذا بغير اختياري وأنا مجبور عليه، ويلزم منه أيضًا أن الله إذا عذَّب الإنسان على معصية كان ظالمًا له، ويلزم عليه أن مدح الطائعين لغوٌ لا فائدة منه؛ لأنه لا يمدح الإنسان على عمل يُجْبَر عليه بدون اختياره، ويترتب عليه أيضًا أن ذمَّ العاصين ظلم؛ لأنه ذمٌّ لمن لا يختار هذا الفعل.

وكما أنه يترتب عليه هذه اللوازم الباطلة فهو أيضًا مخالف للواقع؛ فإن الإنسان يجد الفرق بين فعله الاختياري وفعله الاضطراري، يجد الفرق بين أن ينزل من السلم درجةً درجةً وبطمأنينة واختيار وبين أن يأتي شخص يدفعه دفعًا حتى لا يتمكن من الوقوف، فالأمر واضح من الناحية الواقعية العقلية أن هذا القول باطل من أبطل الأقوال.

لكن الذي غرَّ أصحابه أن الله عز وجل ذكر أنه خلق كل شيء، وأنه قدَّر كل شيء، وأنه لا يكون في ملكه ما لا يريد، إلى غير ذلك من الأشياء التي يتعللون بها، لكنهم في الحقيقة نظروا إليها وغفلوا عن النصوص الأخرى الدالة على أن الإنسان فاعل باختياره.

ولهذا قابلهم قومٌ نظروا إلى النصوص الدالة على أن الإنسان فاعل باختياره، وإلى الواقع فأنكروا أن يكون لله عز وجل إرادة أو خلق في أفعال العباد، وقالوا: إن العبد مستقل بعمله؛ يفعل ما يشاء ويترك ما يشاء، وليس لله سبحانه وتعالى تعلَّق بفعل العبد، هؤلاء أقرب إلى المعقول من أولئك القوم؛ لأن الإنسان لا شك يجد أنه فاعل بالاختيار، فهو يأتي يدخل بيته، ويخرج من بيته، ويأتي إلى المسجد، ويخرج من المسجد، ويختار هذا الفعل على هذا الفعل على وجه اختياري لا يشعر أبدًا بأن أحدًا يجبره على ذلك.

ولكن ضلَّ هؤلاء بسلبهم إرادة الله عز وجل وخلقه عن أفعال الخلق واعتقادهم أن الإنسان مستقل بما يحدثه، ولهذا سُمُّوا مجوس هذه الأمة؛ لمشابهتهم للمجوس في إثبات فاعلين للحوادث، وهم يقولون بإثبات فاعلين للحوادث الذي من فعل الله هذه من فعل الله، والذي من فعل الإنسان هذه من فعل الإنسان مستقلًا بها، فلهذا سموا مجوس هذه الأمة، وهؤلاء لا شك أنهم ضالون؛ لأنهم أخرجوا شيئًا في ملك الله عن ملك الله.

أهل السنة والجماعة توسَّطوا بين القولين وأخذوا بالدليلين، وقالوا: إن الإنسان لا شك يفعل باختياره ويدع باختياره، وإن له إرادة تامة بقدرة، والذي خلق هذه الإرادة والقدرة هو الله عز وجل، لو شاء الله سبحانه وتعالى لسلبه الإرادة، ولو شاء لسلبه القدرة، ولذلك إذا سلب الله العبد الإرادة لم يترتب على فعله حكم، فالمجنون -مثلًا- هل يؤاخذ بأفعاله؟ لا؛ لأنه يفعلها باختياره، والعاجز لا يكلف ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن ١٦].

إذن فالله سبحانه وتعالى هو الذي خلق الإرادة والقدرة في الإنسان، قالوا: والإرادة والقدرة هما السبب في وجود الفعل، فلولا الإرادة ما فعلت، ولولا القدرة ما فعلت، فالإرادة والقدرة هما سبب وجود الفعل، وإذا كانا مخلوقين لله فإن خالق السبب خالق للمسبب، فيضاف فعل العبد إلى الله من هذه الناحية؛ أي أن الله هو الذي أوجد فيه سبب الفعل، فصار بذلك فاعلًا، كما أن الإحراق -مثلًا- في النار ينسب إلى من؟ إلى النار، والذي أودع فيها هذه القوة هو الله عز وجل، فلذلك صار إحراق النار بفعل النار مباشرة لكنه بتقدير الله سبحانه وتعالى خلقًا.

وهذا الذي ذهب إليه أهل السنة والجماعة، وهو المطابق للمنقول والمعقول والواقع؛ لأنه يجمع بين الأدلة الشرعية ويصدق الأدلة الحسية، فالأدلة الشرعية إذا جمعتها من أطرافها وجدت أنها تنصبُّ في أنبوب واحد هو الذي ذهب إليه أهل السنة والجماعة، ولولا هذا الاعتقاد لشلت الحركة، ولصار الإنسان اتكاليًّا؛ لا يقول ولا يفعل، ولولا هذا الاعتقاد لم يلجأ الإنسان إلى ربه عز وجل لمهماته وملماته، فهو باعتبار أنه مريد فاعل يتحرك ويعمل، وباعتبار أنه مخلوق مدبر يرجع إلى من؟ إلى الله عز وجل، فلا يكون اتكاليًّا ولا يكون أنانيًا؛ يعني أنه لن يستغني بنفسه عن ربه ولن يكون اتكاليًّا، يقول: إن قدر لي شيء صار بل هو يعمل مستعينًا بالله معتمدًا عليه.

قال: ﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾.

* من فوائد الآية الكريمة: أن لنا أن ننتفع بهذه الأنعام بالركوب ولكن بشرط ألا يكون في ذلك مشقة عليها، فإن كان في ذلك مشقة كان حرامًا؛ لأن المشقة تعذيب لها في غير محله.

* من فوائد الآية الكريمة: جواز الارتداف على الدابة؛ لعموم قوله: ﴿فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ﴾ ولكنه مقيد بما أشرنا إليه ألَّا يكون في ذلك مشقة.

* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: حِل هذه الأنعام، أو حل بعضها إذا جعلنا (مِن) للتبعيض وجعلنا الأنعام أعم من بهيمة الأنعام، والحل في الأنعام كلها هو الأصل، ولذلك لو تنازع شخصان في أن هذا الحيوان حلال لكان القول قول من يقول بالحل حتى يقوم دليل على التحريم؛ أولًا: لعموم قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة ٢٩]

وثانيًا: لعموم قوله: ﴿وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾، فالأصل هو الحل حتى يقوم دليل على المنع، لكن هذا الحل مقيد في الواقع مقيد بماذا؟ بشروط الذكاة المعروفة؛ لأنه إذا لم تُذَكَّ البهيمة الحلال ذكاة شرعية صارت حرامًا لا تحل، فهذا الإطلاق ﴿وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾ مقيد بماذا؟ بشروط؛ وهو أن يكون مذكًّى ذكاة شرعية، ومع هذا إذا اضطر الإنسان إليه حلَّ له وإن لم يُذَكَّ؛ لقول الله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة ١٧٣].

* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجوز تعذيب الحيوان إذا لم تتم المصلحة إلا به؛ لأن الأكل ذبح لا يكون إلا بعد الذبح، والذبح من أعظم ما يكون من الإيلام، ولأن الشرع جاء بإباحة الوسم؛ وسم البهائم بالنار من أجل حفظ ماليتها، ولأن الشرع جاء بمشروعية إشعار الإبل والبقر في الهدي ليعلم أنها هدي، وإشعارها هو شق صفحة سنامها حتى يسيل منها الدم، وعلى هذا فإذا احتجنا إلى تعذيب الحيوان من أجل حفظ ماليته أو غير ذلك فإنه لا بأس به، مثلما يفعله بعض الناس الآن في الحَمَام؛ إذا أراد أن تربي عنده فإنه ينتف مقدم الأجنحة لئلا تطير حتى تألف المكان وتُرَبَّى فيه، يقولون: لو أننا قصصناها قصًّا ما نبت لها ريش بسرعة، فلهذا يختارون أن ينتفوها نتفًا من أجل أن ينبت الريش بسرعة وتستعد للطيران.

قال: ﴿وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (٧٢) وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾ [يس ٧٢، ٧٣].

* يستفاد من هذه الآية الكريمة أيضًا: ما سبق من أن الله عز وجل خلق هذه الأشياء لمنافعنا؛ أي منفعة يمكن أن نحصل عليها من هذه البهائم فإنها مباحة لنا ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾، لكن بشرط -كما أسلفنا- ألا يكون في ذلك مشقة، فإن كان في هذا مشقة فإنها ممنوعة.

* ومن فوائدها: حل ألبان هذه البهائم؛ لقوله: ﴿وَمَشَارِبُ﴾.

ثم قال: ﴿أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾.

* يستفاد من هذه الجملة: وجوب شكر الله سبحانه وتعالى على هذه النعم، ووجهه أنه وبَّخ من لم يشكر، ولا توبيخ إلا على فعل محرَّمٍ أو ترك واجب، والشكر شكر المنعم كما دل عليه الشرع فقد دل عليه العقل؛ فإن كل إنسان مدين لمن أنعم عليه عليه أن يشكره بحسب ما تقتضيه الحال، ولهذا جاء في الحديث الصحيح: «مَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ»[[أخرجه أبو داود (١٦٧٢) من حديث عبد الله بن عمر.]].

ثم قال الله عز وجل: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [يس ٧٤] في هذه الآية من الفوائد:

* أولًا: صحة إطلاق الإله على غير الله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً﴾.

ولكن هل هذه الآلهة حق؟ الجواب: لا، هي آلهة باطلة؛ لقول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج ٦٢]، فهي وإن سموها آلهة وعبدوها كما يعبدون الرب عز وجل فإنها لن تكون آلهة، ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم ٢٣].

* ثانيًا: أن هؤلاء الذي اتخذوا هذه الآلهة توهموا فيها أنها تنصرهم ولكن أبطل الله هذا الوهم بقوله: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ﴾ [يس ٧٥].

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان المبطل لا بد أن يتعلق بشيء يبرر به باطله. ما هو الشيء هنا؟ رجاء النصر ﴿لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ﴾، وكل إنسان مبطِل لا بد أن يعلل ما ذهب إليه من الباطل، كما مرَّ عليكم كثيرًا في أقوال أهل البدع، وكما مرَّ عليكم أيضًا في (...).

حكمًا تعبديًّا؛ يعني: لن يقبل من الإنسان أن يقول: هذا حلال وهذا حرام حتى يبين دليله وحجته.

يقول الله عز وجل: ﴿لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [يس ٧٤] ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ﴾ [يس ٧٥].

* من فوائد الآية الكريمة: أن هذه الآلهة لا يمكن أن تنصر عابديها؛ لقوله: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ﴾.

فإن قلت: أليسوا يستغيثون بالآلهة فيغاثون أحيانًا؟

* طالب: امتحان.

* الشيخ: هو امتحان، لكن هل حصل هذا النصر بها؟

* الطالب: من عند الله.

* الشيخ: يعني أحيانًا يستغيث بالصنم ويُغَاث.

* الطالب: فتنة.

* الشيخ: فتنة، لكن هل هذا الغوث حصل باستغاثته؟

* الطالب: عند الاستغاثة.

* الشيخ: حصل عندها لا بها.

* الطالب: لا بها.

* الشيخ: نعم، حصل عندها لا بها، وفرق بين أن يكون الشيء حصل بالشيء أو حصل عنده والسبب غيره، فسبب هذا الغوث الفتنة -كما قلت- وليس دعوة هذه الأصنام؛ لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأحقاف ٥].

* من فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء العابدين جندٌ محضرون لأصنامهم يدافعون عن الأصنام وينتصرون لها؛ لقوله: ﴿وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾.

وفي هذا من المناداة بسفههم ما هو ظاهر؛ حيث يستنصرون بمن لا يستطيعون نصرهم وهم ينصرونه، وهذا من السفه، كيف تنصر شيئًا لا يستطيع نصرك ولا تستفيد منه؟! ولهذا يعتبر قوله: ﴿وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ كالدليل على سفه هؤلاء؛ أنهم ينتصرون لهذه الآلهة وينصرونها مع أنها لا تنصرهم.

وهذا اللي قررته الآن بناءً على ما اخترناه من أن معنى الآية: وهؤلاء العابدون للمعبودين جند محضرون، أما على رأي المؤلف فهو يرى خلاف ذلك؛ يرى أن هذه الأصنام جند لهؤلاء لكنهم محضرون في النار جميعًا، وسبق بيان ضعف هذا القول.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском