Ibn 'UthayminYa-Sin · 36:76–83

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Ya-Sin 36:76–83

36:76–83Page 445

فَلَا يَحۡزُنكَ قَوۡلُهُمۡۘ إِنَّا نَعۡلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعۡلِنُونَ ٧٦

So let not their speech grieve you. Indeed, We know what they conceal and what they declare.

أَوَلَمۡ يَرَ ٱلۡإِنسَٰنُ أَنَّا خَلَقۡنَٰهُ مِن نُّطۡفَةٖ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٞ مُّبِينٞ ٧٧

Does man not consider that We created him from a [mere] sperm-drop - then at once1 he is a clear adversary?

وَضَرَبَ لَنَا مَثَلٗا وَنَسِيَ خَلۡقَهُۥۖ قَالَ مَن يُحۡيِ ٱلۡعِظَٰمَ وَهِيَ رَمِيمٞ ٧٨

And he presents for Us an example1 and forgets his [own] creation. He says, "Who will give life to bones while they are disintegrated?"

قُلۡ يُحۡيِيهَا ٱلَّذِيٓ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٖۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلۡقٍ عَلِيمٌ ٧٩

Say, "He will give them life who produced them the first time; and He is, of all creation, Knowing."

ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلۡأَخۡضَرِ نَارٗا فَإِذَآ أَنتُم مِّنۡهُ تُوقِدُونَ ٨٠

[It is] He who made for you from the green tree, fire, and then from it you ignite.

أَوَلَيۡسَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِقَٰدِرٍ عَلَىٰٓ أَن يَخۡلُقَ مِثۡلَهُمۚ بَلَىٰ وَهُوَ ٱلۡخَلَّٰقُ ٱلۡعَلِيمُ ٨١

Is not He who created the heavens and the earth Able to create the likes of them? Yes, [it is so]; and He is the Knowing Creator.

إِنَّمَآ أَمۡرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيۡـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ٨٢

His command is only when He intends a thing that He says to it, "Be," and it is.

فَسُبۡحَٰنَ ٱلَّذِي بِيَدِهِۦ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيۡءٖ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٨٣

So exalted is He in whose hand is the realm of all things, and to Him you will be returned.

ثم قال الله تعالى: ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ [يس ٧٦] أي: لا يوقعك في الحزن، والحزن هو الندم والهم لما مضى، وضده الخوف؛ فإنه الهم لما يستقبل، ما الذي قالوه؟ قالوا أشياء كثيرة، قالوا مثلًا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص ٥]، وهذا طعن في الألوهية، وقالوا: ﴿لَسْتَ مُرْسَلًا﴾ [الرعد ٤٣]، وهذا طعن في الرسالة، وقالوا: إن محمدًا ﷺ مجنون وشاعر وكاهن وساحر، وهذا أيضًا عيب في شخصية الرسول عليه الصلاة والسلام.

ومن المعلوم أن الإنسان بشرٌ سوف يتأثر إذا صُودِمَت دعوته في لبِّها وأصلها وقيل: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص ٥]، الإنسان إذا صودم قوله الفقهي -مثلًا- يحس في نفسه بلغط، لكن إذا كان سيهدم أصله يكون أشد وأعظم، وإذا عيب عيبًا ذاتيًّا يكون أشد وأشد، ولهذا يُسَلِّي الله نبيه محمدًا ﷺ في مثل التوجيهات.

﴿فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [يس ٧٦] الجملة استئنافية لبيان حال هؤلاء الذين يقولون ما يقولون في رسول الله ﷺ وما جاء به، وحالهم أنهم مهددون بماذا؟ بعلم الله عز وجل بما يسرون وما يعلنون؛ ما يسرونه فيما بينهم وما يعلنونه للناس، ما يسرونه في أنفسهم وما يبدونه لغيرهم، فعندنا إسراران؛ إسرار الإنسان ما في نفسه بحيث لا يعلم به أحد، الإسرار الثاني إسرار الأمر بينهم فلا يخرج لغيرهم.

ونضرب لهذا مثلًا: هؤلاء قوم عددهم عشرة يتحدثون فيما بينهم بأمر من الأمور لكن لا يخرج إلى غيرهم، هذا إسرار ولَّا لا؟ إسرار، أحد هؤلاء العشرة أضمر في نفسه شيئًا لم يخبر به زملاءه، هذا أيضًا إسرار.

فقوله: ﴿مَا يُسِرُّونَ﴾ يشمل هذا وهذا؛ أي: ما أسره كل إنسان في نفسه وما أسروه فيما بينهم دون أن يعلنوه لغيرهم، وفي هذا من التهديد ما هو ظاهر، فالله تعالى يعلم ما يسرونه وما يعلنونه وسوف يجازيهم على ذلك يوم القيامة.

ثم قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ [يس ٧٧، ٧٨]، قال: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ﴾، ﴿يَرَ﴾ بمعنى يعلم، ﴿أَوَلَمْ يَرَ﴾ أي: أولم يعلم؟ والاستفهام هنا للتقرير والمراد به التوبيخ، والواو حرف عطف، والمعطوف عليه إما مقدر بعد الهمزة، وإما ما سبق، وعلى الثاني تكون الهمزة منقولة عن مكانها، وأصلها على القول الثاني: وألم ير.

وقوله: ﴿الْإِنْسَانُ﴾ [يس ٧٧] قال المؤلف: (وهو العاص بن وائل)، وعلى رأي المؤلف تكون (أل) هنا للعهد الذهني، ولكن الصحيح أن (أل) للجنس؛ أي جنس الإنسان، ومنه العاص بن وائل؛ لأن الأصل في (أل) أنها لبيان الجنس، هذا الأصل فيها، ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر ١، ٢] يعني: جنس الإنسان، ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العصر ٣].

ووجه كون ذلك هو الأصل أن العهد يحصرها في شيء معين، والأصل بقاء اللفظ على عمومه، فإذا قال قائل ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ﴾: إنه فلان بن فلان، نقول: الله عز وجل قال: ﴿الْإِنْسَانُ﴾ وهو شامل، إذن فالصحيح أنه عام، لكن نجعل العاص بن وائل نجعله مثالًا لمن قال هذا القول أو لمن رأى هذا الرأي.

(﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ مَنِي إلى أن صيرناه شديدًا قويًّا، ﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ﴾ شديد الخصومة لنا، ﴿مُبِينٌ﴾ بيَّنها في نفي البعث).

الإنسان خُلِق من نطفة، وهو هذا المني المهين كما وصفه الله عز وجل، هذا الماء المهين الذي خلق منه الإنسان، إذا رجع الإنسان إليه -إلى أصله- وجد أنه كالنخامة ليس بشيء، ثم بعد هذا ينشئه الله عز وجل حتى يعطيه الفصاحة والبلاغة وقوة الحجة بعد أن يتربى بنعم الله في بطن أمه، ثم في صدر أمه من الثديين، ثم بما أنعم الله عليه من أنواع الطعام والشراب يقوى ويشتد عقله وفكره وذهنه، فيكون خصيمًا.

﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ﴾ أي: شديد الخصومة؛ لأن (فعيل) بمعنى (فاعل) لكن تدل على المبالغة.

وقوله: ﴿مُبِينٌ﴾ أي: بين الذي يظهر أنها، ﴿مُبِينٌ﴾ بمعنى مظهر؛ يعني: مظهر لخصومته، لكونه شديد الخصومة قويها، وسيأتي -إن شاء الله- بيان نوع من جدل الإنسان وخصومته.

﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ سبق لنا أن هذا الاستفهام للتقرير الذي يراد به التوبيخ، وأن المراد بالإنسان ما هو أعم مما قاله المؤلف من تخصيصه بالعاص بن وائل.

قال الله عز وجل: ﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ أي: مظهِر للخصومة، خلافًا لقول المؤلف: (بين الخصومة).

قال: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا﴾ يعني: هذا الإنسان الذي كان خصيمًا مبينًا ضرب مثلًا لله عز وجل يريد التعجيز والإنكار، وتقدير نفيه هذا المثل بَيَّنه بقوله: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾، ولهذا جاءت الجملة مفصولةً عما سبق؛ لأنها وقعت بيانًا لمبهم في قوله: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا﴾.

﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ﴾ ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ يعني: ابتداء خلقه أنه خلق من ماء مهين، فكان هذا الإنسان الخصيم المبين، والجملة في قوله: ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ جملة يحتمل أن تكون جملة خبرية ويحتمل أن تكون جملة حالية؛ أي: وقد نسي خلقه؛ يعني أنه في ضرب المثل قد نسي أصله وهو أنه من مني ثم كان إنسانًا سويًّا خصيمًا مبينًا، المثل بيَّنه بقوله: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾.

يقول المؤلف رحمه الله: (﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ من الْمَنِي، وهو أغرب من مَثَلِه) كيف ذلك؟ لأن مَثَلَه الذي ضربه إعادة شيء كائن وخلقه من المني ابتداء خلقه، وأيهما أشد امتناعًا -لو كان فيه امتناع على الله-؟ الابتداء، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم ٢٧]، فإذا كان كذلك فإنه أي الإنسان الخصيم المبين يكون ضالًّا من وجهين:

الوجه الأول: استغرابه قدرة الله عز وجل على الإعادة.

والثاني: نسيانه أول الخلق؛ حيث نسي أنه خُلِق من ماء مهين حتى صار إنسانًا سويًّا خصيمًا مبينًا.

(﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ أي: بالية)، ﴿مَنْ﴾ ما نوعها؟ استفهامية، والمراد به النفي أو الإنكار؛ يعني: لا أحد يحيي العظام وهي رميم، الإنسان إذا مات ورم -أي ذهب لحمه وعصبه- وصارت عظامه تتفتت لقِدَمها، فهي إذن رميم، هذه العظام الرميم هي أبعد شيء عن الحياة؛ لأنها تشبه التراب فهي أبعد شيء عن الحياة، فكيف تحيى هذه العظام؟! هذا وجه استغراب هذا الرجل المنكِر.

(﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ أي: بالية، ولم يقل بالتاء؛ لأنه اسم لا صفة)، الرميم تارة يراد بها الصفة؛ يعني اسم المفعول أو اسم الفاعل؛ مرمومة أو رامة، وتارة يراد به الاسم؛ يعني أن العظم إذا بَلِي يُسَمَّى رميمًا، فلما قُصِدَ به الاسم لم يحتج إلى التاء؛ لأنه مثل أسد وحجر وشجر، وما أشبه هذا، لم يحتج إلى التاء لكن لو أريد الصفة لكان يؤنث؛ لأن العظام جمع، وكل جمع قابِلٌ للتأنيث لا سيما وأنه قال: ﴿وَهِيَ﴾ وهذه ضمير مؤنث.

قال: ﴿وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ (وروي أنه أخذ عظمًا رميمًا ففته وقال للنبي ﷺ: أترى يحيي الله هذا بعدما بلي ورمَّ؟ فقال النبي ﷺ: «نَعَمْ وَيُدْخِلُكَ النَّارَ»[[أخرجه عبد الرزاق في التفسير (٢٤٩٨) من حديث قتادة بن دعامة.]] ).

المؤلف ساق هذا الأثر بالتضعيف (رُوِي) وهو جدير بذلك؛ لأن هذا الرجل المنكِر سواء أنكر أمام النبي ﷺ أو خلف ظهره فإنه منكِر بكل حال، وليس من عادة الرسول عليه الصلاة والسلام أن يعامل الناس بمثل هذا الأسلوب بقوله: «نَعَمْ وَيُدْخِلُكَ النَّارَ»، فالأثر هذا يحتاج إلى نظر في سنده وفي صحته.

قال الله تعالى مبينًا قدرته على ذلك: ﴿قُلْ﴾ [يس ٧٩] والخطاب لمن؟ للرسول ﷺ، ﴿قُلْ﴾ يعني: لهذا الذي أنكر أن يحيي الله العظام وهي رميم، ﴿يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾.

واعلم أن الله عز وجل إذا قال للرسول عليه الصلاة والسلام: (قل) فهو أمر له بالإبلاغ، ومن المعلوم أن النبي ﷺ مأمور بإبلاغ القرآن عمومًا؛ لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة ٦٧]، فإذا خص شيئًا من الأحكام أو من الأخبار بـ(قل) كان في ذلك عناية خاصة بهذا الذي أمر أن يقوله؛ لأنه أمر أن يبلغه على وجه الخصوصية، ومعلوم أن ما كان على وجه الخصوصية فهو أوكد مما دخل في العموم.

وخلاصة هذه القاعدة أن الله إذا أمر نبيه ﷺ أن يقول: (قل) فهذا أمر خاص بتبليغ هذه المسألة سواء كانت خبرًا أو كانت حكمًا.

﴿يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ لم يقل الرب عز وجل، لم يقل: يحييها الله بل قال: ﴿الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ليكون الجواب متضمنًا للدليل؛ لأنه لو قال: (قل يحييها الله) فَهِم الإنسان أن الله هو الذي يحييها، لكن إذا قال: ﴿الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ كان هذا الجواب متضمنا لأيش؟ للدليل ﴿الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، ومن الذي أنشأها أول مرة؟ الذي أنشأها أول مرة هو الله عز وجل، لم يخلق أحدٌ من الخلق هذه العظام ولم ينشئها أول مرة، فإذا كان الله عز وجل أنشأها أول مرة فهو قادر على إعادتها؛ لأن الإعادة أهون من الابتداء، وهذا دليل؛ يعني أن الله ذكر فيما بقي من الآيات الدالة على إمكان إحياء هذه العظام وهي رميم، هذا هو الدليل الأول ﴿الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، وجه الاستدلال بهذا على أن القادر على الابتداء قادر على الإعادة من باب أولى.

ثانيًا: قال: (﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ﴾ مخلوق، ﴿عَلِيمٌ﴾ مجملًا ومفصلًا، قبل خلقه وبعد خلقه)، هذه الجملة ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ﴾ قال المؤلف: إن (خلق) هنا بمعنى (المخلوق)، فجعل المصدر بمعنى اسم المفعول، والذي يظهر أن المراد بالمصدر نفس المصدر، ومن المعلوم أنه لا مخلوق إلا بخلقٍ، لكن إذا قال: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ صار في هذا نص على علمه بالخلق؛ أي كيف يخلق؟ وكيف ينشئ الخلق؟ فيكون أدل على قدرته على إحياء الموتى مما إذا قلنا: وهو بكل مخلوق؛ لأنك إذا قلت: (بكل مخلوق) صار علمه بالمخلوق متى؟ بعد خلقه، لكن إذا كانت الآية على ظاهرها ﴿بِكُلِّ خَلْقٍ﴾ يعني: أنه يعلم كيف يخلق، والعالم بكيفية الخلق إذا أراده لم يستعصِ عليه؛ لأنه إذا كان عالمًا لم يبق إلا الإرادة، إذا أراده وهو بكل خلق عليم صنع ما علم عز وجل، فكونه ﴿بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ دليل على أنه قادر على أنه يعيده؛ لأن الذي يعجز إما أن يكون لعجزه، وإما أن يكون بجهله، لو قلت لشخص: اصنع لنا مسجلًا وهو لا يعرف الصنعة، هل يصنع مسجلًا؟

* طلبة: لا.

* الشيخ: لماذا؟ لجهله، لو قلت: اصنع لنا مسجلًا وهو يعلم كيف يصنع لكن ليس عنده قدرة؛ لا يصنع، هنا لما قال: هو ﴿الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ هذه القدرة.

﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ هذا انتفاء الجهل، فإذا انتفى العجز المستفاد من قوله: ﴿أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، وانتفى الجهل المستفاد من قوله: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ صار الخلق ممكنًا. هذان دليلان، ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾.

(﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ﴾ [يس ٨٠] أي: في جملة الناس، ﴿مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ﴾ المرخ والعفار أو كل شجر إلا العناب، ﴿نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ ).

﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا﴾ ﴿جَعَلَ﴾ بمعنى صيَّر، والذي جعل لنا من الشجر الأخضر نارًا هو الله عز وجل.

وقوله: (﴿جَعَلَ لَكُمْ﴾ في جملة الناس)، أراد المؤلف بقوله: (في جملة الناس) أن هذا الجعل ليس خاصًّا بالمخاطبين؛ أي برسول الله ﷺ وأصحابه بل هو عام لكل أحد، فهو جعل لهم في جملة الناس.

﴿مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ﴾ المؤلف يقول: (من المرخ والعفار) وبناء على كلامه تكون (أل) للعهد الذهني ويكون عامًّا أريد به الخاص، ولكن سبق لنا أن هذا خلاف الظاهر وأن (أل) الأصل فيها أنها تفيد الجنس؛ أي العموم، فالصواب أن المراد ﴿مِنَ الشَّجَرِ﴾ أي: من كل شجر، كما قال.

وقوله: (إلا العناب) لا نعرف عن هذا شيئًا هل إنه مستثنى وأن العناب لا يمكن أن تأتي منه النار؟ الله أعلم، على كل حال نحن نقول: عندنا الأصل ﴿مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا﴾ عامة.

﴿الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ﴾ فيه الرطوبة، أليس كذلك؟ والرطوبة يلزم منها البرودة، والنار التي تخرج من هذا الشجر الرطب البارد يابسة وحارة، فهذا اليابس الحار متولد من رطب بارد، ولا يخفى ما بين الرطوبة والبرودة وبين الحرارة واليبوسة من التنافر العظيم، فإذا كان الله عز وجل يولِّد هذا الشيء الذي بينه وبين المولَّد منه من التنافر ما هو ظاهر فهو قادر على إحياء العظام وهي رميم؛ لأن كونه يخلق الضد من الضد أبلغ في القدرة من كونه يخلق الشيء من لا ضد، وهذا أمر ظاهر. إذن هذا دليل الثالث على إمكان إحياء العظام وهي رميم.

وقوله: ﴿فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ (الفاء) هنا عاطفة، (وإذا) فجائية؛ يعني أنه بمجرد ما أن تضرب عودًا بعود من هذا الشجر تنقدح النار فتوقد منه؛ يعني: لا يحتاج إلى كبير عناء بل إن الإيقاد أمر سهل مفاجئ للعملية، المفاجئة استدللناها من كلمة (إذا).

وفي قوله: ﴿أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ دليل على استمرارية هذا العمل؛ لأن الجملة الاسمية تفيد الثبوت والاستمرار، وهذا أمر لا أحد ينكره؛ لا أحد ينكر أنه يتولد من الشجر الأخضر نار يوقد الناس منه، طيب ﴿فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾.

قال المؤلف رحمه الله: (تقدحون، وهذا دالٌّ على القدرة على البعث؛ فإنه جمع فيه بين الماء والنار والخشب، فلا الماء يطفئ النار، ولا النار تحرق الخشب).

قال: (﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ مع عظمهما، ﴿بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ أي: الأناسي في الصغر، ﴿بَلَى﴾ [يس ٨١]).

هذا أيضًا دليل رابع ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾؟ الجواب ﴿بَلَى﴾، أجاب الله نفسه بنفسه؛ بلى خلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس، كما قال الله تعال: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر ٥٧]، وهذا أمر معلوم بالحس والمشاهدة، البشر كلهم لا يساوون كوكبًا من الكواكب، فما بالك بهذه الكواكب والنجوم التي لا يحصيها إلا الله عز وجل، والسماوات العظيمة التي قال الله تعالى فيها: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات ٤٧]، الذي خلق السماوات والأرض أفلا يكون قادرًا على خلق الناس؟ الجواب: بلى واللهِ، بلى وأولى، فالذي خلق هذه الأجرام العظيمة بما أودعها من المصالح العظيمة أيضًا قادر على أن يخلق مثلهم بالأولى والأحرى. وهذا الدليل هو الدليل الرابع.

قال: ﴿بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ (﴿بَلَى﴾ أي: هو قادر على ذلك، أجاب نفسه عز وجل ﴿وَهُوَ الْخَلَّاقُ﴾ الكثير الخلق، ﴿الْعَلِيمُ﴾ بكل شيء).

﴿وَهُوَ الْخَلَّاقُ﴾ قال المؤلف: (الكثير الخلق)، فجعل فَعَّالًا من صيغة المبالغة، ولا شك أن الله عز وجل كثير الخلق، لكن ينبغي أن نقول أيضًا: من فعال هنا نسبة؛ يعني أنه موصوف بالخلق، ووصفه بالخلق أبلغ من وصفه بإيجاد الخلق أو بفعل الخلق؛ يعني أنه ذو (...)؛ يعني أننا لو قلنا: فلان نجار، ماذا يفيد قولنا بأنه نجار؟ إذا جعلناه من باب النسبة، وماذا يفيد إذا جعلناه من باب المبالغة؟ إذا جعلناه من باب المبالغة فالمعنى أنه كثير النجارة، نجار؛ يعني كثير النجارة، لكن هل هو مجيدها؟ وهل هو مستحق لأن يوصف بهذه المهنة فيقال: نجار؟ قد يكون، وقد لا يكون، قد يكون كثير النجارة لكن تطلع أبوابه ما تنفع أبدًا؛ مخرقة، تكسر المحامل ولا تنفع، وكل يوم يطلع لنا باب أو بابان ما شاء الله لكنه خراب، هذا نقول: صيغة مبالغة، لكن هل النجارة وصفه بمعنى أنه حاذق متقن لها؟ لا، لا يلزم، قد يكون، وقد لا يكون. أما إذا قلت: نجَّار على أنها نسبة -أي صاحب صنعة- فهو أبلغ في الوصف، والنجار أي بالصنعة المتقن لها سواء نجر كثيرًا أو قليلًا هو نجار متقن.

فهنا يمكن أن نقول: ﴿وَهُوَ الْخَلَّاقُ﴾ نحملها على أيش؟ على النسبة المفيدة لوصف الله عز وجل بهذه الصفة العظيمة؛ أي: ذو الخلق المتقن على أكمل وجه، ومع هذا فإن الله سبحانه وتعالى اجتمع في حقه الوصف والفعل؛ يعني كثرة الخلق، لا شك أن خلق الله عز وجل لا يُحْصَى أجناسًا، فضلًا عن الأنواع، فضلًا عن الأفراد، من ذا الذي يحصي أجناس الخلق؟ من ذا الذي يحصي أنواع هذه الأجناس؟ ومن الذي يحصي أفراد هذه الأنواع؟ لا يستطيع أحد أن يحصي ذلك، إذن فقد اجتمع في حقِّ الله سبحانه وتعالى الأمران، ما هما؟ النسبة؛ يعني الوصفية، كمال الوصف، الثاني: الكثرة التي تفيدها صيغة المبالغة.

إذا كان الله سبحانه وتعالى خلَّاقًا؛ أي: من وصفه الخلق، الوصف اللازم له.

وكذلك كثير الخلق هل يعجز عن أن يُحيي العظام وهي رميم؟ لا، إذن خذ هذا دليلًا خامسًا.

﴿الْعَلِيمُ﴾ هذا أيضًا العلم دليل؛ لأنا قلنا: إن عدم الإعادة إما أن يكون للعجز، وإما أن يكون للجهل، فكلما وصف الله نفسه بالعلم فإن ذلك يعني أنه قادر؛ لأنه لا يجهل كيف يخلق وكيف ينشئ، فيمكن أن نعدَّ هذا دليلًا سادسًا.

ثم قال: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢].

قال المؤلف: (﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ﴾ أي: شأنه) يعني: شأنه وحاله، ﴿إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ما يحتاج إلى إحضار آلات بناء -مثلًا- أو إلى جنود يساعدونه ولا إلى أن يعمل بيده عز وجل، بل يقول: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾.

وقوله: (شأنه) قد يُنَازع فيها ويقال: إن المراد بالأمر أمر التكوين؛ يعني أمره أن يقول: (كنْ) بدون أن يكرر، كما في قوله: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر ٥٠]، فيجعل الأمر واحد أيش؟ الأمور ولَّا واحد الأوامر؟ واحد الأوامر، يجعل الأمر واحد الأوامر، والمؤلف يريد أن يجعل الأمر واحد الأمور، ويمكن أن نقول: بالأمرين جميعًا؛ نقول: شأنه عز وجل في تمام قدرته أن يقول للشيء: (كنْ) فيكون، وأمره إذا أراد الشيء أن يقول: (كنْ) بدون تكرار، ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات ١٣، ١٤].

إنما ﴿إِذَا أَرَادَ شَيْئًا﴾ قال المؤلف رحمه الله: (أي خلقَ شيءٍ، ﴿أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ).

الأولى ألا نقيد ﴿شَيْئًا﴾ بالخلق، بل نقول: إذا أراد شيئًا خلقًا أو إعدامًا؛ يعني أن الأشياء إما أن يريد الله إيجادها؛ أي خلقها، وإما أن يريد إعدامها، والإعدام إتلاف لا إيجاد، فالأولى إبقاء الآية على ظاهرها؛ على إطلاقها، ﴿شَيْئًا﴾ سواء كان خلقًا وإيجادًا أو إعدامًا وإتلافًا.

ولكن الذي حمل المؤلف رحمه الله على أن يقول: (خلق شيء)؛ لأن السياق بالاستدلال على الخلق وهو الإيجاد، فلهذا خصها به، ولكننا إذا قلنا: إنها على إطلاقها فإنها لا تمنع الخلق كما لا تمنع الإعدام، فالأولى أن يقال: ﴿إِذَا أَرَادَ شَيْئًا﴾ أي: إيجاد شيءٍ وخلقه أو إعدامه.

وقد يُعْتَذر عن المؤلف فيقال: إن الإعدام فيه نوع خلق؛ لأن إتلاف الشيء القائم خلق، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ [الملك ٢] مع أن الموت عدم وفناء، ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود ٧]، والأمر في هذا سهل.

قال: ﴿شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿كُنْ﴾ هنا هل هي تامة أو ناقصة؟ تامة، هذا هو الظاهر، وإذا جعلناها ناقصة صار المعنى: كن كذا؛ أي تحوَّل إلى كذا، لكن إذا جعلناها تامة صارت أشمل لتشمل ما أراد الله تعالى تحويله من شيء إلى شيء وما أراد الله تعالى إيجاده أصلًا؛ يعني ﴿كُنْ﴾ أي: أوجد؛ يعني أن يوجد ويتكون، أو كن كذا؛ أي بأن يكون الطويل قصيرًا والقصير طويلًا، وما أشبه ذلك، فإذا جعلناها تامة صار هذا أشمل.

﴿فَيَكُونُ﴾ يقول: (فهو يكون، وفي قراءة بالنصب عطفًا على ﴿يَقُولَ﴾ ) قراءتان سبعيتان أو إحداهما شاذة؟

* طلبة: (...).

* الشيخ: لماذا؟ لأنه قال: (في قراءة)، واصطلاح المؤلف رحمه الله إذا كانت القراءتان سبعيتين أن يقول: وفي قراءة وإذا كانت إحداهما شاذة قال عن الشاذة: قُرِئ.

في قوله: ﴿فَيَكُونُ﴾ قراءتان: ﴿فَيَكُونَ﴾ و﴿فَيَكُونُ﴾، أما على قراءة الرفع فالفاء هنا للاستئناف، وجملة (يكون) خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: فهو يكون.

وأما على قراءة النصب فهي معطوفة على ﴿أَنْ يَقُولَ﴾؛ إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول فيكونَ، يقول للشيء: كنْ فيكونَ.

و(الفاء) على كلا الوجهين دالة على الترتيب والتعقيب؛ يعني أن الشيء يكون فورًا بدون تأخير، وقد بيَّن الله تعالى سرعة هذه الفورية في قوله: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر ٥٠] لمح البصر ليس شيء أسرع منه، وأمر الله عز وجل واحد كلمح البصر.

قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ هذا الدليل السابع.

وإذا كان هذا أمر الله وشأن الله فهل إذا قال للعظام الرميمة: كوني إنسانًا سويًّا، هل يمتنع عليه ذلك؟ لا، ولهذا قال الله تعالى في سورة النازعات: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات ١٣، ١٤]، وقال في هذه السورة: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس ٥٣].

قال: ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [يس ٨٣]، ﴿فَسُبْحَانَ﴾ بمعنى تنزيهًا، وهي اسم مصدر، والمصدر تسبيح، وهي ملازمة للنصب على المفعولية المطلقة دائمًا، وملازمة أيضًا للإضافة، حتى لو قُطِعت عن الإضافة لفظًا فهي مضافة تقديرًا.

و﴿فَسُبْحَانَ﴾ معناها التنزيه، التنزيه عن أي شيء؟ ذكرنا قريبًا أن الله يُنَزَّه عن النقص في صفاته وعن مماثلة المخلوقين، فمثلًا يُنَزَّه أن يكون وجهه كوجه المخلوق، ويُنَزَّه أن يعتري صفاته نقص بأي وجه، فمثلًا العِلم؛ علم البشر ناقص ابتداءً وانتهاءً وشمولًا، أليس كذلك؟

* طلبة: بلى.

* الشيخ: ابتداء؛ لأنه مسبوق بجهل، انتهاء ملحوق بالنسيان، شمولًا ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء ٨٥]، لكن علم الله عز وجل كامل من هذه الوجوه كلها ابتداءً وانتهاءًَ وشمولًا، فهو سبحانه وتعالى عالم بعلمه القديم الذي هو موصوف به أزلًا وأبدًا، وهو لا يَنْسى كما قال موسى عليه الصلاة والسلام: ﴿عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه ٥٢]، وعلمه شامل لكل شيء ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ [آل عمران ٥]، ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق ١٢].

إذن الله تعالى منزه عن النقص في صفاته الثابتة له، والثاني: عن مماثلة المخلوقين، مماثلة ما نقول: مشابهة، أو لا؟ مماثلة ولا نقول: مشابهة، الفرق واضح؛ أولًا: أن المماثلة هي التي جاء نفيها في القرآن ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى ١١] ولم يقل: ليس كشبهه شيء، وقال: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [النحل ٧٤].

ثانيًا: أنه ما من شيئين موجودين إلا وبينهما نوع من التشابه، ولولا ذلك ما فهمنا من صفات الله شيئًا، فمثلًا الوجود للمخلوق وللخالق بينهما تشابه في أصل المعنى وإن كان هذا يختلف، العلم؛ علم الخالق وعلم المخلوق بينهما تشابه من حيث أصل المعنى لكنهما يختلفان، فإذا نفيت المشابهة مطلقًا فهذا نفي للوجود في الواقع.

ثالثًا: أن المشابهة صار نفيها معناه عند كثير من الناس، صار نفيها نفيًا للصفات؛ لأن كثيرًا من أهل التعطيل يصفون من يثبتون الصفات بالمشبهة، فإذا قلت: من غير تشبيه؛ يعني من غير إثبات؛ لأن كل مُثْبِت عندهم مشبه، فلهذا كان التعبير لنفي التمثيل أولى من التعبير بنفي التشبيه من ثلاثة أوجه.

نقول: هو مُنَزَّه عن مماثلة المخلوقين، مماثلة المخلوق في الواقع نقص مجرد مماثلة الخالق للمخلوق يعتبر تنقصًا للخالق..

هذا ﴿مَلَكُوتُ﴾ [يس ٨٣] كما قال المؤلف: (أصلها مُلْك، لكن زيدت الواو والتاء للمبالغة)، المبالغة في ملك الله لكل شيء؛ لأن ملك الله لكل شيء ملك تام، لم يُسبَق بعدَم، ولا يُلْحق بزوال، بينما ملك غيره ملك ناقص؛ فأنت في الأصل لم تملك هذا الشيء، ثم ملكته بعد، ومع ملكك إياه فإن هذا الملك قابل للزوال، ثم إن ملكك إياه ليس ملكًا مطلقًا تفعل فيه ما شئت بل هو ملك مُقيَّد، أما ملك الله فهو تام؛ ولهذا جاءت الواو والتاء للمبالغة.

﴿مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [يس ٨٣] أي: ملك كل شيء. أهذا يمكن أن نجعله دليلًا؟ نعم، دليلًا ثامنًا.

أولًا: تنزيه الله عن كل نقص، هذا دليل؛ لأن عجزه عن إحياء العِظام وهي رميم نقص يُنافي التنزيه، فإذا ثبت أنه -عز وجل- مُنَزَّه عن كل نقص لزم من ذلك تنزيهه عن العجز عن إعادة هذه العظام.

أيضًا ﴿بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [يس ٨٣] ربما نجعلها دليلًا، كيف؟ لأن الذي يملك كل شيء مُلكًا مطلقًا مبالغًا فيه بـ(الواو) و(التاء) قادر على أن يحول هذا المملوك إلى ما شاء؛ ولهذا المؤلف رحمه الله فسر الملكية هنا بالقدرة، قال: (القدرة على كل شيء)، ولكن كلامه فيه نظر بل نقولها: مالك لكل شيء، وإذا ملكه ملكًا مطلقًا فهو قادر على أن يتصرف فيه كما شاء، كم دليل هذا؟

* طالب: تسعة.

* الشيخ: العاشر: (قال: ﴿﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﴾ تردون في الآخرة). ﴿إِلَيْهِ﴾ لا إلى غيره ﴿تُرْجَعُونَ﴾ تردون في الآخرة ليجازيكم، ووجه الدلالة من هذه الجملة أنه لا رجوع إلى الله في الآخرة إلا بعد إحياء هذه العظام الرميم، ولو قلنا بعدم القدرة لانتفى الرجوع إلى الله عز وجل، وإذا انتفى الرجوع إلى الله صار وجود الدنيا كلها عبثًا ولعبًا، وهذا لا شك أنه منافٍ لكمال الله عز وجل، فمجرد رجوعنا إلى الله يلزم منه القدرة على الإحياء، كذا؟ ولا يمكن أن نقول بعدم الرجوع؛ لأننا لو قلنا بعدم الرجوع لكان إيجاد الخلق عبثًا؛ وهذا ممتنع غاية الامتناع.

فهذه عشرة أدلة في هذه الآيات على قُدْرة الله عز وجل على إحياء الموتى، إحياء العظام وهي رميم، والله على كل شيء قدير، يعني لو لم يكن عندنا إلا هذه الجملة العامة (والله على كل شيء قدير) لكان كافيًا في بيان قدرته سبحانه وتعالى على إعادة، أو على إحياء العظام وهي رميم (...)

قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ إلى آخره [يس: ٧٧]، ما المراد بالإنسان؟ الأخ.. فإننا نبدأ أظن من ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ﴾.

* من فوائد الآية الكريمة: بيان أن الإنسان خُلِق من ضعف؛ لقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ وهو كذلك.

* ومن فوائدها أيضًا: أن هذا الإنسان الذي خلق من هذه المادة الضعيفة يترقى حتى يكون ذا خصومة مبينة؛ لقوله: ﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾.

* من فوائد الآية الكريمة أيضًا: النداء على الإنسان بالظلم، وجه ذلك: كيف يكون هذا الذي خُلِق من هذه النطفة يبلغ به الحد إلى أن يكون خصيمًا لله عز وجل بَيِّن الخصومة؛ لأن الإنسان يجب عليه إذا نظر إلى أصله أن يعرف قدر نفسه لا أن يكون مخاصمًا لربه عز وجل.

* من فوائد الآية الكريمة: أن الخصومة بالباطل مذمومة، ووجه ذلك أن الآية سِيقت مساق الذم لا مساق المدح، أما الخصومة لإثبات الحق وإبطال الباطل فإنها ممدوحة؛ لقول الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل ١٢٥]، ولولا الجدال مع أهل الباطل ما تبين الحق ولا اندحض الباطل، فلا بد للإنسان من الجدال في إثبات الحق وإبطال الباطل، أما إذا كان الأمر بالعكس فإنه مذموم، من هنا يمكن أن نقسم الجدال إلى ثلاثة أقسام:

جدال محمود مأمور به؛ إما وجوبًا أو استحبابًا، وجدال مذموم منهي عنه، وجدال بين بين؛ أما الجدال الممدوح فهو الذي يقصد به إثبات الحق وإبطال الباطل، فهذا مأمور به، وهو كالجهاد في سبيل الله كما أن المجاهد مأمور بأن يحمل السلاح ضد عدوه ويقاتله، فطالب العلم مأمور بأن يحمل سلاح العلم وهو المجادَلة بالحق ليدحض به الباطل.

الثاني: بالعكس، وهذا مذموم منهي عنه، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [الشورى ١٦].

الثالث: بين بين؛ يعني لا يُؤمر به، ولا يُنهى عنه لكن لا شك أن تركه أولى؛ وهو الجدال في أمور لا تمس إلى الحق أو الباطل بصلة كما يحصل في كثير من المجالس من المجادلات، فهذا لا شك أنه لا خيرَ فيه، وأنه من المراء الذي ينبغي للإنسان تجنبه، ثم إن أفضى إلى مفسدة كان منهيًّا عنه، وإن أفضى إلى مصلحة كان مأمورًا به.

كيف يفضي إلى مفسدة؟ يكون مع الجدال والمراء والمحاورة عداوة بين المتجادلين أو تعصب لأحدهما من الحاضرين، ويحصل في ذلك تحزب، منفعة مثل أن يكون المجادِل مغرورًا بنفسه، ويرى أنه لا يغلبه أحد فتجادله من أجل أن تكسر حدة هذا الغرور، وإن كان لا يترتب على هذا شيء فائدة في حد ذاته لكن فيه فائدة لغيره وهي كسْر غرور هذا الشخص حتى لا يبقى زاهيًا بنفسه مُترفعًا على غيره.

ثم قال عز وجل: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس ٧٨].

* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن المجادل بالباطل يأتي بالشبهات التي ينشر بها باطله؛ لقوله: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ فإن هذه شبهة تلبس على العامة؛ لأنه لم يقل: من يحي العظام فقط قال: ﴿وَهِيَ رَمِيمٌ﴾، فكيف تُحيا بعد أن رمَّت؟ فأهل الباطل يأتون بالشبهات ليلبسوا على الناس.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذا الإنسان استهان بربه حيث ضرب له الأمثال للتعجيز؛ لقوله: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا﴾ يعني قال: أنا أضرب لكم مثلًا بهذا الشيء الذي يعجز ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الْمُعارِض للحق قد يُصرِّح بالإنكار بدون مراوغة؛ لقوله: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ﴾ وأحيانًا يُراوِغ فأيهما أهون؟

* طالب: الذي يصرح.

* الشيخ: الذي يصرح ويبين؛ لأن هذا يمكن أن يتقى شره، أما المراوغ فإنه في الواقع خطر؛ ولهذا كان خطر المنافقين على الإسلام أكثر من خطر الكافرين الذين يصرحون بالعداوة؛ لأن المنافقين يغرون الناس، ولا يمكن التحرز منهم.

ثم قال عز وجل: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس ٧٩].

* من فوائد هذه الآيات: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا﴾ يعني الجواب على هذا المعترض؛ بيان قوة الإقناع في إقامة الحجة من كلام الله عز وجل؛ يعني أن أقوى ما يسوق الحجج ويبينها هو كلام الله، وهو كذلك؛ لأن كلام الله عز وجل أبلغ الكلام وأحسنه، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء ٨٧] فحديث الله عز وجل لا شك أنه أصدق الحديث وأتمه وأحسنه في الإقناع وإقامة الحجة.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском