Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Ya-Sin 36:76–83, continued
* من فوائد الآية الكريمة: الاستدلال بالأشد على إمكان الأخف؛ لقوله: ﴿يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس ٧٩] فقد استدل بالأشد على إمكان الأخف، ما هو الأشد فيما نحن بصدده؟ الأشد إحياؤها أول مرة، والأخف الإعادة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي للمستدل المناظِر أن يأتي بالشيء الذي يُقر به خصمه من أجل أن تقوم عليه الحجة، كيف ذلك؟ لأنه قال: ﴿يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ والخصم هنا هل ينكر أن الله أنشأها أول مرة؟ لا، لا ينكر، فينبغي أن تأتي بالشيء الذي يقر به خصمك لتقيم الحجة عليه بإقراره، وهذا أدب من آداب المناظرة؛ لأنه أقرب إلى الإقناع وله نظائر؛ منها أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما ناظَر الذي حاجَّه في ربه فقال إبراهيم: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة ٢٥٨] فعدل إبراهيم عن ذلك وقال: فإن الله يأتي بالشمس من المشرق، وهذا يقر به الخصم فأتِ بها من المغرب، وهذا لا يمكن للخصم أن يقوم به؛ فالحاصل أنه ينبغي للإنسان أن يأتي خصمه من الوِجهة التي يُقر بها حتى يقيم عليه الحجة.
* من فوائد الآية الكريمة: تمام قدرة الله سبحانه وتعالى بإنشاء هذه العظام لأول مرة؛ لأنه لا أحد يستطيع أن يخلق هذه العظام ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج ٧٣] مع أن الذباب ليس فيه العظام القوية الصلبة، فإذا كانوا لا يقدرون على ذلك فهم على ما هو أعظم أعجز.
* ومن فوائد الآية الكريمة: عِلْم الله سبحانه وتعالى بكل خلق، كذا؟ هل سبق لنا في التفسير هل الخلق هنا بمعنى المخلوق أو بمعنى الفعل؟ ذكرنا أنه يحتمل الأمرين لكنه احتمال الفعل أكثر؛ يعني كل خلق فالله عليم به، ومن المعلوم أن العالم بالخلق عالم بالمخلوق كما قال تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك ١٤].
* إذن يستفاد من ذلك: عموم عِلْم الله سبحانه وتعالى بكل خلق؛ أي بكل صنع يصنعه مما نتصور ومما لا نتصور، وبكل مخلوق؛ لأن العالم بالخلق عالم بالمخلوق.
ثم قال تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ [يس ٨٠].
* من فوائد هذه الآية الكريمة: بيان قدرة الله عز وجل، حيث يتولد من هذا الشيء الرطب البارد شيء حار يابس، فتولد الشيء من ضده دليل على كمال القدرة؛ لأن العادة أن الضدين متنافران لا يلتقيان أبدًا، وهنا صار أحدهما يتولد من الآخر.
* ومن فوائدها أيضًا: الاستدلال بالأشد على الأخف؛ لأن التناقض بين الرطب واليابس والحار والبارد أعظم من أن يُعاد الخلْق، أو تعاد العظام بعد رميمها، فالقادر على هذا الشيء قادر على إحياء الموتى.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان نعمة الله علينا بهذا الْجَعل؛ أي: بجعله من هذا الشجر الأخضر نارًا، وجه الدلالة: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ﴾ [يس ٨٠] وإلا لكان يُكتفى فيقال: الذي جعل من الشجر الأخضر نارًا، لكن ذلك لمصلحتنا ففيه نعمة من الله عز وجل على عباده بهذه النار، وقد قرر الله هذه النعمة في قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُون﴾ [الواقعة ٧١، ٧٢]، ولا أحد ينكر ما في الطاقة الحرارية من المنافع العظيمة للخلق فأنواعها بل أجناسها لا تحصى فضلًا عن أفرادها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تقرير الشيء بالواقع؛ يعني بدل أن نلقيه تصورًا في الذهن نذكر واقعه بالفعل، من أين تُؤخذ؟ من قوله: ﴿فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ [يس ٨٠] فهو بَيَّنَ أنه جعل لنا من الشجر الأخضر نارًا، وهذا يعطينًا تصورًا بأن الله سبحانه وتعالى جعل لنا من الشجر الأخضر نارًا نستفيد منها، ثم بين ذلك بذكر الأمر أو حقَّق ذلك بذِكْر الأمر الواقع ﴿فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ [يس ٨٠] تحسونه بواقعكم، وتلمسونه بأيديكم.
ثم قال الله عز وجل: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى﴾ [يس ٨١].
* هذه الآية من فوائدها: الاستدلال بالأشد على الأخف؛ لأن الله تعالى استدل بخلق السماوات والأرض أو بقدرته على خلق السماوات والأرض على قدرته على إحياء العظام وهي رميم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان قدرة الله سبحانه وتعالى وعظمته، حيث خلق هذه السماوات والأرض بما فيهما من المصالح والمنافع والأجرام الثابتة وغير الثابتة، وهذا دليل على كمال قدرته سبحانه وتعالى، وفي كم يوم خلق السماوات والأرض؟ في ستة أيام ومع عظمتها وسعتها وكبرها قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق ٣٨] أي: من تعب وإعياء.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: الرد على الفلاسفة الذين يقولون: بقِدَم الأفلاك، وجه ذلك: أنه قال: ﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ أي: أوجدها من العدم، ومعلوم أن الْمُوجَد ليس بقديم، والقديم عندهم هو الأزلي الذي لا بداية له، فالسماوات والأرض كانت معدومة، ثم أُوجِدت بقدرة الله سبحانه وتعالى، وأما من قال بقدم الأفلاك، وأنه لم تزل ولا تزال هذه الطبيعة فإنه ضال لا يعلم عن هذا شيئًا؛ لأنه بنى الأمر على غير دليل عقلي ولا نقلي بل إن الدليل العقلي والنقلي يدل على إمكان حدوث هذه الأفلاك، وأنها حادثة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز إجابة السائل نفسه في الأمر الْمُحقَّق المتقرِّر؛ لقوله: ﴿بَلَى﴾؛ إذ قد يقول قائل: إن إجابة المتكلم نفسه لا معنى لها؛ لأن إجابته دعوى أو تقرير لدعوى ادَّعاها فيُقال: إذا كان الأمر ثابتًا واقعًا فإن إجابته نفسه لا تأتي بشيء جديد سوى أنه يقرر ما كان واقعًا معلومًا للمخاطب؛ ولهذا قال: ﴿بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [يس ٨١].
* وفي هذه الآية فائدة نحوية: وهي أن جواب الاستفهام المقرون بالنفي إذا أُريد إثباته يقال فيه: بلى، ولا يقال: نعم؛ لأنك لو أجبت بـ(نعم) لكان ذلك تقريرًا للمنفي؛ يعني تقريرًا لنفي المنفي، لو قلت: أليس زيد بقائم؟ فقلت: نعم. يعني قررت النفي ليس بقائم، فإن قلت: بلى، فقد أثبت القيام.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الخلق وصف الله عز وجل الذي هو متصف به أزلًا وأبدًا؛ لقوله: ﴿وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [يس ٨١] فهو موصوف بالخلق من قبل أن يخلق؛ لأن صفة الخلق أزلية والمخلوق حادث فهو عز وجل متصف بالخلق؛ ولهذا قلنا: إن النسبة في قوله: ﴿وَهُوَ الْخَلَّاقُ﴾ أظهر من كونها للمبالغة.
* من فوائد الآية الكريمة: وصف الله تعالى بالعلم الأزلي؛ لقوله: ﴿الْعَلِيمُ﴾، ولا شك أن الله تعالى موصوف بالعلم أزلًا وأبدًا، فإنه لم يزل ولا يزال عالمًا، لم يسبق علمه جهل، ولا (...) نسيان كما قال موسى عليه الصلاة والسلام: ﴿عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى﴾ [طه ٥٢].
ثم قال: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.
* من فوائد هذه الآية: الاستدلال بعموم قدرته عز وجل وتمامها على قدرته على إحياء الموتى.
* ومن فوائدها أيضًا: بيان قدرة الله سبحانه وتعالى التامة التي لا يضاهيها ولا يقاربها قدرة؛ لأنه إذا أراد شيئًا لم يتكلف لإحضار المواد أو غيرها مما يتكون به هذا الشيء وإنما يقول: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات الإرادة لله؛ لقوله: ﴿إِذَا أَرَادَ شَيْئًا﴾ [يس ٨٢]، وإرادة الله سبحانه وتعالى -كما قال أهل العلم- تنقسم إلى: شرعية وكونية؛ فالشرعية هي التي بمعنى المحبة، والكونية هي التي بمعنى المشيئة، والفرْق بينهما من حيث الأثر أن الإرادة الكونية لا بد فيها من وقوع المراد، هذا واحد.
والثاني: أن المراد فيها قد يكون محبوبًا لله، وقد يكون غير محبوب له، أما الإرادة الشرعية فقد يقع فيها المراد وقد لا يقع، ولا يكون المراد فيها إلا محبوبًا لله.
فإذا قال لك قائل: هل الله يريد الكفر؟
فقل له: أما شرعًا فلا، وأما كونًا فنعم.
ولو قال لك قائل: هل الله يريد الإيمان؟
تقول: نعم، يريده شرعًا وقدرًا إن وقع، إن كان واقعًا فقد أراده قدرًا وإلا إذا لم يقع فلا نعلم هل أراده قدرًا أو لا، بل نقول: إنه الآن لم يرده قدرًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، (...).
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢].
* في هذه الآية الكريمة فوائد؛ منها: بيان قدرة الله عز وجل، وأنه إذا أراد شيئًا أي شيء يكون فإنما يقول له: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾.
* ومنها: إثبات الإرادة لله؛ لقوله: ﴿إِذَا أَرَادَ شَيْئًا﴾، وسبق لنا في التفسير أن إرادة الله تنقسم إلى قسمين: شرعية وكونية، وبينَّا الفرق بينهما.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات القول لله؛ لقوله: ﴿أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.
* ومن فوائدها: أن كلام الله عز وجل يكون بحرف؛ لقوله: ﴿كُنْ﴾، فإن ﴿كُنْ﴾ كلمة مكونة من حرفين، وإثبات أنه بصوت؛ لقوله: ﴿أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ فهذا خطاب مُوجَّه لما أراده الله، وهو يقتضي أن يكون هذا المراد سامعًا لهذا القول، ولا سماع إلا بصوت، فيكون في الآية رد على قول الأشاعرة في كلام الله عز وجل؛ حيث يقولون: إن كلام الله هو المعنى القائم بنفسه، وأن ما يُسمع من الأصوات والحروف فهو عبارة عن كلام الله، ويرون أن هذا المسموع مخلوق؛ ولهذا قال بعض المحققين منهم أو المنصفين منهم: إنه في الحقيقة لا فرق بيننا وبين المعتزلة في كلام الله؛ لأننا متفقون على أن ما بين دفتي المصحف فهو مخلوق، فإذا كانوا متفقين على هذا فإن قول المعتزلة قد يكون خيرًا من قولهم؛ لأن المعتزلة يقولون: إن ما بين دفتي المصحف كلام الله، كلهم يقولون: إنه مخلوق، لكن المعتزلة يقولون: إنه كلام الله، والأشاعرة يقولون: إنه عبارة عن كلام الله فإضافته إلى الله على رأي الأشعرية مجاز لا حقيقة.
على كل حال في الآية رد على الأشعرية في تفسيرهم لكلام الله عز وجل، وحقيقة الأمر أنهم لا يُثبتون الكلام؛ لأنهم إذا جعلوا الكلام هو المعنى القائم بالنفس فكأنما جعلوا الكلام هو العِلْم؛ لأن العلم هو المعنى القائم بالنفس، أما الكلام والقول فهو أمر زائد على ذلك.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن أمر الله عز وجل إذا وُجِّه لشيء فإن هذا الشيء يكون كما أمر؛ لقوله: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ أي: فيكون على ما أمر الله به بالعين والوصف، فإذا أراد الله إيجاد شيء قال: ﴿كُنْ﴾ فكان على حسب ما أراده الله عز وجل.
ثم قال تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس ٨٣].
* في الآية الكريمة من الفوائد: تنزيه الله سبحانه وتعالى عن كل نقص وعيب، ويؤخذ من قوله: ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [يس ٨٣]، (سبحان)، ومر علينا في التفسير أن الذي ينزه الله عنه أمران: النقص في صفاته ومماثلة المخلوقين، فعِلْمه عز وجل لا يناله نقص، لا من حيث الشمول، ولا من حيث السبق، ولا من حيث اللحوق، ولا يماثل عِلْم المخلوقين، وهكذا بقية الصفات.
* من فوائدها: أن ملكوت السماوات والأرض، وكل شيء فهو بيد الله عز وجل؛ لقوله: ﴿الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ فهو مالك لكل شيء، ولا أحد يشركه في ملكه كما قال الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ ٢٢-٢٣].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن مرجع الخلائق إلى الله؛ لقوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس ٨٣]، وهذا الرجوع يشمل الرجوع إلى الله تعالى يوم القيامة والرجوع إلى الله تعالى في أحكام الخلق الكونية والشرعية كما قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى ١٠]، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء ٥٩].
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان حِكمة الله سبحانه وتعالى؛ وذلك بكون الرجوع إليه، وأنه لا بد من الرجوع إلى الله؛ لأنه لولا هذا الرجوع لكان خلْق الخلْق عبثًا لا فائدة منه؛ إذ إنه لولا هذا الرجوع والمجازاة على العمل في هذا الرجوع لكانت الخليقة خُلِقَت ليُفسد في الأرض من يُفسد، ويحصل الفتن والشرور والنهاية لا شيء.
في هذه الآيات كلها إثبات قدرة الله سبحانه وتعالى على إحياء العظام وهي رميم وذلك من عشرة أوجه:
الأول: قوله: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس ٧٩]، فإن فيه استدلالًا بالأشد على الأخف.
الثاني: قوله: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس ٧٩]، وعلمه بكل خلق يقتضي أنه سبحانه وتعالى قادر على إحياء العظام وهي رميم.
الثالث: قوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا﴾ [يس ٨٠]، فإن من جعل من هذا الأخضر البارد الرطب نارًا وهي يابسة محرقة قادر على أن يعيد الخلق؛ لأن هذا أبلغ في القدرة، أعني جعْل النار من الشجر الأخضر.
الرابع: خلق السماوات والأرض، قدرته على خلق السماوات والأرض دليل على قدرته على إحياء العظام وهي رميم؛ لأن خلق السماوات والأرض أعظم ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس ٨١].
الخامس والسادس: ﴿الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [يس ٨١] والخلاق صفة لازمة له، وكونه خلَّاقًا يشمل أن يخلق كل شيء، وكونه عليمًا يدل على أنه لا يخفى عليه شيء من الخَلْق حتى يعجز عنه.
السابع: أنه لا يستعصي عليه شيء بل إذا أمر بشيء كان في الحال؛ لقوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢].
الثامن: تنزيه الله عز وجل عن كل نقص، ومن المعلوم أن العاجز عن إعادة الخلق ناقص، فإذا كان مُنزَّهًا عن كل نقص كان من الممكن أن يقع ما وعد به من إحياء العظام وهي رميم.
والتاسع: أن بيده ملكوت كل شيء، ومن بيده ملكوت كل شيء يعني أنه مالك لكل شيء فإنه قادر على أن يُوجِد المعدوم ويعدم الموجود.
والعاشر: قوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس ٨٣]، فإن هذا هو نتيجة الخلق؛ أن يُبعث الخلق ويُرجعون إلى الله ليُجازيهم بما عملوا.
* * *
ثم قال تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ الكلام على البسملة يقول المؤلف: (سورة الصافات مكية، مئة وثنتان وثمانون آية)، المكية هي التي نزلت قبل الهجرة، فكل ما نزل قبل الهجرة فهو مكي وإن نزل في غير مكة، وكل ما نزل بعد الهجرة فهو مدني وإن نزل في مكة، وعليه فإن قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة ٣] التي نزلت على النبي ﷺ وهو واقف بعرفة من المدني، هذا أصح الأقوال في المكي والمدني، أن ما نزل بعد الهجرة مدني وما نزل قبلها مكي.
أما البسملة ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فإنها آية من كتاب الله مستقلة؛ ولهذا لا تحسب من آيات السورة التي بعدها حتى في الفاتحة على القول الراجح أنها ليست من السورة، وعلى هذا فالترقيم الموجود في المصاحف على خلاف القول الراجح، فإن الترقيم الموجود في المصاحف في الفاتحة عُدَّت فيه البسملة آية من آياتها، والصحيح أنها كغيرها من السور، أن البسملة فيها آية مستقلة لا تُحسَب من آياتها.
وهي مذكورة قبل كل سورة إلا سورة براءة، فإن سورة براءة لم يتقدمها بسملة، لماذا؟ قيل: لأنها نزلت بالسيف، والبسملة رحمة، فلا يناسِب أن يُذكر قبلها بسملة، ولكن هذا ليس بصحيح، بل الصحيح أن الصحابة رضي الله عنهم لما كتبوا المصحف أشكل عليهم هل براءة من الأنفال أو ليست من الأنفال فتركوها، تركوا البسملة، ووضعوا خطًّا فاصلًا بينها وبين سورة الأنفال دون أن يضعوا البسملة، ونحن نعلم أنها لو نزلت البسملة قبل سورة براءة لثبتت؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر ٩] فيكون اجتهاد الصحابة رضي الله عنهم في ذلك مطابقًا للواقع؛ أي مطابقًا لكونها لم تنزل في أول هذه السورة.
أما من حيث معناها، فإن قول القائل: باسم الله يعني بكل اسم من أسماء الله، وإنما قلنا: بكل اسم من أسماء الله؛ لأن اسم مفرد مضاف فيكون للعموم، فليس قول القائل: باسم الله يعني اسمًا واحدًا من أسماء الله بل يعني جميع أسماء الله، وهذا يدلك على عظمة هذه البسملة أنك تبتدئ متبركًا ومستعينًا بكل اسم من أسماء الله عز وجل، والباء فيها للمصاحبة والاستعانة، للمصاحبة من أجل حصول بركتها، فإن البسملة فيها بركة؛ ولذلك إذا ذكرت على الذبيحة صارت الذبيحة حلالًا طاهرة، وإذا لم تُذكر صارت حرامًا نجسة، إذا ذُكِرت قبل الوضوء صار الوضوء صحيحًا، وإذا لم تُذكر صار الوضوء فاسدًا على قول من يرى أن البسملة من شروط الوضوء، أو من واجبات الوضوء ولكن القول الراجح في البسملة في الوضوء أنها سنة؛ لقول الإمام أحمد رحمه الله: لا يثبت في هذا الباب -أي: باب التسمية في الوضوء- شيء، إذا ذُكرت على الطعام طردت الشيطان عنه وإن لم تذكر فإن الشيطان يشارك الآكل والشارب.
المهم أنها بركة ولهذا نقول: الباء للمصاحبة أي أن المبسمل يصطحب ببسملته البركة والاستعانة؛ لأنها تعين الإنسان على مهماته.
وأما الله فهو العَلَم الخاص بالله سبحانه وتعالى، لا يُسمَّى به غير الله، ومعناه ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين، أي أن (إله) بمعنى (مألوه) أي معبود.
فإذا قال قائل: أين الهمزة، إذا قلت: إن أصله (إله)؟
فالجواب: أنها حُذفت للتخفيف لكثرة الاستعمال، كما حُذفت من (ناس)، وأصلها (أُناس)، وحذفت من (شر) و(خير)، وأصلها (أشر) و(أخير).
أما ﴿الرَّحْمَنِ﴾ فهو اسم من أسماء الله، و﴿الرَّحِيمِ﴾ كذلك اسم من أسمائه، والفرق بينهما أن الرحمن باعتبار الوصف، و﴿الرَّحِيمِ﴾ باعتبار الفعل؛ ولهذا جاءت ﴿الرَّحْمَنِ﴾ بهذه الصيغة الدالة على السعة، فرحمة الله تعالى واسعة شاملة لكل شيء، وأما ﴿الرَّحِيمِ﴾ فهو الموصل رحمته إلى خلقه، ويقسم الرحمة باعتبار اسم ﴿الرَّحِيمِ﴾ إلى قسمين: عامة وخاصة، أما ﴿الرَّحْمَنِ﴾ باعتبار الوصف فهو عام؛ لأنه (...)
والجار والمجرور معمول لا بد له من عامل، وهو المسمى بالمتعلَّق، أعني أن عامل الجار والمجرور هو الذي يسمى بالمتعلَّق، فيقال مثلًا: الجار والمجرور متعلق بكذا، فأين متعلق البسملة؟ قال أهل العلم: متعلق البسملة فِعْل مُقدَّر متأخر موافق للمبدوء به في مادته، فعل متأخر موافق للمبدوء به في مادته، فإذا كنت تريد أن تتوضأ كان تقدير هذا المحذوف باسم الله أتوضأ، وإذا كنت تريد أن تقرأ كان تقديره باسم الله أقرأ، وعلى هذا فقِسْ، قال النبي ﷺ: «وَمَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللَّهِ»[[متفق عليه البخاري (٩٨٥)، ومسلم (١٦٩٠ / ١) من حديث جندب بن سفيان.]]. فقدَّر الفعل يقول: ذبحت باسم الله.
لماذا قدر فعلًا؟ لأنه الأصل في العمل؛ ولهذا كانت الأفعال تعمل بدون شرط، والأسماء لا تعمل إلا بشروط كاسم الفاعل، واسم المفعول، وصفة المشبهة وغير ذلك، وقُدِّر متأخرًا لوجهين؛ الوجه الأول: تيمنًا بالبداءة باسم الله. وثانيًا: من أجل الاختصاص؛ لأن تأخير العامل عن المعمول يفيد الاختصاص والحصر، وقُدِّر موافقًا للمبدوء به في مادته؛ لأنه أخص وأدل على المقصود، فأنت إذا أردت تتوضأ وقلت: باسم الله أتوضأ، كان هذا أخص مما لو قدَّرْت باسم الله ابتدئ.
على كل حال إذا سُئلنا: كيف نُقدِّر العامل في البسملة؟ الجواب: نقدره فعلًا متأخرًا موافقًا للمبدوء به في مادته، إذا كان المبدوء به وضوءًا قلنا: أتوضأ، قراءة قلنا: أقرأ، دخولًا قلنا: أدخل، وهكذا.
قال الله عز وجل: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا﴾ إلى آخره [الصافات: ١، ٢] الواو هنا حرف قسم، والقسم تأكيد الشيء بذكر معظَّم بصيغة مخصوصة، هذا القسم.
فقولنا: تأكيد الشيء، هذه تأتي للقسم، أنه يفيد التوكيد، بذكر معظم وجهه كأن المقسم يقول: إنني أؤكد هذا كما أؤكد عظمة المحلوف به، ولا يمكن أن أحلف بهذا العظيم عندي إلا على أمر مؤكد.
وقولنا: بصيغة مخصوصة هي صيغة القسم، وحروف القسم ثلاثة: (الواو، والباء، والتاء) فالواو أكثرها استعمالًا، والباء أكثرها صيغة؛ يعني أن الباء يُحلَف بها مع وجود الفعل وحذفِه، وتدخل على الظاهر وعلى المضمَر، والتاء أخص من الواو، فإذن أعم أدوات القَسَم أو حروف القَسَم بالنسبة للاستعمال؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، أكثر، الباء؛ لأنها تستعمل مع وجود الفعل فتقول: أحلف بالله لتفعلن كذا، ومع حذفه فتقول: بالله لتفعلن كذا.
وتستعمل أيضًا مع الاسم الظاهر، مثل: أحلف بالله، ومع الاسم المضمر، مثل: إن الله وبه أحلف لعلى كل شيء قدير، فهنا دخلت الباء على الضمير، أما الواو فهي أكثرها استعمالًا لكنها لا تدخل إلا على الظاهر، ولا يُذكَر معها فِعْل القسم.
التاء هي أقلها استعمالًا، وتختص بالظاهر، وتختص أيضًا بأسماء معينة، وهي الله، ورب، قال ابن مالك:
........................ ∗∗∗ .......... وَالتَّــــــــــــاءُ لِلَّهِوَرَبّْ
فتقول: تالله لأفعلن كذا، وتقول: تَرَبِّ الكعبة لأفعلن كذا، أو تالربِّ لأفعلن كذا، ويذكر معها فعل القسم أو لا؟ لا يذكر معها فعل القسم، إذن فهي أضيقها استعمالًا.
الواو هنا حرف قسم ﴿الصَّافَّاتِ صَفًّا﴾ [الصافات ١] ﴿الصَّافَّاتِ﴾ اسم مجرور بالواو واو القسم؛ لأن حروف القسم تجر، ﴿الصَّافَّاتِ﴾ لها معنى، ولها مراد؛ فالمعنى في ﴿الصَّافَّاتِ﴾ يعني الأشياء القائمات على خط واحد مستقيم، كل شيء مُتعدِّد يقوم على خط واحد مستقيم يُسمَّى صافًّا ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ [الصف ٤] يعني على خط مستقيم، هذا المعنى للصافات، لكن ما المراد به؟
المراد به قال المؤلف: (الملائكة)، وأُنِّثت باعتبارها جماعات، وجماعات مؤنث، وقد أخذ الزائغون بهذا الاشتباه، أي: تأنيث الملائكة، وقالوا: إن الملائكة بنات الله؛ ولهذا تُذكَر بصيغة التأنيث، ولكن لا شك أن هذا من باب التلبيس والتشبيه، فإن الله تعالى ذكر الملائكة بصيغة المذكَّر: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [الشورى ٥] ولم يقل: يسبحن بحمد ربهم.
على كل حال أُنِّثت الملائكة باعتبارها جماعات؛ لأن الملائكة عليهم الصلاة والسلام جماعات مختلفة، كل جماعة لها وظيفة معينة، فمنها من وظيفتهم العبادة الخاصة لله من التسبيح والركوع والسجود وغير ذلك، ومنهم ملائكة موكلون بحفظ بني آدم، وملائكة موكلون بحفظ أعمالهم وكتابتها، وملائكة موكلون بأشياء أخرى منها ما نعلم ومنها ما لا نعلم.
فإذا قال قائل: من الملائكة؟
فالجواب: أنهم عالَم غيبي، خُلِقوا من نور، واستعبدهم الله سبحانه وتعالى في طاعته، فقاموا بها على أتم وجه، لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يُؤمرون.
فإن قال قائل: هذا التعريف يرد عليه أن الملائكة قد تُرى؛ فإن «النبي ﷺ رأى جبريل على صورته التي خُلِقَ عليها وله ست مئة جناح قد سد الأفق»[[متفق عليه البخاري (٣٢٣٢)، ومسلم (١٧٤ / ٢٨٠) من حديث ابن مسعود.]]. وأحيانًا يأتي جبريل بصورة بشر؟
فالجواب: أن هذا على سبيل النُّدْرة، وما كان نادرًا فإنه لا يخرم القاعدة، أو لا يبطل التعريف، والنادر -كما يقول العلماء- ليس له حكم.
ما وجه كون الملائكة تُوصف بالصافات؟
قال المؤلف: (تَصُفُّ نُفُوسَهَا فِي الْعِبَادَة أَوْ أَجْنِحَتهَا فِي الْهَوَاء تَنْتَظِر مَا تُؤْمَر به) هذا الصافات وُصِفت بها الملائكة؛ لأنها تصف أنفسها للعبادة؛ يعني تهيئها لها، أو يصفون عند الله عز وجل كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ [الصافات ١٦٥، ١٦٦]، أو تصف أجنحتها في الهواء، تنتظر ما تُؤمر به كما قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ﴾ [الملك ١٩] فالطير إذا كان في الهواء وقد وضع أجنحته هكذا لا تتحرك يقال: إنه صافّ.
فإذا قال قائل: (أو) هنا للتنويع أو للشك أو ماذا؟
يحتمل أن هذه للتنويع؛ يعني أنها تصف هكذا وهكذا، أو أنها للشك يعني للتردد بين قولين قال بهما المفسرون، ولكن المعنى الأول أحسن؛ لأن هذا وصف للملائكة فهي تصف أنفسها للعبادة، وكذلك تصف أجنحتها في الهواء تنتظر ما تُؤمر به.
﴿فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا﴾ [الصافات ٢] الملائكة تزجر السحاب؛ أي: تسوقه، إذن فالموصوف شيء واحد، الصافات هن الزاجرات.
وقوله: (تزجر السحاب أي تسوقه) لعل هذا على سبيل المثال من زَجْر الملائكة؛ لأن الملائكة تزجر السحاب؛ أي: تسوقُه، وكذلك تزجر الميت الكافر عند موته، تزجر نفسه لتخرُج، تقول: اخرجي أيتها النفس الخبيثة، وكذلك أيضًا لعلها تزجر أشياء أخرى لا نعلمها، المهم أن المراد بالزاجرات من؟ الملائكة، وكيف كانت زاجرة؟ نقول: لهذا عدة أوجه؛ منها: زجْر السحاب، وزجر نفوس الكافر عند الموت، وغير ذلك مما يأمرها الله به أن تزجره.
﴿فَالتَّالِيَاتِ﴾ [الصافات ٣] (أي قُراء القرآن يتلونه ذكرًا مصدر من معنى التاليات).
قوله: (﴿﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾ ﴾)، عدل المؤلف بهذا الوصف عن الأول أي عن الموصوف الأول، فقال التاليات (...)
﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (٢) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (٣) إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ﴾ [الصافات ١ - ٤] تكلمنا أمس عن المكي والمدني، فما هو المكي؟ (...)
(﴿﴿ذِكْرًا﴾ ﴾ مصدر من معنى التاليات) فالمؤلف رحمه الله أعرب ﴿ذِكْرًا﴾ على أنها مصدر من معنى التاليات فاستفدنا من هذا فائدة نحوية، وهي أن المصدر قد يكون من اللفظ وقد يكون من المعنى، إذا كان من المعنى فهو مصدر معنوي، وإذا كان من اللفظ فهو مصدر لفظي، فإذا قلت: قعدت جلوسًا، فجلوسًا مصدر معنوي، قعدت قعودًا مصدر لفظي.
﴿التَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾ [الصافات ٣] يقول المؤلف: (إن التاليات أصلها الذاكرات ذكرًا)، التاليات ذكرًا يعني الذاكرات ذكرًا، فالتاليات عنده بمعنى الذاكرات، و﴿ذِكْرًا﴾ مصدر لها من معناها، ولكن الذي يظهر خلاف كلام المؤلف، وأن ﴿ذِكْرًا﴾ مفعول لـ﴿التَّالِيَاتِ﴾؛ لأن ﴿التَّالِيَاتِ﴾ اسم فاعل قد استوفى شروط العمل لكونه محلى بـ(أل)، و﴿ذِكْرًا﴾ مفعول به، أي: فالتاليات؛ يعني فاللاتي يتلين الذِّكْر، والمراد بالذكر القرآن، وسمي ذكرًا؛ لأنه ذكر لله عز وجل فإنه من أفضل الذِّكر، ولأنه يذكر الإنسان بربه، ولأنه يذكر الإنسان بأحكام ربه، ولأنه يذكر الإنسان بنِعَم ربه، ولأنه ذِكْر لمن عمل به؛ أي شرف ورِفْعة، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف ٤٤]، ولأنه يعظ صاحبه ويذكره، كما قال الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص ٢٩]، فالقرآن ذِكْر من هذه الوجوه الخمسة، تعيدونها؟
* طالب: (...).
* الشيخ: في أيش؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لمن مضى؟ طيب وبنعمت الله؟ وهو أيضًا نفسه ذكر لله من أفضل أنواع الذكر.
﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (٣) إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ﴾ [الصافات ٣، ٤] الجملة هذه جواب القسم؛ ولذلك كُسِرت النون هنا لوقوعها في جواب القسم؛ ولأنه اقترن خبرها بماذا؟ باللام، لواحد، وإذا وقعت (إن) جوابًا للقسم وجب كسرها، وإذا اقترن خبرها باللام، أو اسمها المؤخر، أو معمول أحدهما باللام وجب كسرها.
﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ﴾ الخطاب يقول المؤلف: (يا أهل مكة) ولكن الصحيح أنه عام يشمل كل مذكور، لكن الذي أوجب للمؤلف أن يجعله خاصًّا بأهل مكة؛ لأن هذه الآية مكية والمشركون هم أهل مكة، ولكن لا ينبغي أن يُقيَّد المعنى العام بمكان نزوله، وإذا كان العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص المكان، فالصواب أن ﴿إِلَهَكُمْ﴾ يعني أيها الناس ﴿لَوَاحِدٌ﴾ واحد يعني لا شريك له، الواحد والأحد وما أشبههما تدل على الانفراد؛ أي أنه عز وجل لا شريك له.
﴿إِلَهَكُمْ﴾ (فِعَال) بمعنى (مَفْعُول)؛ أي: مألوهكم، والمألوه هو الذي يُعبَد محبة وتعظيمًا، فبمحبته يقوم الإنسان بفعل الأوامر، وبتعظيمه ينتهي عن النواهي، إذن إن معبودكم أيها الناس لواحد لا شريك له، فالله عز وجل لا شريك له في ربوبيته، ولا شريك له في ألوهيته، ولا شريك له في أسمائه وصفاته، فمن يأتي بالدليل على أنه لا شريك له في ربوبيته.
* طالب: (...).
* الشيخ: وين إن ربكم لواحد؟ (...) إحنا نتكلم عن الربوبية.
* طالب: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ﴾ [الرعد ١٦].
* الشيخ: نعم، الألوهية: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد ١٩]، الأسماء والصفات: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى ١١]، فالله تعالى واحد في ألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته سبحانه وتعالى.
ثم قال: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الصافات ٥] ﴿رَبُّ﴾ هذه إما أن تكون عطف بيان، أو خبر مبتدأ محذوف؛ التقدير: هو رب السماوات والأرض، و﴿رَبُّ﴾ بمعنى خالق ومالك ومدبر، فهو الذي خلق السماوات والأرض، وهو الذي يملك السماوات والأرض، وهو المدبِّر للسماوات والأرض، قال الله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف ٥٤]، وهذا انفراد بالخلق والتدبير، وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران ١٨٩]، وهذا انفراده بالملك، والسماوات جمع (سماء)، وهي معروفة وعددها سبع سماوات بنص القرآن: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [المؤمنون ٨٦] ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢]، الأرض كذلك سبع لظاهر القرآن وصريح السنة، أما ظاهر القرآن ففي قوله؟
* طالب: (...).
* الشيخ: إي، نحن قلنا: يدل ظاهر القرآن على أنها سبع الأرضين.
* الطالب: (...).
* الشيخ: قوله: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢] فالمثلية هنا في العدد؛ لأنه لا يمكن أن تكون الأرض مثل السماء في ذاتها، ولا في سعتها وعظمتها، فالسماء أوسع وأعظم، ومادتها غير مادة الأرض، إذن يتعين أن تكون مماثلة في العدد.
أما السنة فصريحة مثل قوله ﷺ: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ طَوَّقَهُ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ»[[أخرجه مسلم (١٦١٠ / ١٣٧) من حديث سعيد بن زيد.]].
﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [الصافات ٥] يعني ورب ما بينهما، فما الذي بينهما؟ لا شك أن الذي بينهما مخلوقات عظيمة؛ بدليل أنها جُعلت قسيمة وعديلة للسماوات والأرض، فلا بد أن تكون شيئًا عظيمًا، ليس هي مجرد ما نرى من السحاب المسخر بين السماء والأرض، بل هناك أشياء عظيمة بين السماء والأرض من آيات الله عز وجل، نعرف منها السحاب، فإنه بين السماء والأرض، النجوم بين السماء والأرض، الشمس بين السماء والأرض، القمر بين السماء والأرض؛ لقول الله تعالى: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء ٣٣].
وما اشتهر عن علماء الفلك سابقًا من أن الشمس في السماء الرابعة، والقمر في السماء الدنيا، وعطارد وزحل والمشتري في السماوات الأخرى وهي على هذا الترتيب:
زُحَلٌ شَرَى مِرِّيخَهُ مِنْ شَمْسِهِ ∗∗∗ فَتَزَاهَرَتْ بِعُطَــــــــارِدَالْأَقْمَـــــــــارُ
كم هذه؟ سبعة مرتبة من الأعلى إلى الأدنى.
أعلاها (زحل) في السماء السابعة، (شرى) المشترى في السادسة، (مريخه) المريخ في السماء الخامسة، (من شمسه) الشمس في الرابعة، (فتزاهرت) الزهرة في الثالثة، (بعطارد) في السماء الثانية، (الأقمار) في السماء الدنيا، هذا هو المشهور عند علماء الفلك سابقًا، ولكن هذا خلاف الصواب؛ لأن ظاهر النصوص أن الشمس والقمر والنجوم كلها دون السماء ليست ملصقة في السماوات بل هي في فلك يدور بين السماء والأرض، والقمر هو أقربها إلى الأرض بدليل أنه يكسف ما فوقه كما شاهدناه وشاهده غيرنا أحيانًا تجده يمر من تحت النجمة فتغيب به، وهذا يدل على أنه تحت النجوم.
على كل حال نقول: ما بين السماوات السبع السحاب، الشمس، والقمر، والنجوم، والكواكب، وغيرها من أمور لا نعلمها، قد لا نعلم هذه الأمور، ويمكن العلم فيما بعد يطلعنا على شيء كثير منها.
قال: ﴿وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ [الصافات ٥] أي والمغارب للشمس، لها كل يوم مشرق ومغرب، قال: ﴿الْمَشَارِقِ﴾ قال: (أي: والمغارب)، فكأنه من باب الاكتفاء بذكر المقابل عن مقابله نظير قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل ٨١] يعني والبرد، فإن السرابيل التي هي القمص وشبهها تقي الحر والبرد، هنا قال: ﴿وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ قال المؤلف: (يعني والمغارب).
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences