Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Ya-Sin 36:76–83, continued
على كل حال المشارق جمع (مشرق) فما المراد بالمشارق؟ هل المراد كما قال المؤلف: (مشارق الشمس)؛ لأنها كل يوم لها مشرق، أو نقول: إن المشارق أعم، فتشمل مشارق الشمس، ومشارق القمر، ومشارق النجوم، ومشارق كل شارق؟ أيهما؟ الثاني أعم، فنقول: رب المشارق، يعني مشارق الشمس، مشارق القمر، ومشارق النجوم، ومشارق كل ما يشرق، وذكر الله المشارق دون المغارب؛ لأن المشارق أدل على القدرة من المغارب؛ إذ إن الشروق ابتداء والغروب انتهاء، وفي الشروق أيضًا ولا سيما في شروق الشمس إضاءة ونور، يظهر فيه تمامًا كمال النعمة.
وقوله: ﴿الْمَشَارِقِ﴾ هنا بالجمع، في بعض الآيات جاءت بالتثنية مثل قوله تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن ١٧]، وفي بعض الآيات جاءت بالإفراد: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ كما قال تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل ٩] فهل هذا تناقض أم ماذا؟
الجواب: لا، وليس في القرآن شيء من التناقض ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء ٨٢]، فالقرآن لا يمكن أن يتناقض بنفسه، ولا أن يتناقض مع صحيح السنة.
نقول: مع صحيح السنة؛ لأنه قد تأتي سنة ضعيفة تناقض القرآن، ومناقضة غير القرآن يدل على ضعفها، لكن مع صحيح السنة لا يمكن، فإن وُجِد شيء ظاهره التعارض فإنه لا بد أن يكون هناك وجه لتصحيح التعارض؛ إما بإمكان الجمْع، وهو المرتبة الأولى للعمل بالنصوص التي ظاهرها التعارض، وإما بالنسخ إن عُلِم التاريخ، وكان النص مما يدخله النسخ، والثالث: الترجيح يكون أحدهما أرجح من الآخر، ولا بد من هذه المراتب الثلاث، لكن أحيانًا قد لا يتسنى للناظر وجه من هذه الوجوه، قد يعجز عن الجمع، وقد لا يعرف النسخ، وقد لا يمكنه الترجيح، فماذا موقفه حينئذٍ؟ التوقف، أن يقول: الله أعلم، ولا يجوز أن يعتقد بأي حال من الأحوال أن في القرآن أو صحيح السنة تناقضًا أبدًا، لكن هل له أن يحاول معرفة هذه المراتب أو إذا أشكل عليه أول مرة وقف؟ يحاول، يجب أن يحاول النظر مرة بعد أخرى حتى يتبين لئلا يقع في نفسه شك فيزيغ والعياذ بالله.
فهذه الفائدة جاءت عرضًا وهي أنه ليس في القرآن تناقض لا في نفسه ولا مع صحيح السنة، فإن وجد شيء ظاهره التعارض والتناقض وجب أن نستعمل المراتب الثلاث: أولًا: الجمع، فإن لم يمكن فالنسخ، فإن لم يمكن فالترجيح، فإن لم نصل إلى ذلك فالتوقف لكن مع محاولة الوصول إلى مرتبة من هذه المراتب.
إذن بناءً على هذه القاعدة يمكن أن ننزل الاختلاف الوارد في المشرق والمغرب فنقول: المشرق باعتبار الجهة؛ يعني جهة الشرق ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [المزمل ٩] يعني جهة الشرق وجهة الغرب بدليل قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة ١١٥]، أي: جهة الله على أحد التفسيرين، وأما المشرقان والمغربان ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن ١٧]، فالمراد مشرقا الصيف والشتاء، ومغربا الصيف والشتاء، فالشمس مثلًا لها منتهى في مشرقها صيفًا وهو مدار السرطان، ولها منتهى في مدارها شتاء وهو مدار الجدي، إذ الفرق بين المشرقين فرق كبير، لا يستطيع أحد من المخلوقين أن يحول الشمس من مدار السرطان إلى مدار الجدي، ولا أن يزحزحها شعرة واحدة وكذلك نقول: بالنسبة للقمر؛ لأنه يدور على المشرقين والمغربين.
إذا قال قائل: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن ١٧] في أي موضع من القرآن وردت مثناة؟
* طالب: في سورة الرحمن.
* الشيخ: في سورة الرحمن، في غيرها؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ما هي؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، هذه ليست في الإسراء، هذه في سورة الـ..
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، في (هَلْ أَتَى) أظن.
* طالب: المزمل.
* الشيخ: المزمل نعم، أنا أريد التثنية، هل وردت في غير (الرحمن)؟ على كل حال المناسبة لذكرها مثناة في (الرحمن)؛ لأن السورة هذه خُوطِب بها صنفان أو لا؟ الإنس والجن، فكانت هذه مناسبة معنوية لسياق السورة كلها.
(المشارق والمغارب) الجمع فيها واضح إما باعتبار مشارق كل ما يشرق ومغارب كل ما يغرب من الشمس والقمر والنجوم والكواكب، وإما أنها المشارق اليومية للشمس؛ لأن كل يوم لها مشرق، وهذه المرتبة مرتبة؛ المراتب الثلاث؛ مرتبة الجمع.
فالجمع بينها إذن أن نقول: المشارق باعتبار مشارق كل ما يشرق، أو باعتبار المشارق مشارق الشمس كل يوم. ﴿الْمَشْرِقَيْنِ﴾ [الرحمن ١٧] باعتبار مشرقي الصيف والشتاء ومغربيهما، المشرق والمغرب الجهة.
قال: ﴿وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ (أي والمغارب) ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ [الصافات ٦] ﴿إِنَّا﴾ الضمير يعود على الله عز وجل، واستُعمِل ضمير الجمع عائدًا إلى الله من باب التعظيم وليس من باب التعدد؛ لأن الآية يقول: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ﴾ [الصافات ٤] لكن هذا من باب التعظيم.
وقوله: ﴿زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ﴾ [الصافات ٦] أي: جعلنا عليها ما يزينها..
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences