Ibn 'UthayminYa-Sin · 36:7–23

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Ya-Sin 36:7–23

36:7–23Page 440

لَقَدۡ حَقَّ ٱلۡقَوۡلُ عَلَىٰٓ أَكۡثَرِهِمۡ فَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ٧

Already the word [i.e., decree] has come into effect upon most of them, so they do not believe.

إِنَّا جَعَلۡنَا فِيٓ أَعۡنَٰقِهِمۡ أَغۡلَٰلٗا فَهِيَ إِلَى ٱلۡأَذۡقَانِ فَهُم مُّقۡمَحُونَ ٨

Indeed, We have put shackles on their necks, and they are to their chins, so they are with heads [kept] aloft.

وَجَعَلۡنَا مِنۢ بَيۡنِ أَيۡدِيهِمۡ سَدّٗا وَمِنۡ خَلۡفِهِمۡ سَدّٗا فَأَغۡشَيۡنَٰهُمۡ فَهُمۡ لَا يُبۡصِرُونَ ٩

And We have put before them a barrier and behind them a barrier and covered them, so they do not see.

وَسَوَآءٌ عَلَيۡهِمۡ ءَأَنذَرۡتَهُمۡ أَمۡ لَمۡ تُنذِرۡهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ١٠

And it is all the same for them whether you warn them or do not warn them - they will not believe.

إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكۡرَ وَخَشِيَ ٱلرَّحۡمَٰنَ بِٱلۡغَيۡبِۖ فَبَشِّرۡهُ بِمَغۡفِرَةٖ وَأَجۡرٖ كَرِيمٍ ١١

You can only warn one who follows the message and fears the Most Merciful unseen. So give him good tidings of forgiveness and noble reward.

إِنَّا نَحۡنُ نُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَنَكۡتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَءَاثَٰرَهُمۡۚ وَكُلَّ شَيۡءٍ أَحۡصَيۡنَٰهُ فِيٓ إِمَامٖ مُّبِينٖ ١٢

Indeed, it is We who bring the dead to life and record what they have put forth and what they left behind, and all things We have enumerated in a clear register.

وَٱضۡرِبۡ لَهُم مَّثَلًا أَصۡحَٰبَ ٱلۡقَرۡيَةِ إِذۡ جَآءَهَا ٱلۡمُرۡسَلُونَ ١٣

And present to them an example: the people of the city, when the messengers came to it -

إِذۡ أَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡهِمُ ٱثۡنَيۡنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزۡنَا بِثَالِثٖ فَقَالُوٓاْ إِنَّآ إِلَيۡكُم مُّرۡسَلُونَ ١٤

When We sent to them two but they denied them, so We strengthened [them] with a third, and they said, "Indeed, we are messengers to you."

قَالُواْ مَآ أَنتُمۡ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُنَا وَمَآ أَنزَلَ ٱلرَّحۡمَٰنُ مِن شَيۡءٍ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا تَكۡذِبُونَ ١٥

They said, "You are not but human beings like us, and the Most Merciful has not revealed a thing. You are only telling lies."

قَالُواْ رَبُّنَا يَعۡلَمُ إِنَّآ إِلَيۡكُمۡ لَمُرۡسَلُونَ ١٦

They said, "Our Lord knows that we are messengers to you,

وَمَا عَلَيۡنَآ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ ١٧

And we are not responsible except for clear notification."

قَالُوٓاْ إِنَّا تَطَيَّرۡنَا بِكُمۡۖ لَئِن لَّمۡ تَنتَهُواْ لَنَرۡجُمَنَّكُمۡ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٞ ١٨

They said, "Indeed, we consider you a bad omen. If you do not desist, we will surely stone you, and there will surely touch you, from us, a painful punishment."

قَالُواْ طَٰٓئِرُكُم مَّعَكُمۡ أَئِن ذُكِّرۡتُمۚ بَلۡ أَنتُمۡ قَوۡمٞ مُّسۡرِفُونَ ١٩

They said, "Your omen [i.e., fate] is with yourselves. Is it1 because you were reminded? Rather, you are a transgressing people."

وَجَآءَ مِنۡ أَقۡصَا ٱلۡمَدِينَةِ رَجُلٞ يَسۡعَىٰ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱتَّبِعُواْ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٢٠

And there came from the farthest end of the city a man, running. He said, "O my people, follow the messengers.

ٱتَّبِعُواْ مَن لَّا يَسۡـَٔلُكُمۡ أَجۡرٗا وَهُم مُّهۡتَدُونَ ٢١

Follow those who do not ask of you [any] payment, and they are [rightly] guided.

وَمَالِيَ لَآ أَعۡبُدُ ٱلَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٢٢

And why should I not worship He who created me and to whom you will be returned?

ءَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةً إِن يُرِدۡنِ ٱلرَّحۡمَٰنُ بِضُرّٖ لَّا تُغۡنِ عَنِّي شَفَٰعَتُهُمۡ شَيۡـٔٗا وَلَا يُنقِذُونِ ٢٣

Should I take other than Him [false] deities [while], if the Most Merciful intends for me some adversity, their intercession will not avail me at all, nor can they save me?

ثم قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس ٧]، اللام هذه مُوطِّئة للقسم؛ أي أنها تدل على أن هناك قسمًا تقديره: والله لقد حق، و(قد) للتحقيق، وعليه فالجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات: القسم المحذوف، واللام، وقد. وهذا التركيب يأتي في القرآن كثيرًا، وطريقه أو طريق إعرابه ما أشرنا إليه.

﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ﴾ أي: وجب، حق هنا بمعنى وجب. و﴿الْقَوْلُ﴾ هو القول بالعذاب كقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس ٣٣] في الآية الأخرى: ﴿أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر ٦].

فمن حقت عليه كلمة العذاب فإنه لا يمكن أن يهتدي مهما أوتي من آية، ولكن لا تحق كلمة العذاب إلا على من استحقها حتى لا يقال: إن الله تعالى قد أجبره على العمل. كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف ٥]، والله عز وجل ينظر في قلوب العباد، فمن كان أهلًا للهداية هداه، ومن لم يكن أهلًا لها لم يهده، فمن حقت عليه الكلمة لما في قلبه من الزيغ -والعياذ بالله- فإنه لا يؤمن.

وقوله: ﴿حَقَّ الْقَوْلُ﴾ [يس ٧] ما هو القول؟

* طلبة: العذاب.

* الشيخ: العذاب؟! لا، كلمة العذاب وهي قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر ٦] والآية الأخرى: ﴿أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس ٣٣].

وقوله: ﴿عَلَى أَكْثَرِهِمْ﴾ يعني على أكثر الذين بُعث إليهم الرسول عليه الصلاة والسلام من العرب، وليس على كلهم؛ ولهذا كذب النبيَّ ﷺ من قريش أممٌ كثيرة، وماتوا على الكفر ولا سيما الصناديد منهم والأشراف.

﴿عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس ٧] (هم) الضمير يعود على أكثر لا على الهاء في ﴿أَكْثَرِهِمْ﴾.

﴿فَهُمْ﴾ أي: الأكثر ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ حتى وإن جئت بالآيات العظيمة البيِّنة فهم لا يؤمنون؛ لأنهم قد حقت عليهم كلمة العذاب.

(...) * الآية الكريمة هذه: أولًا: تأكيد الخبر الهام وإن لم يكن المخاطَب مُنكِرًا؛ لأن هنا يُخبر الله سبحانه وتعالى النبي ﷺ والمؤمنين وهم لا يُنكرون ذلك لكن لأهميته أُكِّدَ.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن من حقت عليه كلمة العذاب فإنه لا يؤمن كما في قوله: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ [الزمر ١٩] يعني فقد ثبت أنه من أهل النار فلا تنقذه.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن من قريش الذين كذبوا الرسول عليه الصلاة والسلام من لم تحق عليه الكلمة فيؤمن؛ لقوله: ﴿عَلَى أَكْثَرِهِمْ﴾ [يس ٧].

* ومن فوائد الآية الكريمة: إشارة إلى أنه ينبغي بل يجب على الإنسان اللجوء إلى الله عز وجل؛ لأنه هو الذي بيده ملكوت السماوات والأرض، فلا تعتمد على ما في قلبك من رسوخ الإيمان مثلًا وتعتقد أنه لن يتسلط عليك الشيطان، ولن يتسرب إليك هوى النفس الأمارة بالسوء، بل كن دائمًا لاجئًا إلى الله تعالى سائلًا الثبات، فقوله: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ﴾ فالأمر كله بيد الله.

ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا﴾ [يس ٨] ﴿إِنَّا جَعَلْنَا﴾ أي: صيَّرْنا؛ ولهذا نصبت مفعولين؛ المفعول الأول: ﴿أَغْلَالًا﴾، والمفعول الثاني مُقدم: ﴿فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾.

وقوله: ﴿أَغْلَالًا﴾، الغل يكون باليد، كما قال تعالى: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [المائدة ٦٤] إذا كان الغل في اليد، وهنا قال: ﴿فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ فمعناه أن اليد سوف تشد إلى العنق؛ ولهذا (...).

أن تضم إليها الأيدي؛ لأن الغل يجمع اليد إلى العنق هكذا تُغل، ثم تشد على العنق.

يقول: (﴿فَهِيَ﴾ أي الأيدي مجموعة ﴿إِلَى الْأَذْقَانِ﴾ ). قوله: (مجموعة) أخذها من قوله: ﴿إِلَى الْأَذْقَانِ﴾. ويجوز أن نقدر بدل (مجموعة) منتهية أو بالغة ﴿إِلَى الْأَذْقَانِ﴾ جمع ذَقن، وهو مجمع اللحيين، اللحيان هما العظمان اللذان عليهما الأسنان، ومجمعهما يُسمى ذقنًا يقول: وهي مجتمع اللحيين (...) رافعون رؤوسهم، الأحسن أن يقال: مرفوعو الرؤوس؛ يعني لأن اليد مغلولة إلى العنق تضيق على الذقن، ثم يرتفع الرأس. قال: (رافعو رؤوسهم لا يستطيعون خفضها) لو تصورت هذه الصورة لوجدتها صورة بشعة، وأن الإنسان لا يتمكن معها من التصرف الحر رجل مثلًا مشدودة يداه بعضهما إلى بعض، ثم مجموعة إلى العنق من عند الذقن، إذن لا بد أن يرتفع رأسه اختيارًا أو اضطرارًا؟ اضطرارًا.

وزاد بعض العلماء في القمح أنها مغمضة أجفانها؛ يعني لأنه إذا ارتفع رأسه باضطرار فإن من تمام الذل أن يغمض عينيه، ولكن صنيع المؤلف يدل على أنه ليس بشرط، المهم أنك إذا تصورت هذه الحال عرفت أن هؤلاء لا تصرف لهم في أنفسهم، وأنهم لا يستطيعون أن يتصرفوا بأخذ ولا رد بالنسبة لأيديهم، وبالنسبة لرؤوسهم أيضًا ما يستطيعون تنزيلها، دائمًا مرفوعة، وهذا تمثيل لحال هؤلاء المكذبين كما قال المؤلف: (وهذا تمثيل، والمراد أنهم لا يذعنون للإيمان، ولا يخفضون رؤوسهم له).

يقول تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ [يس ٩] بفتح السين وضمها في الموضعين قراءتان سبعيتان أي: ﴿سُدًّا﴾.

﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [يس ٩] ﴿أَغْشَيْنَاهُمْ﴾ يعني أغشينا أبصارهم، جعلنا عليها غشاوة بحيث لا تبصر؛ ولهذا قال: ﴿فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ تمثيل أيضًا لسد طرق الإيمان عليهم.

ليس هناك سد حقيقي أي جدار مثلًا أو ثوب ساتر بل هذا من باب التمثيل كأنهم لبُعدهم عن الإيمان -والعياذ بالله- وانحجاب رؤيتهم إياه كأنهم جُعل بينهم وبينه سد ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ فلا يتقدمون ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ فلا يتأخرون، فهم ثابتون على الكفر لا يتقدمون ولا يتأخرون، ومع ذلك فإن أبصارهم عليها غشاوة لا تبصر الحق، ولا تنظر إليه؛ ولهذا قال: ﴿فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ فتأمل أيضًا حالهم الآن أيديهم مغلولة إلى أعناقهم من تحت الأذقان، وهم رافعو رؤوسهم، ومع ذلك بينهم وبين الإيمان سد من الأمام ومن الخلف فهم إذن لا يستطيعون أن يصلوا إلى الإيمان ولا أن يصل إليهم الإيمان.

* فنستفيد من الآية الكريمة فوائد؛ أولًا: أن الله سبحانه وتعالى إذا أراد أن يحجب الإيمان عن الشخص جعله كالمغلولة يدُه إلى عنقه؛ لقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا﴾ [يس ٨].

ثانيًا: أن هذا الذي جُعِلت يده إلى عنقه على سبيل الغل كأنه مُكرَه على أن يكون على هذه الحال، وهكذا الشيطان يُوسوس للإنسان حتى يُوقِعه في الهلاك كأنه مُكرَه على ذلك، ألم تروا إلى ما جرى للأبوين حين جاء إليهم الشيطان، ووسوس إليهما، ولم يكتفِ بمجرد الوسواس بل قاسمهما، وصار يحلف لهما أشد الأيمان؛ أنه ناصح، فهكذا الشيطان يأتي الإنسان حتى يغويه كالْمُكره له.

* ومن فوائد الآيتين الكريمتين: أن هؤلاء قد حُجِب عنهم الهدى، لا يتقدمون إليه، ولا يتأخرون عنه.

* ومن فوائده: أن أبصارهم أيضًا قد أُغشيت وجُعِل عليها الغِشاوة فلا تنظر.

* ومن فوائد الآيتين: تحذير الإنسان إذا لم ينفتح له باب الهدى أن يكون من جنس أولئك، فإذا رأيت نفسك لا تعلم الهدى ولا تعرفه، وحِيل بينك وبينه فاعلم أنك على خطر، وإذا رأيت من نفسك أن الهدى ينفتح لك ويتبين، وينشرح به صدرك فاعلم أنك على خير، نحن نقيس هذا بحال هؤلاء، جُعِل السد من بين أيديهم ومن خلفهم، وصاروا لا يبصرون الحق، فإذا رأيت من نفسك هذه الحال فاعلم أنك على خطر فتداركه.

ثم قال الله تعالى: ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس ١٠] ﴿سَوَاءٌ﴾ خبر مقدم بمعنى مستوٍ و﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ مبتدأ مؤخر مسبوق بمصدر، وإن لم تكن الهمزة من الحروف المصدرية لكن في مثل هذا التركيب قال العلماء: إنها تسبق وما بعدها بمصدر، تقدير الكلام: وإنذارك وعدمه سواء عليهم، و﴿سَوَاءٌ﴾ هنا لم يُقَل فيها: سواءان؛ لأنها مصدر، والمصدر لا يثنى ولا يجمع.

وقوله: ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ قال المؤلف في بيان القراءة فيها: (بتحقيق الهمزتين) انطق بها؟

* طالب: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾.

* الشيخ: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ وإبدال الثانية ألفًا، انطق بها.

* طالب: ﴿آنْذَرْتَهُمْ﴾ .

* الشيخ: ﴿آنْذَرْتَهُمْ﴾ ، وإبدال الثانية ألفًا.

* طالب: (أنذرتهم).

* الشيخ: لا.

* طالب: ﴿أَانْذَرْتَهُمْ﴾ .

* الشيخ: ﴿أَانْذَرْتَهُمْ﴾ ، وتسهيلها؛ تسهيل الهمزة الثانية؟

* طالب: الثانية؟

* الشيخ: إي نعم، حقِّق الأولى، وسهِّل الثانية.

* الطالب: (أنذرتهم).

* الشيخ: لا، (أنذرتهم) ما جبت الثانية إطلاقًا.

* طالب: ﴿أَانْذَرْتَهُمْ﴾ ...

* الشيخ: ﴿أَانْذَرْتَهُمْ﴾ ، ما تبينها تمشي عليها على عجل.

يقول: (وإدخال ألف بين المسهلة والأخرى وتركها)؛ يعني على قراءة التسهيل تجعل فيها ألفًا أو تحذف الألف، مثالها: إدخال الألف بين الهمزة المحققة والمسهلة؟

* طالب: أأآنذرتهم.

* الشيخ: لا أنت بتعمل أربعة..

* الطالب: أآنذرتهم.

* الشيخ: لا، آانذرتهم، تمد الأولى وتسهل الثانية، يكون عندنا كم حرف؟

* طالب: ثلاثة.

* الشيخ: ثلاثة حروف، الهمزة الأولى محققة، والألف، والهمزة الثانية مسهلة. (وتركه) كما قلنا بالأول بدون ألف ستحقق الأولى وتسهل الثانية بدون ألف، هذه القراءات سبعية ولَّا لا؟ سبعية؛ لأن المؤلف من عادته إذا جاءت قراءة شاذة غير سبعية يقول: (وقرئت).

على كل حال هذا لا يختلف به المعنى، إنما هو في كيفية الأداء، أما المعنى فلا يختلف، المعنى أن إنذارك وعدمه لهؤلاء سواء، ثم بيَّن وجه التسوية، فقال: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس ٧]، هذا معنى التسوية؛ يعني معناه أنذرت أم لم تنذر فإنهم لا يؤمنون؛ ولهذا الجملة هنا استئنافية بيان للجملة الأولى؛ يعني أنهم لا يؤمنون سواء أنذرت أم لم تُنذر، وهذا أمر مُشاهَد أن الإنسان الذي قد قُضِي عليه بالضلالة والعياذ بالله تيجي وتنصحه مرة بعد أخرى، وتُبين له وتُحذِّره ولكن لا يزداد إلا نفورًا والعياذ بالله؛ حتى إن بعض الناس يسخر ويستهزئ بالجزاء.

فعلى كل حال هذا الذي يُنذر ولا يتأثر بالإنذار يُخشَى عليه -كما أسلفنا- من أن يكون قد طُبِع على قلبه، وأنه لا يؤمن أبدًا.

* من فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء المكذبين للرسول عليه الصلاة والسلام لا يُبالُون ولا تتغير حالهم سواء أنذرهم أم لم ينذرهم.

* ومن فوائدها: تسلية النبي ﷺ؛ حيث إنه يتأثر بعدم الإيمان فسلَّاه الله عز وجل بأن هؤلاء قد حقت عليهم كلمة العذاب، وأنهم لا يؤمنون سواء أنذرت أم لم تنذر.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الرسول ﷺ كان ينذرهم مع أنهم قد أُوِيس منهم.

* فيستفاد منه: الإنذار حتى وإن يئست، وهذا أحد القولين في المسألة، فإن من أهل العلم من يقول: إذا أَيِست فلا تنذر. ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى ٩]، وإن لم تنفع فلا تُذَكِّر. وقال بعض العلماء: بل تُذكِّر وتنذر سواء نفع أم لم ينفع، بل يقولون: إنه لا يخلو من نفع مهما كان؛ لأن أقل ما فيه من النفع أن يبين للناس أن هذا العمل الذي عليه هذا الرجل عمل مُنكَر؛ ولأنه ربما يهديه الله عز وجل، فكم من أناس كانوا أئمة في الكفر، ثم هداهم الله عز وجل فكانوا أئمة في الدين.

ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ [يس ١١] شوف قال: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ﴾، ثم قال: ﴿فَبَشِّرْهُ﴾.

﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ﴾ هذه الجملة فيها حصر طريقه ﴿إِنَّمَا﴾، ﴿تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ﴾ حولها إلى نفي وإثبات يكون التقدير: لا تنذر إلا من اتبع الذكر.

وقوله: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ يعني أن المراد بذلك إنما تنذر الإنذار النافع كأنه قال: لا ينتفع بإنذارك إلا من اتبع الذكر؛ ولهذا قال المؤلف: (﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ﴾ ينفع إنذارك ﴿مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ القرآن ﴿وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ خافه ولم يره ﴿فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيم﴾ [يس ١١] هو الجنة).

نشوف ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ﴾ ويش معناها؟ ينفع إنذارك، هذا الذي ينتفع بإنذارك.

قوله: ﴿مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ المراد بالاتباع شيئان؛ الشيء الأول: تصديق الخبر واعتقاد مقتضاه فإن هذا اتباع، والثاني: امتثال الأمر واجتناب النهي، هذا اتباع الذِّكر، فمن استكبر عما فيه من الأمر أو النهي فإنه لم يتبعه، ومن لم يصدق بأخباره فإنه لم يتبعه، لا يتحقق اتباع الذكر إلا بهذين الأمرين، تصديق الأخبار، واتباع الأحكام فعلًا للمأمور وتركًا للمحظور.

وقوله: ﴿الذِّكْرَ﴾ المراد به القرآن؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر ٩]، وسُمِّي القرآن ذكرًا؛ أولًا: لما فيه من التذكير والموعظة. وثانيًا: لما فيه من ذكر الأخبار الماضية وقصص الأنبياء الغابرة المفيدة للقلب.

وثالثًا: ما فيه من ذِكْر أحوال الناس في الجزاء، وأنهم ينقسمون إلى فريق في الجنة وفريق في السعير؛ هذه ثلاثة أوجه. الرابع: لما فيه من ذكر العرب ورفع شأنهم كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف ٤٤] فإن القرآن لا شك رفع من شأن العرب، وجعلهم هم الأمة الذين ترجع إليهم الأمم، فإن الأمم كلها لم تهتدِ إلا عن طريق من؟ عن طريق العرب، ففي هذا لا شك رفْع لشأنهم وعز لمكانتهم؛ فلهذا سُمِّي القرآن ذِكْرًا. إذن المراد بالذكر ما هو؟ القرآن وسمي ذكرًا لأمور أربعة:

الأول: أن الإنسان يتذكر به ويتعظ به، وهذا أمر لا شك فيه.

ثانيًا: لأنه تضمن ذكر أخبار الأولين السابقين التي فيها عبرة لنا، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف ١١١].

الثالث: أن فيه ذكرًا لأحوال الأمم أو لأحوال الناس للجزاء يوم القيامة، وأنهم ينقسمون إلى فريقين؛ فريق في الجنة وفريق في السعير.

الرابع: أن فيه ذِكْرًا للعرب ورفعًا لشأنهم؛ حيث جاء بلغتهم، ووصل إلى الناس عن طريقهم.

وفيه أيضًا خامس: وهو ذكر شريعة الله وأحكامه من الأوامر والنواهي؛ لأن هذا هو عديل الأخبار التي ذكرناها؛ أخبار الأمم الماضية وأخبار الناس في المستقبل، فيكون ذِكرًا إذن بخمسة أوجه (...)

قال الله تبارك وتعالى: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس ٧] هذه الجملة مؤكدة؟ (...) ولَّا نعيدها؟ (بينه بلاغة القرآن بتمثيل المعقول بالمحسوس) هذه تؤخذ من الآيتين الأوليين ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ إلى آخره [يس: ٨].

* ثانيًا: من فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء قد حقت عليهم كلمة العذاب، ومن حقت عليه الكلمة فلا يمكن أن يؤمن سواء أنذِر أم لم يُنذَر.

* ثالثًا: أن الأمر كله بيد الله عز وجل؛ فهو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء، ولكن هذا مقرون بالحكمة، من اقتضت حكمة الله عز وجل أن يهتدي؛ هداه الله، ومن اقتضت حكمته أن يضل؛ أضله الله، وهذا مبني على قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف ٥] وحينئذٍ يكون حرمان الله تعالى الهداية للشخص يكون الشخص هو السبب في حرمان نفسه الهداية؛ لأنه ليس أهلًا لها؛ فالله عز وجل ينظر في قلوب العباد من وَجد في قلبه صلاحية للهدى هداه، ومن وَجَد في قلبه عدم الصلاحية لم يهده، فأصل بلائك من نفسك.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الضال -والعياذ بالله- الذي كُتِبت عليه الضلالة لا يبصر الحق، وإن كان الحق بينًا واضحًا فإنه لا يبصره، يكون على بصره غشاوة، كما أنه لا يعقله أيضًا؛ لقوله تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين ١٣، ١٤]، الذي يعتقد أن القرآن أساطير الأولين، وأنه لا يفيد، وأنه بمنزلة السوالف العجائب، لماذا يرى هذه الرؤية في كتاب الله عز وجل؟ لأنه فاسد القلب، قلبه قد ران عليه ما كان يكسبه من الأعمال السيئة فلم يرَ الحق حقًّا:

وَمَنْ يَكُ ذَا فَمٍ مُرٍّ مَرِيضٍ ∗∗∗ يَجِدْ مُرًّا بِهَ الْمَاءَ الزُّلَالَ

الماء الزلال الصافي الحلو العذب يجده المريض مُرًّا، هل جربتم ذلك؟ إي نعم، إذا مرض الإنسان وذاق الماء اللي كان عذبًا عنده في مذاقه من قبل يجده الآن مُرًّا لا لأن الماء مر لكن لأن المحل غير قابل، فيجد هذه العذوبة مرارة.

* ومن فوائد الآيات: تسلية الرسول ﷺ لئلا يهلك نفسه لعدم إيمانهم؛ لقوله: ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [يس ١٠] فأنت لم تقصر لكن هؤلاء لا ينتفعون، والرسول عليه الصلاة والسلام إذا لم يهتدِ الناس فإنه يشق عليه ذلك، ويضيق به صدرك كما قال تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ٣] يعني لعلك مهلكها إذا لم يؤمنوا، وهذا ليس عليك.

ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ [يس ١١].

هذه الجملة أخذناها وقلنا: إن المراد بالذكر القرآن، وأن اتباعه يكون بتصديق أخباره وامتثال أوامره واجتناب نواهيه، هذا اتباعه، وقلنا: سمي ذكرًا لأمور متعددة، أولها؟

* طالب: هو القرآن.

* الشيخ: إي، لماذا سمي ذكرًا؟

* الطالب: فيه ذكر أخبار السابقين.

* الشيخ: لأنه يتضمن ذكر أخبار السابقين لنتعظ بهم ونعتبر، الدليل؟

* الطالب: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ﴾ [يوسف ١١١].

* الشيخ: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف ١١١] طيب هذا واحد، ثانيًا؟

* طالب: ذِكر للعرب ورفع شأنهم.

* الشيخ: أنه ذكر للعرب ورفع شأنهم، الدليل؟

* الطالب: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف ٤٤].

* الشيخ: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾.

* طالب: ذكر أحكام الشريعة، الأوامر والنواهي.

* الشيخ: نعم، صح، الدليل؟

* الطالب: الآيات، الأوامر المنظومة في القرآن.

* الشيخ: طيب نعم.

* طالب: (...) قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى﴾ [الزمر ٢١].

* الشيخ: ذكر لأن الإنسان يتذكر به ويتعظ، الدليل؟

* طالب: (...).

* الشيخ: وأيضًا ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر ١٧] كم هذه؟

* طالب: (...).

* الشيخ: أن فيه ذكر مآل الناس وأحوالهم يوم القيامة من الثواب والعقاب، وهذا لا شك أنه ينفع القلوب، قال الله عز وجل: ﴿وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ [يس ١١]، خشي يقول المؤلف: (بمعنى خاف).

وعليه فهذا من باب الحد المعنوي ولا اللفظي؟ لأن بنطالبكم بهذه المسألة؛ لأننا قرأناها في أصول الفقه، حد لفظي؛ لأنه فُسِّر بمرادفه، تفسير الشيء بمرادفه يسمى حدًّا لفظيًّا، إذا قلت: القمح والبر، هذا حد لفظي، الخشية هي الخوف، هذا حد لفظي، ولكن في هذا نظر؛ لأن هذا الحد غير جامد، أو بالأصح غير مانع ليش؟ لأن الخشية ليست مجرد الخوف بل الخوف عن علم بالمخوف وعظمته هي الخشية بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر ٢٨].

الخوف قد لا يكون لعظمة المخوف ولكن لضعف الخائف، لكن الخشية ما تكون إلا لعظمة المخوف إذا عرف الخاشي عظم هذا المخشي فخشيه، أفهمتم الآن؟

طيب إذن بينهما فرق، فتفسير الخشية بمطلق الخوف فيه نظر، والصواب أن يقال: الخوف عن علم بعظمة المخوف، الدليل: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر ٢٨]، إذن فالخشية ناشئة عن تعظيم المخشي، أما الخوف فقد يكون ناشئًا عن ذلك، وقد يكون ناشئًا عن ضعف الخائف، فالصغير الذي له أربع سنين يخاف الذي له ست سنين، صح؟ والذي له ست سنين يخاف الذي له ثماني سنين وهكذا.

إذن ليس عظيمًا صاحب ست سنين ليس عظيمًا بالنسبة لذاته، لكنه عظيم بالنسبة لمن دونه.

وقوله: ﴿الرَّحْمَنَ﴾ ﴿خَشِيَ الرَّحْمَنَ﴾ اختيار هذا الاسم هنا دون ذكر الله عز وجل؛ لأن الإنسان الذي يخشى الله عز وجل يخافه عن عِلْم، هذا الخوف طمأن الله الخائف والخاشي بأنه إنما يخشى رحمانًا يرحمه، فكلما عظمت خشيتك لله عظمت رحمت الله بك؛ لأن الله عز وجل إذا خافه الإنسان خشية فإنه يرحمه؛ لأنه ما من إنسان يخشى الله حقيقة إلا سيقوم بأوامره، ويجتنب نواهيه، وحينئذٍ يكون مُعرِّضًا أو متعرضًا للرحمة، هذه هي المناسبة بذكر الرحمن دون ذكر الله.

وقوله: ﴿بِالْغَيْبِ﴾ قال المؤلف: (ولم يره) كأنه يفسر أن المراد بالغيب أنه يخشى الله مع غيبة الله عنه فيكون بالغيب حالًا من المخشي، يعني يخشى الله والله غائب عنه، هذا أحد الوجهين في الآية.

الوجه الثاني: يخشى الله بالغيب؛ أي يخشى الله في حال الغيبة عن الناس، يخشى الله في قلبه في عمل غائب لا يظهر فيكون بالغيب حالًا من المخشي ولَّا من الخاشي؟ حالًا من الخاشي؛ يعني أن هذا الإنسان الذي أنذرته وانتفع به ذلك هو الذي اتبع الذكر وخشي الله بالغيب حال كونه غائبًا عن الناس، خشي الله بالغيب أي بالعمل الغائب الكائن في قلبه.

هي الخشية الحقيقية؛ لأن خشية الله بالعلانية قد يكون سببها مراءاة للناس، ويكون في هذه الخشية شيء من الشرك؛ لأنه يرائي بها، لكن إذا كان يخشى الله في مكان لا يطلع عليه إلا الله فهذا هو الخاشي حقيقة، وكم من إنسان عند الناس لا يفعل المعاصي، ولكن فيما بينه وبين نفسه يتهاون بها، فيه إنسان، حدثني شخص يقول: إنسان ظاهره الصلاح حتى إنه ينكر إذا سمع الأغاني في الراديو أو في التلفزيون، لكنه هو في بيته يقتني الراديو والتلفزيون ويُكِبُّ على سماع الأغاني، هذا خشي الله بالغيب؟ لا، ما خشي الله بالغيب، هذا خشي الناس في الحقيقة، ولم يخش الله عز وجل؛ لأن الذي يخشى الله لا بد أن يقوم بقلبه تعظيم الله سبحانه وتعالى سواء بحضرة الناس أو بغيبة الناس.

أيضًا يخشى الله بالغيب؛ أي: بما غاب عن الأبصار نظرًا، وعن الآذان سمعًا وهو خشية القلب، وخشية القلب أعظم ملاحظة من خشية الجوارح، صح ولَّا لا؟ خشية القلب أعظم مراقبة من خشية الجوارح؛ لأن الذي يخشى الله بقلبه يكون مراقبًا لله عز وجل ولحقه أكثر، ولأنه يجب أن تُرَاقب خشية القلب أكثر مما تراقب خشية الجوارح؛ خشية الجوارح بإمكان كل إنسان أن يقوم بها حتى في بيته، كل إنسان يستطيع أن يقوم يصلي ولا يتحرك، ينظر إلى موضع سجوده، يرفع يديه موضع الرفع يعني: يستقيم استقامة تامة في ظاهر الصلاة، لكن القلب غافل.

أما خشية القلب فهي الأصل وهي التي يجب أن يراقبها الإنسان ويحرص عليها حرصًا تامًا، وهذا معنى قوله: ﴿وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾، إذن الصواب بل الراجح من القولين أن قوله: ﴿بِالْغَيْبِ﴾ يعود على الخاشي أي يخشى الله تعالى غائبًا عن الخلق، ويخشى الله تعالى بخشية غائبة لا تظهر للعيون ولا تسمعها الآذان وهي خشية أيش؟ خشية القلب.

أما قول المؤلف: (ولم يره)، واعتبر أن الغيب هنا حال من المخشي فهذا فيه نظر؛ لأن الله عز وجل صحيح لا يُرى، ولكن آياته البينة الظاهرة كأن الإنسان يرى ربه؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الْإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» »[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] فآيات الله كلما تأمل الإنسان فيها سواء الآيات الكونية أو الآيات الشرعية، كلما تَأَمَّل فيها ظهر له بها وجود الخالق، وظهر له كلما تضمنه هذه الآيات من صفاته ظهورًا بينًا كأنما يشاهد الله عز وجل.

فالصواب إذن المعنى الأول لأننا نقول: وإن لم نر الله لكن نرى من آياته ما يدُلنا دلالة قطعية يقينية أيش على إيه؟ على وجوده وعظمته.

يقول: ﴿وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ﴾ شوف قال: ﴿تُنْذِرُ﴾ ثم قال: ﴿فَبَشِّرْهُ﴾ متقابلان، تنذره فينتفع بالإنذار، إذا انتفع بالإنذار حصل له الثواب فاستحق البشارة؛ ولهذا قال: (﴿فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ هو الجنة) ﴿بِمَغْفِرَةٍ﴾ للذنوب ﴿وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ على فعل الحسنات، والكريم يتضمن كرم الذات العينة وكرم الصفات؛ كقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٤٧)، ومسلم (١٩ / ٢٩) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.]] يعني: الكريمة بذاتها وبصفاتها، الأجر الكريم بذاته إذا نظرنا إلى نعيم الجنة بذاته وجدنا أنه كريم أكرم وأجمل وأحسن وأنفع من نعيم الجنة؛ ففي الجنة فاكهة ونخل ورمان وعسل وخمر إذا نَسَبْتَ هذا إلى نعيم الدنيا وجدت أنه أكرم من نعيم الدنيا في ذاته، في صفاته أيضًا طعمه ورائحته وغير ذلك هو أيضًا أكرم.

كريم أيضًا من حيث المقابلة، فالحسنة بكم؟ بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، الأجر في الدنيا يكون بقدر العِوَض، تبيع عليَّ سيارة بعشرة آلاف قيمتها كم؟ عشرة آلاف، ما أعطيك إلا عشرة ما أزيد، لكن في الآخرة آجر الآخرة أكرم وأعظم؛ لأنك تبذل واحدًا وتُعطَى كم؟ عشرة إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، فصار كرم الأجر -أجر الآخرة- من عدة وجوه في عينه وصفته وأيش؟ ومقابلته أو ومعاوضته؛ فإنه أعظم بكثير من عِوَض الدنيا وأجر الدنيا.

قال المؤلف: (هو الجنة) هذا تفسير للمراد لا للمعنى، ولا شك أن الجنة تشتمل على ما ذكرنا.

ثم قال تعالى: (﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [يس ١٢] للبعث ﴿وَنَكْتُبُ﴾ في اللوح المحفوظ ﴿مَا قَدَّمُوا﴾ في حياتهم من خير وشر ليُجازَوْا عليه ﴿وَآثَارَهُمْ﴾ ما اسْتُنَّ به بعدهم ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ﴾ نصبه بِفِعْلٍ يُفَسِّرهُ ﴿أَحْصَيْنَاهُ﴾ ضبطناه ﴿فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ كتاب بَيِّنٍ هو اللوح المحفوظ).

قال الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾.

أولًا: مناسبة هذه الآية بما قبلها لها مناسبتان:

المناسبة الأولى أنه لما ذكر حال من ينتفع بذكرى الرسول عليه الصلاة والسلام ومن لا ينتفع بَيَّن أن كلًّا منهم سوف يُحيا بعد موته وسوف يجازى على عمله، فالمناسبة ظاهرة؛ ففيها بشارة للمؤمن المنتذر، وفيها إنذار وتخويف لمن خالف.

ثانيًا: أن الله تعالى لما ذكر حال هؤلاء المكذبين فإن تكذيبهم بمنزلة الموت، وإذا كان الله قادرًا على إحياء الموتى إحياءً حسيًّا فهو قادر على إحياء هؤلاء الموتى بالكفر إحياء معنويًّا، فتكون المناسبة من وجهين.

قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى﴾ ﴿إِنَّا﴾ هذه ضمير جمع، والله عز وجل واحد فتُحْمَل هذه على أي شيء؟ على التعظيم قطعًا، ﴿نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى﴾ ﴿نَحْنُ﴾ هذه ضمير فَصْلٍ؛ لأنها لو سقطت وقيل: إنا نُحْيِ الموتى استقام الكلام فهي ضمير فصل للتخصيص؛ يعني نحن لا غيرنا.

﴿نُحْيِ الْمَوْتَى﴾ جمع ميت ويشمل الموتى من بني آدم وغيرهم، لكن قوله: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ يدل على أيش؟ على التخصيص، وهذا له نظائر في القرآن والسنة؛ إذا جاء لفظ عام ثم ذُكِرَ بعده حكم يختص ببعض أفراده فهل هذا يخصِّص العموم أو لا يخصصه؟ إذا نظرنا إلى تصرف العلماء رحمهم وجدنا أنهم أحيانًا يجعلونه مخصصًا للعموم وأحيانًا لا يجعلونه مخصصًا للعموم؛ فمثلًا ﴿الْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة ٢٢٨] هذه الآية فيها عموم وفيها حكم يختص ببعض أفراد هذا العموم، أين العموم؟ ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ فإن هذا يشمل من لها رجعة ومن ليس لها رجعة، هذا العموم، ثم قال بعد ذلك ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾ أي: بعولة المطلقات ﴿أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ هذا الحكم يختص بمن؟ بالرجعيات، فهل نقول: إن المراد بالمطلقات في قوله: ﴿الْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ المراد بها الرجعيات أو هو عامٌّ؟ أكثر العلماء على أنه عام.

نأتي إلى السنة قال جابر: «قضى النبي ﷺ بالشُّفْعَة في كلِّ ما لم يُقْسَم، فإذا وقعت الحدود وصُرِّفَت الطرق فلا شفعة»[[متفق عليه؛ البخاري واللفظ له (٢٢١٣)، ومسلم (١٦٠٨ /١٣٤) من حديث جابر رضي الله عنه. ]]. في هذا عموم، وفي هذا حكم تَعَقَّبه يختص ببعض أفراد هذا العموم، فهل نأخذ بالعموم أو نأخذ بما يقتضيه هذا الحكم المُعقَّب؟

«قضى النبي ﷺ بالشُّفعة في كل ما لم يُقْسَم.» ويش يشمل؟ كل ما لا يُقْسم حتى لو كان بيني وبينك سيارة (...) نصيبك منها فلي الشفعة، ولَّا لا؟ نبغي نأخذ بالعموم في كل ما لم يُقْسَم، «فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة، » هذا يختص بأيش؟ بالأراضي فهل نقول: إن قوله: «في كل ما لم يقسم » يختص بالأراضي؛ (...) الحكم المفرع؟ ونقول: إذا كان شريكان في سيارة وباع أحدهما نصيبه فلا شفعة للثاني، أو نقول: نأخذ بالعموم ونجعل هذا الحكم الخاص لبعض أفراده يختص به؟ فيه أيضًا خلاف.

هذه المسألة التي نحن فيها الآن ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى﴾ أيش يشمل؟ كل ميت حتى البهائم، ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ هذا خاص بالمكلفين، فهل نقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى﴾ من المكلفين بدليل قوله: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا﴾ أو نقول: هو عام وتعقيبه بحكم يختص ببعض أفراده لا يقتضي التخصيص؟

* طلبة: عام.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском