Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Ya-Sin 36:7–23, continued
* الشيخ: عام، طيب ينبني على الخلاف يا إخواني، العلماء -كما تشاهدون- يختلفون في مثل هذا، فنحن نقول: ممكن أن نقول: الموتى الذين يكتب لهم ما قدَّموا وآثارَهم بدليل قوله: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾.
وقد يقول قائل: أنا (...) العموم ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى﴾ كل ميت، ونكتب ما قدَّم بعضهم وهم المكلفون.
﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ [يس ١١] ذكر وصفين: الذي يَتَّبِع الذِّكر، وذكرنا أن اتباع الذكر يكون بأمرين: الأول.
* طالب: (...) أخباره يعني مقتضاها، والعمل بما يُعْمل به.
* الشيخ: نعم، تصديق الأخبار واعتقاد مقتضاها، والثاني: العمل بالأحكام فعلًا للمأمور وتركًا للمحذور. والوصف الثاني: ﴿خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ والخشية.
* طالب: الخوف عن علم بعظمة المخوف.
* الشيخ: نعم، الخوف عن علم بعظمة المخوف، دليل ذلك؟
* طالب: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ﴾..
* الشيخ: دليل أن الخشية هي الخوف، مع العلم بعظم المخْشِيِّ.
* طالب: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر ٢٨]
* الشيخ: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ طيب، وذكرنا أن قوله: ﴿بِالْغَيْبِ﴾ يحتمل وجهين؛ أحدهما ذكره المؤلف والثاني ذكرناه نحن.
* طالب: الثاني (...).
﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ قال: (﴿وَكُلَّ شَيْءٍ﴾ نصبه بفعل يفسره ﴿أَحْصَيْنَاهُ﴾ ) ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ ﴿كُلَّ﴾ هذه مفعول لفعل محذوف يفسره قوله: ﴿أَحْصَيْنَاهُ﴾، وعلى هذا فيكون التقدير: أحصينا كل شيء، ولا تَجْمَع بين المُفَسِّر والمفسَّر؛ يعني: لا تقل: التقدير أحصينا كل شيء أحصيناه؛ لأنه لا يُجْمَع بَيْنَ المُفَسِّر والمُفَسَّر، فإذا أردت أن تُقَدِّر تقول: التقدير وأحصينا كلَّ شيء في إمام مبين، لكن جُعِلَت الصيغة على هذا الوجه، ليكون المسند لذكر المُسْنَد إليه مرتين؛ لأن ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ والضمير في ﴿أَحْصَيْنَاهُ﴾ يعودان على شيء واحد فيكون هنا ذُكِرَ المعمول مرتين، مرة على أنه مفعول بفعل مقدر، ومرة على أنه ضمير لذلك المذكور وهو قوله: ﴿أَحْصَيْنَاهُ﴾، هذا التركيب يُسَمَّى عند النحويين أيش؟ يُسَمَّى الاشتغال، والاشتغال تجري فيه الأحكام الخمسة: الوجوب، والاستحباب، والإباحة، والكراهية، والتحريم، لكن هذا وجوبٌ نحويٌّ، ما هو بوجوب شرعي؛ يعني: تارةً يجب نصبُه، وتارة يمتنع، وتارة يترجَّح نصبه، وتارة يترجَّح رفعه، وتارة يستوي الأمران؛ في مثل هذا التركيب ما الذي يترجح؟ طبعًا ستقولون: يترجح النصب بدون تردُّد؛ لأنها منصوبة الآن، يترجح النصب لماذا؟ لأن الجملة هنا معطوفة على جملة فعلية، فإذا جعلناه مفعولًا لفعل محذوف صارت الجملة المعطوفة أيش؟ فعلية ولَّا اسمية؟ صارت فعلية وتَنَاسُب الجملتين أولى من تضادهما، هذا معلوم ولَّا لا؟
طيب قلنا: إن هذا من باب الاشتغال، وترجَّح النصب هنا؛ لأن قوله: ﴿أَحْصَيْنَاهُ﴾ معطوف على قوله: ﴿نَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾، فإذا جعلنا الواو حرفَ عطفٍ والجملة فعلية ﴿أَحْصَيْنَاهُ﴾ صار المعطوف جملة فِعْلِيَّة على جملة فعلية، ولو رفعنا وهو جائز الرفع هنا، لكن النصب أرجح، لو رفعناه وقلنا: وكل ُّشيء أحصيناه، صار العطف هنا عطف جملة اسمية على جملة فعلية أيهما أَنْسَب؟ الأول أنسب؛ أن نعطف جملة فعلية على جملة فعلية؛ ولهذا نقول: إن النصب هنا أرجح مع جواز الرفع، لولا أنه في كلام الله ولا يُغَيَّر لكان يجوز أن نقول: وكل ُّشيء أحصيناه، فهمتم ولَّا لا؟
ولهذا لو قلنا: زيد ضربتُه، يجوز أن أقول: زيدًا ضربتُه، لكنْ أيهما أرجح؟ الرفع؛ لأنه الأصل ولا في جملة نعطف عليها شيء، لكن لو قلت: ضربت زيدًا وعمرٌو أكرمته، يجوز في (عمرو أكرمتُه) النصب ويجوز الرفع، لكن أيهما أرجح؟ النصب لأني قلت: ضربت زيدًا جملة فعلية، والجملة الفعلية عندكم معروفة ما هي؟ المبدوءة بالفعل، ضربت زيدًا أقول: وعمرًا أكرمته، ويجوز وعمرٌو أكرمته، لكن الأول أولى لتناسب الجملتين، نحن ذكرنا هذا على سبيل الاستطراد ولَّا ليس الدرس درس نحو، لكن هذه القاعدة إذا جاءت جملة فيها اشتغال فإن كانت ابتدائية أو معطوفة على جملة اسمية فالراجح الرفع، وإن كانت معطوفة على جملة فعلية فالراجح النصب.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس ١٢] ﴿نَكْتُبُ﴾ هل الذي يَكْتُب الله عز وجل أو الملائكة بأمر الله؟ الملائكة بأمر الله؛ لقوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾ [الانفطار ٩، ١٠] وإسناد الكتابة إلى الآمر موجود في اللغة العربية كثيرًا؛ يقول: السيد كتبتُ كذا وكذا، والمراد كَتَبَه عبيده، فهنا ﴿نَكْتُبُ﴾ يقول الله عز وجل: ﴿نَكْتُبُ﴾، والمراد بملائكته دليل ذلك، يحتاج إلى دليل وإلا كان يقول: ليش تصرفه عن ظاهره؟ دليل ذلك ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار ٩ - ١٢].
وقوله: ﴿نَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا﴾ أي: ما قدَّموه في الدنيا من أعمال صالحة؛ لأن كل إنسان يعمل عملًا صالحًا في الدنيا فإنه قد قدَّمه بمنزلة السَّلَم، تعرفون السلم في البيع؟ المشتري يُقَدِّم الثمن، أنت الآن مقدم للثمن، المُثْمَن متى يكون؟ يكون يوم القيامة، وقد يكون في الدنيا ويوم القيامة جميعًا، فأنت الآن إذا عَمِلْت عملًا صالحًا فقد قَدَّمْتَ لنفسك الآن ثمنًا تأخذ عِوَضه يوم القيامة، ثِقْ بهذا وأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا.
وقوله: ﴿نَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا﴾ يقول المؤلف: (نكتب في اللوح المحفوظ ما قدموا في حياتهم)، هكذا مشى عليه المؤلف أن المراد بالكتابة هنا الكتابة في اللوح المحفوظ، وهذا التفسير مخالف لظاهر اللفظ؛ لأن قوله: ﴿نَكْتُبُ﴾ فعل مضارع، والمضارع لا يُحْمَل على الماضي إلا بدليل لفظي، ك(لم) مثلًا إذا دخلت على المضارع جعلته ماضيًا، أو دليل حالي يدل عليه السياق، وهنا لا دليل على أن المراد ﴿نَكْتُبُ﴾ في اللوح المحفوظ، الكتابة في اللوح المحفوظ انتهت ولَّا لا؟ انتهت، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء ١٠٥] اللوح المحفوظ انتهت كتابته، ولا يمكن أن تصاغ ﴿نَكْتُبُ﴾ لشيء انتهى، ولكن المراد ﴿نَكْتُبُ﴾ يعني بواسطة الملائكة تكتب ما قَدَّموا، والملائكة تَكْتُبْ ولَّا كتبت؟ تكتب، إذن الصواب نكتب في صحائف الأعمال، والذين يكتبون: الملائكةُ بأمر الله عز وجل.
(﴿مَا قَدَّمُوا﴾ في حياتهم من خير وشر ليُجَازَوْا عليه) نعم يكتب الله عز وجل ما قَدَّم الإنسان من خير وشر، لكن ما قدمه مِن خير فهو مضمون، وما قدمه من شر فليس بمضمون، صح؟ نعم؛ لأن الخير لا يمكن أن يهدر منه شيء، والشر قد يعفو الله عنه إذا لم يكن شركًا؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨]، وهذا من مصلحة الإنسان إذا كان غير مضمون ولَّا من غير مصلحته؟ من مصلحته.
قال: (﴿وَآثَارَهُمْ﴾ ما استُنَّ به بعدهم) الآثار جمع أثر، والأثر ما أعقب الشيء، ومنه أَثَر القدم بعد المشي فإنه يَعقُبه، فما المراد بآثارهم؟ قال المؤلف: (ما استُنَّ بِهِ بَعْدَهم)، وهذا التفسير كمثال وليس حصرًا؛ لأن اللي يُكتب بالآثار أكثر مما استُنَّ به بعدهم؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ»[[أخرجه مسلم (١٦٣١ / ١٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ]] فمثلًا الصدقة الجارية هذه من آثارهم ولَّا مما قدموا؟ لا، من آثارهم أيضًا، هذا إذا أَوْقَفَ الإنسان مزرعة أو بستانًا على الفقراء وانتفعوا به بعد موته صار هذا من الآثار بلا شك وإن كان أصل التقديم في حياته لكنه النفع صار بعد مماته، العلم النافع من آثارهم، كل ما انتُفِعَ به بعد موته من علم فهو من آثارهم، الولد الصالح أيضًا من آثارهم؛ لأن الولد من كسب الإنسان فإذا كان ولد صالح يدعو لأبيه أو أمه فهو من الآثار، طيب ما اقتدى به الناس بعده من الأعمال الصالحة والأخلاق الحميدة فهو أيضًا من الآثار.
إذن ما ذكره المؤلف على سبيل المثال، وهذا الذي قاله المؤلف أن المراد بالآثار ما كان من بعد موت الإنسان هذا هو الصحيح.
وذهب بعض المفسرين إلى أن المراد بالآثار الآثار التي يتقدمون بها إلى الطاعة كالمشي إلى الصلوات فإن الله تعالى يكتب للإنسان كل خطوة فيرفع له بها درجة ويحط عنه بها خطيئة، واستدل هؤلاء بأن النبي ﷺ قال لبني سلمة قال لهم: «دِيارُكُمْ تُكْتَبُ آثَارُكُمْ»[[أخرجه مسلم (٦٦٥ / ٢٨٠) من حديث جابر رضي الله عنه. ]] فجعل الرسول عليه الصلاة والسلام الآثار تكتب، ولكن هذا الاستدلال فيها نظر لأن قول الرسول: «تُكْتَبُ آثَارُكُمْ» » هذا مما قدموه في حياتهم، أليس كذلك؟ ولكنه سَمَّاه أثرًا؛ لأنه نعم أثر والممشى والمسير.
فالصواب أن الآية كما قال المؤلف أن المراد بـ﴿مَا قَدَّمُوا﴾ ما سبق من أعمال صالحة في حياتهم حتى آثار مسيرهم إلى المساجد وآثارهم ما كان بعد موتهم.
قال: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ قال المؤلف: (﴿أَحْصَيْنَاهُ﴾ ضبطناه)، والإحصاء بمعنى الضبط مأخوذ من الحصا؛ لأن العرب كما نعلم أمة أمية ما يكتبون يضبطون الأشياء بالحصى أو شبهها ويُقَدِّرون بالرمح وما أشبهه، ما يقرؤون ولا يكتبون فكانوا إذا أرادوا ضبط الشيء أخذوا حصى. كم عدد القوم؟ قال: تفضل، أعطاك كيس الحصى، ويعده ولَّا لا؟ إذا عدَّها عرف عدد القوم، ولهذا قال الشاعر:
وَلَسْتَ بِالْأَكْثَرِ مِنْهُمْ حَصًى ∗∗∗ وَإِنَّمَا الْعِزَّةُ لِلْكَاثِرِ
(وَلَسْتَ بِالْأَكْثَرِ مِنْهُمْ حَصًى) يعني: قومك ما هم كثيرين (وَإِنَّمَا الْعِزَّةُ لِلْكَاثِرِ)، وَيُضْرَب المثلُ فيقال: جاء قوم كَثْر الحصى.
على كل حال (﴿أَحْصَيْنَاهُ﴾ ضبطناه)، وسُمِّي الضبط إحصاء؛ لأن العرب كانت تربط الشيء بالحصى.
قال: (﴿أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ كتاب بين وهو اللوح المحفوظ) هذا صحيح، ﴿فِي إِمَامٍ﴾ الإمام يُطْلق على عدة معان يجمعها أنه مَرْجِع؛ فإمام الصلاة مثلًا إمام؛ لأنه مرجع للمؤمنين يقتدون به، وإمام الحكم كذلك مرجع يرجع الناس إليه، والكتاب إمام؛ لأنه مرجع كما قال الله تعالى: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء ١٣، ١٤]، إذن ﴿فِي إِمَامٍ﴾ في كتاب.
وقوله: ﴿مُبِينٍ﴾ يقول: بمعنى (بَيِّن)؛ لأن مُبِين هنا من الرباعي ولَّا من الثلاثي؟ من الرباعي من أبان يُبين فهو مبين أما بين فهي من الثلاثي من بان يَبِين فهو بَيِّن، وكلمة (بان) و(أبان) تأتيان بمعنى واحد، فيقال: بان الصبح وأبان الصبح، وتنفرد (أبان) بأنها تأتي بمعنى أظهر وأوضح، أبان الشيء يعني: أظهره وأوضحه، فإذا جاءت كلمة مبين في القرآن الكريم فإنها تصلح بأن تكون بمعنى بين وتصلح أن تكون بمعنى مظهر ومُوضِّح، لكن ليست كل موضع جاءت فيه تصلح للوجهين جميعًا، لا، قد تكون في موضع لا تصلح إلا إلى بَيِّن؛ فمثلًا: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران ١٦٤] معناها بَيِّن ظاهر، لكن ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [الزخرف ١، ٢] بمعنى البين ولَّا الموضح؟ المُوَضِّح وهو إذا كان مُوَضِّحًا فهو واضح، لكنها هنا مُبين بمعنى مُظْهِر أَبْيَن، يعني أَبْيَنُ في المعنى.
على كل حال إذا جاءتكم كلمة (مبين) فإن صلحت أن تكون من الرباعي الذي بمعنى أظهر فهو أولى من تفسيرها بالرباعي الذي بمعنى ظهر؛ لأن المظهر جامع بين الظهور بنفسه والإظهار لغيره فيكون معناه أشمل.
قال: ﴿فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ يقول المؤلف: إنه اللوح المحفوظ، وهذا صحيح يعني محتمل، فإن اللوح المحفوظ كتبت فيه أعمال العباد، ولكن هنا ﴿مُبِينٍ﴾ هل الأنسب أن تكون كما فَسَّرَها المؤلف بَيِّن أو ﴿مُبِينٍ﴾ بمعنى مُظْهِر؟
* طالب: (...).
* الشيخ: (...) أولى؟ هو أصلًا الأخير يَسْتَلْزِم المعنى الأول، هل المعنى إنه كتاب بَيِّن ولَّا كتاب مبين يظهر الحقائق؟ الظاهر أن المعنى الأخير أولى؛ أن هذا الكتاب مبين للأمور موضح لها، وكما قلنا: ما كان مُبينًا فهو بَيِّن.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، صالح أن تكون كما قال المؤلف: (اللوح المحفوظ)؛ لأنه يقول: ﴿أَحْصَيْنَاهُ﴾ واضح أنه قد انتهى، ويجوز أن تكون صحائف الأعمال؛ لقوله تعالى: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء ١٤].
ثم قال الله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾ [يس ١٣] قال: ﴿اضْرِبْ﴾ قال بمعنى: اجعل، وهذا لا شك أنه معنى مُقَرِّب، المعنى ضرب مثلًا أي: جعل مثلًا، وقيل: إن (اضْرِب) بمعنى اتخذ، لأن الضرب يدل عل صناعة وتَكيِيف، ومنه ضرب الذهب خاتمًا ضرب الذهب حُليًّا، ضرب الذهب سكَّة يعني نقودًا؛ بمعنى اتخذه حليًا، اتخذَه سكَّة وما أشبه ذلك، فشُبِّهَ ذكر المثل للاعتبار به بصناعة الشيء؛ لأن المثل يشتمل غالبًا على هَيْئَةٍ متكاملة مركبة من أجزاء متعددة؛ ولهذا لا يأتي المثل في تشبيه مفرد بمفرد، إنما يأتي المثل في تشبيه أيش؟ صورة مشتملة على أجزاء متعددة في صورة، ولهذا سُمِّي ضَرْبَ مثلٍ؛ أي: صنع مثل كما نصنع الأواني والخواتم وغيرها من معادنها.
وقال المؤلف: ﴿اضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا﴾ قال: (﴿مَثَلًا﴾ مفعول أول ﴿أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾ مفعول ثانٍ) هذا الظاهر أنه سَهْو من المؤلف، والصواب العكس؛ لأن المفروض معه أصحاب القرية فيكونون المفعول الأول، ومثلًا هو المفعول الثاني، ففي إعراب المؤلف انقلاب، فالصواب أن ﴿أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾ مفعول أول و﴿مَثَلًا﴾ مفعول ثان؛ أي: اجعل أصحاب القرية لهؤلاء المكذبين لك اجعلهم مثلًا يعتبرون به، والمَثل والمِثل كالشَّبَه والشِّبْه؛ يعني: اجعله أمرًا مشابهًا حتى يتعظوا به.
(...) قوله: ﴿مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾، ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾ كلمة ﴿اضْرِبْ﴾ الخطاب فيها للرسول عليه الصلاة والسلام أو لكل مَنْ يَتَأَتَّى خطابه، سبق لنا أن مِثْل هذا تارة يكون صريحًا في أنه عام وتارة يكون صريحًا في أنه خاص بالرسول ﷺ، وتارة يحتمل الوجهين؛ فمن الأشياء التي هي صريحة بخصوصية هدي الرسول عليه الصلاة والسلام قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح ١] فهنا الخطاب لمَنْ؟ للرسول عليه الصلاة والسلام قطعًا، ومن الأشياء الصريحة بأنه عام مثل قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق ١]، ولم يقل: إذا طلقتَ فدلَّ على أن الخطاب الأول يُراد به العموم، وأما احتمال أن يكون خاصًّا بالرسول أو عامًّا فهو كثير في القرآن، فما هو الأرجح؛ أن نجعله خاصًا أو عامًّا؟ الأرجح أن نجعله عامًّا؛ لأنه أشمل، إذا جعلناه عامًّا شمل الرسول ﷺ وغيره.
إذن ممكن أن نقول لأي داعية الآن: اضرب مثلًا للمكذبين بهذه القرية.
قال: ﴿أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ قال المؤلف: (أنطاكيا) هذه القرية، فجعل (أل) للعهد الذهني؛ يعني: كأنها قرية معروفة مفهومة، ولكن هذا القول ضَعَفَّه ابن كثير في التفسير، وقال: إن هذا غير معروف في أنطاكيا، وأنطاكيا ما دُمِّرَت، ولا أُهْلِكَ أهلها ولا ينطبق هذا المثل عليها بوجه من الوجوه، وعلى هذا فيكون المراد بالقرية هنا قرية غير معينة وتكون (أل) لأيش؟ للجنس؛ يعني: اضرب لهم مثلًا بقرية غير معينة، تكون (أل) للجنس لا للعهد، وهذا هو الصحيح؛ وذلك لأن الله لو كان في بيان هذه القرية بعينها مصلحة لبَيَّنَها الله عز وجل، وليس المقصود كما مَرَّ علينا كثيرًا تعيين الأشخاص أو الأماكن أو الأزمان ليس فيه كبير فائدة في الغالب، المقصود العبرة في القصة وما وقع؛ ولهذا نرى بعض العلماء يتكلفون مثلًا فيما إذا جاء اسم رجل في حديث مُبْهَم يتكلفون في طلب تعيينه، وليس هذا بلازم، اللهم إلا أن يَتَرَتَّب على تعيينه اختلاف في الحكم، أو إظهار للمعنى فهذا شيء آخر.
على كل حال هنا نحن لا يَعْنِينا أن نعرف ما هي القرية ومَنْ هم أهلها، الذي يعنينا أيش؟ العبرة بما جرى في هذه القصة، إذن الصواب عدم تَعْيِينها بأنطاكيا.
﴿إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ إلى آخره بدل اشتمال من أصحاب القرية، (﴿إِذْ﴾ بدل اشتمال من أصحاب القرية) فتكون في محل نصب؛ لأن ﴿أَصْحَابَ﴾ منصوبة، والبدل يتبع في الإعراب المبدل منه، فيكون ﴿إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ في محل نصب على أنه بدل من أصحاب القرية.
قال: ﴿إِذْ جَاءَهَا﴾ أي: القرية ﴿الْمُرْسَلُونَ﴾ قال المؤلف: (أي: رُسُل عيسى)، وهذا القول ليس بصحيح ولا دليل عليه، بل ﴿جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ الذين مِنْ جِنْسِ قوله في أول السورة: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس ٣]، ﴿جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ الذين هم من جنس هؤلاء، وعلى هذا فهم رُسُل ٌمن عند الله عز وجل، وليسوا من قِبَل عيسى ﷺ.
قال في تفصيل هذا المجيء وهذه القصة: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ﴾، وهذا من عجائب القول أن نقول: (أي: رسل عيسى) مع أن الله يقول: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا﴾، ولم يقل: إذ أرسل إليهم عيسى بل قال: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا﴾، وعلى هذا فيَتَعَيَّن أن يكون المراد المرسلون هنا رسلًا من عند الله، ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ﴾ ﴿إِلَيْهِمُ﴾ أي: إلى أصحاب القرية ﴿اثْنَيْنِ﴾ من هؤلاء الثلاثة.
﴿فَكَذَّبُوهُمَا﴾ إلى آخره، يقول: (بدل من ﴿إِذْ﴾ الأولى) وين (إذ) الأولى؟ ﴿إِذْ جَاءَهَا﴾ ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا﴾ ﴿إِذْ جَاءَهَا﴾ هذه بدل من ﴿أَصْحَابَ﴾، و﴿إِذْ أَرْسَلْنَا﴾ بدل من ﴿إِذْ جَاءَهَا﴾؛ لأنها في الحقيقة بيان لكيفية هذا المجيء.
﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا﴾ التكذيب رَدُّ الخبر ونسبته إلى خلاف الواقع، هذا هو التكذيب، فهؤلاء كذبوهم وقالوا: هذا أمر ليس بصحيح، ولستم برسل، فماذا كان؟ قال الله تعالى: (﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ بالتخفيف والتشديد) ﴿عَزَّزْنَا﴾ هذا التشديد، ﴿عَزَزْنَا﴾ التخفيف، والقراءتان سبعيتان؛ يعني: المؤلف ذكرهما على حَدٍّ سواء.
معنى ﴿عَزَّزْنَا﴾ قال: (قوينا الاثنين بثالث) يعني: لما كُذِّب الاثنان أرسل الله ثالثًا معهما؛ لأجل التقوية، وهذا كقول موسى عليه السلام لما أرسله الله تعالى إلى فرعون قال: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ [طه ٢٩ - ٣٢] طيب، إذن زيادة الواحد يُقَوِّي بلا شك، ونحن نشاهد حتى في أمرنا الواقع إذا قال شخصٌ قولًا ثم أَيَّده به آخر ازداد قوة ونشاطًا في تقرير هذا القول وتثبيته.
قال: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا﴾ الضمير يعود على الثلاثة ﴿إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾، أَتَوْا بالجملة المؤكدة بـ(إن)؛ لأن الحال تقتضي ذلك؛ فهم قد كَذَّبوا بالأول وأنكروا فجاءت الجملة الثانية مؤكدة؛ لأن المقام مقام تكذيب، ولكن لو قال قائل: لماذا لم تُؤَكَّد بأكثر من مؤكد؟
قلنا: هي أُكِّدَت بأكثر من مؤكد؛ أُكِّدت بمؤكد واحد لفظي وهو (إنَّ)، وأُكِّدَت بمؤكد معنوي وهو زيادة الرسول؛ ولهذا قال: ﴿عَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ إذن صار فيها مؤكدان ولَّا لا؟ المؤكد الأول الرسول زيادة، والمؤكد الثاني (إِنَّ)؛ ولهذا لو قال قائل: هل المقام هنا مقام تأكيد على سبيل الاستحسان ولَّا على سبيل الوجوب؟
قلنا: على سبيل الوجوب، فإذا قال: القاعدة أنه إذا كان على سبيل الوجوب فإن التأكيد يتكرر؛ يعني: يؤتي بـ(إنَّ)، بـ(إنَّ) واللام، (إنَّ) والقسم، (إنَّ) والقَسَم واللام؛ يعني: يُكَرَّر المؤكد قلنا: هذا المؤكد مُكَرَّر، لكنه من نوعين؛ تأكيد باللفظ ﴿إِنَّا إِلَيْكُمْ﴾، وتأكيد بالمعنى تقويتهم بثالث.
﴿فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾ ﴿مُرْسَلُونَ﴾ مِنْ قِبَل مَنْ؟ مِنْ قِبَل الله عز وجل وهم يعلمون ذلك أنهم ما ادَّعَوُا الرسالة لشخص، وإنما هي من الله، كان جواب هؤلاء جواب غيرهم من المكذبين. المكذبون يَرُدُّون أقوال الرسول بنفي وإثبات، أحيانًا بنفي وأحيانًا بإثبات؛ ففي النفي يقولون: ﴿مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ كما قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [التوبة ٧٠].
﴿عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (١٠) قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ يعني: نسلم أننا بشر مثلكم ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [إبراهيم ١١] هذا جواب بالنفي؛ يعني: أنتم بشر لستم ملائكة حتى نقبل. أحيانًا بالإثبات؛ ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات ٥٢] فصاروا أحيانًا يتهمون الرسل بالسحر والجنون، وأحيانًا بالنفي يقولون ما أنتم ملائكة حتى تكونوا رسلًا إلينا، ما أنتم إلا بشر مثلنا، إذن ليس ببدع أن يقول أصحاب هذه القرية لهؤلاء الرسل: ﴿مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾، ثم قالوا: ﴿وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾ فأنكروا الرسالة من حيث جنس الرسول وأنه بشر، وأنكروا الرسالة إنكار جحود بلا مبرر.
﴿مَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ﴾ ما الذي يمنع؟! ما ذكروا حجة ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾. قوله: ﴿مَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ﴾ هذه الجملة كما نشاهد نفي، و﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ نكرة في سياق النفي فتعم، ثم إن هذه النكرة مؤكدة بماذا؟ بـ(مِن) الزائدة؛ لأن قوله: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ بمعنى شيئًا.
وقوله: ﴿إِنْ أَنْتُمْ﴾ ﴿إِنْ﴾ هنا بمعنى (ما) ففي الجملة حصر طريقه النفي والإثبات، ﴿إِنْ أَنْتُمْ﴾ يعني: ما أنتم ﴿إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾، وهذا الحصر -والعياذ بالله- حصر هم يرونه حقيقة أو إضافي؟ السؤال الآن هل هو حقيقي أو إضافي؟ ما أنتم إلا تكذبون.
* طالب: إضافي.
* الشيخ: كيف؟
* طلبة: (...).
* الشيخ: يعني: ما أنتم إلا تكذبون فيما تدعون من الرسالة، ولا يلزم أن يَدَّعوا أنهم كاذبون في كل شيء لكن فيما ذكروا من الرسالة، فصار إنكارهم مبني على أمرين:
الأول: أنهم بشر؛ يعني: كأنهم يقولون: لو كنتم رسلًا لكنتم ملائكة.
ثانيًا: النفي الذي لم يُبْنَ على شيء مجرد إنكار ومكابرة ﴿وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾، وهذا بلا شك من سفههم؛ لأن إنزال الوحي على الرسل لهداية الخلق أمر يوجبه العقل فضلًا عن الشرع؛ لأن العباد لا يمكن أن يتعبدوا لله سبحانه وتعالى إلا بشيء شرعه ونصبه لهم دليلًا عليه وإلا فكيف يتعبدون فإنزال الله تعالى الوحي للبشر أمر يقتضي العقلُ وجوبَه مع أن الله قد أوجبه على نفسه؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [يس ١٧] الله أوجب على نفسه أن يبلغ عباده سبحانه وتعالى ما يوصلهم إليه وإلا لضلوا.
إذن هذه المكابرة؛ ﴿مَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ﴾ هذه المكابرة يكذبها أيش؟ العقل والشرع؛ لأن العقل يوجب أن ينزل الله على العباد شريعة يتعبدون بها له لتوصلهم إليه؛ إذ إن العقل لا يهتدي كيف يعبد الله؟
الشرع أوجب الله على نفسه أن يُبَلِّغَ عباده شريعته؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَا عَلَيْنَا﴾ استغفر الله العظيم.. ﴿وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ هذا كلام الرسل، لكن قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (١٢) وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى﴾ [الليل ١٢، ١٣] وقال تعالى في القرآن الكريم: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة ١٩]، إذن استدلالنا بالآية الأولى يعتبر خطأ. الاستدلال في قوله: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾ حيث أوجب الله على نفسه أن يهدي عباده، وهذه هداية البلاغ ولا هداية التوفيق؟ البلاغ ولو كانت هداية التوفيق لاهتدى كل أحد.
قال: ﴿وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾ ما هو الكذب؟ هو الإخبار بخلاف الواقع، إذن أنتم أخبرتمونا أنكم رسل والواقع أنكم لستم برسل، ماذا قالوا لهم؟
قال الله عز وجل: ﴿قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾ [يس ١٦] شوف الآن أَكَّدُوا الرسالة بثلاثة مؤكدات: الأول: ﴿رَبُّنَا يَعْلَمُ﴾؛ لأن هذا جار مجرى القسم، والثاني: (إن) والثالث: اللام لشدة إنكارهم، فإذا قلنا: هذه ثلاثة مؤكدات مع التأكيد الأول وهو زيادة الثالث صار أكدت الرسالة بأربعة مؤكدات.
﴿قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ﴾ قال المؤلف: (جارٍ مجرى القَسَم وزِيدَ التأكيد به وباللام على ما قبله لزيادة الإنكار) صار أربعة مؤكدات، لكن المؤلف لم يعتبر تأكيد الإرسال مع أنه بلا شك مؤكد.
قال: ﴿إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾ نعم لزيادة الإنكار في ﴿إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾ هذا بيان لزيادة التأكيد بـ (إن) واللام.
(﴿وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ التبليغ البين الظاهر بالأدلة الواضحة) إلى آخره، هذه حَصْر حقيقي ولَّا لا؟ نعم، ما عليهم في جانب الرسالة إلا البلاغ المبين؛ في جانب الرسالة، فقولنا: (في جانب الرسالة) يقتضي أن يكون حصرًا إضافيًّا؛ لأن عليهم سوى البلاغ أن يقوموا بعبادة الله الخاصة التي هي غير التبليغ، لكن في جانب الرسالة ما عليهم إلا البلاغ المبين.
قال المؤلف: (التبليغ البين) يعني: كلمة بلاغ بمعنى تبليغ فهي اسم مصدر من بَلَّغ يبلغ كما يقال: كَلَّم يُكَلِّم، المصدر؟
* طلبة: تكليم.
* الشيخ: واسم المصدر كلام. بلَّغ يبلغ تبليغًا هذا المصدر، واسم المصدر بلاغ.
أما تفسيره المبين بالبين فهذا قد يقال: إن فيه نظرًا؛ لأن الظاهر أن المبين هنا بمعنى المظهر يعني البلاغ المظهر لحقيقة الأمر الواقع، وهو أننا رُسُل من عند الله، وسبق لنا أننا إذا فسرنا المبين بالمظهر على وجه صحيح صار متضمنًا لكونه بيِّنًا؛ إذ لا يكون الشيء مُبَيِّنًا إلا وهو بَيِّنٌ في نفسه.
أما قوله رحمه الله: (التبليغ البين الظاهر بالأدلة الواضحة) قال: (وهي إبراء الأكمه والأبرص والمريض وإحياء الموتى) هذا ليس بصحيح؛ لأن هذا مبني على أنهم رسل عيسى، والأمر ليس كذلك، لكن عليهم التبليغ البين بالرسالة، فيبلغون تبليغًا بينًا.
طيب، نأخذ الفوائد:
في هذه الآيات دليل.
* طالب: (...).
* الشيخ: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ [يس ١١].
* من فوائد هذه الآية: أنه لا ينتفع من إنذار الرسول عليه الصلاة والسلام إلا من اتصف بهذين الوصفين؛ لقوله: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ﴾.
* ومن فوائدها: صحة نفي الشيء إذا كان لا يُنْتَفع به وإن كان موجودًا؛ لقوله: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ فإن إنذاره لغيرهم حاصل، لكن لما لم ينتفعوا به صار وجوده كالعدم بالنسبة لهم ولَّا بالنسبة للمنذِر؟ بالنسبة لهم، أما المنذِر فقد قام بما يجب عليه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه كلما كان الإنسان أتبع للقرآن كان أشدَّ تأثرًا به؛ لقوله: ﴿إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ وبهذا نعرف القاعدة التي ذكرها بعض العلماء: (الطاعة تجلب الطاعة، والمعصية تجلب المعصية) الطاعة تجلب الطاعة؛ لأنه كلما كان الإنسان أتبع للقرآن صار أشدَّ تأثرًا به؛ لقوله: ﴿إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء على هذه القرآن العظيم بأنه أيش؟ بأنه ذِكْر، وسبقت الأوجه في كونه ذِكْرًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الخشية لله سبب كبير للتأثر بالقرآن والانتذار به؛ لقوله: ﴿وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: فوائد الخشية لله وأنها من أسباب الانتفاع بالقرآن فكلما كان الإنسان أخشى لربه كان أفهم لكلامه.
* ومن فوائدها أيضًا: أن الخشية إنما تكون خشية حقيقة إذا كانت بأيش؟ بالغيب، أما من خشي الله بالعلانية فقد تكون خشيته مدخولة، قد يكون خشي الله عز وجل من أجل الناس يرونه، لكن إذا كان بالغيب كان أدلَّ على الإخلاص.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن نبَشِّر مَنِ اتصف بهذين الوصفين وهما اتباع الذكر والخشية لله عز وجل بالغيب نبشره بالجنة؛ ﴿فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾، ولكن هل تنطبق هذه البشارة على كل واحد بعينه؟
الجواب: لا، على سبيل العموم، وكل شخص اتصف بما تَثْبُت به الجنة على سبيل العموم فإننا لا نشهد له بعينه، ولكن يُرْجى له ذلك؛ لأنه في الظاهر قد انطبق عليه سبب الاستحقاق، لكن الباطن لا نعلمه كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٢٠٧)، ومسلم (١١٢ / ١٧٩) من حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه.]]؛ لهذا نقول: في كلِّ مَنْ ينطبق عليه وصفٌ يستحق به دخول الجنة نقول: إننا لا نشهد له بعينه؛ لأن الشهادة له بعينه تحتاج إلى دليل معين، ولكننا نرجو له هذا؛ لأن ظاهر الأمر أنه مستحقه ولَّا لا؟ ظاهر الأمر أنه مستحقه لانطباق الأوصاف عليه، لكن لا نشهد؛ لأنه يخشى أن يكون باطنه غير ظاهره، أفهمتم هذه القاعدة؟ وهذه القاعدة مهمة مفيدة،
مثلًا قتل رجل في الحرب الأفغانية، الحرب الأفغانية لا شك أنه إسلامي، وأن ظاهر جميع المجاهدين فيه أنهم يجاهدون لتكون كلمة الله هي العليا، فهل إذا قُتِلَ على أيدي الأعداء نشهد بأنه شهيد؟ لا، ما يجوز، ولكن نقول: يُرجى أن يكون شهيدًا؛ يعني: من الشهداء عند الله عز وجل؛ لأن ظاهر فعله ينطبق على الشهداء عند الله عز وجل، ولكن ما نشهد له بعينه؛ ولهذا ترجم البخاري رحمه الله على هذه المسألة في الصحيح قال: (بابٌ: لا يُقالُ فُلانٌ شَهِيد)، مع أن شهيد الآن عندنا صارت رَخيصة تُبْذَل بأبخس الأثمان، أيُّ واحد يُقْتل ولو في قِتْلَة جاهلية يقولون: هو شهيد، وهذا لا يجوز، أتدري ماذا يستلزم على شهادتك له بأنه شهيد؟ يستلزم أنك شهدتَ له بأنه من أهل الجنة، وهذه مسألة صعبة، لكن كما قلت لكم قبل قليل في القاعدة النافعة: إن مَنِ اتَّصف بأوصاف ينطبق على أهلها هذا الجزاء فإننا نرجو له ذلك. نقول: نرجو، تقدر تقول: هل فلان شهيد اللي قُتِل في معركة بين الأفغانيين المسلمين وبين الروس؟ ويش الجواب؟
نرجو له ذلك، نرجو أن يكون شهيدًا، أما أن نجزم فلا، لا يجوز أن نجزم.
طيب، هذا الذي اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب، هل نجزم له بالمغفرة والأجر الكريم؟ نقول: نعم، مَنْ فَعَل ذلك نشهد له على سبيل العموم، لكن على سبيل التخصيص نرجو له ذلك. إي نعم.
﴿فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ * من فوائد الآية الكريمة: أن البشارة تكون بانتفاء ما يُكرَه وبحصول ما يحب، ﴿بِمَغْفِرَةٍ﴾ هذا أيش؟ انتفاء ما يُكْرَه، ﴿وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ حصول محبوب، فيهنأ الإنسان ويُبشر بزوال المكروه عنه وحصول المحبوب اجتماعًا وانفرادًا؛ يعني: سواء حصل له الأمران أو حصل له أحدهما فإنه يُبَشَّر بانتفاء الشرِّ عنه كما يبشر بحصول الخير له.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن خشية الرحمن بالغيب واتباع الذكر يحصل به مغفرة الذنوب والأجر الكثير فإن مغفرة في مقابل الذنوب، والأجر الكريم في مقابل الثواب على الأعمال الصالحة.
* طالب: (...).
* الشيخ: ما يمكن عاد نرجع الآن.
* طالب: اللي بعدها مباشرة.
* الشيخ: بعدها مباشرة، جئنا لنقرأها.
ثم قال الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس ١٢].
* من فوائد الآية الكريمة: بيان قدرة الله عز وجل بإحياء الموتى، وقد بَرْهَنَ الله عز وجل على قدرته على إحياء الموتى بأدلة عَقْلِيَّة وأدلة حِسية؛ فمن الأدلة العقلية مثل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم ٢٧] فإن هذا دليل عقلي على إمكان إحياء الموتى؛ وجهه أن الإعادة أهون من الابتداء، فالقادر على الابتداء قادر على الإعادة من باب أولى، وكما في قوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء ١٠٤]، هذا مثله أيضًا استدل الله تعالى بالابتداء على أيش؟ على الإعادة.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences