Ibn 'UthayminYa-Sin · 36:7–23

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Ya-Sin 36:7–23, continued

أما الأدلة الحسية فما أكثر ما يضرب الله الأمثال بإحياء الأرض بعد موتها على قدرته على إحياء الموتى؛ مثل قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ ويش قال؟ ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت ٣٩]، وقال تعالى: و﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ [ق ٩ - ١١]، والآيات في هذا كثيرة فقد برهن الله عز وجل على قدرته على إحياء الموتى بالأدلة العقلية والحسية؛ لتكون لذوي العقول دليلًا، ولذوي الأبصار والأدلة الظاهرة دليلًا أيضًا، فالإنسان العقلاني كما يقولون نستدل له أو عليه بماذا؟ بالعقل، والانسان السطحي اللي ما يستدل إلا بما يشاهد نستدل عليه بالأدلة الحسية.

* طالب: الآية اللي ذكرنا (...).

* الشيخ: ما هي ﴿إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت ٣٩]؟، طيب، أحسنت، ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا﴾ هذه في سورة فصلت، ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت ٣٩].

* طالب: (إنه لمحيي الموتى).

* الشيخ: ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾ هذه اللي نحن نقرؤها. قرأنا ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت ٣٩] هذه قرأناها، هذه في فصلت، طيب إذن قراءتنا صواب.

نقول فيه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [يس ١٢]* ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أن من لم يخشَ الله ولم يَتَّبِع الذكر فإن الله قادر على أن يحيي قلبه فيخشى الله ويتبع الذكر، وجه الدلالة أن الله تعالى ذَكَر هذا بعد أن ذكر انقسام الناس إلى مَنْ يخشى الله بالغيب ويتبع الذكر، ومن لمن يكن كذلك، فيه إشارة إلى أن الله قادر على أن يرد هؤلاء إلى الحق.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن كل شيء مكتوب للإنسان، إما له وإما عليه؛ لقوله: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾.

* ومن فوائدها: أن الله تعالى يكتب كل شيء القليل والكثير؛ لقوله: ﴿مَا قَدَّمُوا﴾، و﴿مَا﴾ اسم موصول، والاسم الموصول يشمل الصغير والكبير، ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف ٤٩]، ويدل عليه أيضًا في آخر الآية: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأعمال لا تنقطع بالموت؛ لقوله: ﴿وَآثَارَهُمْ﴾، والآثار ذكرنا أنها أنواع: علم وصدقة جارية وولد صالح يدعو له، وسُنَّة، سنة يحييها فيتبعه الناس عليها.

* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان حِكْمَة الله عز وجل في ضبط الأمور وإتقانِها وأنه لا يفوته شيء لقوله: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾.

* ومن فوائدها: أن ما يُكْتَب على الإنسان فإنه حَقٌّ بيِّن واضح لا يمتري فيه أحد؛ لقوله: ﴿مُبِينٍ﴾ والشيء المبين هو الذي يوضح الأشياء مع وضوحه في نفسه وهو كذلك؛ ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء ١٣، ١٤]

* * *

قال الله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ إلى آخره.

في هذه الآية فوائد كثيرة منها في هذه الآية وما بعدها في القصة كلها فوائد كثيرة:

* منها: بَيان ضرب الأمثال ليعتبر بها؛ لقوله: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا﴾، والخطاب كما سبق إما للرسول ﷺ أو لكل مَنْ يَتَأَتَّي خطابه.

* ومن فوائدها: أن العبرة بما فيه العبرة في ضرب الأمثال، وأنه ليس من الضروري أن يُعَيَّن المثل المضروب، فهنا قال: ﴿اضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾ ولم يُعَيِّن القرية ولم يعين أولئك الأصحاب بأعيانهم؛ لأنه ليس هذا محل عبرة، العبرة إنما هو في القصة كلها.

* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان أن الله عز وجل لن يدع الخلق بلا رسل؛ لقوله: ﴿إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنَا﴾.

* ومن فوائدها أيضًا: بيان رحمة الله عز وجل في تعزيز الرسالة بالصيغة والعدد؛ لأنه قال: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾ فهنا التعزيز بالثالث تقوية فعلية، والتأكيد بـ(إن) تقوية لفظية.

* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز تعدد الرسل مع اتحاد المرسل إليهم؛ لأن الله أرسل إلى هذه القرية اثنين ثم عززهما بثالث.

* ومن فوائدها أيضًا: أن الذين يكذبون الرسل ليس عندهم إلا المكابرة، وليس عندهم حجة عقلية أو نقلية؛ لقولهم: ﴿قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾، كل هذه الجمل الثلاث ليس فيها أي حجة تُسَوِّغ تكذيب هؤلاء الرسل؛ لأنك إذا رأيت هذه الحجج الثلاث والشُّبَه: الأولى أنهم ردوهم لأنهم بشر مثلهم، وقد سبق في التفسير بيان الرد عليها، وأنه لا يمكن أن يُرْسَل للبشر إلا بشر مثلهم، حتى لو أُنْزِل إليهم ملائكة فإن الملائكة لا بد أن يكونوا على صورة البشر وحينئذ تعود الشبهة.

والثانية: ﴿مَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ﴾ هذا نفي مجرد بدون ذكر حجة، وليس هذا بدليل للخصم إطلاقًا؛ لأن نفي قول الخصم بدون حجة ما هو إلا مكابرة، وكذلك قولهم: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾.

* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان أن المعاندين للرسل ليس عندهم إلا المكابرة المحضة كقولهم: ﴿مَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ﴾، وقولهم: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾، طيب، هل يستفاد من الآية الكريمة أن الله لا يرسل إلا بشرًا أو لا؟ ما يستفاد، لكن يستفاد أن حكمة الله عز وجل تقتضي أن يُرْسَل إلى البشر بشر مثلهم.

* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز التأكيد بما يُشْبِه القسم؛ لقولهم: ﴿قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾، وهل هذا أقوى من التأكيد بالقسم أو التأكيد بالقسم أقوى؟ الظاهر أن هذا أقوى من التوكيد بالقسم؛ لأنهم إذا قالوا: ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون وأن لم يكونوا مرسلين استلزم قولهم هذا وصف الله بالجهل والعجز والقصور؛ لأنهم إذا قالوا: ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون ولم يكونوا مرسلين معناه أن الله علم الأمر أو علم الحال على خلاف أيش؟ ما كانت عليه، إذا فرضنا أن الله يعلم أنهم مرسلون وهم غير مرسلين في الواقع، لزم من ذلك أن يكون الله جاهلًا بحالهم، وأن يكون الله تعالى عاجزًا على الانتقام منهم وبيان كذبهم؛ لأنهم سيقولون: إنا مرسلون ويأخذون بمقتضى هذه الرسالة، والله تعالى يعلم أنهم غير مرسلين، وهذا يستلزم الجهل، إذن فالتأكيد بمثل هذا أشد من التأكيد بالقسم لما يترتب عليه من اللوازم الخطيرة؛ ولهذا قال العلماء: لو قال قائل: الله يعلم أني ما فعلت كذا وهو فاعل، قالوا: إن هذا يقتضي الكفر إذا كان يعلم معنى ما يقول وما يلزم من قوله؛ ووجه ذلك ما أشرنا إليه آنفًا من كونه يستلزم أن يكون الله أيش؟ جاهلًا وعاجزًا.

* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز التأكيد بعدة مؤكدات في جانب المُنْكِر، بل قد نقول: إن التأكيد واجب إلا لفائدة؛ لقولهم هنا: ﴿قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾، وقد سبق أن الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الرسل عليهم الصلاة والسلام ليس عليهم هداية الخلق، وإنما عليهم إبلاغ الرسالة فقط؛ لقولهم: ﴿وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾.

* ومن فوائدها أيضًا: أنه يلزم الرسل أن يكون بلاغهم مُبِينًا مُظهِرًا للأمر على حقيقته، ويتفرع على ذلك أنه لا إبهام في الشرائع وأن الشرائع كلها واضحة، فإن جاء إبهام في نص فهو مُبيَّن وموضح في نص آخر، وإن بقي الإبهام قائمًا فالعلة في فَهْمِ المخاطب إما لقصوره وإما لتقصيره، أما ما جاءت به الرسل فإنه يحصل به البلاغ المُبين المُظْهِر لكل ما تحتاج إليه الرسالة؛ لقوله: ﴿وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن المكذبين للرسل الذين يكرهون ما جاؤوا به يتطيرون بهم؛ لقوله: ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾ [يس ١٨]، وهذا التطير قد يكون له أصل وقد لا يكون ليس له أصل؛ قد يكون له أصل وذلك فيما إذا عوقبوا بمخالفة الرسل فيجعلون تلك العقوبة يجعلونها من شؤم هؤلاء الرسل، كأنهم يقولون: لولا أنكم أتيتم إلينا ما حصلت لنا هذه العقوبة، وقد يكون هذا التطير لا أصل له وإنما هو دعوى مجردة من هؤلاء المكذبين، وهم قد يتطيرون بمعنى أنه يُحَدُّ من حرياتهم فيما تهواه أنفسهم فيكون هذا شؤمًا وتضييقًا؛ مثل أن الرسل عليهم الصلاة والسلام ينهونهم عن عبادة الأصنام وهم يهوون عبادة الأصنام فيجعلون هذا التضييق عليهم بزعمهم يجعلونه شؤمًا فيتطيرون بالرسل. والحاصل أن التطير بالرسل له ثلاث حالات:

تطير بِحَدِّ الشريعة من أيش؟ من أهوائهم وشهواتهم، فيقولون: هذا تضييق علينا وهو شؤم في زعمهم.

ثانيًا: تطير بما يصيبهم من أيش؟ من العقوبات بالمخالفة، فيقولون: إن هذا شؤمكم.

والثالث: دعوى مجردة لا أصل لها، فيقولون: ﴿إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾ لمجرد التشويه لما جاءت به الرسل.

* ومن فوائدها: بيان عدوان المكذبين للرسل؛ لأنهم قالوا: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، وهذا من العدوان العظيم على عباد الله، فهؤلاء القوم أعني الرسل حالهم كما قال مؤمن آل فرعون: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ [غافر ٢٨]، فهؤلاء المكذبين للرسل الذين يتهددونهم بالقتل والرجم والعذاب الأليم هؤلاء من أشد الناس عدوانًا؛ لأنهم اعتدوا على الحق وعلى حامل الحق.

* * *

قال الله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾ ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا﴾ أي: تشاءمْنا، وأصل التطير مأخوذ من الطير؛ لأن الناس يتشاءمون بالطيور أو يتفاءلون بها؛ فيرسلون الطيور، فإن اتجهت إلى اليمين أو اليسار أو الأمام أو الخلف أو عادت أو ذهبت ولم تَعُد تشاءموا أو تفاءلوا على اختلاف بينهم، فيما يكون التشاؤم أو فيما يكون التفاؤل، ثم تعدى الأمر إلى أن تكون الطِّيَرة في كل شيء؛ التشاؤم بمرئي أو مسموع أو زمان أو مكان. هذه الطيرة؛ التشاؤم بمرئي أو مسموع أو زمان أو مكان.

طيب، هؤلاء الذين قالوا للرسل: ﴿إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾ تطيروا بماذا؟ بمسموع أو مرئي أو زمان أو مكان؟ بمسموع أو مرئي تطيروا به؛ أي تشاءموا.

قال: (بكم لانقطاع المطر عنا بسببكم)، وهذا أحد الوجوه الثلاثة التي أشرنا إليها آنفًا بأنهم يتطيرون بهم بسبب العقوبة التي تَحِلُّ بهم لمخالفتهم.

وجه آخر: يتطيرون بهم بسبب الحدِّ من بلوغ مآربهم في شهواتهم، في عباداتهم، ومعاملاتهم، ومأكولهم، ومشروبهم، فيقولون: أنت ضيقت علينا مثلًا، حرمت علينا الخمر، حرمت علينا الميتة، ضيقت علينا في العبادة خصصتها بواحد، وما أشبه ذلك، هذا في زعمهم تَطَيُّر.

الوجه الثالث: تطير مدعى الذي ليس له أصل يقولون ذلك تنفيرًا للناس عن متابعتهم، وقوله: (لانقطاع المطر عنا بسببكم) يحتمل أن هذا هو السبب، ويحتمل أنه ما أحل بهم من العقوبات الأخرى التي من جملتها ما عاقب الله به آل فرعون: ﴿أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ﴾ [الأعراف ١٣٣] والسنين ونقص من الأموال والأنفس والثمرات، كم؟ تسع عقوبات، طيب، يمكن عقوبات أخرى غير هذه أيضًا.

قال: (﴿لَئِنْ لَمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ مؤلم) ﴿لَئِنْ لَمْ تَنتَهُوا﴾ عن أي شيء؟ عن دعوتنا إلى اتباعكم وترك ما كنا عليه.

وقوله: ﴿لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾ الجملة هذه جواب القسم وليست جواب الشرط؛ لأنها قُرِنَت باللام، وأُكِّدت بـنون التوكيد، وهذا يدل على أنها جواب القسم لا جواب الشرط، وإلى هذا أشار ابن مالك رحمه الله في الألفية؛ حيث قال:

وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ ∗∗∗ جَوَابَ مَا أَخَّرْتَ فَهْوَ مُلْتَزَمْ

قال: ﴿لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾ الرجم هو الرمي بالحجارة، هذا الرجم، ومنه رجم الزاني المحصن أي: رميه بالحجارة حتى يموت.

﴿وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (﴿لَيَمَسَّنَّكُمْ﴾ ليصيبنكم) ومس كل شيء بحسبه؛ فمس الإنسان للإنسان له معنى، ومس العقوبات والمصائب له معنى، فالمراد بالمس هنا الإصابة.

وقوله: ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ العذاب هو ما يحصل لهؤلاء الرسل من هؤلاء المكذبين المعتدين من الضرب وشبهه، ومنه الحبس أيضًا فإنه عذاب، و﴿أَلِيمٌ﴾ بمعنى مؤلم، فهو فعيل بمعنى مفعل ومنه قول الشاعر:

أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ ∗∗∗ يُؤَرِّقُنِي وَأَصْحَابِي هُجُوعُ

(أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ) بمعنى المسمع، لا بمعنى السامع، (يُؤَرِّقُنِي وَأَصْحَابِي هُجُوعُ)، فأليم بمعنى مؤلم، لا بمعنى آلم.

طيب قوله: ﴿وَلَيَمَسَّنَّكُمْ﴾ هل هذا على سبيل التنويع أو على سبيل الجمع؛ يعني أنهم يرجمونهم ويعذبونهم قبل الرجم، أو أنه على سبيل التنويع وأن الواو بمعنى (أو)، أي: لنرجمنكم حتى تموتوا، أو ليمسنكم منا عذاب أليم دون الرجم؟ الآية تحتمل المعنيين فإن جعلناها للجمع فإنها ليست على سبيل الترتيب؛ لأن الرجم سابق في الذكر لاحق في الواقع؛ لأن العذاب الأليم قبل الرجم؛ إذ إن الرجم لا عذاب بعده، فيكون فيها تقديم وتأخير، وأما إذا جعلنا الواو بمعنى (أو) للتقسيم فيكون المعنى أنهم توعدوهم بأحد أمرين: إما الرجم، وإما العذاب المؤلم الشديد.

﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ ﴿قَالُوا﴾ الضمير يعود على الرسل يُخَاطِبون مَن؟ يخاطبون أصحاب القرية الذي كذبوهم، ﴿طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ أي: شؤمكم ملازم لكم، وذلك بسبب كفرهم، فهم الشؤم على أنفسهم، وليس الشؤم من الرسل، بل من هؤلاء ولو شاؤوا لآمنوا فزال عنهم ما حلَّ بهم من العذاب والنقص.

(﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾ همزة استفهام دَخَلَتْ على (إن) الشرطية، وفي همزتها التحقيق والتسهيل وإدخال ألف بينهما بوجهيها -يعني التحقيق والتسهيل- وبين الأخرى) سبق مثل هذا، وأن فيها أربع قراءات:

التحقيق والتسهيل، فيقال: ﴿أَئِنْ﴾ هذا تحقيق، تسهيل: ﴿أَاِنْ﴾ ما تبين الهمزة، إدخال ألف بينهما بوجهيها: يعني: وعدم الإدخال، إدخال ألف بالتحقيق تقول: ﴿آئِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾ ، بالتسهيل: ﴿آاِنْ﴾ هذا إدخال ألف بينهما، وبين الأخرى؛ يعني: التي هي همزة إن، والقراءات كلها سَبْعِيِّة.

وقوله: ﴿أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾ وُعِظْتُمْ وخُوِّفْتُم، وجواب الشرط محذوف أي: تطيرتم وكفرتم إلى آخره.

قوله: ﴿أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾ لا شك أنها حرف شرط، والشرط يحتاج إلى فعل الشرط وإلى جواب الشرط، أما فعل الشرط فمذكور وهو قوله: ﴿ذُكِّرْتُمْ﴾، أما جوابه فمحذوف، فما تقديره؟ يقول المؤلف رحمه الله: (تطيرتم) وقال: (تطيرتم وكفرتم)، ولننظر الآن ماذا حصل من التذكير لنعرف..

ولننظر الآن ماذا حصل من التذكير لنعرف جواب الشرط؛ ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾ فالذي حصل منهم أنهم تطيروا وأنهم توعدوا بماذا؟ بالرجم والعذاب الأليم، فيكون الجواب مطابقًا للمذكور؛ أي: أئن ذُكِّرتم تطيَّرتم وتوعَّدتم بالرجم والعذاب الأليم، أما الكفر فقد سبق.

قال: (وهو محل الاستفهام والمراد به التوبيخ) (وهو) أي: جواب الشرط المحذوف محل الاستفهام، يعني هو الذي ينصب عليه الاستفهام لا التذكير؛ لأن التذكير ثابت وليس فيه إنكار، إنما الإنكار والتوبيخ بماذا؟ بالتطير بهم واعتدائهم على الرسل فهو محل الاستفهام الذي يُراد به أيش؟ التوبيخ؛ يعني: أن الرسل عليه الصلاة والسلام وَبَّخُوهُم وقالوا: أتتشاءمون وتوعَّدون لأننا ذكرناكم؟! فهذا هو محل الاستفهام، وإنما نص المؤلف على ذلك؛ لأنه قد يَظُنُّ الظان أن محل الاستفهام هي الجملة الموالية لأداة الاستفهام، وهي قوله: (إِنْ ذُكِّرْتُمْ)، والواقع أن محل الاستفهام هو جواب الشرط لا الشرط المذكور، وهو أي: الاستفهام التوبيخ.

﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ هذا إضراب انتقال ولَّا إبطال؟ هذا إضراب انتقال؛ يعني: انتقلوا من الإنكار عليهم بكونهم يكذبون الرسل ويتوعدونهم ويتطيرون بهم إلى وصفهم الحقيقي؛ وهو أنهم قوم مسرفون.

والإضراب يكون للإبطال ويكون للانتقال؛ فإذا قلت: جاء زيد بل عمرو، فهذا إضراب إبطال.

وإذ قلت: زيد في شك بل هو منكر، فهذا إبطال انتقال، ومنه قوله تعالى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل ٦٦]، ومنه هذه الآية الكريمة: ﴿أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ وقوله: ﴿مُسْرِفُونَ﴾ أي: متجاوزون للحد، ووجه التجاوز أولًا: أنهم كذبوا الرسل بلا بينة وبلا دليل؛ لأنهم اعتمدوا على أي شيء؟ على أمر ليس حجة لهم؛ ﴿قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾، وقالوا: ﴿وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ﴾، وقالوا: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾ هذا إسراف جاوز الحد.

ثانيًا: أنهم تطيروا بالرسل وحقيقة الأمر أن الرسل عليهم الصلاة والسلام محل تفاؤل؛ لأن في اتباعهم الخير؛ ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف ٩٦]، وهؤلاء تطيروا بالرسل وليسوا محلًا للتطير بهم.

ثالثًا: أنهم توعدوا الرسل بالعدوان عليهم إذا لم ينتهوا عن دعوتهم إلى الله تعالى وإبلاغهم رسالته كقوله: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. إذن وجه الإسراف من كم من وجه؟

* طالب: ثلاثة أوجه.

* الشيخ: نعم، كل هذا من الإسراف ومن العدوان، وجه ذلك أنه لا يجوز للإنسان عقلًا أن يرد شيئًا بلا بينة مع أن هؤلاء الرسل لا شك أنهم أَتَوْا بآية تدل على صدقهم، ما بعث الله رسولًا إلا أعطاه مع على مثله يُؤْمِن البشر، هذا عدوان.

العدوان الثاني تطيرهم بالرسل، والحقيقة أن التطير من أعمالهم هم؛ لأن الرسل قالوا وصدقوا فيما قالوا؛ ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ فتطيُّرهم بالرسل قلب للحقيقة؛ لأن حقيقة الأمر أن التطير من هؤلاء.

الوجه الثالث للإسراف ومجاوزة الحد أنهم أيش؟ توعَّدوا الرسل ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.

ثم قال الله تعالى: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى﴾ [يس ٢٠] هنا قال: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾، وفي أول الآية قال: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾ وهذا يدل على أن القرية تُسمى مدينة، والمدينة أيضًا تُسمَّى قرية؛ فمكة سمَّاها الله تعالى قرية وهي أم القرى ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ﴾ [محمد ١٣]، فالقرية ليست هي البلد الصغير كما يظن كثيرٌ من الناس، بل القرية تكون مدينة؛ وذلك لأن أصل القرية مأخوذة من القِرَى وهو التجمع؛ فإن الناس يجتمعون فيها، فإن كانت بلدة كبيرة سُمِّيت في عرف الناس مدينة، وإن كانت دون ذلك سميت في عرف الناس قرية، والتفريق بين القرية والمدينة ما هو إلا أيش؟ اصطلاح عرفي فقط.

(...) أي: تشاءموا بهم، وأن الرسل بيَّنوا أن الشؤم ملازم لهؤلاء ومعهم بسبب ذنوبهم، وسبق أيضًا أن الرسل أنكروا عليهم تكذيبَهم للرسل وتَوَعُّدَهم إياهم بالرجم، وسبق أنهم وصفوهم بأنهم قوم مسرفون أي: متجاوزون للحدِّ.

قال الله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾ [يس ١٨].

قوله: ﴿وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ أظن أخذنا فوائدها، وبيَّنَّا أن الرسل ليس عليهم إلا البلاغ المبين، وأنه يجب عليهم أن يبلِّغوا البلاغ البين.

قوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾ * يستفاد منها: أن هؤلاء المكذبين تشاءموا بالرسل؛ تشاءموا بهم لأن هذه دعوى باطلة يدعيها كل مكذب للرسل، ففيها أن المكذبين للرسل يدَّعون عليهم ما لم يكن منهم تشويهًا وتنفيرًا.

* ويستفاد منها أيضًا: عدوان هؤلاء المكذبين؛ حيث تَوَعَّدوا الرسل إذا لم ينتهوا عن الدعوة إلى الله بالرجم المؤدي إلى الهلاك أو بالعذاب الأليم إن لم يرجموهم، وهذا فيه غاية العدوان.

* ومن فوائدها: أن الإنسان شؤمه بعمله وليس بدعوته إلى الحق؛ لقوله: ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾.

* ومن فوائدها: أن الذنوب والتكذيب للرسل يكون سببًا للمحن والبلاء؛ لقوله: ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾، وهذا هو سنة الله عز وجل في جميع المكذبين للرسل أن الله تعالى يبتليهم بالعقوبات لعلهم يرجعون.

* ومن فوائد الآية الكريمة: الإنكار على مَنْ ذُكِّر فأعرض؛ لقوله: ﴿أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾.

* ومن فوائدها: جواز حذف ما عُلِم بالسياق ولا يُعَدُّ هذا نقصًا في الكلام وبلاغته؛ لأن جواب الشرط هنا محذوف للدلالة عليه، وربما يكون الحذف أبلغ.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء القوم كانوا مسرفين على أنفسهم متجاوزين للحد؛ لقوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾، وسبق بيان وجه إسراف هؤلاء وتجاوزهم للحد.

[[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском