Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
As-Saffat 37:139–148, continued
مثال ذلك: أراد اثنان مشتركان في قمح أن يقتسما القمح بينهما، وهما شريكان بقدر النصف، كل واحد له النصف، فقسم القمح أثلاثًا، أي جُعل ثلثان في جهة وثلث في جهة أخرى، وأرادوا القرعة أيهما يأخذ الثلثين، فالقرعة هنا حرام؛ لأن أحدهما إما غانم وإما غارم؛ إما أن يأتيه أكثر من حقه وإما أن ينقص حقه، فهذه تكون حرامًا؛ لأنها صارت ميسرًا واضحًا، لكن قسمنا القمح نصفين وأردنا أن نميز كل واحد في حقه فما هو الطريق إذا لم يتنازل أحدهما للآخر ويخيره ويقول: اختر ما شئت؟ فلا طريق لنا إلى التمييز بينهما إلا بالقرعة.
طيب هل ذكرت القرعة في القرآن في غير هذا الموضع؟ نعم في آل عمران ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران ٤٤].
* من فوائد الآية: أنه ليس للقرعة أو للمساهمة طريق معين، فيسلك فيها ما يحصل به التمييز؛ إما بكتب رقاع، أو بأحجار، أو بلفائف، خرق، أو بأي طريقة، المهم أن نميز من له الحق بأي وسيلة؛ لأن المساهمة وردت في النصوص، ولم تعين طريقًا خاصًّا لها، فأي طريق توصلنا به إليها جاز.
* من فوائد الآية الكريمة: ارتكاب أدنى الضررين لدفع أعلاهما، وجه ذلك أن هذه القرعة سيكون فيها هلاك بعض الركاب، وهو أهون من هلاك الجميع.
إذن فالواجب إذا كان لا بد من الضررين الواجب ارتكاب الأدنى؛ لأن ارتكاب الأدنى يسقط عنا ارتكاب المفسدة الزائدة، واجتناب المفسدة الزائدة واجب، لهذا نقول: يجب ارتكاب أدنى الضررين لدفع أعلاهما.
وفي هذه الآيات دليل على العمل بمثل هذه القضية، يعني لو كان ناس في مركب، وكان المركب مشحونًا، وكان لا بد من إلقاء بعض الركاب أو هلاك الجميع، فإنه يجوز أن يلقى بعض الركاب، لكن عن طريق القرعة ليبقى البقية.
فإن قال قائل: كيف يمكن كيف نلقي هذا الرجل في البحر في الهلاك، وهل هذا إلا قتل نفس؟ فما الجواب؟ يعني نأخذ الرجل نعرف أنه بيموت نأخذه ونلقيه في البحر، هل هذا إلا قتل نفس؟ ما الجواب؟
نقول: نعم هو قتل نفس لكن لإبقاء نفوس، وأيما أولى: أن يقتل الجميع أو أن ينجو البعض؟
الثاني بلا شك أولى، وهذا أمر لا بد منه؛ لأننا لو أبقينا الجميع لكنا تسببنا لهلاك الجميع، وكوننا نتسبب لهلاك البعض أهون من كوننا نتسبب لهلاك الجميع، لكن هذا بشرط ألا يكون هناك احتمال ولو ضعيفًا للنجاة. فإن كان هناك احتمال فإنه لا يجوز ارتكاب مثل هذا. طيب إذا كانت الفلك مشحونة بأمتعة وأطعمة وأغنام وآدمي، فمن نبدأ بالقائه؟ الأمتعة، الشيء الذي ليس فيه روح، فإن أمنا وإلا ألقينا الأطعمة، فإن أمنا ألقينا الحيوان، فإن أمنا وإلا أقرعنا بين البشر.
* ومن فوائد الآية الكريمة: حصول آية من آيات الله عز وجل، وذلك بتسخير هذا الحوت ليونس حتى التقمه بدون مضغ، ولا شك أن هذا من آيات الله؛ لأن مثل هذا بعيد في العادة، العادة أنه يمضغ ثم يأكل، لكن هذا التقمه جميعًا لم يكسر له عظم ولم يهشم له شيء من أضلاعه أو غيره.
* ومن فوائد الآية الكريمة: حب الإعذار من الله عز وجل، وأنه يحب الإعذار من خلقه، أي: إقامة العذر لما فعله عز وجل حتى لا ينسب فعله للظلم أو للسفه. تؤخذ من قوله: ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ يعني ليس في حال لا يلام عليها حتى يقال: إن في هذا ظلمًا له أو سفهًا في حقه، بل التقمه الحوت في حال هو مستحق فيها لذلك ولهذا قال: ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾.
* ومن فوائد الآيات: أن الأنبياء قد يأتون ما يلامون عليه، ولكن ييسر لهم الخروج من ذلك؛ لقوله: ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الطاعات السابقة تكون سببًا للنجاة من المهلكات اللاحقة؛ لقوله: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ فيكون في هذا شاهد لقول النبي ﷺ: «تَعَرَّفَ إِلَى اللهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ»[[أخرجه الترمذي (٣٣٨٢) من حديث أبي هريرة، وأحمد (٢٨٠٣) من حديث ابن عباس.]]، وهذا كما أنه مقتضى النصوص القولية فهو مقتضى النصوص الحالية، فإن أصحاب الغار الثلاثة الذي انطبق عليهم الغار[[متفق عليه؛ البخاري (٢٢٧٢)، ومسلم (٢٧٤٣ / ٩٩) من حديث ابن عمر.]] نفعهم الله بماذا؟ بما سبق من أعمالهم الصالحة، فأنت إذا عملت عملًا صالحًا فإن هذا العمل قد يكون سببًا لنجاتك من مكاره عظيمة «تَعَرَّفَ إِلَى اللهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ»، طيب وهنا قال: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لو بقي في بطنه لكان في ذلك آية من آيات الله، أن يبقى هذا الحوت من ذلك الوقت إلى يوم القيامة؛ لأن هذا ظاهر اللفظ أنه يبقى في بطنه إلى البعث.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن أفعال المخلوقات تُنسب إلى الله، لكنها تنسب إليه تقديرًا وقضاء، وتنسب إلى العامل مباشرة وكسبًا، تُؤخذ من قوله: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ﴾؛ لأنه من المعلوم أن الذي لفظه هو الحوت، ومع ذلك لا نجزم بهذا؛ لأنه ربما أن الحوت لفظه ويسر الله له من الريح ما يحمله إلى أن يصل إلى الأرض اليابسة، ويحتمل أن الحوت لفظه في الأرض اليابسة، فالله أعلم، المهم أن الله يسر له من أسباب الوصول إلى الأرض اليابسة ما أوصله إليها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان لا ينبغي له أن ييئس من الشفاء، ولو بلغ به من المرض ما بلغ؛ لقوله: ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾، إلى قوله: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات ١٤٧]، فهذا الرجل السقيم الذي بقي في بطن الحوت ما شاء الله وخرج سقيمًا عافاه الله وشفاه، فلا تيئس من رحمة الله سبحانه وتعالى بما يصيبك من المرض؛ فإن الله قد ييسر لك ما يكون سببًا لشفائك.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات تأثير الأسباب؛ لقوله: ﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾ [الصافات ١٤٦]؛ لأن هذه الشجرة تظله وتبرد عليه، وهي كما أسلفنا لينة الملمس، ويقال: إن الذباب لا يقع عليها، والله قادر على أن يظله بغمامة مثلًا، وقادر على أن يبقيه في الشمس في العراء ولا يتأثر، لكن الله عز وجل يبين لعباده أن الأشياء تكون بأسبابها، ومر علينا أمس في أصول الفقه بيان أن الأسباب مؤثرة لكن لا بنفسها ولكن بما أودع الله فيها من أسباب التأثير.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى يرسل الرسل السابقين إلى قوم مخصوصين؛ لقوله: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ واستدل بهذه الآية بعض المتأخرين على إثبات الإحصاء السكاني؛ لأنه قال: ﴿إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ فأحصاهم عددًا، مع أنه لو قال: أرسلناه إلى قومه كفى، لكن عدهم عدًّا، ولا نعلم لهذا فائدة إلا الإحصاء. ولا شك أن الإحصاء إذا كان فيه فائدة فإنه داخل في عمومات النصوص الدالة على وجود ما فيه فائدة، أما إذا لم يكن فيه فائدة وإنما يكون تطويلًا للمدة، وإضاعة للوقت، وإتلافًا للمال بما ينفق عليه فإنه كغيره مما لا فائدة منه لا يكون مطلوبًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى أنجى قوم يونس بعد أن عاينوا العذاب؛ لقوله: ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾.
فإذا قال قائل: ما هي الحكمة في أن الله يخص قوم يونس بذلك؛ بأن تقبل منهم التوبة بعد نزول العذاب، فالجواب أن الحكمة من هذا أن نبيهم لم يصبر حتى تتم إقامة الحجة عليهم، بل خرج منهم مغاضبًا قبل أن يؤذَن له، فلم تتم إقامة الحجة، فكان لهم شبه عذر في تأخير العذاب عنهم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان وإن نجا من الأسباب المهلكات فلن ينجو من الموت، بل لا بد منه؛ طال الزمن أم قصر؛ لقوله: ﴿فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾.
* ومن فوائدها: أن الإيمان سبب لطول الحياة؛ لقوله: ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ﴾، ولا شك أن الإيمان سبب لطول الحياة؛ لأن نوحًا قال لقومه: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [نوح ٤] فبين لهم أنه إذا حصل منهم الإيمان والتوبة غفر الله لهم، وأخرهم إلى أجل مسمى، وإن لم يفعلوا أهلكهم الله.
* ومن فوائد الآيات كلها: إثبات عظمة الله سبحانه وتعالى؛ لكونه يضيف الأفعال إلى نفسه، بماذا؟ بضمير الجمع. ومن المعلوم أن الله واحد. وقد اشتبه هذا على النصارى عليهم لعنة الله، اشتبه عليهم فقالوا بتعدد الآلهة لجمع الضمير الذي يضاف إلى الله عز وجل، وهذا من اتباع المتشابه، فإنهم اتبعوا هذا المتشابه وأعرضوا عن الصريح في قوله: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة ١٦٣] .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences