Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
As-Saffat 37:149–163
37:149–163Page 451
فَٱسۡتَفۡتِهِمۡ أَلِرَبِّكَ ٱلۡبَنَاتُ وَلَهُمُ ٱلۡبَنُونَ ١٤٩
So inquire of them, [O Muḥammad], "Does your Lord have daughters while they have sons?1
أَمۡ خَلَقۡنَا ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ إِنَٰثٗا وَهُمۡ شَٰهِدُونَ ١٥٠
Or did We create the angels as females while they were witnesses?"
أَلَآ إِنَّهُم مِّنۡ إِفۡكِهِمۡ لَيَقُولُونَ ١٥١
Unquestionably, it is out of their [invented] falsehood that they say,
وَلَدَ ٱللَّهُ وَإِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ١٥٢
"Allāh has begotten," and indeed, they are liars.
أَصۡطَفَى ٱلۡبَنَاتِ عَلَى ٱلۡبَنِينَ ١٥٣
Has He chosen daughters over sons?
مَا لَكُمۡ كَيۡفَ تَحۡكُمُونَ ١٥٤
What is [wrong] with you? How do you make judgement?
أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ١٥٥
Then will you not be reminded?
أَمۡ لَكُمۡ سُلۡطَٰنٞ مُّبِينٞ ١٥٦
Or do you have a clear authority?1
فَأۡتُواْ بِكِتَٰبِكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ١٥٧
Then produce your scripture, if you should be truthful.
وَجَعَلُواْ بَيۡنَهُۥ وَبَيۡنَ ٱلۡجِنَّةِ نَسَبٗاۚ وَلَقَدۡ عَلِمَتِ ٱلۡجِنَّةُ إِنَّهُمۡ لَمُحۡضَرُونَ ١٥٨
And they have made [i.e., claimed] between Him and the jinn a lineage, but the jinn have already known that they [who made such claims] will be brought [to punishment].
سُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ١٥٩
Exalted is Allāh above what they describe,
إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلۡمُخۡلَصِينَ ١٦٠
Except the chosen servants of Allāh [who do not share in that sin].
فَإِنَّكُمۡ وَمَا تَعۡبُدُونَ ١٦١
So indeed, you [disbelievers] and whatever you worship,
مَآ أَنتُمۡ عَلَيۡهِ بِفَٰتِنِينَ ١٦٢
You cannot tempt [anyone] away from Him
إِلَّا مَنۡ هُوَ صَالِ ٱلۡجَحِيمِ ١٦٣
Except he who is to [enter and] burn in the Hellfire.1
الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (١٤٩) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ (١٥٠) أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٥٢) أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤) أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٥٥) أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ (١٥٦) فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٥٧) وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٥٨) سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٥٩) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الصافات ١٤٩ - ١٦٠].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾ الأمر في قوله: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾ يعود إلى رسول الله ﷺ، والهاء في قوله: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾ يعود إلى المشركين الذين جعلوا لله البنات ولهم البنون.
وقوله: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾ أي: اطلب منهم أن يفتوك، والفتوى في الأصل بيان الحكم الشرعي. وتوجيه الاستفتاء إليهم من باب التهكم بهم، كأنهم نصبوا أنفسهم حكمًا يحكمون بما يشاؤون، وهذا كقوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان ٤٩] على أحد القولين في تفسيرها، وإلا فإن هؤلاء ليسوا أهلًا للاستفتاء، فضلًا عن أن يستفتوا في هذا الأمر العظيم، لكن هذا من باب التهكم.
ثم بين المستفتى عنه فقال: ﴿أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾، والاستفهام هنا للتوبيخ، يعني يوبخهم على هذا الحكم المعلوم من قبل؛ لأنهم جعلوا لله البنات وجعلوا لهم البنين.
ولهذا يقول: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾ (استخبر كفار مكة توبيخًا لهم) هذا يعود على الاستفهام، وأما التهكم فتوجيه الاستفتاء إليهم، قال: ﴿أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ﴾ (بزعمهم أن الملائكة بنات الله ﴿وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾ فيختصون بالأسنى) أي بالأشرف، يعني هل هذا حكم صحيح عادل أو حكم باطل جائر، والجواب معلوم لكل أحد أن هذا حكم باطل جائر، ولهذا قال الله تعالى في سورة النجم: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ [النجم ٢١، ٢٢] أي جائرة، وقوله: ﴿وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾ ليست الجملة حالية، بل هي معطوفة على الجملة التي قبلها، فهي داخلة في ضمن الاستفهام، يعني كيف يكون لله البنات ولهم البنون، فإن هذا حكم جائر، ولهذا قال: ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ﴾ (أم) هنا منقطعة، و(أم) المنقطعة هي التي تكون للإضراب، ولهذا تقدر بـ(بل) والهمزة، فمثلًا ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ﴾ تقدير الكلام: بل أخلقنا الملائكة إناثًا، و(أم) تكون متصلة، وتكون منقطعة، فإذا حل محلها (بل) وهمزة الاستفهام فهي منقطعة، وإذا كانت بمعنى (أو) فهي متصلة، تقول: أعندك زيد أم عمرو؟ يعني أو عمرو.
﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [المنافقون ٦] يعني: أو لم تستغفر لهم متصلة، والمتصلة تأتي بعد همزة التسوية غالبًا: ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا﴾، قوله: ﴿خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا﴾ أي: جعلناهم إناثًا، وعلى هذا فتكون إناثًا مفعولًا ثانيًا لـ(خلقنا)، ويجوز أن نجعل الخلق على أصله، يعني: أم صيرنا الملائكة إناثًا، ويجوز أن نجعل (خلقنا) على بابها، وتكون (إناثًا) منصوبة على الحال، يعني: أم خلقنا الملائكة حال كونها إناثًا، والجواب: نعم ولَّا لا؟ لا، ما خلق الله الملائكة إناثًا، بل ولا ذكورًا، ولهذا لا نصف الملائكة بالأنوثة، ولا بالذكورة؛ لأن الملائكة لا يتوالدون ولا يأكلون ولا يشربون، لكن هم قالوا: إن الملائكة بنات الله، فجعلوا الملائكة إناثًا.
﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ﴾ (خلقنا فيقولون ذلك)، الجملة في قوله: ﴿وَهُمْ شَاهِدُونَ﴾ في موضع نصب على الحال، يعني هل خلقنا الملائكة إناثًا حال كون هؤلاء شاهدين على خلقنا إياهم إناثًا، والجواب: لا، فما خلق الله الملائكة إناثًا ولا شهدوا خلقهم، وهذا كقوله في الآية الثانية: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف ١٩]، والحاصل أن الله سبحانه وتعالى بين لهؤلاء حالين:
الحالة الأولى: الحكم الجائر الذي حكموا به بينهم، وبين الله حيث جعلوا لله الملائكة وجعلوا لأنفسهم البنين، وهذا جور كما تدل عليه آية النجم.
الحال الثانية: جعلهم الملائكة إناثًا، سواء جعلوا لأنفسهم البنين أم لم يجعلوا، هذا أيضًا كذب وافتراء؛ لأنهم لم يشهدوا خلقهم حتى يحكموا عليهم بأنهم إناث، ولهذا قال: ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ﴾. ومن الملائكة؟
الملائكة عالم غيبي غائبون عنا ما نشاهدهم، إلا أن يرينا الله إياهم على سبيل الكرامة، أو على سبيل الآية، وإلا فهم عالم غيبي؛ لأنه ما من إنسان إلا ولديه ملكان عن اليمين وعن الشمال قعيد، وملائكة يحفظونه من بين يديه، يحفظونه من أمر الله ومن خلفه، ونحن لا نشاهدهم، وملائكة يحضرون مجالس الذكر ولا نشاهدهم؛ لأنهم عالم غيبي، الملائكة خلقوا من نور[[أخرجه مسلم (١٨٢٧ / ١٨) من حديث عبد الله بن عمرو.]] كما ثبت ذلك عن رسول الله ﷺ، وخلقوا صمدًا، يعني لا يأكلون ولا يشربون؛ لأنهم يسبحون الليل والنهار لا يفترون.
الملائكة منهم من علمنا بأعيانهم، ومنهم من لم نعلم، فممن علمنا بأعيانهم جبريل وميكائيل وإسرافيل الذين كانوا يسميهم النبي ﷺ في افتتاح صلاة الليل فيقول: «اللَّهُمَّ رَبَّ جَبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ، إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ»[[أخرجه مسلم (٧٧٠ / ٢٠٠) من حديث عائشة.]].
* * *
* طالب: (...) ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات ١٨٢].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات ١٧١] (...).ميكائيل بما فيه حياة الأرض، وهو المطر والنبات، وإسرافيل بما فيه حياة الأجساد عند نفخ الصور، فإنه قد التقم الصور ينتظر متى يُؤمَر، المهم أنه يجب علينا أن نؤمن بالملائكة إجمالًا فيما لم نعلم اسمه، وتعيينًا فيما علمنا اسمه، ونؤمن أيضًا بما نعلم من أوصافهم؛ كجبريل مثلًا له ست مئة جناح قد سد الأفق[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٣٢)، ومسلم (١٧٤ / ٢٨٠) من حديث ابن مسعود.]]، وبما نعلم من أحوالهم وعباداتهم؛ لأن هذا من أصول الإيمان التي بينها الرسول ﷺ لجبريل حين سأله عن الإيمان، فقال: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة.]]، وعلينا أيضا أن نحب هؤلاء الملائكة وأن نجلهم ونعظمهم؛ لأنهم عباد لله ﴿عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء ٢٦] منقادون لأمر الله فنحبهم لله عز وجل.
وعلينا أيضًا أن نكرمهم، فنبغض من عاداهم كاليهود مثلًا الذين عادوا جبريل، ونبغض أيضًا كل من سبهم أو تعرض لأذاهم؛ لأنهم من أشرف عباد الله. وقد اختلف العلماء هل هم أفضل أو صالح البشر أفضل، والخلاف في هذا معروف مشهور، وأكثره خلاف جدلي؛ لأن المقام والمرتبة عند الله عز وجل تدل على أن البشر أفضل، فإن البشر يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ [الرعد ٢٣، ٢٤]. ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله: البشر أفضل باعتبار النهاية، والملائكة أفضل باعتبار البداية؛ لأن البشر خُلقوا من طين، والملائكة خلقوا من نور، والنور أشرف من الطين.
ثم قال: ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ﴾ قال الله تعالى مبينًا حكمهم الباطل الذي قد علم مسبقًا قبل أن يستفتوا، قال: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ [الصافات ١٥١].
باعتبار النهاية، والملائكة أفضل باعتبار البداية؛ لأن البشر خُلقوا من طين، والملائكة خُلقوا من نور، والنور أشرف من الطين.
ثم قال: ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ﴾ [الصافات ١٥٠]، قال الله تعالى مُبيِّنًا حكمهم الباطل الذي قد عُلِم مسبقًا قبل أن يستفتوا قال: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ﴾ أعوذ بالله ﴿أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ﴾ هذه الجملة كما تشاهدون مؤكدة بثلاثة مؤكدات: (ألا)، و(إن)، و(اللام) كذا؟ ألا، ويش بعد؟
* طالب: و(إن).
* الشيخ: و(إن).
* طلبة: و(اللام).
* الشيخ: و(اللام)، أما (ألا) فإنها تأتي -بلا شك- للتوكيد، كما تأتي كذلك للتنبيه والاستفتاح؛ ولهذا يُقال: (ألا) أداة استفتاح، يُراد بها التنبيه والتوكيد والتحقيق؛ أي: تحقق ما بعدها.
﴿أَلَا إِنَّهُمْ﴾ أي: هؤلاء الذين جعلوا الملائكة إناثًا، وهؤلاء الذين جعلوا لله البنات ولهم ما يشتهون ﴿إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ﴾ أي: من (كذبهم) ﴿لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ﴾ [الصافات ١٥١، ١٥٢]، وهنا قدم السبب على المسبَّب؛ السبب هو الإفك، والمسبَّب القول، قدم الإفك على القول لأهميته، ومن أجل أن يتبين للإنسان بطلانه من قبل أن يُؤتَى به، وإلا فمقتضى السياق أن يُقال: (ألا إنهم ليقولون ولد الله)؛ لأن ﴿لَيَقُولُونَ﴾ خبر (إن)، وكان مقتضى السياق أن تباشر الاسم لكن أُخِّرت لبيان أن هذا القول باطل حتى يرد على الذهن وقد علم بطلانه.
و﴿مِنْ﴾ هنا للسببية؛ أي: على أنهم بسبب إفكهم، ويجوز أن تكون للتبعيض؛ يعني على أنهم ليقولون هذا القول المأفوك من جملة إفكهم؛ لأن إفكهم كثير، فهم جعلوا لله ولدًا، وجعلوا لله شريكًا، وجعلوا لله زوجة، كل هذا من الإفك، فالحاصل أن ﴿مِنْ﴾ يجوز أن تكون للتبعيض، ويجوز أن تكون سببية.
وقوله: ﴿مِنْ إِفْكِهِمْ﴾ أي من (كذبهم)؛ لأن الإفك هو الكذب كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ [النور ١١] أي: بالكذب.
﴿لَيَقُولُونَ﴾ الجملة خبر (إن)، ومقول القول: ﴿وَلَدَ اللَّهُ﴾ [الصافات ١٥٢]، وعلى هذا فنقول: إن ﴿وَلَدَ اللَّهُ﴾ في محل نصب مقول القول: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ﴾، كيف قالوا: ولد الله؟ يعني بأي صيغة؟ قال المؤلف: (بقولهم الملائكة بنات الله)، ومعلوم أن البنت من الولد، فإن الولد في اللغة العربية يُطلق على البنت والابن، قال الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء ١١].
(﴿أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ﴾ [الصافات ١٥١، ١٥٢] بقولهم: الملائكة بنات الله ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ ) الجملة مؤكدة بمؤكدين، والمراد بها إبطال هذا القول، فيكون الله أبطل هذا القول قبل مقوله، أو قبل التحدث عن مقوله وبعده، أبطله قبل التحدث عن مقوله في قوله: ﴿مِنْ إِفْكِهِمْ﴾، وبعده بقوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ ونحن نشهد أنهم كاذبون في هذا، فإن الله تعالى واحد أحد صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد.
وقد برهن الله عز وجل على بطلان هذا في سورة الأنعام، فقال الله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (١٠٠) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام ١٠٠، ١٠١] فقال: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ كيف يكون له ولد وليس له صاحبة؟ يعني زوجة، هذا مستحيل! والثانية: خلق كل شيء، والخالق لكل شيء لا يمكن أن يكون له ولد؛ لأن الولد جزء من الوالد، وإذا كان جزءًا منه لم يكن شيئًا مخلوقًا؛ لأن جزء الخالق يكون خالِقًا مثله، قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ [الزخرف ١٥]، ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام ١٠١]، وقد أعلمنا أنه ليس له ولد، فكيف يكون خبرهم غير مطابق للواقع، فبرهن الله على امتناع الولد من وجوه ثلاثة: امتناع الصاحبة، وأنه خلق كل شيء، والثالث: أنه بكل شيء عليم، وعلمه بكل شيء وقد أخبرنا بأنه لم يلد يقتضي أنه لم يلد كذلك حقًّا؛ لأن هذا الخبر لا بد أن يكون مطابقًا لعلمه.
قال: (﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الصافات ١٥٢] فيه) أي في قولهم: (ولد الله).
ثم قال: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ [الصافات ١٥٣] ﴿أَصْطَفَى﴾ أصلها (اصتفى)، وهي مأخوذة من (الصفوة)، وصفوة الشيء خياره، وعلى هذا فيكون معنى ﴿أَصْطَفَى﴾ اختار، وهنا قال: ﴿أَصْطَفَى﴾، والمعروف أن همزة اصطفى همزة وصل، لا همزة قطع، فلماذا كانت هنا همزة قطع؟
استمع إلى كلام المؤلف قال: (بفتح الهمزة للاستفهام) الهمزة هنا ليست همزة الوصل التي يُؤتى بها للتوصل إلى النطق بالساكن؛ ولهذا لا يكون ما بعدها إلا ساكنًا، فالهمزة هنا ليست همزة وصل، ولكنها همزة استفهام، (فاستغني بها) أي بهمزة الاستفهام (عن همزة الوصل)، كيف استغني بها عن همزة الوصل؟ لأنها أي همزة الاستفهام مفتوحة فيسهل النطق بالساكن بعدها، وأصل همزة الوصل جيء بها من أجل التوصل إلى النطق بالساكن، وإذا كان لدينا همزة قطع فإننا نستغني بها عن همزة الوصل مع أنه يجوز وجه آخر في غير هذه الآية (آصطفى البنات) فتُقلب همزة الوصل إلى مد، ومنه قوله تعالى: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل ٥٩] ﴿آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس ٥٩].
(واستغني بها عن همزة الوصل فحُذفت) همزة الوصل قال: (أي اختار) هذا تفسير الفعل (اصطفى)؛ يعني هل يختار الله عز وجل البنات على البنين؟ يعني لو فُرِض فرضًا ممتنعًا غاية الامتناع أن الله يتخذ ولدًا هل يصطفى البنات على البنين؟ لا؛ لأن البنين أشرف من البنات، ولا يمكن أن يختار الله البنات على البنين، لو فُرض الفرض الممتنع المقطوع بامتناعه أن الله يختار ولدًا ما اختار البنات على البنين، كما أنكم أنتم لم تختاروا البنات على البنين، جعلتم البنين لكم ولله البنات؛ ولهذا قال: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ [الصافات ١٥٣] الجواب أيش؟ لا يمكن.
﴿مَا لَكُمْ﴾ أنا أريد من الأخ أن يعرب ﴿مَا لَكُمْ﴾؟
* طالب: ﴿مَا لَكُمْ﴾ ﴿مَا﴾ استفهامية مبتدأ، و﴿لَكُمْ﴾ خبر.
* الشيخ: تمام ﴿مَا﴾ لا تظنوا أنها نافية، بل هي استفهامية كما قال الأخ مبتدأ، والجار والمجرور ﴿لَكُمْ﴾ خبر؛ يعني أي شيء لكم حتى تحكموا هذا الحكم فتقولوا: إن لله البنات، وهم الملائكة؟! وهذا الاستفهام للتوبيخ والإنكار كالذي بعده كيف تحكمون هذا الحكم الفاسد؟
وهذا الحكم كما قال المؤلف: (فاسد)، وأيضًا حُكم جائر ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ [النجم ٢٢] فهو حكم فاسد جائر.
ثم قال: ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الصافات ١٥٥] الاستفهام هنا أيضًا للتوبيخ، كل الاستفهامات هنا كلها تفيد التوبيخ والتقريع مع فائدة أخرى إذا دل المقام عليها.
﴿﴿أَفَلَا تَذَّكَّرُونَ﴾ ﴾ [الصافات: ١٥٥] قال: (بإدغام التاء في الذال) أصلها (تتذكرون) فأُدغمت التاء بالذال فصارت ﴿﴿تَذَّكَّرُونَ﴾ ﴾.
فيها قراءة ﴿تَذَكَّرُونَ﴾ كذا؟ قراءة السبعية وهي الموجود عندنا في المصحف ﴿تَذَكَّرُونَ﴾.
مر علينا أنه إذا جاءت قراءتان في آية فإن الأفضل أن تقرأ بهذه مرة وبهذه مرة؛ لتحافظ على ما جاء في القرآن الكريم؛ لأن الكل من عند الله إلا أننا قلنا: إن هذا لا ينبغي عند العامة؛ لأنه يحصل به فتنة، العامي لا يدري، وربما يكون عاميًّا عاطفيًّا غيورًا، فإذا قلت مثلًا عنده: ﴿﴿أَفَلَا تَذَّكَّرُونَ﴾ ﴾ قال لك: ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الصافات ١٥٥]، فإذا عدت وقلت: ﴿﴿أَفَلَا تَذَّكَّرُونَ﴾ ﴾ فقال: ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾، فإذا عدت فقلت: ﴿﴿أَفَلَا تَذَّكَّرُونَ﴾ ﴾ يمكن يأخذ أكبر ما عنده ويضربك؛ لأنه يرى أنك الآن مُحرِّف للقرآن.
على كُلٍّ طالب العلم الذي يعلم أن هذه قراءة سبعية ينبغي له أن يقرأ بها مرة وبما في المصحف مرة أخرى حتى يأتي بالقرآن على الوجوه التي نزل بها.
قال: ﴿﴿أَفَلَا تَذَّكَّرُونَ﴾ ﴾ [الصافات: ١٥٥] معنى ﴿﴿تَذَّكَّرُونَ﴾ ﴾ التذكر أي الاتعاظ؛ يعني أفلا تتعظون فتدركوا أن ما حكمتم به حكم جائر غير مقبول منكم؟
قال: ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (أنه سبحانه مُنَزَّه عن الولد) نعم، فالله سبحانه وتعالى مُنزَّه عن الولد؛ بدليل العقل ودليل النقل؛ أما دليل النقل، فما أكثر الآيات التي يُنكر الله فيها أنه اتخذ ولدًا، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص ١ - ٤].
أما الدليل العقلي: فنقول: لو كان لله ولد لكان جزءًا منه، وكان مستحقًّا للعبادة كما استحق ذلك والده.
ثانيًا: أن نقول: لو اتخذ الله ولدًا لكان هذا الولد حادثًا، والحدوث يمتنع أن يكون جزءًا من الله؛ لأن الله لم يزل، ولا يزال موجودًا بذاته سبحانه وتعالى، فإذا قُدِّر أنه اتخذ ولدًا صار هذا الولد حادثًا، فكيف يكون حادثًا وهو جزء من الله؛ لأن الولد جزء من الوالد كما قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾ [الزخرف ١٥]، وكما قال النبي ﷺ: «إِنَّ فَاطِمَةَ بَضْعَةٌ مِنِّي»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٧١٤)، ومسلم (٢٤٤٩ / ٩٤) من حديث المسور بن مخرمة.]].
ويمتنع أيضًا أن يتخذ الله ولدًا؛ لأن الولد لا بد أن يكون مشبهًا لأبيه. هذا الوجه الثالث؛ أن يكون مشبهًا لأبيه، والله سبحانه ليس له شبيه، لا يُماثِله أحد.
رابعًا: الولد إنما يتخذه من يحتاج إليه لبقاء النوع، والله سبحانه وتعالى غير محتاج لأحد؛ ولهذا إذا كان الإنسان عقيمًا انقطع أثره من الدنيا، لكن إذا كان ولودًا وتوالد له ولد بعد ولد بقي أثره في الدنيا؛ ولهذا كان التوالد بين البشر هو السبب الوحيد لبقاء النوع الإنساني، فهذه وجوه أربعة عقلية تدل على امتناع الولد على الله سبحانه وتعالى.
قال: ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ﴾ [الصافات ١٥٦] هذا أيضًا إضراب انتقالي، بل ألكم، والإضراب هنا الانتقالي، انتقل الله عز وجل من توبيخهم على ما حكموا به من الولد لله سبحانه وتعالى إلى طلب الحجة فقال: بل لكم سلطان مبين، والمراد بالسلطان هنا ما تكون به السلطة، والسلطة في كل موضع بحسبه، ففي باب الولايات تكون السلطة بماذا؟ بالإمارة، الأمير سلطان، في باب الأعمال، تكون السلطة بالقوة؛ فالقوي القادر له سلطة على العمل، في باب المحاجَّة، وطلب الدليل تكون السلطة بماذا؟ بالدليل فهنا ﴿سُلْطَانٌ مُبِينٌ﴾ [الصافات ١٥٦] أي: دليل، يعني هل لكم دليل؟ لأن الدليل تكون به السلطة للمحاج؛ يعني إذا حاجك إنسان وصار معه دليل؛ صار له سلطان عليك؛ أي سلطة، ولهذا قال: ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ﴾، وكلمة ﴿مُبِينٌ﴾ هنا يحتمل أن تكون من (أبان) اللازم، ومن (أبان) المتعدي، كذا؟ لأن (أبان) الرباعي يكون لازمًا، ويكون متعديًا، فإذا قلت: أبان الصبح. فهو لازم ولا متعدٍّ؟
* طلبة: لازم.
* الشيخ: لازم، وإذا قلت: أبانَ فلانٌ الحق؟ هذا متعدٍّ، كلمة (مبين) هنا هل هي لازم؛ أي أن المعنى: أم لكم سلطان بَيِّن، أم متعدٍّ أي: ألكم سلطان يبين ما تقولون أو يبين الحجة لكم؟ نعم، المتعدي هنا أحسن ليش؟ لأن المتعدي متضمن للازم؛ لأن ما أبان غيره فهو بَيِّن في نفسه.
﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ﴾ [الصافات ١٥٦] قال المؤلف: (حُجَّة واضحة أن لله ولدًا) وصنيع المؤلف في قوله: (واضحة) يدل على أنه جعل ﴿مُبِينٌ﴾ من اللازم أي: بَيِّن، ولكن الأرجح أنه من (أبان) المتعدي؛ أي: مُبَيِّن؛ وذلك لأننا إذا جعلناه من المتعدي لزم منه وجود (...)؛ يعني اللازم بخلاف العكس.
* طالب: (...).
* الشيخ: و(بان) لازم، و(أبان) لازم، كلاهما لازم (...).
* الطالب: ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ (١٥٦) فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٥٧) وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٥٨) سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٥٩) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٠) فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات ١٥٦ - ١٦٣].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾ [الصافات ١٤٩] ما معنى قوله: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾؟
* طالب: (...).
* الشيخ: يعني اسألهم.
ما الذي يفيده التعبير بالاستفتاء عندك؟
* طالب: التهكم بهم.
* الشيخ: يفيد التهكم بهم، كأنه جعلهم حَكَمًا في هذا.
قوله: ﴿أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾ [الصافات ١٤٩] الاستفهام هنا يُراد به؟
* طالب: التوبيخ.
* الشيخ: التوبيخ. كيف قوله: ﴿أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾ [الصافات ١٤٩] اشرح هذا؟
* طالب: هم يزعمون أن الملائكة بنات الله، فتوبيخًا لهم كان هذا الاستفهام.
* الشيخ: ويجعلون لأنفسهم البنين. ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [النحل ٥٨]، ويرضى هذا الشيء لله عز وجل.
قوله: ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ﴾ [الصافات ١٥٠] ﴿أَمْ﴾ هنا متصلة أم منقطعة؟
* طالب: منقطعة.
* الشيخ: منقطعة. ما هي علامة أم المنقطعة؟
* الطالب: أنها بمعنى بل والهمزة.
* الشيخ: نعم، بمعنى بل والهمزة، وأما المتصلة فهي بمعنى؟
* طالب: (أو).
* الشيخ: بمعنى (أو).
قوله: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ [الصافات ١٥١] هذه الجملة مؤكدة بعدة مؤكدات؟
* الطالب: ﴿أَلَا﴾ أداة الاستفتاح، ونون التوكيد.
* الشيخ: ما هي نون توكيد!!
* الطالب: ﴿إِنَّهُمْ﴾.
* الشيخ: إي، ما هي نون التوكيد!!
* الطالب: هي ﴿إِنَّهُمْ﴾.
* الشيخ: إي، بس ما هي نون التوكيد، ما تسمى نون التوكيد، نون التوكيد اللي تأتي بالفعل مثل..
* الطالب: المؤكدة.
* الشيخ: (إن) المؤكدة.
* الطالب: (إن) المؤكدة واللام ﴿لَيَقُولُونَ﴾.
* الشيخ: نعم، وقوله: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ﴾ [الصافات ١٥١] ﴿مِنْ﴾ هنا أيش معناها؟
* الطالب: للتبعيض.
* الشيخ: للتبعيض، ولا تحتمل معنى ثانيًا؟
* الطالب: لا تحتمل.
* الشيخ: لا تحتمل.
* طالب: تكون سببية.
* الشيخ: كيف سببية؟
* الطالب: سبب (...).
* الشيخ: لا.
* طالب: إما أنها سببية (...).
* الشيخ: ما قلنا بيانية؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: الإفك معناه؟
* الطالب: الكذب.
* الشيخ: الكذب، أين مقول القول في قوله: ﴿لَيَقُولُونَ﴾؟ ما هو كل قول له مقول، أنت إذا قلت: قلت، لا بد ويش قلت؟ فلكل قول مقول؟
* طالب: ﴿وَلَدَ اللَّهُ﴾ [الصافات ١٥٢].
* الشيخ: جملة ﴿وَلَدَ اللَّهُ﴾.
قوله: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ﴾ [الصافات ١٥٣] الهمزة هنا لماذا قُطِعت وهي مع اصطفى همزة وصل؟
* الطالب: هنا همزة استفهام.
* الشيخ: وليست همزة الوصل؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: أين همزة الوصل؟
* الطالب: حُذفت.
* الشيخ: حُذفت استغناء عنها بهمزة الاستفهام.
ومعنى اصطفى؟
* الطالب: اختار.
* الشيخ: والاستفهام هنا بمعنى؟
* الطالب: التوبيخ.
* الشيخ: التوبيخ والنفي؛ يوبخهم، وينفي أن يكون اصطفى البنات على البنين.
قوله: ﴿مَا لَكُمْ﴾ الاستفهام هنا؟
* الطالب: الاستفهام ها هنا للتوبيخ كذلك.
* الشيخ: للتوبيخ كذلك أحسنت، و﴿كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾؟
* الطالب: للتعجب والتوبيخ.
* الشيخ: وللتوبيخ أيضًا.
أين خبر المبتدأ في قوله: ﴿مَا لَكُمْ﴾؟
* الطالب: ﴿لَكُمْ﴾.
* الشيخ: ﴿لَكُمْ﴾ الجار والمجرور.
* الطالب: متعلق بمحذوف وهو الخبر.
* الشيخ: وهو الخبر، تمام.
قوله: ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ فيها أكثر من قراءة؟
* طالب: ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾.
* الشيخ: ﴿تَذَكَّرُونَ﴾ هذه واحدة.
* الطالب: (تذكُرون).
* الشيخ: ثنتين.
* الطالب: (تتذكرون).
* الشيخ: (تتذكرون) ثلاثة، خطأ في اثنين.
كم القراءات؟
* طالب: القراءة اللي في المصحف: ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الصافات ١٥٥]، والقراءة الأخرى ﴿﴿أَفَلَا تَذَّكَّرُونَ﴾ ﴾ قراءتان.
* الشيخ: ﴿﴿تَذَّكَّرُونَ﴾ ﴾ و﴿تَذَكَّرُونَ﴾. ﴿﴿تَذَّكَّرُونَ﴾ ﴾ ما وجهها؟
* الطالب: معناها يعني؟
* الشيخ: لا، وجهها ما هو معناها؟
* الطالب: ﴿﴿أَفَلَا تَذَّكَّرُونَ﴾ ﴾ المقصود بها..
* الشيخ: لا، لماذا كانت ﴿﴿تَذَّكَّرُونَ﴾ ﴾؟
* طالب: المصدر (تتذكرون) فأدغمت التاء بالتاء.
* الشيخ: ما هي تاء بتاء، ﴿﴿تَذَّكَّرُونَ﴾ ﴾ وين التاء الثانية؟
* الطالب: أصلها (تتذكرون).
* الشيخ: أصلها (تتذكرون) فأدغمت؟
* الطالب: التاء بالتاء.
* الشيخ: وين التاء بالتاء؟
* طالب: التاء بالذال.
* الشيخ: التاء بالذال ﴿﴿تَذَّكَّرُونَ﴾ ﴾ التاء بالذال.
قوله تعالى: ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ﴾ [الصافات ١٥٦] ﴿أَمْ﴾ هنا منقطعة أم متصلة؟
* طالب: ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ﴾ إضراب..
* الشيخ: قصدي هل هي متصلة أم منقطعة؟
* الطالب: منقطعة.
* الشيخ: منقطعة، ويش علامة المنقطعة؟ ذكرها أحمد قبل قليل جارك بالضبط ليس بينك وبينه أحد.
* الطالب: نسيت؟
* الشيخ: نسيت بها السرعة دي؟! معناه أن درس أمس وقبل أمس فوقه طبقات، لا حول ولا قوة إلا بالله!
* طالب: علامة المنقطعة أن تكون بمعنى بل والهمزة.
* الشيخ: ولا يذكر معها معادل، أن تكون بمعنى بل والهمزة، ولا يذكر معها معادل.
والمتصلة؟
* الطالب: بمعنى (أو).
* الشيخ: ويذكر معها المعادل، معلوم؟ المنقطعة: بمعنى بل والهمزة، ولا معادل معها، ما يذكر معها المعادل، والمتصلة: بمعنى (أو)، ويذكر معها معادل.
أيهما أولى أن نجعل ﴿مُبِينٌ﴾ هنا بمعنى (بَيِّن)، أو بمعنى (مُظهِر) مبين للشيء؟
* طالب: يعني متعدٍّ أو لازم؟
* الشيخ: أي هذا اللي قلت، بمعنى بيِّن، أو بمعنى مظهِر مبين للشيء؟
* الطالب: (...) المتعدي.
* الشيخ: أقول: أيهما أولى؟
* الطالب: مُظهِر أولى.
* الشيخ: ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ﴾ [الصافات ١٥٦]؟
* الطالب: نعم، أي مُظهِر.
* الشيخ: أي مظهر، لماذا كان أولى؟
* الطالب: المظهر؛ لأنه هو متعدٍّ.
* الشيخ: وكل متعدٍّ فهو أولى من اللازم، هذا في العبادات.
* الطالب: نعم، حتى (...).
* الشيخ: قياسًا.
* الطالب: نعم، المتعدي يشمل اللازم وغيره.
* الشيخ: ما هو بواضح، واضح لكم التعيين هذا؟
* طالب: إذا قلنا: إنه متعدٍّ (...) لازم.
* الشيخ: كيف ذلك؟
* الطالب: لأنه مُظهِر لنفسه ولغيره.
* الشيخ: إي نعم؛ لأن ما أبان غيرَه فهو في نفسه بَيِّن، بخلاف البَيِّن في نفسه، فقد يُبين غيره وقد لا يُبين.
فإذا أمكن أن يكون من (أبان) المتعدي، يعني كلما جاءت (مُبين)، وأمكن أن تكون من المتعدي فهو أحسن لكن أحيانًا لا يمكن، مثل: ﴿لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران ١٦٤] ما يمكن تكون بمعنى (أبان) بل بمعنى (بَيِّن)، لكن إذا أمكن أن تكون (مبين) بمعنى (أبان) أظهر فهو أولى.
* * *
قال الله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ﴾ [الصافات ١٥٧]، هذا مُفرَّع على قوله: ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ﴾ [الصافات ١٥٦] يعني فإن كان لكم سلطان مبين فأتوا بكتابكم الذي به السلطان، والأمر هنا للتحدي والإعجاز، مثل قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة ٢٣]، هذا للتحدي والإعجاز، فقوله: ﴿بِكِتَابِكُمْ﴾ أي: بكتابكم الذي به الحجة والسلطان.
وقول المؤلف: (التوراة) هذا لا شك أنه وهم؛ لأن هذه الآية ليست تُخاصِم اليهود حتى نقول: إن المراد بذلك التوراة، إنما تخاصم من؟ المشركين الذين جعلوا الملائكة بنات الله؛ ولهذا في بعض النسخ ساقطة، يعني في بعض نسخ المؤلف ساقطة ليست فيها، والنسخة التي سقطت منها أصح من هذه النسخة.
قال: (فأروني ذلك فيه) يعني أروني أن لله البنات في ذلك الكتاب الذي تأتون به.
ثم أظهر إعجازهم بقوله: (﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الصافات ١٥٧] في قولكم ذلك)، وهذا يدل على أنه لا يمكن أن يأتوا بكتاب فيه أن الله جعل الملائكة بنات له، هذا شيء مستحيل.
ثم قال: (﴿وَجَعَلُوا﴾ أي: المشركون ﴿بَيْنَهُ﴾ تعالى ﴿وَبَيْنَ الْجِنَّةِ﴾ أي: الملائكة لاجتنانهم عن الأبصار ﴿نَسَبًا﴾ بقولهم: إنها بنات الله ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات ١٥٨]). ﴿وَجَعَلُوا﴾ الضمير يعود على المشركين الذين قالوا: إن الملائكة بنات الله.
فإن قال قائل: كيف يرجع الضمير إلى غير مذكور؟
قلنا: إنه مذكور بالسياق؛ يعني أن السياق يُعيِّن مرجع الضمير، ولا يلزم في مرجع الضمير أن يكون اسمًا ظاهرًا بينًا ليس بلازم، فإذا دل السياق على أن المراد به كذا عُومِل به، قال الله تعالى: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص ٣٢] المراد بالفاعل في قوله: ﴿تَوَارَتْ﴾ يعود على الشمس مع أنه لم يسبق لها ذكر؛ لأنه معروف، وقال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن ٢٦] ﴿عَلَيْهَا﴾ أيش؟ على الأرض مع أنه لم يسبق لها ذكر قريب، ولكن السياق يدل عليها، إذن مرجع الضمير قد يكون متعينًا بالسياق.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences