Ibn 'UthayminAs‑Saffat · 37:64–82

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

As-Saffat 37:64–82

37:64–82Page 448

إِنَّهَا شَجَرَةٞ تَخۡرُجُ فِيٓ أَصۡلِ ٱلۡجَحِيمِ ٦٤

Indeed, it is a tree issuing from the bottom of the Hellfire,

طَلۡعُهَا كَأَنَّهُۥ رُءُوسُ ٱلشَّيَٰطِينِ ٦٥

Its emerging fruit as if it was heads of the devils.

فَإِنَّهُمۡ لَأٓكِلُونَ مِنۡهَا فَمَالِـُٔونَ مِنۡهَا ٱلۡبُطُونَ ٦٦

And indeed, they will eat from it and fill with it their bellies.

ثُمَّ إِنَّ لَهُمۡ عَلَيۡهَا لَشَوۡبٗا مِّنۡ حَمِيمٖ ٦٧

Then indeed, they will have after it a mixture of scalding water.

ثُمَّ إِنَّ مَرۡجِعَهُمۡ لَإِلَى ٱلۡجَحِيمِ ٦٨

Then indeed, their return will be to the Hellfire.

إِنَّهُمۡ أَلۡفَوۡاْ ءَابَآءَهُمۡ ضَآلِّينَ ٦٩

Indeed they found their fathers astray.

فَهُمۡ عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِمۡ يُهۡرَعُونَ ٧٠

So they hastened [to follow] in their footsteps.

وَلَقَدۡ ضَلَّ قَبۡلَهُمۡ أَكۡثَرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٧١

And there had already strayed before them most of the former peoples,

وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا فِيهِم مُّنذِرِينَ ٧٢

And We had already sent among them warners.

فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُنذَرِينَ ٧٣

Then look how was the end of those who were warned -

إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلۡمُخۡلَصِينَ ٧٤

But not the chosen servants of Allāh.

وَلَقَدۡ نَادَىٰنَا نُوحٞ فَلَنِعۡمَ ٱلۡمُجِيبُونَ ٧٥

And Noah had certainly called Us, and [We are] the best of responders.

وَنَجَّيۡنَٰهُ وَأَهۡلَهُۥ مِنَ ٱلۡكَرۡبِ ٱلۡعَظِيمِ ٧٦

And We saved him and his family from the great affliction.

وَجَعَلۡنَا ذُرِّيَّتَهُۥ هُمُ ٱلۡبَاقِينَ ٧٧

And We made his descendants those remaining [on the earth]

وَتَرَكۡنَا عَلَيۡهِ فِي ٱلۡأٓخِرِينَ ٧٨

And left for him [favorable mention] among later generations:

سَلَٰمٌ عَلَىٰ نُوحٖ فِي ٱلۡعَٰلَمِينَ ٧٩

"Peace upon Noah among the worlds."

إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٨٠

Indeed, We thus reward the doers of good.

إِنَّهُۥ مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٨١

Indeed, he was of Our believing servants.

ثُمَّ أَغۡرَقۡنَا ٱلۡأٓخَرِينَ ٨٢

Then We drowned the others [i.e., disbelievers].

ثم قال الله عز وجل: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات ٦٤]. شوف هذه الجمل بينها اتصال ولَّا انقطاع، في البلاغة اتصال بلاغي يعني أو انقطاع بينها؟

* طالب: اتصال.

* الشيخ: لا، انقطاع؛ لأن الاتصال هو العطف بالواو، وهنا كل جملة مستقلة، الحكمة من ذلك من أجْل أن يَعلم الإنسان عن هذه الشجرة من كل آية بصفة مستقلة كأن كل صفة مستقلة تُغني عن بقية الصفات، فكم (...) للظالمين هذا من أعظم ما يكون من الأوصاف التي يُخاف منها عند إنكار هذه الشجرة؟

﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾.

* طالب: من أصل الجحيم.

* الشيخ: ﴿فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ هذا قرآن.

* طالب: أقول: ما فيها قراءة؟

* الشيخ: ما فيها قراءة أبدًا ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ (أي قعر جهنم وأغصانها ترتفع إلى دركاتها)، ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ وقد سبق لنا هل هذه الشجرة واحدة للشخص، أو هي واحدة بالنوع والجنس؟ وقلنا: في ذلك احتمالان؛ يعني يحتمل أنها شجرة كبيرة تملأ النار كلها، ويتفرع منها أغصان في دركاتها كما هو ظاهر كلام المؤلف، ويحتمل أنها شجرة متعددة، لكن أُفرِدت باعتبار نوعها كما تقول مثلًا إذا شاهدت شجرة في البر: هذه شجرة مذاقها مُر، مذاقها حلو، مذاقها كذا، لا تريد هذه الشجرة الواحدة، تريد هذا الجنس وهذا النوع، فشجرة الزقوم يحتمل أنها شجرة واحدة قد ملأت النار بأغصانها، والله على كل شيء قدير، وإلا فإن النار بعيدة القعر كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: كنا مع النبي ﷺ فسمعنا وَجْبَة فقال: «أَتَدْرُونَ مَا هَذَا؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «هَذَا حَجَرٌ رُمِيَ بِهِ فِي النَّارِ حَتَّى وَصَلَ إِلَى قَعْرِهَا مُنْذُ سَبْعِينَ خَرِيفًا»[[أخرجه مسلم (٢٨٤٤ / ٣١) من حديث أبي هريرة.]].

يعني سبعين سنة وهو يهوي في النار ما وصل إلى قعرها، هذه الشجرة إذا قلنا: إنها واحدة، وأن أغصانها ملأت دركات النار، فالله على كل شيء قدير، وإن قلنا: أنها واحدة بالجنس والنوع، فليس في ذلك إشكال.

يقول: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ وما ظنك بهذه الشجرة النارية التي تخرج في أصل الجحيم؟ سيكون لِمنبتها أثر فيها؛ لأن المنبت يؤثر على النابت، حتى إن النوع الواحد إذا غُرِسَ في هذه الأرض اختلف عما إذا غُرِس في أرض أخرى وهو نوع واحد، هذه الشجرة التي تخرج في أصل الجحيم سوف يكون لمنبتها أثر فيها؛ ولهذا قال: ﴿فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾، ولم يقل: في الجحيم؛ ليبين أنها عميقة الجذور -والعياذ بالله- في النار.

يقول: (﴿طَلْعُهَا﴾ المشبه بطلع النخل ﴿كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ أي الحيات القبيحة المنظر).

﴿طَلْعُهَا﴾ يعني الثمر الذي يُشبه طلع النخل ﴿كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾، والشياطين جمع (شيطان)، وهل المراد الشيطان الحقيقي، أو المراد نوع من الحيات كما قال المؤلف؟ إذا نظرنا إلى ظاهر اللفظ قلنا: إن المراد الشيطان الحقيقي، واحتمال أن يكون المراد به نوع من الحيات قبيحة المنظر وارد؛ لأن السيئ من الحيوان قد يسمى شيطانًا كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ شَيْطَانٌ»[[أخرجه مسلم (٥١٠ / ٢٦٥) من حديث أبي ذر.]].

ولكن الواجب علينا -كما مر علينا كثيرًا- إجراء القرآن على ظاهره، وأن نقول: المراد بالشياطين، الشيطان المعروف، وإنما شُبِّهت برؤوس الشياطين مع عدم رؤية الناس لها؛ لأن كل أحد يعرف أن ما يُنسب إلى الشيطان فهو قبيح منفر، لا يركن إليه أحد، فالتشبيه هنا تشبيه بما يُتخيل فكرًا، لا بما يُعلم حِسًّا، وعلى هذا فهو من أبلغ ما يكون من التشبيه القبيح، ولا حاجة إلى أن نقول: إنها حيات، حتى لو قلنا بأنها حيات، هل هذه الحيات معلومة لكل أحد؟ إن حيات لا يعرفها إلا النادر من الناس لا ينفر الناس منها، بل إن المؤلف الآن لما قال: إنها حيات هبطت قيمة هذا القبح في نفس الإنسان، لكن ﴿كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ الإنسان يقشعر جلده، ويقف شعره عندما يسمع هذا التشبيه القبيح، وعلى هذا فالصحيح أن المراد بذلك رؤوس الشياطين الحقيقية، ولكنها شُبِّهت بها للعلم بأنها قبيحة عند جميع الناس وأنها مُنفِّرة.

(﴿فَإِنَّهُمْ﴾ أَي الْكُفَّار ﴿لَآكِلُونَ مِنْهَا﴾ مَعَ قُبْحهَا لشدة جوعهم) أعوذ بالله ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ﴾ الجملة هنا اسمية مؤكدة بـ(إن) و(اللام)، أليس كذلك؟ لإفادة أن أكلهم مستمر؛ لأن الجملة الاسمية تفيد الثبوت والاستمرار، وأُكدت بـ(إن) و(اللام) للدلالة على أنهم يأكلون منها أكلًا مؤكدًا مع أنها قبيحة المنظر، كريهة الطعم والرائحة، لكن -والعياذ بالله- الجوع الشديد يضطرهم الى أن يأكلوا منها قسْرًا من غير شهوة، ومن غير لذة، لكن لملء بطونهم فقط، ومع ذلك فإن الإنسان لو كان في الدنيا ربما يُفضِّل الموت على الأكل من هذا لكن في النار يُعذَّبون بالأكل منها؛ ولهذا قال: ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ نسأل الله العافية؛ يعني أنهم لا يشبعون، ولا يقتصرون على الضرورة، أنت عندما يعرض لك في الدنيا وأنت جائع جوعًا شديدًا لحم منتن، هل تملأ منه البطن؟ وإنما تأكل بقدر الضرورة فقط، لو حاولت أن تملأ بطنك أبت عليك نفسك، ولو أنك ملأته لأوشك أن تتقيأه، لكن في النار يعذبون بذلك فلا يأكلون بقدْر الحاجة، بل يملؤون بطونهم، يأكل ويقول: هات، هات، كما أنهم يجبرون على شرب الحميم، ويشربونه شرب الهيم، شرب الإبل الهائمة العطشى، وهذا من شدة عذابهم -والعياذ بالله- أنه تصل بهم الحال إلى الجوع الشديد الذي يضطرهم إلى أكل هذه الشجرة الخبيثة، يملؤون بطونهم منها، وإلى العطش الشديد الذي يضطرهم إلى شرب الحميم؛ وهو الماء الحار الذي لا يستفيدون منه، بل قد قال الله تعالى: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد ١٥]، وقال عز وجل في اغتسالهم: ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾ [الحج ١٩، ٢٠]، تصل حرارته إلى ما في البطون مع حيلولة بقية الجسم دونها، لكن تصل الحرارة إلى ذلك، كما قال الله تعالى: ﴿نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾ [الهمزة ٦، ٧] تصل إلى القلوب، نسأل الله السلامة، اللهم نجنا من النار، يقول: ﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾.

قوله: ﴿الْبُطُونَ﴾ (أل) هنا للعهد، أي عهد؟ الذهني، ألا يمكن أن نقول: إنه العهد الذكري؛ لأنه سبق ما يدل على البطن؟ نقول: العهد الذكري لا بد أن يتقدم نفس اللفظ، وهنا لم يتقدم اللفظ لكن تقدم ما يدل عليه في قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ﴾؛ لأنه لا يأكل إلا من له بطن ﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ يعني البطون منهم.

يقول: ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ﴾ (ثم) حرف عطف يدل على أيش؟ الترتيب والتراخي مما يدل على أنهم إذا أكلوا عطشوا، وإذا عطشوا لا يأتيهم الماء في الحال، بل يأتيهم بعد مهلة بيَّنها الله عز وجل في قوله: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ [الكهف ٢٩]، فهم ليسوا إذا أكلوها وعطشوا بها؛ أُعطوا الماء بسرعة، لا، يستغيثون، ويدعون أن يأتيهم ماء يُبَرِّد عليهم لهيب العطش، ولكن إذا أُعطوا هذا الماء يُعطونه شوبًا من حميم؛ يعني ماء حارًّا حرارة عظيمة، والشوب وهج النار، هذا الوهج بيَّنه الله عز وجل في الآية التي سقتها قبل قليل، إذا قرب الماء من وجوههم ليشربوه شوى وجوههم والعياذ بالله، شَوَاها حتى إن لحومها لتتساقط من شدة حرارته، فإذا شربوه فإن أمعاءهم تستقبله لكنها تتقطع به ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد ١٥].

أيها الإخوة، إننا لسنا نتكلم عن سواليف الأولين، نتكلم عن أمر حقيقي إذا تصوره الإنسان ينزعج في الواقع؛ يعني ليس هذا أمر قيل، أو يقال، أو يقولون، هذا أمر هو الحقيقة، الحق لهؤلاء الطغاة الذين كذبوا رسل الله عز وجل، وبدلوا نعمة الله كفرًا، كل هذا سيكون، ليس خبر الأولين؛ لهذا يجب علينا إذا قرأنا مثل هذه الآيات أن نشعر بأن هذا هو عِلْم اليقين، وأنه سيكون حق اليقين، هذا الأمر بعد أن يعطشوا ويستغيثوا لا يغاثون بماء بارد ولا بماء عذب، بل بِشَوْب من حميم (أي ماء حار يشربونه فيختلط بالمأكول منها فيصير شوبًا له).

فسر المؤلف الشوب هنا بالخِلط، ومنه: شُبت الماء باللبن؛ أي: خلطته، وهو يصلح بهذا وهذا، فهو خلط وهو أيضًا وهج حرارة هذا الحميم، كل ذلك يكون، فالوهج يكون قبل الشرب، والشوب بعد الشرب.

﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (٦٧) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ يعني ثم بعد ذلك يكون مرجعهم إلى الجحيم، وجملة (ما ترون) جملة اسمية لم يقل: ثم يرجعون، بل قال: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ مؤكدة بماذا؟ بمؤكدين وهما (إن) و(اللام)، وهذا الترتيب فيه إشكال، فهل هو ترتيب ذكري أو هو ترتيب معنوي؟ المؤلف يرى أنه ترتيب معنوي، ويحتمل أن يكون ترتيبًا ذكريًّا؛ يعني بعد أن ذكر الله عز وجل ما لهم من هذا العذاب بَيَّن أن مرجعهم في يوم القيامة إلى هذا الجحيم، لا يرجعون إلى سواه.

أما المؤلف فيقول: (يفيد أنهم يُخرجون منها لشرب الحميم، وأنه خارجها) وهذه الفائدة فائدة ضعيفة في الواقع، يعني كون نستفيد هذه الفائدة من هذه الجملة، ليس بمتعين والله عز وجل يقول: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر ٤٨]، فكيف يقال: إنهم يخرجون ويشربون الحميم، ثم يُردون؟ هذا بعيد جدًّا، لكن إما أن نجعل الترتيب هنا للترتيب الذكري؛ يعني أن الله بعد أن ذكر أنواعًا من العقوبات لهم بَيَّن أن مآلهم إلى الجحيم؛ أي إلى هذا الجحيم الذي فيه هذه العقوبات، والترتيب الذِّكْري موجود في اللغة العربية، ومنه قول الشاعر:

إِنَّ مَـــــــــنْ سَــادَ ثُمَّ سَــادَ أَبُـــوهُ ∗∗∗ ثُمَّ سَـــادَ مِـــنْ بَعْدِ ذَلِكَجَـــــدُّهُ

وسيادة الأب سابقة على سيادتي، وسيادة الجد سابقة على سيادة الأب، أو يقال: إنهم كما قال الله عنهم: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة ٢٠]، وأنهم يُقرَّبون من أبوابها، ويسقون هذا الحميم، فيُقرَّبون لتتطلع نفوسهم إلى الخروج، فيكون عندهم بعض الأمل، فإذا أملوا هذا الأمل، ثم ردوا إلى أصل الجحيم صار هذا أشد عذابًا عليهم؛ لأن حصول اليأس بعد الأمل أشد من بقاء اليأس؛ لأن الأمل يرفع اليأس، فإذا أُعيد إلى العذاب عاد اليأس فكان أشد وقعًا.

أرأيت لو أن رجلًا مغلولًا بين يديك، سرت تحاول فك غله؛ يفرح، أليس كذلك لكن إذا عدت، ثم شددته ربطًا وأتيت بغل آخر؛ ازداد يأسًا وغمًّا إلى غمه بعد أن رأى بصيص الأمل يعاد فيُهان، هؤلاء -والعياذ بالله- كلما أرادوا أن يخرجوا منها وحصل لهم بعض الأمل أُعيدوا فيها، فيقول: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ أي: إلى أصل الجحيم الذي كانوا قد أمَّلوا أن يخرجوا منه حين قُرِّبوا من أبوابها.

﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ ﴿إِنَّهُمْ﴾ أي هؤلاء الظالمين الذين يُعذَّبون بهذا العذاب. ﴿أَلْفَوْا﴾ أي (وجدوا) ﴿آبَاءَهُمْ﴾ وألفى بمعنى (وجد)، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ [يوسف ٢٥] و﴿أَلْفَيَا﴾ يعني وجدا سيدها.

..................... ∗∗∗ وَأَلْفَى قَــــوْلَهَا كَـــــذِبًاوَمَـــــيْنَا

أي وجد قولها، فمعنى ﴿أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ﴾ أي: وجدوهم ضالين تائهين عن الحق. يقول: ﴿فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ [الصافات ٧٠] هم وجدوا آباءهم ضالين بعد أن قامت عليهم الحجة بضلال آبائهم، ولكن هل اتبعوا الحجة؟ لا. قال: ﴿فَهُمْ﴾ يعني بعد أن وجدوا آباءهم ضالين والعياذ بالله، هم ﴿عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ أي: يُساقون ويُزعجون وهُرِع بمعنى (عَجَّل وأسْرع) في الشيء، فهم على آثار آبائهم وعلى ما كانوا عليه من الشرك والظلم يُهرعون؛ أي: يساقون بشدة، ويسرعون إلى اقتفاء آثارهم، وقد جاءتهم الرسل بالحق، ولكن بماذا أجابوا: ﴿قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف ٢٣]، وفي الآية الأخرى: ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف ٢٢]؛ يعني ولا نقبل منهم، فهم علموا أن آباءهم ضالين ومع ذلك -والعياذ بالله- بقوا على ما هم عليه بل صاروا يسابقون ويتمسكون أشد بما كان عليه آباؤهم.

(﴿فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ يُزْعَجُونَ إلَى اتِّبَاعهمْ فيسرعون إليه) والكلام كله في مشركي قريش بدليل قوله: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ﴾ الجملة هذه فيها ثلاثة مؤكدات بَيِّنها لنا؟ ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ﴾.

* طالب: لقد.

* الشيخ: ويش هي لقد؟

* طالب: لقد، وحرف العطف.

* الشيخ: اللام وقد.

* طالب: (...).

* الشيخ: لا، الواو حرف عطف، ويش تعرب اللام؟

* الطالب: واقعة في جواب القسم.

* الشيخ: إي، موطئة للقسم، اللام موطئة للقسم؛ يعني أنها تفيد قسمًا مقدرًا، والله لقد، فتكون الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات؛ وهي القسم، واللام، وقد، والله أعلم.

* * *

* الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ (٧٠) وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (٧١) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ (٧٢) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٧٤) وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥) وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (٧٧) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨) سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (٧٩) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (٨١)﴾ [الصافات ٦٩-٨١].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ (٧٠) وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ﴾. قوله تعالى: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ ما المراد بالشياطين هنا؟

* طالب: يقول المؤلف: إن هي الحيات القبيحة، ولكن الصحيح أن هذه الشياطين على حقيقتها؛ لأن الأصل بقاء اللفظ على (...).

* الشيخ: فإذا قال لك قائل: كيف يشبه الله شيئًا بشيء غير معروف؟

* طالب: لقبح الشيطان.

* الشيخ: صورته ما هي معروفة، رؤؤس الشياطين من رآها؟

* طالب: هذا من عادة العرب إذا أرادت أن تقبح شيئًا تشبهه بالشياطين.

* الشيخ: من عادة العرب أنها إذا أرادت أن تُقبِّح شيئًا وتُنفر منه شبهته بالشياطين، والقرآن نزل بلسان عربي مبين.

قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا﴾ الجملة هذه فيها تأكيد أو لا؟

* طالب: اللام.

* الشيخ: اللام فقط؟

* طالب: ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا﴾ والقسم المقدر.

* الشيخ: ما فيه قسم.

* طالب: (إن) و(اللام).

* الشيخ: (إن) و(اللام). إذا قال قائل: ما الغرض من هذا التوكيد؟

* طالب: (...).

* الشيخ: يعني لئلا يقول قائل: إنها ما دامت على هذا الوصف فلن يأكل منها أحد، فالإنسان قد يشك في أكلهم؛ لكونها طلعها يشبه رؤوس الشياطين، فأكد الله ذلك بقوله: ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا﴾.

قوله: ﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ ماذا يفيد؟

* طالب: شدة الجوع (...).

* الشيخ: يعني يصابون بمرض النهم حتى لا يشبعوا. وهل يصابون بمثل هذا في الشراب؟

* طالب: نعم، يصابون لذلك؛ لقوله تعالى: ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ [الواقعة ٥٥].

* الشيخ: لقوله تعالى: ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾. إذن يُصابون بمرض النهم في الأكل وفي الشرب؛ ليزداد عذابهم، نسأل الله العافية. قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا﴾ ما المراد بالشوب؟

* طالب: الشوب له معنيان؛ أنه شديد الحرارة، وخلط، يعني أنه يخلط من عذاب الزقوم (...)، فهم يشربون حميمًا حارًّا ويخالط ما في (...).

* الشيخ: والحميم هو الماء الحار. قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ هل هم كانوا بالأول في غير الجحيم؟

* طالب: لا، في الجحيم.

* الشيخ: كيف قال: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾؟

* طالب: لأجل الاستقرار؛ يعني بعض الأكل كذلك في الجحيم، وبعضهم يقولون في التفسير؛ يعني يخرجون إلى الأبواب، ثم يرجعون إلى الأصل، إلى أصل الجحيم.

* الشيخ: إي نعم، صحيح، بس ذكرنا وجهًا آخر.

* طالب: أن (ثم) للترتيب الذكري.

* الشيخ: أن (ثم) للترتيب الذكري، ولا يعني أنهم بعد أن يأكلوا يرجعون، وإنما يعني أنه ذُكِر مرجعهم بعد ذكر أكلهم، وهل في اللغة العربية ما يسمى بالترتيب الذكري دون المعنوي؟

* طالب: نعم.

* الشيخ: شاهده؟

* طالب: قوله:

إِنَّ مَــنْ سَـــادَ ثُمَّ سَـــادَ أَبُـــوهُ ∗∗∗ ثُمَّ سَـــادَ مِــنْ بَــعْدِ ذَلِكَجَــدُّهُ

* الشيخ: طيب ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ﴾ ما معنى ألفوا؟

* طالب: وجدوا.

* الشيخ: وجدوا، ائت بشاهد من القرآن على أن الإلفاء بمعنى الوجود أو الوجدان.

* طالب: (...) قوله: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ [يوسف ٢٥].

* الشيخ: قوله تعالى: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ هذه في أي سورة؟

* طالب: في سورة يوسف.

* الشيخ: في سورة يوسف سبيل (...).

قوله عز وجل: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾.

* يستفاد من هذه الآية ومن ما بعدها: يستفاد منها: أن شجرة الزقوم خبيثة المنبت؛ لقوله: ﴿تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾، والخبيث المنبت يكون هو خبيثًا أيضًا؛ لأن العادة أن النبات يكون على حسب أرضه كما يكون على حسب مائه أيضًا.

* ومن فوائدها: بيان قُدرة الله عز وجل، حيث خلق هذه الشجرة في وسط النار مع أن المعروف أن النار تحرق الأشجار، ولكن الله على كل شيء قدير، فها هي نار إبراهيم عليه الصلاة والسلام تحرق الأجسام بلا شك، ولكن لما قال الله لها: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء ٦٩] لم تحرقه بل كانت بردًا وسلامًا عليه.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هذه الشجرة تنتشر؛ إما أغصانها -كما قال المؤلف- أو أنواعها في النار كلها؛ لأن الله أخبر أن أهل النار يأكلون منها، ومعلوم أن النار دركات، بعضها أسفل من بعض، فيلزم من ذلك أن تكون هذه الشجرة إما ذاتها ومنتشر أغصانها، وإما نوعها موجود في جميع النار.

* ومن فوائد قوله: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ بيان أن هذه الشجرة لها طلع ولكن طلعها أقبح ما يكون من الطلع؛ لأنه يشبه رؤوس الشياطين.

* ومنها: أن من أغراض التشبيه ما يسمى عند البلاغيين بـ(التقبيح)، فيُشبه الشيء بما يُستقبح نفسيًّا، وإن لم يكن معلومًا حسيًّا؛ لقوله: ﴿كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾.

* ومن فوائدها: أن رؤوس الشياطين مُستكرَهة مُستقبحة؛ لأنه شُبِّهَ بها القبيح، والتشبيه إلحاق الشيء بما هو أعلى منه في الصفة التي أُلْحِق به فيها؛ لأن المشبه دون المشبه به.

* من فوائد الآية: إثبات أن للشياطين رؤوسًا؟

* طلبة: نعم.

* الشيخ: نعم، وهو كذلك، فإن الشياطين لها رؤوس.

* ومن فوائدها: الرد على من يقول: إن الشياطين والملائكة والجن هي قوى الشر، الملائكة قوى الخير، والشياطين والجن قُوى الشر، وليس هناك أجسام تُحَس، وجه الدلالة: أنه أثبت للشياطين رؤوسًا، ولا يمكن أن يكون هذا في الأمور المعنوية التي هي القوى.

* ومن فوائدها: ضلال من يعتمد على العقل في إثبات الأشياء أو نفيها؛ لأن الاعتماد على العقل يؤدي إلى أن يرد الإنسان ما ثبت في الكتاب والسنة من أجل ما يدعي أنه عقل.

ثم قال عز وجل: ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾.

* من فوائدها: إثبات أكلهم منها على سبيل التأكيد؛ لقوله: ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا﴾.

* ومن فوائدها: أنه ينبغي تأكيد الشيء المستبعَد أمام المخاطَب من أجل اطمئنان نفسه وإقراره به، أليس كذلك؟ ولهذا قال علماء البلاغة: إن المخاطَب له ثلاث حالات: ابتداء، وشك، وإنكار؛ ففي الابتداء لا يحسن أن تؤكد له الخبر بل تلقيه إليه غير مؤكد؛ لأنك إذا أكدته بدون سبب للتأكيد فقد يشك، يقول: لولا أن هذا الرجل كاذب ما ذهب يؤكد الخبر بدون سبب، فالفصاحة أن تلقيه إليه مجردًا من التوكيد، مثلًا إذا أردت أن تخبر بقدوم زيد، تقول: قدم زيد، إذا كنت تخاطب رجلًا خطاب ابتداء ليس عنده شك في قدومه ولا إنكار.

الحال الثانية: أن يكون عند المخاطب شك في الأمر، فهنا يحسن أن يؤكد، ولكن لا يجب، فهذا الرجل الذي تخشى أن يكون شاكًّا في قدوم زيد لاستبعاده إياه يحسن عندما تخبره أنه قادم، يحسن أن تؤكده له فتقول: قد قدم زيد، أو: إن زيدًا قادم، هذا متى؟ مع الشك نؤكده بمؤكد على سبيل الاستحباب.

الحال الثالثة: أن يكون مُنكِرًا، ففي هذه الحال يجب أن يُؤكَّد له الخبر، لماذا؟ من أجل أن يزول عنه الإنكار، ويطمئن إلى مدلول الخبر، كما لو كنت تخاطب شخصًا ينكر أن يكون فلان قدم البلد، فتقول له: لقد قدم. وإن رأيت أنه يحتاج إلى زيادة قلت: والله لقد قدم، وإن كنت تخشى أن يكون غير مقتنع فبعض العامة يقول: عليه الطلاق لقد قدم، إي نعم، لأن كثيرًا من الناس يؤمنون بالحلف بالطلاق أكثر مما يؤمنون بالحلف بالله عز وجل.

بقي أن يقال: هذا باعتبار حال المخاطب؛ أي أنه يحسن توكيد الخبر أو تجريده من التأكيد، أو وجوب تأكيده باعتبار حال المخاطب، قد يكون التأكيد وعدمه باعتبار حال مدلول الخبر، إذا كان المدلول أمرًا هامًّا فإنه يؤكد حتى وإن كنت تخاطب من لا ينكر مثل قوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة ١، ٢]، وأشباه ذلك مما أقسم الله به على البعث وهو يخاطب المؤمنين، فهنا نقول: تأكيد هذا الخبر مع إقرار المخاطَب به؛ يُقصد بذلك بيان أهميته، وأنه أمر يجب أن يتأكد في قلب الإنسان، وأن يثبت فيه ويرسخ، واضح؟

قال أهل العلم -نبحث في البلاغة لأجل أن نستذكر ما مضى- قال بعضهم: وقد يُنَزَّل المقر منزلة المنكر لفعله فعل المنكر، مثل: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُون﴾ [المؤمنون ١٥، ١٦]، ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ هل الموت مُتَردَّد فيه أو منكر؟ أبدًا، لا يتردد فيه ولا ينكره أي أحد من الناس، إذن فلماذا يؤكد؟ لأن المخاطب قد تكون حاله حال المنكر؛ لعدم استعداده للموت، فكأنه مُنكِر له، فيُؤكَّد له الخبر.

هنا ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا﴾ نقول: هنا أكد الله عز وجل أنهم سيأكلون، فلماذا؟ لأن المقام مقام استبعاد للأكل، قد يستبعد الإنسان أن يأكل هؤلاء من هذه الشجرة التي تخرج في أصل الجحيم وطلعها كأنه رؤوس الشياطين، فأكد الله ذلك بـ(إن) و(اللام)، وأتى أيضًا بالجملة الاسمية الدالة على استمرار أكلهم.

* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله يُعذِّب أهل النار بالأكل من هذه الشجرة بكونهم لا يشبعون؛ لقوله: ﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾، فلا يأكلون منها بقدر الضرورة كما يأكل المضطر الميتة بقدر الضرورة ولكن يأكلون أكلًا يملأ بطونهم، وكلما فرغ البطن قليلًا أكلوا.

* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن هذه الشجرة إذا أكلوها -والعياذ بالله- عطشوا، وطلبوا الماء، وطلبوه على طلب المضطر إليه بدليل قوله: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ﴾ [الكهف ٢٩] فهم يعطشون كثيرًا، ويسألون سؤال المضطر يستغيثون الله عز وجل، فإذا أُغِيثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه والعياذ بالله؛ ولهذا قال: ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ﴾ [الصافات ٦٧] يعني مع هذا الأكل القبيح المستكره المبتلى بمحبته يشربون عليه من الحميم الذي يخالطه، وقد سبق لنا أن هذا الحميم يُقطِّع أمعاءهم.

* ومن فوائد قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ أن هؤلاء الذين في النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها أُعِيدوا فيها، وهذا فيه زيادة تعذيبهم، كيف ذلك؟ لأن الإنسان إذا انفتح له باب الأمل والرجاء، ثم عاد إلى الخيبة صار ذلك أشق وأشد عليه مما لو استمر في خيبته فيكون في هذا زيادة تعذيب لهم ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾.

* ومن فوائدها أيضًا: أن هؤلاء لن يذوقوا نعيمًا أبدًا؛ لأن مرجعهم ومآلهم إلى الجحيم، فلا يمكن أن يخرجوا منه، نسأل الله لنا ولكم السلامة.

فلهذا أكدت بثلاثة مؤكدات.

والوجه الثاني: تسلية النبي ﷺ؛ لأن كل ما سبق فيه التحدث عن كفار قريش، فأراد الله عز وجل أن يسلي رسوله ﷺ بأن قومك ليسوا أول من ضل، بل قد ضل قبلهم أكثر الأولين، ففيه تسلية لرسول الله ﷺ، وفيها تأكيد لخبر هؤلاء الأمم الماضية التي قد يشك في خبرها من يشك، كما أن فيه أيضًا زيادة تهديد لهؤلاء المكذبين؛ لأنه قال بعده: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ وأكد أيضًا هذه الجملة بالوجوه الثلاثة التي أشرنا إليها في ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ﴾.

وقوله: ﴿ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ﴾ يعني لا كلهم، فإن من الأولين من اهتدى، ولكن أكثرهم ضل حتى قال رسول الله ﷺ حين عُرِضَت عليه الأمم: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّهْطُ، وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ، وَالنَّبِيَّ وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٧٥٢)، ومسلم (٢٢٠ / ٣٧٤) من حديث ابن عباس.]].

إذن أكثر الناس الذين أرسل إليهم الرسل قد ضلوا، ما دام أنه لم يكن مع النبي أحد يُبعث نبي في قومه، ولا يكون معه أحد.

وقوله: ﴿أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي السابقين، فكل من سبق هذه الأمة فإنه يُعتَبر من الأولين.

﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ هذه الجملة مؤكدة بما سبق؛ بالقسم، واللام، وقد، وأُكِّدت للوجوه الثلاثة التي أشرنا إليها.

وقوله: ﴿أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ يعني رسلًا منذرين كما قال الله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [النساء ١٦٥]، لكنه هنا لم يذكر البشارة؛ لأن المقام مقام تهديد، فكان طي البشارة أنسب والاقتصار على الإنذار أنسب، فقال: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ فمن هو الرسول؟ قال أهل العلم: إن الرسول هو الذي أُوحي إليه بالشرع ولم يُؤمر بتبليغه، كذا؟

* طالب: لا.

* الشيخ: وأُمر بتبليغه؛ ولهذا يقال: أرسل؛ يعني بُعث برسالة، فهو أوحي إليه وأُمر بالتبليغ، فإن قلت: ماذا نصنع في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج ٥٢]، حيث قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ﴾ فهو يقتضي أيضًا أن النبي -وهو الذي أُوحِي إليه بالشرع ولم يُؤمر بالتبليغ- قد أُرسل، فالجواب: أن تقدير الآية وما أرسلنا من قبلك من رسول، ولا نبأنا من نبي فهو على حد قول الشاعر:

عَــلَفْتُهَا تِبْــــنًا وَمَــــاءً بَـــارِدًا ∗∗∗ ......................

فالماء البارد لا يُعلف ولكنه يسقى، وهو على تقدير: وسقيتها ماءً باردًا. ومن المعلوم أن حذف ما يُعلم جائز، كما قال ابن مالك رحمه الله في ألفيته:

وَحَــــــذْفُ مَــا يُـــــعْلَـــمُ جَــــائِزٌكَــمَا ∗∗∗ تَقُولُ (زَيْدٌ) بَعْدَ (مَنْعِنْدَكُمَا؟)

﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ أي: مُخَوِّفين، مُخَوِّفين من؟ مخوفين من خالف بالعقوبة، وحرمان الثواب، فالرسل عليهم الصلاة والسلام كلهم ينذرون من خالفهم بالعقوبة وحرمان الثواب؛ لأن العاصي يُحرَم من ثواب الطاعة؛ إذ لو شاء لأحل مكان المعصية طاعة، وكذلك يُعاقَب بما تقتضيه هذه المعصية. يقول: ﴿فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ ومنذرين هذه اسم فاعل ولَّا اسم مفعول؟

* طلبة: اسم فاعل.

* الشيخ: اسم فاعل من (أنذر ينذر)، والمنذر هو المخوِّف قال: (﴿مُنْذِرِينَ﴾ من الرسل مُخَوِّفين).

﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [الصافات ٧٣] (انظر)، الخطاب هنا مُوجَّه لواحد مُذَكَّر، فمن هو؟ أهو الرسول عليه الصلاة والسلام؟ أمن يصح أن يوجه إليه الخطاب؟ الثاني أعم؛ أي: فانظر أيها المخاطَب أو أيها السامع كيف كان عاقبة المنذرين؟ وهنا قال: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾ ولم يقل: ماذا كان؟ يعني انظر إلى الكيفية وإلى الغاية؛ لأن من نظر إلى الكيفية نظر إلى الغاية.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском