Ibn 'UthayminAs‑Saffat · 37:64–82

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

As-Saffat 37:64–82, continued

لو قال: ماذا كان عقابهم؟ لكان الجواب: الهلاك، لكن كيف كان عقابهم، انظر إليه إلى كيفيته ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ [العنكبوت ٤٠]، فانظر إلى الكيفية، كيفية العاقبة لتستفيد بهذا النظر شدة العقوبة، وملاءمتها للذنب؛ لأن الله قال: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ أي أن عقوبته ملائمة لذنبه، وأنت إذا تأملت هذا وجدت الأمر كما قال الله عز وجل، فمثلًا كانت عاد تفتخر بقوتها وتقول: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت ١٥] فأُهلكوا بألطف الأشياء؛ وهي الريح، أرسل الله عليهم ريحًا فدمرتهم ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف ٢٥]، وكان فرعون يفتخر بالأنهار التي تجري من تحته فأُهلك بما كان يفتخر به، وهو الماء، وهكذا كلما تأملت هلاك القوم المكذبين للرسل وجدت أن عقوبتهم مناسبة تمامًا لذنوبهم.

إذن (انظر كيف) أبلغ من (انظر ماذا كان عاقبتهم)، وجه ذلك: أنها تدل على شدة الأخذ وعلى مناسبته للذنب، ثم إنك إذا نظرت إلى الكيفية ستنظر إلى العاقبة لكن إذا قلنا: انظر ما عاقبتهم؛ لم تؤمر إلا بالنظر بالعاقبة فقط.

وقوله: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾ الجملة هنا استفهامية، ولكنها في محل نصب مفعول ﴿انْظُرْ﴾، وهذا النظر بالعين ولَّا بالقلب؟ هذا النظر بالقلب، والغالب أن النظر بالعين يُعدَّى بـ(إلى)، فيقال: نظر إليه، وأن نظر القلب يكون متعديًا بنفسه ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس ١٠١]، يعني بالقلوب، أما بالأعين فلا يُفيد إذا لم يتأثر بذلك القلب.

وقوله: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾ ﴿الْمُنْذَرِينَ﴾ هنا اسم فاعل أو اسم مفعول؟ اسم مفعول، الذين أنذروا وخُوِّفوا، ولكن لم يخافوا، ولم يُؤثِّر فيهم الإنذار، فكيف كان عاقبتهم؟

قال المؤلف: (أي عاقبتهم العذاب) يعني أن العاقبة كانت وخيمة والعياذ بالله، عُوقبوا بالعذاب المدمر المهلك.

ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ (أي المؤمنين) نعم، ولهذا فسرها المؤلف باسم الفاعل إشارة إلى أن المخلِص هنا اسم فاعل؛ لأن الْمُفَسِّر يُطابِق الْمُفَسَّر فيقول: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ الاستثناء هنا منقطع؛ لأن ما بعده من غير جنس ما قبله، وإذا كان ما بعد (إلا) من غير جنس ما قبلها فهو استثناء منقطع، والاستثناء المنقطع يكون علامته أن يحل محل (إلا)؛ (لكن)، ولكن لماذا يُؤتى بـ(إلا) بدل (لكن)؟ إشارة إلى قوة اتصال ما بعدها بما قبلها، فهي تفيد الاستدراك مع ارتباط ما قبلها بما بعدها من حيث المعنى، وإن كان هذا يختلف عن ذلك.

وقوله: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ﴾ المراد بالعبودية هنا الخاصة أو العامة؟ الخاصة بدليل قوله: ﴿الْمُخْلَصِينَ﴾. وسبق لنا قريبًا بيان أن العبودية تنقسم إلى عامة وخاصة؛ (أي المؤمنين، فإنهم نجوا من العذاب لإخلاصهم في العبادة)، وهذا على قراءة كسر اللام، (أو لأن الله أخلصهم لها على قراءة فتح اللام)، فأفادنا المؤلف رحمه الله أن في الآية قراءتين: ﴿﴿الْمُخْلِصِينَ﴾ ﴾، ﴿الْمُخْلَصِينَ﴾ لكن لم يُصرِّح بهما، وإنما أتى بمضمونهما، ففي الآية قراءتان (مُخْلِصِين) لإخلاصهم لله؛ لأنهم أخلصوا القصد لوجه الله عز وجل، رب العباد إليه الوجه والعمل، فلم يلتفتوا إلى ما سوى الله، والإنسان المخلص لله الذي أخلص قلبه له يُوفَّق، وتكون عاداته عبادات؛ لأنه دائمًا مع الله، ودائمًا يتفكر في آيات الله، ودائمًا يحب القرب من الله، فيسعى إلى أن يكون قوله وفعله وترْكه كله لله عز وجل، وهذا -في الحقيقة- هو الرابح الذي ربح الوقت، وربح العمر؛ لم تضع عليه لحظة من اللحظات إلا وهو كاسب فيها، ولكن أكثر الناس في غفلة عن هذا الشيء، أكثر الناس في غفلة غافلون، لم يخلصوا أنفسهم لله عز وجل، بل إن من الناس من قد تكون العبادات في حقه عادات، يقوم ويتوضأ ويصلي؛ لأن هذه عادته، كأن هذه العبادات عمل يومي يقوم به؛ ولهذا لا نجدها تؤثر على القلب بواسطة الغفلة الشديدة عن الإخلاص لله عز وجل، فهم مخلِصون لله في العبادة، كذلك (مُخْلَصُون) أخلصهم الله، قال المؤلف: (للعبادة).

ولو قيل معنى أسمى من هذا لكان أولى، أخلصهم الله لنفسه واختصهم من بين سائر العباد، ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ﴾ [ص ٤٧] الذين اصطفاهم الله وجعلهم صفوة عباده لنفسه، وهذا أبلغ في الثناء مما قال المؤلف من أن الله أخلصهم للعبادة، بل نقول: أخلصهم له من بين سائر العباد ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾.

يقول المؤلف: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ [الصافات ٧٥] هذه الجملة كالتفصيل لقوله: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ﴾. فهنا شرع الله عز وجل يُبين كيف كان هذا الضلال، ومتى كان؟ كان من أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض، وهو نوح عليه الصلاة والسلام، نوح أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض، بدليل الكتاب والسنة، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء ١٦٣]، فقال: ﴿كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾. إذن ليس هناك نبي مُرسَل قبل نوح. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [الحديد ٢٦].

فإذا كانت النبوة والكتاب في ذريتهما فليس قبل نوح أحد أُوتِي النبوة والكتاب، والمراد بالنبوة نبوة الرسالة، أما نبوة الوحي والعبادة فقد سبقت لآدم، فإن آدم نبي مُكَلَّم، لكنه ليس نبيًّا مرسلًا.

وأما من السنة فقد صح عن رسول الله ﷺ في حديث الشفاعة: «أن الناس يأتون إلى نوح ويقولون له: أنت أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٤٧٦)، ومسلم (١٩٣ / ٣٢٢) من حديث أنس بن مالك.]]. فنوح عليه الصلاة والسلام هو أول الرسل، ولبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا؛ يعني تسع مئة وخمسين سنة يدعوهم ليلًا ونهارًا ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا﴾ [نوح ٥، ٦] يدعوهم سرًّا وعلنًا ﴿ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا﴾ [نوح ٩] ولكنهم -والعياذ بالله- لا يزيدهم ذلك إلا نفورًا واستكبارًا مع قوة الرسالة والآيات العظيمة، لكنهم -والعياذ بالله- نكصوا واستكبروا، وما آمن معه إلا قليل، لما رأى عليه الصلاة والسلام ما حصل من قومه وأيس منهم دعا عليهم، قال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح ٢٦، ٢٧]، وقال: ﴿أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [القمر ١٠] فأجاب الله تعالى دعاءه، ولهذا قال: (﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ قال: بقوله: رب ﴿أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ ) ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾، فانتصر الله له، وأجاب دعاءه، قال الله تعالى: ﴿فَفَتَحْنَا﴾ أو ﴿﴿فَفَتَّحْنَا﴾ ﴾ ﴿أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر ١١، ١٢] ماء ينبع من الأرض، وماء ينزل من السماء، يفور من الأرض فورانًا عظيمًا يشمل كل الأرض حتى التنور الذي هو موضع إيقاد النار صار يتفجر ماء، والسماء تهطل بماء منهمر عظيم، فالتقى الماء حتى بلغ قمم الجبل، ولم ينجُ منه أحد إلا من كان مؤمنًا فإنه مع نوح عليه الصلاة والسلام في السفينة؛ ولهذا قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾.

ذكرنا أن نوحًا هو أول الرسل، مَنْ آخرهم؟ محمد ﷺ هو آخر الرسل، قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب ٤٠] ولم يقل: وخاتم المرسلين مع قوله: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ إشارة إلى أنه لا يمكن أن يأتي بعده لا نبي ولا رسول ﴿فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ الجملة ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ﴾ مؤكدة بثلاثة مؤكدات كما سبق: القسم و(اللام) و(قد)، ونقول في توجيه التوكيد هنا ما قلناه فيما سبق.

وقوله: ﴿فَلَنِعْمَ﴾ الفاء حرف عطف تفيد الترتيب والتعقيب، واللام موطئة للقسم، وتقدير الكلام: فوالله لنِعم المجيبون، والمجيبون فاعل (نِعْمَ)، و(نعم) و(بئس) وشبههما تحتاجان إلى فاعل، وإلى مخصوص يكون مبتدأ جملتهما خبره، أليس كذلك؟ تحتاجان إلى فاعل، وإلى مبتدأ تكون جملتهما خبرًا عنه، هذا المبتدأ يُسمَّى المخصوص بالمدح أو بالذم، فأين المخصوص هنا في هذه الآية؟

يقول: نحن، فلنعم المجيبون نحن. وصدق ربنا عز وجل نعم المجيب الله سبحانه وتعالى، فإن إجابته ليست كإجابة غيره، إجابة الله سبحانه وتعالى إجابة محققة لكن بشرط أن تتم شروط الإجابة، وأن تنتفي الموانع، فإن لم تتم شروط الإجابة فإنه لا يُجيب عز وجل؛ لأن إجابته كسائر أفعاله مبنية على الحكمة، والحكمة وضع الشيء في موضعه، فإذا تمت شروط الإجابة صار للإجابة محل فحلت الإجابة، وإذا لم تتم لم يكن للإجابة محل، فلم تتحقق الإجابة، ولا بد له من انتفاء الموانع، ألَّا يوجد مانع من موانع الإجابة، وسيأتي إن شاء الله تعالى ذكر هذه الشروط والموانع عند ذكر الفوائد.

المهم أن الله تعالى أثنى على نفسه بأنه نِعْم المجيب، وصدق الله العظيم فإنه تعالى نعم المجيب، يجيب عباده إذا اقتضت الحكمة ذلك بوجود الشروط وانتفاء الموانع ﴿فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ (له نحن؛ أي دعانا على قومه فأهلكناهم بالغرق) نعم، دعا الله على قومه فأهلكهم بالغرق، غرقوا عن آخرهم، وذُكِر أن النبي ﷺ قال: «لَوْ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى مُنْجِيًا أَحَدًا مِنَ الْغَرَقِ لَأَنْجَى أُمَّ الصَّبِيِّ»[[مستدرك الحاكم (٣٣٤٩) من حديث عائشة.]]. ما أم الصبي؟ امرأة كان معها صبي، فلما رأت الماء يتزايد خافت على نفسها من الغرق، فلجأت إلى جبل فارتفع الماء حتى وصل إليها، ثم ارتفعت، حتى وصلها الماء، ثم ارتفعت حتى وصلها الماء حتى بلغت قمة الجبل، فوصلها الماء، فلما رأت الماء قد وصلها وألجمها رفعت الصبيَّ فوق يديها؛ لتغرق قبله. قال النبي ﷺ فيما يذكر عنه: «لَوْ رَحِمَ اللَّهُ أَحَدًا لَرَحِمَ أُمَّ الصَّبِيِّ»[[مستدرك الحاكم (٣٣٤٩) من حديث عائشة.]]. لأن هذا من أبلغ ما يكون في الرحمة، أن تجعل موتها قبل موته، ترفعه على يديها حتى يدركها الغرق قبله.

المهم أن هؤلاء القوم وغيرهم من الأمم لا ينفعهم الإيمان إذا رأوا البأس، فانظر إلى فرعون لما أدركه الغرق ويش قال؟ ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس ٩٠] لكن ما نفعه ذلك، قيل له: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ [يونس ٩١] لم يكن أحد من الأمم نفعه إيمانه حين رأى البأس ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس ٩٨].

قال أهل العلم: والحكمة من ذلك أن نبيهم خرج منهم مغاضبًا قبل أن يُؤذَن له، فلم تحق عليهم الكلمة؛ لعدم تمام الإنذار في حقهم؛ فلهذا لما آمنوا كشف الله عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعهم إلى حين وسيجدون ما يستحقونه من العقوبة أو المثوبة.

قال الله عز وجل: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ [الصافات ٧٦] من أهله؟ هل نقول: المراد المؤمنون؟ أو نقول: إن الأهل هم خاصة الرجل؟ لأن هناك فرقًا بين (آل) و(أهل)، (آل) أتباع، (أهل) هم الخواص خاصة الرجل كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [الأحزاب ٣٣]، هذا لا يشمل الأمة كلها أهل البيت الخاصة، فهل نقول: إن المراد أهله الذين هم خاصته؟ هذا هو الأقرب من الآية، لكن في آيات أخرى تدل على أن الذي نجا هو ومن آمن معه.

يُستثنى من الأهل أهل نوح ابنه الذي كفر به فإنه أدركه الغرق، ولما سأل نوح عليه الصلاة والسلام ربه: ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (٤٥) قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود ٤٥، ٤٦].

ويستثنى من ذلك امرأته كما قال الله تعالى في سورة التحريم: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم ١٠] خانتاهما بماذا؟ بالكفر لا بالفاحشة والزنا؛ لأنه من المستحيل أن يجعل الله امرأة نبي تزني؛ لأن الزنا خُبْث، وقد قال الله تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ [النور ٢٦]، فخيانة امرأة نوح وامرأة لوط كانت بالكفْر، والكفر قد يكون في امرأة النبي وهو لا يعلم؛ ولهذا قال: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ يعني أخفتا الكفر عن نوح وعن لوط.

المهم أن (أهل) هنا ليس على عمومه، فهل نقول: هو عام أُريد به الخاص أو عام مخصوص؟ عام مخصوص؛ لأن العام الذي أُرِيد به الخاص لا بد أن يكون معلومًا للمخاطَب أنه لم يرد به إلا الخاص من أول الأمر، فأما الشيء الذي لا يُعلم إلا بنص آخر فإن هذا يسمى عامًّا مخصوصًا.

يقول عز وجل: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ [الصافات ٧٦] ﴿الْكَرْبِ﴾ معناه ضد السعة، والإنسان المكروب هو الذي أصابه ما يُكرَب به، ولا شيء أعظم من كرْب الموت، وهذا الكرب الذي أصاب قومه كرب عظيم؛ لأنه غرق يموت الإنسان وهو ينظر؛ يعني موت الإنسان بمرض، يعني يموت بشيء يعلم أنه لا قُدرة له على إزالته، لكن بالغرق يموت وهو يؤمِّل أن ينجو، ولهذا تجده بكل قواه يحاول النجاة، ولكن ما تحصل له، فكأنه يموت، يقطعه الموت وهو ينظر إليه؛ فلهذا صار كربًا عظيمًا؛ لأنه موت بغرق، ومثله الموت بالحرق بالنار، فإن الإنسان يموت بأمر يشعر بنفسه أنه يستطيع التخلص منه، ولكن يعجز فيكون وقع الموت بحق عليه أشد؛ ولهذا قال: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ قال المؤلف: (أي الغرق) ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات ٧٧].

وفي الآية إشكال إعرابي، وهي أن ﴿الْبَاقِينَ﴾ منصوبة مع أنها بعد ﴿هُمُ﴾، و﴿هُمُ﴾ يكون مبتدأ، والمبتدأ خبره مرفوع، فلماذا جاءت منصوبة هنا؟

* طالب: فصل.

* الشيخ: الأخ يقول: إنه ضمير فصل، وضمير الفصل ليس له محل من الإعراب، وعلى هذا فتكون ﴿الْبَاقِينَ﴾ المفعول الثاني لـ﴿جَعَلْنَا﴾؛ لأن (جعلنا) من أفعال التصيير؛ فهي بمعنى (صيَّرنا) وتنصب مفعولين؛ المفعول الأول ﴿ذُرِّيَّتَهُ﴾ والمفعول الثاني ﴿الْبَاقِينَ﴾.

وقوله: ﴿هُمُ الْبَاقِينَ﴾ الآن نحن قلنا: إنها ضمير فصل، وضمير الفصل ليس له محل من الإعراب لكن له محل من المعنى، فما هو؟

* طالب: هو يا شيخ يفصل بين الخبر.

* الشيخ: يعني يميز بين الخبر والصفة، هذه واحدة، الثاني؟

* الطالب: التوكيد.

* الشيخ: يفيد التوكيد.

* طالب: ويفيد الإحصار.

* الشيخ: ويفيد الحصر، ففوائد ضمير الفصل ثلاثة: التوكيد، والحصر، والفصل؛ يعني التمييز بين الخبر والصفة، أما هو لا يؤثر في الإعراب إطلاقًا.

﴿ذُرِّيَّتَهُ﴾ من ذريته؟ أي نسله، جعل الله نسل نوح هم الباقين؛ ولهذا يقال: إن نوحًا عليه الصلاة والسلام هو الأب الثاني للبشرية، والأب الأول آدم.

ويقال: إن إبراهيم أبو الأنبياء. ولا يقال: أبو البشرية، لماذا؟ لأن البشر لم ينحصروا في ذرية إبراهيم لكنه أبو الأنبياء؛ لأن الأنبياء من بعده كلهم من ذريته كما قال تعالى فيما سبق ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [الحديد ٢٦]، فما قبل إبراهيم من الأنبياء من ذرية مَنْ؟ نوح، وما بعد إبراهيم من الأنبياء من ذرية نوح وإبراهيم؛ لأن إبراهيم من ذرية نوح ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾.

قال المؤلف: (فالناس كلهم من نسله عليه السلام) كل الناس بعده من نسله..

﴿ذُرِّيَّتَهُ﴾ [الصافات ٧٧] من ذريته؟ أي: نسله، جعل الله نسل نوح ﴿هُمُ الْبَاقِينَ﴾ ولهذا يقال: إن نوحًا عليه الصلاة والسلام هو الأب الثاني للبشرية، والأب الأول آدم، ويقال: إن إبراهيم أبو الأنبياء، ولا يقال: أبو البشرية، لماذا؟ لأن البشر لم ينحصروا في ذرية إبراهيم، لكنه أبو الأنبياء؛ لأن الأنبياء من بعده كلهم من ذريته؛ كما قال تعالى فيما سبق: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [الحديد ٢٦] فما قبل إبراهيم من الأنبياء من ذرية من؟ نوح، وما بعد إبراهيم من الأنبياء من ذرية نوح وإبراهيم؛ لأن إبراهيم من ذرية نوح.

﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ قال المؤلف: (فالناس كلهم من نسله عليه السلام)، كل الناس بعده من نسله، أما قبله فليس من نسله، من نسل آدم، قال المؤلف: (وكان له ثلاثة أولاد: سام وهو أبو العرب وفارس والروم، وحام وهو أبو السودان، ويافث أبو الترك والخزر، ويأجوج ومأجوج وما هنالك) هذا هو المشهور عند المؤرخين أن أولاد نوح عليه الصلاة والسلام كانوا ثلاثة: سام وحام ويافث، لكن لم يأت هذا بسنة صحيحة عن النبي ﷺ، ولا في القرآن ما يدل على ذلك، فالأولى أن نقول: إن الناس بعد نوح من ذريته، وأما هذا التقسيم فيحتاج إلى دليل، وليس هناك دليل من كتاب الله ولا من سنة رسوله ﷺ على ذلك، والله سبحانه وتعالى ذكر أن الأمم السابقة لا يعلمهم إلا الله، في أي آية؟ في سورة إبراهيم: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ [إبراهيم ٩] فإذا نفى الله علم أحد بهم إلا هو سبحانه وتعالى؛ وجب أن يُتلقى علمهم من؟ منين؟ من الله سبحانه وتعالى، من الله لا من غيره، فنرجع إلى الوحي.

وعلى هذا فما في كتب المؤرخين من أحوال الأمم الماضية إذا لم يقم عليه دليل من الكتاب والسنة، فإنه مما يُتوقف فيه، لا يجزم به؛ كحديث بني إسرائيل، فهؤلاء الثلاثة الأبناء لنوح ممن يتوقف فيهم، ونحن لا يهمنا أن يكون الباقون من أولاده ثلاثة أو ثلاثين، المهم أن نؤمن بما دل عليه كتاب الله، وهو أن ذرية نوح هم الذين بقوا، ومن آمن معه ليس لهم ذرية؟ قد يكون لهم ذرية، لكن لم تبق، فالله أعلم. ومن الجائز أن يكون للإنسان ابن وابن ابن ثم ينقطع نسله، ومن الجائز أن يكون له ابن وابن ابن إلى خمسة ثم ينقطع نسله، فلا نعلم، لكن الذي بقي نسله هو نوح ﴿ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾.

﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الصافات ٧٨] (أبقينا ﴿عَلَيْهِ﴾ ) يقول: ﴿تَرَكْنَا عَلَيْهِ﴾ ولم يقل: تركنا له، ﴿تَرَكْنَا عَلَيْهِ﴾ إشارة إلى أن (تركنا) مضمَّنة معنى يناسب حرف الجر المذكور –ننتبه- يقول: ﴿تَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ يعنى أبقينا له ثناءً حسنًا، أقول: لم يقل: تركنا له في الآخرين، بل قد قال: ﴿تَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ فلا بد أن يُضمَّن (تركنا) معنًى مناسبًا لـ(على)، المعنى المناسب لـ(على) هو الثناء، يعني أثنينا عليه ثناءً متروكًا في الآخرين، وهو كذلك؛ فإن الله سبحانه وتعالى أثنى عليه ثناء من أفضل الثناء، قال: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء ٣]، هذا ثناء أعظم ما يكون من الثناء، وأشرف ما يكون من الفخر؛ أن الله عز وجل يصف واحدًا من بني آدم يقول: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾، يعني قائمًا بالعبودية، وقائمًا بالشكر عليه الصلاة والسلام.

إذن أبقى الله عليه ثناء حسنًا في الآخرين إلى آخر الأمم، بل إلى يوم القيامة؛ لأن هذا الكتاب سيبقى إلى أن يرفعه الله عز وجل عند قرب قيام الساعة، وكل هذا القرآن فيه الثناء على نوح.

(﴿تَرَكْنَا عَلَيْهِ﴾ أبقينا عليه ثناء حسنًا ﴿فِي الْآخِرِينَ﴾ من الأنبياء والأمم إلى يوم القيامة)، والظاهر من الآية الكريمة أن جميع الأنبياء الذين جاءوا من بعد نوح كان يُذكر فيهم نوح بالثناء الحسن، فيكون الأنبياء كلهم والأمم يطرون نوحًا عليه الصلاة والسلام بما أثنى الله به عليه لأنه مذكور في كل الكتب.

﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات ٧٩]، ﴿سَلَامٌ﴾ مبتدأ، ونُكر من أجل التعظيم، أي: سلام عظيم؛ لأنه سلام ممن؟ من الله ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾ هذا الثناء معناه أن الله سلمه من القوادح التي تقدح فيه، وحل محل هذه القوادح من البشر الثناء من الله سبحانه وتعالى، فجمع الله له بين أمرين؛ بين الثناء وبين سلامته، أو بين تسليمه مما يقدح فيه، ولهذا نقول: سلام بمعنى تسليم، أي أن الله سلمه من كل ما يضيره من القوادح التي تقدح فيه من بني آدم.

﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾ المراد بـ﴿الْعَالَمِينَ﴾ هنا من بعد نوح، لا من قبله فيما يظهر، وعلى هذا فيكون عامًّا يراد به الخاص.

قال تعالى: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات ٨٠] ﴿إِنَّا﴾ (...) ولكن المراد بها التعظيم؛ فإن الله واحد سبحانه وتعالى، ولكنه إذا ذُكر اسمه بما يدل على الجمع فالمراد به أيش؟ المراد به التعظيم، ﴿كَذَلِكَ﴾ أي مثل هذا الجزاء ﴿نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ يعني كل من أحسن، فإن الله سبحانه وتعالى يجزيه كما جزى نوحًا عليه الصلاة والسلام، وقد جزى الله نوحًا بأمرين؛ بما ترك عليه في الآخرين، وبما سلمه في العالمين، فكذلك من كان مؤمنًا بالله عز وجل محسنًا في عبادته وإلى عباده، فإن الله تعالى يجزيه كما جزى نوحًا، ولذلك تجدون أئمة المسلمين، تجدون أن الله تعالى وضع في قلوب الناس وألسنتهم الثناء عليهم، على الرغم من أن من الناس من يقدح فيهم؛ لأن كل واحد من أهل الخير لا بد أن يقدح فيه واحد من أهل الشر ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان ٣١].

وكذلك كل من تمسك بهدي نبي فإن له عدوًّا من المجرمين بلا شك، لكن يقيض الله سبحانه وتعالى لهذا المؤمن من يبدل هذا القدح بالثناء، ومن يدافع هذا القدح، ولهذا قال: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ الذين أحسنوا.

والإحسان ينقسم إلى قسمين: إحسان في عبادة الله، وإحسان إلى عباد الله، فالإحسان في عبادة الله لا نفسره بأحسن من تفسير رسول الله ﷺ، حيث قال: «الإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩/ ٥) من حديث أبي هريرة.]]، ماذا فهمتم من هذا الحديث؟ «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» ماذا تفهمون؟ نفهم أن العبادة في القسم الأول عبادة طلب، والعبادة في القسم الثاني عبادة هرب، معلوم؟

* طالب: لا.

* الشيخ: ما هو معلوم؟ طيب، العبادة في القسم الأول عبادة طلب «كَأَنَّكَ تَرَاهُ» ومعلوم أن الله سبحانه وتعالى تشتاق إليه النفوس، فإذا كان يعبد الله كأنه يراه فإنه يلح في العبادة ليصل أيش؟ إلى محبوبه، إلى الله عز وجل، «فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ» يعني إن لم تصل إلى هذه الدرجة، وهي عبادة الرغبة والطلب، فإنه يراك، فاعبده عبادة هرب وخوف منه، وهذا ليس كالأول؛ لأن هذا يعبد الله خوفًا منه، والأول يعبده طمعًا، فالمرتبة الأولى أكمل من المرتبة الثانية، ولهذا جعلها النبي ﷺ في الدرجة الثانية، قال: «إِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ» وتعبده كأنك تراه «فَإِنَّهُ يَرَاكَ»، فإياك أن تخالفه أو تقع في معصيته، هذا الإحسان في عبادة الله، أما الإحسان إلى عباد الله، فهو بذل المعروف إليهم بالمال والبدن والجاه، وبعضهم قال: هو بذل الندى، وكف الأذى، وطلاقة الوجه، بذل الندى يعني العطاء، كف الأذى ألا تؤذي أحدًا، لا بقولك ولا بفعلك، طلاقة الوجه ألا تقابل الناس بوجه عابس مكفهر؛ لأن الإنسان مهما كان إذا لقي الناس بوجه عابس مكفهر فليس محسنًا إليهم، بل إن الله سبحانه وتعالى عاتب النبي ﷺ، وهو أفضل الخلق حين حصل له ما حصل مع عبد الله بن أم مكتوم، مع أن الرسول ﷺ حصل له ما حصل اجتهادًا منه، فقال الله تعالى في ذلك، ماذا قال؟ قال: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (٤) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ [عبس ١ - ١٠] كلمات عظيمة لكنها مع ذلك خففها الله عز وجل بأن بدأها بضمير الغيبة، فقال: ﴿عَبَسَ﴾، كأنما يتحدث عن شخص آخر، لا عن الرسول، ولم يقل: عبست وتوليت؛ لأنه كما مر علينا كثيرًا بأن المخاطبة بصيغة الخطاب أعظم وأشد من التحدث بضمير الغيبة.

المهم أن الإحسان للعباد يكون ببذل الندى، وكف الأذى، وطلاقة الوجه، وإن شئت فقل بأن الإحسان إلى العباد: بذل المعروف فيهم بالمال والبدن والجاه، أما بالمال فظاهر بالبدن أن تخدمه، ومع هذا فإذا خدمت الإنسان وأعنته فأنت مأجور؛ كما قال الرسول ﷺ في: «وَتُعِينُ الرَّجُلَ عَلَى دَابَّتِهِ فَتَحْمِلُهُ عَلَيْهَا، أَوْ تَرْفَعُ لَهُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٩٨٩)، ومسلم (١٠٠٩ / ٥٦) من حديث أبي هريرة.]]. ومن البذل البدني طلاقة الوجه، لا شك أنها من البذل المعروف البدني؛ لأنها تتعلق بالبدن، الثالث قلنا: الجاه بأن تنفع الناس بالتوسط والشفاعة فيما فيه الخير لهم ولك (...).

* * *

﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (٦٧) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ [الصافات ٦٦ - ٦٨].

* من فوائد هذه الآية الكريمة وما بعدها: بيان أن هؤلاء -أعني أهل النار والعياذ بالله- لا يمكن أن يخرجوا من النار؛ لقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾.

* ومن فوائدها: أن ظاهرها يفيد تأبيد النار؛ لأنها المرجع النهائي، وهذا يقتضي أنه ليس هناك سواها، وهذا القول -أعني أن النار مؤبدة- هو القول المتعين الذي لا يجوز اعتقاد سواه؛ وذلك لأن الله تعالى ذكر التأبيد في ثلاثة مواضع من القرآن: في سورة النساء، وفي سورة الأحزاب، وفي سورة الجن، ففي سورة النساء يقول الله عز وجل: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء ١٦٨، ١٦٩].

وفي سورة الأحزاب يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الأحزاب ٦٤، ٦٥].

وفي سورة الجن: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن ٢٣] وبعد هذه الآيات الثلاث من عالم الغيب والشهادة لا يجوز العدول عن القول بمدلولها، فإذا كان الساكن خالدًا خلودًا مؤبدًا لزم أن يكون المسكون كذلك، أي مؤبدًا لا يمكن فناؤه، والقول بجواز فناء النار أو بوجوب فناء النار قول ضعيف جدًّا، وقد علق شيخنا رحمه الله على ابن القيم في كتابه شفاء العليل، حيث ذكر الخلاف عن بعض السلف، علق على هذا بأنه قول ضعيف جدًّا، واستغرب أن يقع هذا من مثل ابن القيم رحمه الله؛ لأنه قول منافٍ للقرآن، ولكن لكل جواد كبوة.

* ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أن هؤلاء يمنون ويؤملون بأن يخرجوا من النار، ولكن يرجعون فيها؛ لقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾، وقد ذكرنا في أثناء التفسير أن كون الإنسان يمني أن يخرج ثم يعاد يكون أشد وقعًا عليه وأشد عذابًا وألمًا.

وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ [الصافات ٦٩، ٧٠] من الفوائد: أن هؤلاء المكذبين اتبعوا آباءهم على الضلال؛ لقوله: ﴿أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ﴾ فضلوا مثلهم

* ومن فوائدها: الإشارة إلى ذم التقليد المخالف للحق؛ لأن الله تعالى ذكر هذا تنديدًا بهم، وتوبيخًا لهم أن يجدوا آباءهم ضالين، ثم يتبعوهم ويدعوا طريق الحق، فإذا كان التقليد للضرورة بحيث إن الإنسان لا يتمكن من الوصول إلى الحكم عن طريق الاستدلال؛ فهنا يجوز التقليد للضرورة؛ لقول الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل ٤٣]، ولم يقل: فاستنبطوا من القرآن والسنة إن كنتم لا تعلمون؛ لأن من لا علم عنده لا يمكن أن يستنبط بنفسه، ولو حاول استنباط الأحكام من الأدلة، وهو ليس عنده علم، فسوف يضل ويتخبط خبط عشواء، فالإنسان الذي ليس عنده علم فرضه التقليد، والذي عنده علم فرضه الاجتهاد، وهذا القول وسط بين من يشددون في الإنكار على التقليد، وبين من يشددون في الإنكار على المجتهدين، فيكون التقليد للضرورة.

* ومن فوائد الآية الكريمة: إطلاق الآباء على الأجداد أو لا؟ لأن الظاهر أن قوله: ﴿آبَاءَهُمْ﴾ يشمل الأب الأدنى والأب الأعلى. وإطلاق الأب على الجد ولو بعيدًا معروف في الكتاب والسنة، قال الله تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج ٧٨] فسمى الله إبراهيم أبًا مع أنه جد بعيد.

ويتفرع على هذه القاعدة: ترجيح القول بأن الجد يسقط الإخوة مطلقًا، أي سواء كانوا أشقاء، أم لأب، أم لأم في باب الميراث، وهو القول الراجح أن الجد إذا وجد وهو جد من قبل الأب فإنه يسقط الإخوة، ولو كانوا أشقاء، أو لأب؛ لأنه أب، وهذا القول هو قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وروي عن ثلاثة عشر صحابيًّا، وهو مذهب أبي حنيفة، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو القول الراجح المتعين.

ووجه ذلك أن القائلين بالتوريث أتوا بتفصيلات لو كانت هي الشرع لوجب أن تُبين في كتاب الله وفي سنة رسوله عليه الصلاة والسلام؛ لأنهم يقولون: إن الجد إذا لم يكن من صاحب فرض يُخير بين الثلث والمقاسمة، وإذا كان معه صاحب فرض فإنه يخير بين السدس وثلث الباقي والمقاسمة، فنقول: من أين لكم هذا التقسيم؟ هذا التقسيم لو كان شرعًا لوجب أن يكون في الكتاب والسنة؛ لأن الله سبحانه وتعالى قسم أصحاب الفروض تقسيمًا واضحًا بينًا، فالأم ذكر أحوالها، وكذلك الإخوة والأخوات، الإخوة من أم، والأخوات مطلقا، فأين هذا التقسيم؟ من أين لكم أن الجد إذا لم يكن صاحب فرض فإن ميراثه الثلث أو المقاسمة، وإذا كان صاحب فرض فإن ميراثه السدس أو ثلث الباقي أو المقاسمة، المهم أن هذا سيأتينا إن شاء الله في الفرائض بأوسع من هذا، لكنا تعرضنا لهذا هنا لقوله: ﴿آبَاءَهُمْ﴾.

* ومن فوائد الآية الكريمة: قبح عمل هؤلاء المقلدين حيث كانوا يهرعون على آثار آبائهم، أما في الحق فإنهم ينكصون على أعقابهم، فيتفرع على هذا: خطر هؤلاء الناس الذين إذا جاء الحق موافقًا لأهوائهم أسرعوا إليه، وإذا كان غير موافق نكصوا عنه، وصاروا يتباطؤون فيه، وهؤلاء فيهم شبه من قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ [النور ٤٩]، فإذا كان الحق لهم أتوا إليه مذعنين، وإذا كان الحق عليهم نكصوا وحاولوا أن يلووا أعناق النصوص لتوافق أهواءهم.

وفي قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ﴾ دليل على أن الأمم السابقة قد ضل أكثرهم، وهو كذلك، وقد مر علينا «أن الرسول ﷺ رأى النبي ومعه الرَّهْط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحدٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٧٥٢)، ومسلم (٢٢٠ / ٣٧٤) من حديث عبد الله بن عباس.]].

* ومن فوائدها: تسلية النبي ﷺ بذكر المماثل للذين كذبوه؛ لأن الإنسان يتسلى ويتأسى بمصائب غيره.

* ومن فوائد الآية: عناية الله عز وجل برسوله صلى الله عليه ويسلم، حيث كان يضرب له من الأمثلة ما يسليه بها؛ لأن سلو الإنسان بغيره يهون عليه الأمر، ويزيده قوة واندفاعًا فيما يدعو إليه.

* ومن فوائدها: تهديد هؤلاء المكذبين لرسول الله ﷺ أن يصيبهم مثل ما أصاب الأمم السابقة.

وفي قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الصافات ٧٢] دليل على أن الله تعالى أقام الحجة على كل أمة؛ لقوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ﴾ أي: في الأولين ﴿مُنْذِرِينَ﴾، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤] فكل القرى قامت عليها الحجة.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском