Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
As-Saffat 37:64–82, continued
* ويستفاد من الآية أيضًا: أن من لم تبلغه الرسالة فلا حجة عليه؛ لأنه لم يبلغه الإنذار، وهو كذلك، ولكن ماذا يكون مصير هذا الرجل، أو ماذا يكون حكمه في الدنيا والآخرة؟ نقول: أما في الدنيا فيحكم بما يتعبد به ويتدين به، فإن كان يتدين باليهودية فهو يهودي، أو بالنصرانية فهو نصراني، أو بالمجوسية فهو مجوسي، أو بالشيوعية فهو شيوعي، هذا في الدنيا، يعني أننا لا نجري عليه أحكام المسلمين في هذه الحال؛ لأنه يدين بغير الإسلام، أما في الآخرة فحكمه إلى الله عز وجل، وأصح الأقوال في هذا أن الله سبحانه وتعالى يمتحنهم بما يشاء، فمن أطاع منهم دخل الجنة، ومن عصى دخل النار (...)، نعيد هذه المسألة: ما حكم من لم تبلغه الرسالة في الدنيا؟ حكمه حكم ما يدين به؛ لأننا ليس لنا إلا الظاهر، أما في الآخرة فأمره إلى الله عز وجل، يقيم الله له امتحانًا يوم القيامة بما يشاء، فإذا أطاع دخل الجنة، وإذ عصى دخل النار، فإذا قال قائل: وهل في الآخرة تكليف؟ ألستم تقولون: إن التكليف ينقطع بالموت؟
فالجواب: نعم، في الآخرة تكليف، قال الله عز وجل: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم ٤٢] ودعوتهم إلى السجود تكليف.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي في الخطاب أن يذكر ما يناسب المقام، وأن يحذف ما تكون الفصاحة في حذفه، وجهه أنه اقتصر هنا على ذكر الإنذار بالنسبة للرسل، مع أن الرسل عليهم الصلاة والسلام حالهم الإنذار والتبشير، قال الله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء ١٦٥].
* ومن فوائد الآية الكريمة: رحمة الله سبحانه وتعالى بالخلق، حيث لم يكلهم إلى عقولهم في تعبدهم لربهم عز وجل، ما وجهه؟ أنه أرسل إليهم الرسل، وأرسل إليهم الرسل أيضًا ليس مجرد (...) ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ [الحج ٧٧] لا، بل قرن دعوتهم بماذا؟ بالإنذار والتبشير؛ ليكون ذلك حافزًا لهم على فعل الأوامر واجتناب النواهي.
* ومن فوائد قوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [الصافات ٧٣] تنبيه العاقل إلى النظر في عواقب المكذبين، وكذلك في عواقب المجيبين، فإن الإنسان مأمور بالنظر في حال هؤلاء وهؤلاء، فإذا نظر في عواقب المجيبين وأنها عواقب حميدة صار منهم، وإذا نظر إلى عواقب المكذبين حذر منهم وابتعد عنهم؛ لقوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله لا يعاقب على الذنب إلا بعد قيام الحجة؛ لقوله: ﴿عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾ فهم أنذروا فكانت العاقبة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أنه ينبغي للناظر أن ينظر إلى كيفية العقوبة؛ لتكون أعظم في تصوره من وجه، وليعرف حكمة الله عز وجل في مناسبة العقوبة، ليش؟ للذنب، فينظر لهذين الأمرين لبيان هذه العقوبة وشدتها ولبيان مناسبتها للذنب ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾.
وفي قوله تعالى: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الصافات ٧٤] إشارة إلى أن المخْلَص أو المخْلِص، وهما متلازمان، إخلاصهم هم وإخلاص الله لهم إلى أن عاقبته النجاة، وجهه الاستثناء ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ فإن هؤلاء عاقبتهم النجاة وعاقبتهم حميدة.
* ومن فوائدها: حث الإنسان على أن يكون من هؤلاء العباد لينجو.
* ومن فوائدها: فضيلة الإخلاص؛ لقوله: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ والإخلاص كما تعلمون هو الذي أمرنا به، ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة ٥]، ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر ١٤] ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر ٢]، والإخلاص كما مر علينا هو إزالة جميع الشوائب في العبادة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تشريف هؤلاء المخلصين، بماذا؟ بإضافة عبوديتهم إلى الله، فإنه لا شك أن ما يضاف إلى الله ينال الشرف، ولهذا شرف الله بيته بإضافته إليه، فقال: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ [الحج ٢٦] وشرف الله المساجد بإضافتها إليه.
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ [البقرة ١١٤]، وسماها النبي عليه الصلاة والسلام بيوت الله: «مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ»[[أخرجه مسلم (٢٦٩٩ / ٣٨) من حديث أبي هريرة.]] وهذا لا شك تشريف للمضاف.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان نعمة الله على هؤلاء العباد، حيث أخلصهم لنفسه فلم يكن لهم مقصود إلا الله عز وجل.
فإن قال قائل: أليس هؤلاء العباد لهم مقصود فهم يأكلون قصدًا ويشربون قصدًا، ويتمتعون بالمساكن وبالنساء قصدًا، فقد دخل في قصدهم قصد ما سوى الله، فما الجواب؟
الجواب: أنهم يتقربون إلى الله بهذا القصد، فمثلًا في الأكل يأكل الإنسان تشهيًا بلا شك، ودفعًا للضرورة، لكن يمكن أن يكون هذا الأكل عبادة من وجوه: أولا: إذا قصد به امتثال أمر الله؛ لأن الله أمر بالأكل والشرب.
ثانيًا: إذا قصد به حفظ صحته وقيام بنيته؛ لأن الإنسان مأمور بمراعاة نفسه، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء ٢٩]، وقال النبي ﷺ: «إِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا»[[أخرجه البخاري (١٩٦٨) من حديث أبي جحيفة.]]، إذا قصدوا بذلك الاستعانة بهذا الأكل والشرب على طاعة الله، ولا سيما إذا كان معينًا إعانة مباشرة، كما في قوله عليه الصلاة والسلام: «تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً»[[متفق عليه؛ البخاري (١٩٢٣)، ومسلم (١٠٩٥ / ٤٥) من حديث أنس بن مالك.]].
الرابع: إذا قصد بذلك التبسط بنعم الله فإن الله يحب من عبده أن يتبسط بنعمته؛ لأن الكريم يحب أن يتبسط الناس بكرمه، ومن أشرف وقت عند الكريم أن يطرق بابه الضيوف ليكرمهم، أليس كذلك؟ لكن البخيل بالعكس؛ إذا قرع الباب قال: ما هو بموجود، لكن الثاني يكون قد فتح بابه للناس، ويفرح إذا جاء الناس وتبسطوا بضيافته.
إذن قصد الإنسان التنعم بنعمة الله والتبسط بها، لا شك أن هذا قربة إلى الله عز وجل؛ لأن الله يحب إذا أنعم على عبده نعمة أن يرى أثر نعمته عليه.
* طالب: (...) ابن القيم قال في حادي الأرواح: إن النار ناران؛ نار الكفار ونار عصاة الموحدين، أما نار عصاة الموحدين فهي اللي تفنى، أما نار الكفار فلا تفنى، أليس تفصيل هذا يقضى على أن (...) ابن القيم لم يقل بفناء النار؟
* الشيخ: لا، هو ذكر في كتاب شفاء العليل الخلاف في نار جهنم التي هي للكافرين.
* طالب: أليس هذا تقييدًا ما أطلقه في شفاء العليل؟
* الشيخ: (...) قول ثان، الكلام على أن تعليق شيخنا على هذا الذي وجده أمامه.
* طالب: الذي بلغته الرسالة، ولكن هو يولد في بيئة عمت فيه الشرك، وعندهم (...) وهم قد غرسوا في قلبه عداوة بينه وبين الذين عندهم العقيدة الصحيحة ما حكمه؟
* الشيخ: الظاهر أنه قد قامت عليه الحجة؛ لأن الله تعالى أقام الحجة على المشركين، مع أن عامة المشركين أو عوام المشركين لا يفهمون.
* الطالب: هو مسلم، يعني ولكن..
* الشيخ: إي، لكنه مسلم مشرك، فمثلًا إذا قيل له: إن الذهاب إلى صاحب القبر ودعاءه شرك.
* طالب: هو ما يعرف..
* الشيخ: (...) لم يعرف هذا معناه أنه لم تقم عليه الحجة، إنما قولنا في رجل يعرف قيل له: إن هذا شرك، وقيل له: إن الله يقول: ﴿ادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر ١٤]، وقالوا له: إن الله يقول: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر ٦٠] وبين له الآيات، أما مجرد أن يأتيه رجل من الناس ويقول له: ترى إن هذا شرك فقد لا يكون في هذا إقامة حجة، عرفت؟
* طالب: في بعض الناس (...) لا يعرفون من الإسلام إلا اسمه فقط، لا يعرفون ما هو الإسلام، هل هذا كفاية لإقامة الحجة فقط، يعني يعرفون أنه في ..
* الشيخ: هذه المسألة تنبني على خلاف العلماء؛ هل العذر إقامة الحجة، أو فهم الحجة؟ فمن العلماء من يقول: إذا قامت الحجة سواء فهمها المدعو أم لم يفهم فلا عذر له، ومنهم من يقول: لا بد من أن يفهم الحجة تقام عليه ويفهمها، أما إذا لو بُعث رسول يدعو إلى الهدى ولكن ما فهم هذا الشيء، فإنه لا تقوم عليه الحجة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [إبراهيم ٤] بعد أن يبين ويعرف ينقسم الناس بهؤلاء الرسل إلى ضال ومهتدٍ، والمسألة تحتاج إلى تأمل في الواقع: هل يُكتفى بمجرد قيام الحجة واذا قامت عليه الحجة عليه أن يبحث عن المعنى، فيقال: أنت فرطت، فيقال: لماذا لم تستفهم فأنت مقصر؟ أو يقال: إن الرجل إذا قامت عليه حجة وبلغته، لكن على وجه مشوش، فهذا معذور، لا سيما إذا مات في زمن لم يتمكن فيه من البحث والاستفسار.
على كل حال هي مسألة لها غور عظيم، وتحتاج إلى مراجعة كلام أهل العلم في هذه المسألة مراجعة تامة؛ لأنها في وقتنا الحاضر تدعو الحاجة إلى فهمها؛ إذ إن فيه كثير من المسلمين على هذا الوجه، يعني بين لهم الحق أو عرض لهم الحق عرضًا مشوشًا كما يوجد بين أهل البدع الآن، مثلًا فيه ناس مثل بدعة الرافضة، بدعة الخوارج، بدعة الأشعرية، بدعة المعتزلة، بدع كثيرة مشوش على الناس فيها ولبس فيها الحق بالباطل، فكثير من الناس يظنون أن الحق معهم، وهم على بدعة وضلالة، فالمسألة تحتاج الحقيقة إلى بحث تام في هذا الموضوع، ومراجعة كلام أهل العلم، لا سيما العلماء المتحررون في أفكارهم؛ كشيخ الإسلام ابن تيمية، والشيخ محمد بن عبد الوهاب ومن أشبههما (...).
* * *
* طالب: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (٧٩) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (٨١) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٨٢) وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (٨٣) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٧) فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات ٧٩ - ٨٩].
* الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، سبق لنا بيان الفوائد، وأظن وصلنا إلى قوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [الصافات ٧٣]؟
قال الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ إلى آخره.
* في هذه الآية من الفوائد: بيان تأكيد الشيء بالقسم إذا دعت الحاجة إليه، وأن هذا من فصيح الكلام؛ لأن الله سبحانه وتعالى أكد هذا بالقسم واللام و(قد).
* ومن فوائده: حث النبي ﷺ وغيره على دعاء الله سبحانه وتعالى، وأن الله إذا ناداه عبده بالدعاء أجابه.
* ومن فوائدها: إثبات سمع الله؛ لقوله: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾، ولا إجابة إلا بعد السمع.
* ومن فوائدها: الثناء على نوح عليه الصلاة والسلام، وذلك بلجوئه إلى ربه عند حلول المضايق.
* ومن فوائد قوله: ﴿فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ الثناء على الله سبحانه وتعالى بكمال الإجابة؛ لأن الثناء على المجيب يستلزم الثناء على الإجابة، فإجابة الله عز وجل ليست كإجابة غيره، بل هي إجابة فضل وإحسان، قد يعطي الإنسان أكثر مما سأل.
* ومن فوائدها: بيان رحمة الله سبحانه وتعالى بإجابته دعوة الداعي، وبيان قدرته على إجابة الدعوة؛ لأن الإجابة تستلزم القدرة عليها؛ إذ إن العاجز لا يمكن أن يجيب.
* ومن فوائدها: بيان عظمة الله، وذلك بالإتيان بالواو في صفته، في قوله: ﴿الْمُجِيبُونَ﴾؛ فإن هذه قطعًا ليست للجمع؛ لأن الله واحد، ولكنها للتعظيم.
* ومن فوائد قوله: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ [الصافات ٧٦] بيان أن قومه أُصيبوا بكرب عظيم، وهو الهلاك بالغرق، وأن الله سبحانه وتعالى نجَّى نوحًا وأهله.
* ومن فوائدها أيضًا: بيان قدرة الله، حيث حل العذاب بهذه الأمة، فنجا قوم وغرق قوم.
* ومنها، أي من الفوائد: كمال عدله سبحانه وتعالى، حيث جازى كل واحد بما يستحق، فمن استحق النجاة نجاه، ومن استحق الهلاك أهلكه.
* ومن فوائدها: جواز إطلاق العام وإن كان مخصوصًا؛ لأن قوله: ﴿أَهْلَهُ﴾ يشمل أيش؟ المؤمن والكافر منهم، وقد دلت آيات أخرى على أن من أهله من لم ينجُ.
* ومن فوائد قوله: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات ٧٧] أن نوحًا عليه الصلاة والسلام هو الذي بقي نسله من بني آدم، فكل من بعد نوح فهو من نسله، ولهذا يُسمَّى الأب الثاني للبشرية، وهنا سؤال، وهو أن يقال: إن النبي ﷺ ذكر أن الله خصه بأنه بعثه إلى الناس كافة، وكان النبي يُبعَث إلى قومه خاصة[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٨)، ومسلم (٥٢١/ ٣) من حديث جابر بن عبد الله.]]، وظاهر هذه الآية الكريمة أن نوحًا بُعث إلى البشر جميعًا؛ لقوله: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾، وذريته كانوا مباشرين له، لم يكونوا في مكان آخر.
والجواب على ذلك أن هذه الآية لا تستلزم ما ذكر، فقد يكون هناك أمم في أماكن بعيدة لكنها فنِيت ولم يبقَ إلى ذرية نوح، وتكون الأمم البعيدة التي لم تشملها دعوة نوح يكون لها رسل، ثم فنيت هذه الأمم والرسل الذين بُعثوا إليها، ولم يبقَ إلا ذرية نوح.
* ومن فوائد قوله: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الصافات ٧٨] بيان فضل الله سبحانه وتعالى على العبد بثناء الآخرين عليه؛ لأن الميت إذا مات انقسم الناس فيه إلى قسمين: قسم يثني ثناء حسنًا، وقسم يثني ثناء سيئًا، وقلَّ مَن تتفق الأمة عليه بالثناء، وأعني بالأمة أمة الدعوة، أما أمة الإجابة فكثيرًا ما يتفقون على الثناء على شخص معين، لكن أمة الدعوة اللي فيهم الكافر والمؤمن والفاسق والعاصي لا يتفقون على الثناء على شخص؛ لأن كل من قوي إيمانه ودعوته إلى الله فسيجد مضادًّا من أعداء الله سبحانه وتعالى، لكن أهل الخير والإيمان يحبون الداعية إلى الله ويثنون عليه بما يستحق.
وفي قوله: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات ٧٩] دليل على أن نوح عليه الصلاة والسلام قد برأه الله سبحانه وتعالى في الآخرين، حيث يقولون القول الذي فيه سلامته من القدح، فيكون الله قد جمع له بين الثناء الحسن ودفع الثناء السيئ؛ لقوله: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا، من فوائد الآية: إطلاق العام وإرادة الخاص؛ لأن قوله: ﴿فِي الْعَالَمِينَ﴾ لا يتناول من قبل نوح، فإن الظاهر أنه لم يسبق له ذكر فيما سبق.
* ومن فوائد قصة نوح ككل، من فوائدها: إدخال البشارة على رسول الله ﷺ وأصحابه، حيث يكون لهم أسوة في نوح ومن نجا معه، وتهديد المكذبين له، حيث يكون لهم إنذار لما جرى للمكذبين لنوح عليه الصلاة والسلام.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾ [الصافات ٨٣].
* ومن فوائد قوله: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ أن المحسن يُجازَى بمثل ما جُوزي به نوح عليه الصلاة والسلام، وذلك بإنجائه من الهلاك وسلامة عرضه من الذكر السيئ، وكلما كان الإنسان أكثر إحسانًا كان أكثر ثوابًا وأسلم.
* ومن فوائد الآية: إثبات القياس لقوله: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ يعني مثل هذا الجزاء نجزي كل محسن.
* ومن فوائدها: أن الله سبحانه وتعالى يرتب الجزاء والعقوبة والثناء والقدح على الأوصاف، لا على الأشخاص؛ لأنه هو علق الجزاء على الإحسان، ولهذا لم يأتِ شيء من أحكام الله سبحانه وتعالى مقيدًا بشخص لشخصه أبدًا، حتى خصائص الرسل، ليست من باب خصائص الأشخاص، لكن من باب خصائص الأوصاف؛ لأن فيهم وصفًا زائدًا على غيرهم، وهو وصف النبوة والرسالة، فخصوا ببعض الأحكام المناسبة لمقامهم، أما أن يُخص شخص بعينه لأنه فلان بن فلان مثلًا، فهذا لا يوجد في الشريعة؛ لأن الله سبحانه وتعالى يرتب الأحكام ويعلقها على الأوصاف، لا على الأشخاص.
* ومن فوائد الآية قوله: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ الإشارة إلى كمال هذين الوصفين، وهما العبودية والإيمان، وأنهما أشرف وصف يتصف به الإنسان أن يكون عبدًا لله مؤمنًا به؛ لأن الله قال: إنه من عبادنا المؤمنين، يعني نوحًا، ونوح عليه الصلاة والسلام من أولي العزم من الرسل، فإذا كان من مناقبه وفضائله أن يكون من عباد الله المؤمنين دل ذلك على فضيلة العبودية والإيمان.
* ومن فوائد قوله: ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾ بيان حكمة الله سبحانه وتعالى، حيث أغرق هؤلاء المكذبين لرسوله عليه الصلاة والسلام، بل المكذبين لرسله؛ لأن الله قال: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء ١٠٥]. وتكذيب قوم نوح ليس من أجل أنه نوح، ولكن من أجل ما جاء به، ولهذا كان تكذيب رسول واحد تكذيبًا لجميع الرسل؛ لأنه تكذيب لجنس الرسالة، وليس لشخص المرسل.
* ومن فوائدها أيضًا: إقامة العدل بإغراق هؤلاء المكذبين؛ لأن الله سبحانه وتعالى لم يغرقهم ظلمًا، بل هم الذين ظلموا أنفسهم.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences