Ibn 'UthayminAs‑Saffat · 37:83–96

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

As-Saffat 37:83–96

37:83–96Page 449

۞ وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِۦ لَإِبۡرَٰهِيمَ ٨٣

And indeed, among his kind was Abraham,

إِذۡ جَآءَ رَبَّهُۥ بِقَلۡبٖ سَلِيمٍ ٨٤

When he came to his Lord with a sound heart

إِذۡ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوۡمِهِۦ مَاذَا تَعۡبُدُونَ ٨٥

[And] when he said to his father and his people, "What do you worship?

أَئِفۡكًا ءَالِهَةٗ دُونَ ٱللَّهِ تُرِيدُونَ ٨٦

Is it falsehood [as] gods other than Allāh you desire?

فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٨٧

Then what is your thought about the Lord of the worlds?"

فَنَظَرَ نَظۡرَةٗ فِي ٱلنُّجُومِ ٨٨

And he cast a look at the stars

فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٞ ٨٩

And said, "Indeed, I am [about to be] ill."

فَتَوَلَّوۡاْ عَنۡهُ مُدۡبِرِينَ ٩٠

So they turned away from him, departing.

فَرَاغَ إِلَىٰٓ ءَالِهَتِهِمۡ فَقَالَ أَلَا تَأۡكُلُونَ ٩١

Then he turned to their gods and said, "Do you not eat?1

مَا لَكُمۡ لَا تَنطِقُونَ ٩٢

What is [wrong] with you that you do not speak?"

فَرَاغَ عَلَيۡهِمۡ ضَرۡبَۢا بِٱلۡيَمِينِ ٩٣

And he turned upon them a blow with [his] right hand.

فَأَقۡبَلُوٓاْ إِلَيۡهِ يَزِفُّونَ ٩٤

Then they [i.e., the people] came toward him, hastening.

قَالَ أَتَعۡبُدُونَ مَا تَنۡحِتُونَ ٩٥

He said, "Do you worship that which you [yourselves] carve,

وَٱللَّهُ خَلَقَكُمۡ وَمَا تَعۡمَلُونَ ٩٦

While Allāh created you and that which you do?"

قال: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾ [الصافات ٨٣] أي ممن تابعه في أصل الدين.

﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾ هذه الجملة مكونة من (إن) واسمها وخبرها، واسمها متأخر ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ هو الاسم، والخبر مقدم ﴿مِنْ شِيعَتِهِ﴾، واللام هنا لام التوكيد، أي أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام من شيعة نوح عليه الصلاة والسلام، والشيعة تُطلق في اللغة على كل من شايع الإنسان وتابعه وأعانه وناصره، فهو شيعته، إبراهيم عليه الصلاة والسلام من شيعة نوح، أي من أتباعه وأشكاله وناصري ما جاء به من الشرع، فإن من نصر الشرع في أي زمان ومكان فإنه ناصر لجميع الشرائع؛ لأن تأييد الشرع الذي جاء من الله في أي زمان ومكان تأييد لشرع الله كله، ولهذا نحن مثلاً نفرح بانتصار الرسل وأتباعهم ولو كانوا في زمن بعيد، ولو كانوا ليسوا من الذين أرسلوا إلينا خاصة، فإبراهيم عليه الصلاة والسلام من شيعة نوح، أي من مؤيديه وأتباعه فيما جاء به، وليس في نفس الشريعة، ولكن في الجنس، أي أنه يؤيد وينصر الوحي الذي هو من جنس الوحي الذي جاء به نوح عليه الصلاة والسلام.

ولهذا قال المؤلف: (أي ممن تابعه في أصل الدين)، وهو قبول وحي الله عز وجل، والعمل به، والدعوة إليه، إذن جميع الرسل بعضهم لبعض شيعة، يعني هم كلهم يتناصرون ويؤمنون بالوحي كله. وقوله: (﴿لَإِبْرَاهِيمَ﴾ وإن طال الزمان بينهما، وهو ألفان وست مئة وأربعون سنة)، قوله: (وإن طال الزمان بينهما) هذا صحيح لا شك أن بين نوح عليه الصلاة والسلام وإبراهيم أزمانًا طويلة، لكن تقييدها بما ذكره المؤلف يحتاج إلى دليل صحيح؛ إما من كتاب الله أو سنة رسول الله ﷺ، ولا نعلم لهذا أصلًا في القرآن ولا في السنة.

فإن قيل: فإنما هو مما نُقل عن بني إسرائيل، لا نصدق به ولا نكذبه.

(وكان بينهما هود وصالح) ودليل ذلك أن الله سبحانه وتعالى يقرن قصة هود دائمًا بقصة نوح ومن بعدها قصة صالح، وهذا مما يدل على أن هؤلاء الثلاثة قبل إبراهيم، إدريس ذكر بعض المؤرخين أنه كان قبل نوح ولكنه قول ضعيف جدًّا؛ لأنه سبق لنا أن نوحًا عليه الصلاة والسلام هو أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض، والقول بأن إدريس قبله قول ضعيف، بل هو باطل في الواقع، فنوح أول الرسل، وإدريس يظهر -والله أعلم- أنه من أنبياء بني إسرائيل.

قال: ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ قال المؤلف: (أي: تابعه وقت مجيئه) يحتمل ما قال المؤلف وأن ﴿إِذْ﴾ متعلقة بقوله: ﴿شِيعَتِهِ﴾ أي: وممن شايعه حين جاء ربه بقلب سليم إبراهيم، ويحتمل أن ﴿إِذْ﴾ استئنافية، وأن تقدير الكلام: اذكر ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، وهذا هو الأصح، فالصحيح أنها ليست متعلقة بذلك، وأنه من شيعته وقت المجيء، بل هو من شيعته وقت المجيء وغيره، لكن أراد الله هذا أن ننوه بهذا الوصف العظيم لإبراهيم عليه الصلاة والسلام ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ قال: (من الشك وغيره) ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ﴾ متى مجيئه لربه؟ هل المراد جاء ربه حين لاقاه بعد الموت، أو جاء ربه حين آذاه قومه وهددوه بالإحراق، أم نطلق كما أطلق الله؟ الأولى أن نطلق كما أطلق الله ونقول: ﴿جَاءَ رَبَّهُ﴾ في الوقت الذي يعلم الله سبحانه مجيئه فيه ﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾. قال المؤلف: (من الشك وغيره) والصحيح أن السلامة أعم مما قال المؤلف، فهو سليم من الشبهات، وسليم من الشهوات، سليم من الشبهات، ليس فيه شك بأي وجه من الوجوه، بل هو على علم ويقين بما آمن به، سليم من الشهوات، ليس في قلبه هوى مخالف لما جاء به الوحي، وهذه هي سلامة القلب، أن يكون سالمًا من الشبهات التي تعرض له والشكوك، فيكون مؤمنًا حقًّا، وأن يكون سالمًا من الشهوات.

وما هي الشهوات؟

الشهوات: الإرادات المخالفة لما جاء به الوحي، فهل كل قلب يهوى ما جاء به الوحي؟ لا، القلوب جوالة يمينًا وشمالًا، أحيانًا قلب الإنسان نفسه يتجول في بعض الأحيان، يكون مقبلًا غاية الإقبال على الوحي محبًّا له مطبقًا له، وأحيانًا يجد فتورًا عن الإقبال على الوحي، وفتورًا عن تطبيق ما جاء به الوحي، ولهذا ينبغي للإنسان دائمًا أن يسأل الله سبحانه وتعالى الثبات على الأمر، وثبات القلب؛ لأن القلب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء، فعلى الإنسان ألا يغتر بنفسه ولا يعجب بعقيدته، عليه أن يسأل الله دائمًا الثبات؛ لأن القلب -كما قلت- يعتريه شبهات ويعتريه شهوات، أحيانًا يكون الإنسان مؤمنًا حقًّا، ثم يُلقي الشيطان في قلبه شبهة فيعمى والعياذ بالله ويضل، أحيانًا يكون الإنسان صالحًا مستقيمًا على أمر الله، فيلقي الشيطان في قلبه شهوة فيضل ويتبع الشهوات، فالقلب السليم هو السالم من أيش؟ من الشبهات والشهوات، بل فيكون إذا سلم من ذلك مستقيمًا على طاعة الله سبحانه وتعالى.

﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾.

(﴿إِذْ قَالَ﴾ في هذه الحالة المستمرة له ﴿لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ﴾ ) هذا نقول فيه كما قلنا في: ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ﴾ أنها جملة استئنافية لبيان حال إبراهيم عليه الصلاة والسلام، فكان قلبه سليمًا صالحًا في نفسه، ومع ذلك يحاول إصلاح غيره ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ﴾ (موبِّخًا لهم) ﴿مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾، ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾ قال المؤلف: (موبخًا لهم)، فالاستفهام هنا بمعنى التوبيخ، والتوبيخ يَستلزِم الإنكار عليهم وزيادة؛ لأنك قد تنكر على الإنسان بدون توبيخ، ولكن إذا وبخته فإن توبيخك مستلزم للإنكار عليه.

قوله: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ﴾ سمى الله هذا الأب في سورة الأنعام فقال: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا﴾ [الأنعام ٧٤]، وكان أبوه مشركًا ووعده عليه الصلاة والسلام أن يستغفر له: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم ٤٧]، فاستغفر له، ولكنه لما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه، ومحاورته بينه وبين أبيه في سورة مريم واضحة، كيف يخاطبه بالرفق واللين، ولكن ذلك يخاطبه بالشدة والعنف، قال له: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي﴾ أي: دعني واتركني ﴿مَلِيًّا﴾ [مريم ٤٦] أي زمنًا طويلًا.

﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾ [الصافات ٨٥] ﴿مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾ هذه جملة استفهامية، ولكن هل (ذا) ملغاة أو اسم موصول؟ يجوز الوجهان، فإن جعلناها اسمًا موصولًا أعربنا (ما) مبتدأ و(ذا) خبره، وجعلنا العائد محذوفًا والتقدير: ما الذي تعبدونه؟ هذا إن جعلناها اسمًا موصولًا، وإن جعلناها ملغاة فإننا نعرب ﴿مَاذَا﴾ جميعًا، ونقول: (ماذا) اسم استفهام مفعول مقدم لـ﴿تَعْبُدُونَ﴾، ﴿مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾ أو نقول (ما) اسم استفهام مقدَّم، و(ذا) لا محل لها من الإعراب، حرف أو بمنزلة الحرف، ليس لها محل من الإعراب، على كل حال الإعراب لا يهمنا، إنما المعنى أنه أنكر عليهم وقال: ما الذي تعبدون؟ هل تعبدون إلهًا حقًّا، أو تعبدون إلها باطلًا.

(﴿أَئِفْكًا﴾ [الصافات ٨٦] في همزتيه ما تقدم) وهو التحقيق والتسهيل، تسهيل الثانية وإدخال ألف بينهما في التحقيق والتسهيل، فتكون القراءات أربعًا.

يقول: ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ يقول: (إفكًا مفعول له، وآلهة مفعول به لتريدون، والإفك أسوأ الكذب، أي: أتعبدون غير الله)، المؤلف رحمه الله أعرب لنا هذه الجملة فقال: إن (إفكًا) مفعول له، أي: مفعول لأجله، وإن قوله: ﴿آلِهَةً﴾ مفعول لـ(تريدون)، و(دون الله) صفة لـ(آلهة)، والاستفهام في قوله: ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً﴾ كالذي قبله، لأي شيء؟ للتوبيخ، يعني أتريدون آلهة غير الله من أجل الإفك والكذب يحملكم على هذا الإفك، وهو أسوأ الكذب، المعنى: أتريدون آلهة دون الله تعبدونها، فالإرادة هنا بمعنى القصد، والآلهة بمعنى المألوهة، أي: المعبودة، تريدون ذلك للإفك الذي أفكتموه، وهو أسوأ الكذب، ولا شك أن أسوأ الكذب وأظلم الكذب من جعل مع الله إلهًا آخر، فإنه أكذب الكاذبين، وأظلم الكاذبين أيضًا، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان ١٣]، وهنا قال: دون الله، أي: سواه وغيره، وربما تشعر بدون المنزلة، أي أنها لا تساوي الله عز وجل، فكيف تريدونها آلهة وتقصدونها.

يقول: (﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات ٨٧] إذا عبدتم غيره أنه يترككم بلا عقاب) إلى آخره.

قوله: ﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الاستفهام هنا استفهام تهديد على كلام المؤلف، يعني ماذا تظنون أن الله فاعل بكم إذا عبدتم غيره، أتظنون أن يترككم؟ والجواب: لا، ويحتمل أن المعنى إذا اتخذتم مع الله غيره إلهًا فما ظنكم به؟ أتظنون أنه يقبل هذه الشركة؟ فالله عز وجل لن يقبل، قال تعالى: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة.]]، أو ﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فما ظنكم بعظمته وجلاله، لو كنتم عظمتموه حق تعظيمه ما أشركتم به غيره، فالمهم أن هذه الاستفهام في قوله: ﴿فَمَا ظَنُّكُمْ﴾ تشمل كل هذه المعاني، ما ظنكم به أن يترككم هملًا بدون عقاب، ما ظنكم به إذا اتخذتم معه غيره أنكم تنقصتموه، ما ظنك به أنه يرضى أن تعبدوا معه غيره، كل هذا أمر إن كانوا يظنونه فقط أساءوا الظن بالله، ولم يقدروا الله حق قدره، ولكن هذه الظنون تلزمهم إذا اتخذوا مع الله غيره، لا يمكن أن يفروا عنها، وقوله: ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ سبق لنا أن المراد بالعالم هنا ما سوى الله عز وجل، كل ما سوى الله فهو عالم، وسموا عالمًا؛ لأنهم علم على الله، يستدل بمخلوقاته سبحانه وتعالى عليه، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [فصلت ٣٧]، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ [الروم ٢٠]، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ [الروم ٢٢] إلى آخر ما استدل الله به على نفسه من آياته، فقوله: ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ المراد بالعالمين من؟ من سوى الله، وسموا عالمًا لأنهم علم على خالقه ودليل عليه، وقوله: ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الربوبية هنا عامة ولَّا خاصة؟ عامة، ولهذا قال: ﴿الْعَالَمِينَ﴾ بالشمول لكل أحد.

قال المؤلف: (وكانوا نجامين، فخرجوا إلى عيد لهم وتركوا طعامهم عند أصنامهم، زعموا التبرك عليه، فإذا رجعوا أكلوه، وقالوا للسيد إبراهيم: اخرج معنا ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ﴾ ) هذا الكلام المقدر الذي زعمه المؤلف أنه محذوف من باب الإيجاز بماذا؟ بالحذف يحتاج إلى دليل أن هؤلاء القوم صنعوا طعامًا ووضعوه عند هذه الأصنام للتبرك عليه، وأنهم أرادوا أن يأكلوه بعد رجوعهم، وطلبوا خروج إبراهيم معهم، كل هذا يحتاج إلى دليل، وذكرنا فيما سبق أن قصص الأنبياء السابقين لا يعلمه إلا الله: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ [إبراهيم ٩]، فإذا كان الأمر كذلك فإننا لا نتلقى أخبار هؤلاء القوم إلا من الوحي؛ إما بالكتاب وإما بالسنة، وما جاء من أخبارهم من غير هذا الطريق، أي: طريق الوحي، فإننا نتوقف فيه ما لم نعلم مناقضته للشرائع، فإن علمنا مناقضته للشرائع وجب علينا رده.

فإذن نقتصر في هذه القصة على ما ذكر الله عز وجل، وأن إبراهيم في يوم من الأيام نظر نظرة في النجوم من أجل محاجة قومه وإظهار عجزهم، فهو كقوله تعالى في سورة الأنعام عن محاجة إبراهيم لقومه: ﴿لَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ﴾ أي غاب ﴿قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ [الأنعام ٧٦]؛ لأن الرب لا يمكن أن يغيب عن مربوبه، فلما غاب هذا النجم علم أنه ليس برب؛ لأن الرب لا بد أن يكون له كمال الرعاية لمن كان ربًّا لهم.

﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام ٧٧] والقمر أبين وأظهر من الكوكب ﴿فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ [الأنعام ٧٧]، وهذا تعريض لقومه بماذا؟ بالضلال، شوف، تدرج، الأول قال: ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ يعني وتبرأ من ذلك، الثاني عرض بأن قومه ضالون ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ﴾ [الأنعام ٧٧، ٧٨]، وصحيح الشمس أعظم من القمر ﴿فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام ٧٨] فأعلن بشركهم وبالبراءة منهم، وهذا من كمال محاجته، فلا يبعد أن تكون هذه الآية ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ﴾ [الصافات ٨٨] من جنس المحاجة المذكورة في سورة الأنعام.

* طالب: شيخ، أحسن الله إليك (...) قوله عز وجل: ﴿جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ أن هذا بعد الموت (...) في سورة الشعراء ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء ٨٧ - ٨٩] نقول: هذا ما يؤيد (...) بعد الموت.

* الشيخ: هذا ربما يؤيد أنه بعد الموت لكن ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ﴾ هذا في الحياة، فهذا الذي يمنع الجزم بأنه بعد الموت، ولهذا نطلق ﴿جَاءَ رَبَّهُ﴾ مجيئًا الله أعلم بعد الموت أو في حال الحياة.

* طالب: (...) منشورات يؤلفها بعض (...) في سيرة الأنبياء يضعون بعد آدم إدريس وبعده نوح.

* الشيخ: إي نعم، هذه يجب بيان أنها كذب.

* الطالب: غالبًا ما يكون المصدر للسماح من دار الإفتاء.

* الشيخ: غريب، ما رأيت هذا.

* طالب: (...).

* الشيخ: إي لكن من دار الإفتاء (...).

* طالب: (...).

* الشيخ: أرنيها، عشان نكتب لهم في الموضوع.

* طالب: (...).

* الشيخ: على كل حال نشوفها وننبههم.

* طالب: (...) المؤرخين كيف يعرفون أشياء سمعت اليوم (...).

* الشيخ: إي نعم، هذه، سلمك الله، الكسوف الآن يعلم الماضي والمستقبل، الآن هم يحددون الكسوف في المستقبل أو لا؟ يحددون كسوف المستقبل الآن، يقول لك: يبدأ الكسوف في الدقيقة الفلانية وينتهي في الدقيقة الفلانية، هم يعرفون الماضي كما يعرفون المستقبل، فحددوا الكسوف الواقع في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام في ذلك اليوم يوم الاثنين الموافق للتاسع والعشرين من شهر شوال سنة عشر في الساعة الثامنة والنصف بتوقيت القاهرة، السابعة والنصف في توقيت المملكة، أنا راجعت الوقت هذا بالتوقيت الإفرنجي أظن ما أدري والله في يناير نسيت في أي يوم من يناير، ووجدت أن بين كسوفه وبين طلوع الشمس أربعين دقيقة، يعني ثلثي ساعة، وبعض الروايات اللي جاءت في مسند أحمد: «لَمَّا ارتفعتِ الشمسُ قِيدَ رُمْحٍ»[[(٢٠١٧٨) من حديث سمرة بن جندب.]].

* طالب: كأنهم مؤيدون الكلام هذا، كأنهم مصدقون؟

* الشيخ: إي، لأن هذا (...) بالحساب هذا وشيء ماض يعلم بالحساب، وفيه دليل على أن المؤرخين، المؤرخون تدري متى يقولون؟ يقولون: إن إبراهيم رضي الله عنه إنه توفي في عاشر ربيع الأول، إبراهيم ابن النبي ﷺ في عاشر ربيع الأول، وهذا ما يمكن، الشمس ما يمكن تكسف في اليوم العاشر أبدًا.

* طالب: (...).

* الشيخ: لأن سبب كسوف الشمس حيلولة القمر بينها وبين الأرض، وفي يوم العاشر من ربيع ما يمكن هذا، هذا لا يمكن أبدًا.

* طالب: والقمر يا شيخ.

* الشيخ: والقمر ما يكون إلا في ليالي الإبدار.

* طالب: (...) يعني ليلة خمسة عشر.

* الشيخ: أربعة عشر، خمسة عشر، ستة عشر، يعني يمكن ليالي الإبدار؛ لأن سبب كسوفه السبب الكوني حيلولة الأرض بينه وبين الشمس، ولهذا لما مثل العلماء قالوا: إن طلعت الشمس والقمر كاسف فإنه لا تصلى صلاة الكسوف، نقول: هذا فرض مستحيل؛ لأنه لا يمكن أن تجتمع الشمس والقمر في أفق فيحصل كسوف أبدًا ولَّا لا؟ لأنه –الكسوف- يلزم أن يكون هو تحت الأرض علشان تحول بينه وبين القمر.

* طالب: (...).

* الشيخ: ما عمري سمعت أنه (...).

* طالب: (...).

* الشيخ: لا، كسفت، لكن حيث إنه ما بان ما (...) لا، كسفت عندنا كيف حطينا مراية؛ لأنك بالعين ما تشوفها، لكن حطينا مراية وشفناها كاسف يمكن حوالي بين الثمن والربع.

* طالب: لكن أعلن عنها كثيرًا يا شيخ (...) أعلن أكثر من مرة (...).

* الشيخ: لا، يقينا ما عندي فيها شك، وهذا شيء ذكره العلماء من قبل المحققين؛ كشيخ الإسلام ابن تيمية وغيره وابن حزم (...) ما يمكن، هذا شيء يعلم بالحساب، ما هو بعلم غيب.

* طالب: وجهة نظر الفقهاء حينما قالوا إذا اجتمع كسوف وعيد.

* الشيخ: ما يمكن أبدًا.

* الطالب: هكذا افترضوا.

* الشيخ: لو اجتمع كسوف وعيد نقول هذا في شوال، يعني في عيد الفطر، إذا اجتمع كسوف وعيد علم أن اليوم ليس بعيد، وأن الشهود أخطؤوا في شهادتهم؛ لأن وهم الرائي أمر ممكن، لكن اختلاف العادة التي أجراها الله أمر غير ممكن، حتى العلماء أيضًا، قالوا: لو وقع الكسوف وهو واقف بعرفة –كسوف القمر- صلى ثم دفع؛ لئلا تفوت الصلاة هذه، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: هذه مسألة فرضية لا يمكن أن تقع أبدًا، لكن العلماء يقولون، الفقهاء يفرضون أشياء للتمرين على الأحكام الشرعية، مثل أن يقولوا ما فرضوا في الوصايا والفرائض عشرين جدة، عشرين جدة، متى تكون عشرين جدة؟ بقطع النظر عن الملحق بأبوين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة عشرين جدة وين؟ مين بيبقى له عشرون جدة يرثن، على كل حال هذه مسائل حسابية ما فيها إشكال (...).

* * *

* طالب: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (٩٢) فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (٩٣) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (٩٤) قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦) قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧) فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾ [الصافات ٩٢ - ٩٨]

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾ ما معنى قوله: ﴿مِنْ شِيعَتِهِ﴾؟

* طالب: أي من مناصريه في الشرع والوحي.

* الشيخ: إي نعم، وهذا المراد به في أصل الرسالة والوحي أو حتى في الفروع؟

* الطالب: المراد به أصل الرسالة والوحي.

* الشيخ: (...) الاستفهام هذا ما معناه؟

* طالب: إنكار عليهم.

* الشيخ: كيف الإنكار.

* طالب: المقصود فيه يعني ما تظنون بالله سبحانه وتعالى (...) أن يفعل بكم إذا اتخذتم معه آلهة غيره.

* طالب آخر: الاستفهام هنا للتهديد.

* الشيخ: للتهديد، يهددهم بالله عز وجل، إذا عبدوا غيره ما تظنون أن يفعل بكم أيترككم أم لا؟ هذا على رأي المؤلف فيه معنى آخر ذكرناه.

* طالب: يعني (...) هذا من باب التنقص (...) الله عز وجل ﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (...) أن يفعل بكم

* الشيخ: هذا رأي المؤلف؟

* طالب: إي نعم.

* الشيخ: يعني ما الذي تظنون بالله عز وجل إذا عبدتم غيره أتظنونه يعني ناقصًا أم ماذا؟

* طالب: (...) من أربعة وجوه: الوجه الأول: أنه من باب التنقص، الوجه الثاني: ما ظنكم أيترككم الله ولا يعذبكم (...) فما ظنكم بربكم، أيسمح لكم أن تشركوا به؟ لقوله ﷺ: «تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة.]] (...). الوجه الرابع: فما ظنكم بعظمة الله سبحانه وتعالى.

* الشيخ: هذه أربعة أوجه كلها تحتملها الآية، ومر علينا أنه إذا احتملت الآية أوجهًا لا تتعارض فإنها تُحمَل على ذلك.

قوله: ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ولم يقل: بالله عز وجل، لماذا؟ نذكرها الآن لأن ما ذكرناها أمس، قال: ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (...) ما ظنكم بالله إشارة إلى أن هذه الآلهة المعبودة مربوبة لله عز وجل، فكيف تكون معبودة من دونه فإن هذه الآلهة داخلة في ضمن ﴿الْعَالَمِينَ﴾؛ لأن مراده بـ﴿الْعَالَمِينَ﴾ من أو ما سوى الله عز وجل، ومنها أو ومنهم هذه الآلهة المعبودة، فإذا كانت هذه الآلهة المعبودة عندكم في ضمن المربوبات لله عز وجل فكيف يمكن أن تعبدوها مع الله، وقد ضرب الله سبحانه مثلًا لهذا في الإنسان المملوك هل يرضى سيده أن يشاركه فيما يختص به سيده: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ [الروم ٢٨] ويش الجواب؟

* طالب: لا.

* الشيخ: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾.

* طلبة: (...).

* الشيخ: لا، ليس كذلك ﴿تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [الروم ٢٨] ليس هذا، فليس لنا مما ملكت أيماننا من شركاء في ما رزقنا الله، وتأمل قوله: ﴿فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ يتبين لك أن هذا رزق الله، ومع ذلك يحتكره الأسياد عمن؟ عن العبيد ﴿فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ وهذا هو محط الاستفهام والجواب: لا، وإنما قلنا: إن هذا محط الاستفهام لأنهم شركاء لهم في ما رزقهم الله، ولكن بقدر القوت والضرورة، فالعبد مشارك لسيده يأكل ويشرب ويلبس كما يفعل السيد، وهذا كله مشاركة في رزق الله، لكن هل هم مساوون لأسيادهم في ذلك؟ لا، إذا كان هكذا فلماذا تساوون غير الله بالله في عبادته. فالمهم أن قوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ عليه الصلاة والسلام أراد بذلك إقامة البرهان على أن هذه الآلهة لا تصح أن تكون آلهة، لماذا؟ لأنها مربوبة لله عز وجل، والمربوب عبد لا يصح أن يكن ربًّا.

(﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ﴾ إيهامًا لهم أنه يعتمد عليها ليعتمدوه ﴿فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ عليل أي: سأسقم ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ﴾ إلى عيدهم ﴿مُدْبِرِينَ﴾ ) إلى آخره ﴿نَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ﴾ هذا إبراهيم عليه الصلاة والسلام ﴿نَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ﴾ أي نظر إليها، وإنما فعل ذلك لأن قومه كانوا يعبدون النجوم ويضعون لها الهياكل في الأرض، وأصل العبادة للنجوم، فنظر في هذه النجوم، فلما نظر قال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾، وإنما نظر فيها وهو لا يعتقدها عليه السلام من باب التورية، وهذا تورية بالفعل، فكما تكون التورية بالقول تكون التورية بالفعل، فالتورية بالقول كثيرة ومعروفة، التورية بالفعل أن يري الإنسان غيره أنه يرى شيئًا وهو لا يريده، أو أنه معرض عن شيء وهو قد وضع باله عليه، ربما أنت تسمع اثنين يتحادثان وتفعل شيئًا كأنك معرض عنهما، يعني تبدو مثلًا تشتغل (...) كتاب تشتغل في أي عمل تريهما أنك أيش؟ غافل عما يتحدثان به، ولكنك تسجل ما يتحدثان به، هذا من التورية بالفعل؛ لأنك أظهرت لغيرك خلاف ما يراه، والتورية بالقول أظهرت لغيرك خلاف ما يسمعه، فإبراهيم عليه السلام ورى بالنظر في النجوم ثم قال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ وفسر المؤلف (سقيم) بمعنى (سأسقم) وهذه تورية أيضًا تورية قولية.

نظر نظرة في النجوم، هذا إبراهيم عليه الصلاة والسلام نظر نظرةً في النجوم؛ أي نظر إليها، وإنما فعل ذلك؛ لأن قومه كانوا يعبدون النجوم، ويضعون لها الهياكل في الأرض، وأصل العبادة للنجوم، فنظر في هذه النجوم، فلما نظر قال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾، وإنما نظر فيها وهو لا يعتقدها عليه الصلاة والسلام؛ من باب التورية، وهذا تورية بالفِعْل، فكما تكون التورية بالقول تكون التورية بالفعل، التورية بالقول كثيرة ومعروفة؛ التورية بالفعل أن يُرِي الإنسان غيره أنه يرى شيئًا وهو لا يريده، أو أنه مُعرِض عن شيء وهو قد وضع باله عليه، ربما أنت تسمع اثنين يتحادثان وتفعل شيئًا كأنك مُعْرِض عنهما؛ يعني تبدأ مثلًا تشتغل من كتاب، تشتغل في أي عمل تريهما أنك غافل عما يتحدثان به، ولكنك تسجل ما يتحدثان به، هذا من التورية بالفعل؛ لأنك أظهرت لغيرك خلاف ما يراه.

والتورية بالقول أظهرت لغيرك خلاف ما يسمعه، فإبراهيم عليه الصلاة والسلام ورَّى بالنظر في النجوم، ثم قال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات ٨٩]، وفسر المؤلف سقيم بمعنى (سأسقم)، وهذه تورية أيضًا، تورية قولية؛ لأن ظاهر اللفظ ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ يعني الآن، ولا أستطيع الخروج معكم، ولكنه يريد سقيم سأسقم؛ لأن اسم الفاعل صالح للزمان الحاضر والزمان المستقبل، فيصح أن تقول: إني حاضر الآن، وإني حاضر غدًا، أليس كذلك؟ فلما كان صالِحًا للأمرين، ونظر نظرة في النجوم وقال: إني سقيم، تولوا عنه وتركوه وهو يريد -عليه الصلاة والسلام- بفعله هذا أمرًا سيتبين فيما بعد.

(﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (٩٠) فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ﴾ [الصافات ٩٠، ٩١] أي: مال في خفية إلى آلهتهم وهي الأصنام وعندها الطعام) راغ إلى آلهتهم وهي الأصنام التي يعبدونها، قال: (وعندها الطعام) وأخذه المؤلف من قوله: ﴿فَقال: أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ لأن عرض الأكل عليهم يدل على أن الأكل كان موجودًا.

(راغ إلى آلهتهم) أي: مال بخفية وانطلق بخفية، والروغان -كما هو معروف- هو السرعة؛ سرعة الإنسان، لكن على وجه لا أحد يحس به، هو راغ إلى هذه الآلهة؛ أي معبوداتهم ﴿فَقال أَلَا تَأْكُلُونَ﴾، و(ألا) هنا للعَرْض، وهذا القول هل هو على سبيل الإلزام؟ الجواب: لا، ليس على سبيل الإلزام، ولا يمكن أن يلزمها بأن تأكل؛ لأنه يعلم أنها لن تأكل، ولكنه قالها على سبيل الاستهزاء والسخرية وإلزام هؤلاء العابدين بأن هذه الأصنام لا تستحق العبادة، لا لأنها مستغنية عن الطعام ولكن لأنها لا تعقل ولا تعلم، والذي لا يعقل ولا يعلم لا يمكن أن يكون معبودًا، ثم إن صح وضع الطعام عندها من قبلهم، فإن هذا دليل على أنها ليست صالحة للألوهية؛ لأن الإله مُسْتغنٍ عن غيره؛ ولهذا أقام الله الدليل على أن عيسى بن مريم وأمه ليسا بإلهين؛ بكونهما يأكلان الطعام، وأنه سبحانه وتعالى وحده الإله الحق بكونه يُطعِم ولا يُطعَم، فاحتياج ما يُعبد إلى الطعام دليل على نقصه، وأنه لا يصح أن يكون إلهًا لكن هم من سخافتهم يجعلون هذا الطعام عندها كأنها تحتاجه وتأكله وتتصرف فيه.

يقول: ﴿فَقال أَلَا تَأْكُلُونَ (٩١) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ﴾ [الصافات ٩١، ٩٢] ﴿مَا لَكُمْ﴾ الاستفهام هنا للتحقير؛ يعني أنه يحقرها بكونها لا تنطق، وخاطب هذه الأصنام مخاطبَة العقلاء في قوله: ﴿مَا لَكُمْ﴾ ولم يقل: ما لَكُنَّ تنزلًا مع أصحابها الذين يجعلونها من ذوات العلم، وذوات القبول والدفع عنهم ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ﴾ يعني أي شيء يمنعكم من النطق إن كنتم آلهة؟!

فإذا قال قائل: هذا الخطاب لهذه الأصنام هل كان في غيبة عابديها؟ إن قلت: نعم، فما فائدة هذا الخطاب؟ وإن قلت: لا، فكيف الجواب عن قوله: ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ [الصافات ٩٠]؟

والجواب أن نقول: إن عابديها لم ينصرفوا كلهم عنها، بل كان عندها من الحراس ما يقتضي أن يتكلم إبراهيم عليه الصلاة والسلام على هذه الأصنام بمثل هذا الكلام، وإلا لو لم يكن عندها أحد لكان كلامه هذا لغوًا لا فائدة منه، لكن عندها من الحراس ما يستطيع أن يعلم عنها ما علمه إبراهيم بسبب أنه عرض عليهم الأكل، وأن هذه لا تنطق، وإذا كانت لم تنطق وليس لها إرادة ولا شعور لم تكن صالحة للعبادة.

﴿مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (٩٢) فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ [الصافات ٩٢، ٩٣] في أول الآيات يقول: ﴿فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ﴾ أي: مال بخفية. و(إلى) للغاية، أما هنا قال: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْب﴾، وإنما قال: (عليهم) دون (إليهم) لوقوع ذلك الضرب على هذه الأصنام؛ ليكسرها عليه الصلاة والسلام.

﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: على هذه الآلهة، وكما أشرت أولًا أنه خاطبها مخاطبة العاقل فأتى بميم الجمع.

﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ بالقوة فكسرها.

قوله: ﴿ضَرْبًا﴾ هذه مصدر في موضع الحال؛ أي: فراغ عليهم ضاربًا باليمين، ويجوز أن تكون مصدرًا لفعل محذوف، والتقدير فراغ عليهم يضرب ضربًا.

وقول المؤلف: (باليمين أي: بالقوة) لا يتعين بل يجوز أن يكون باليمين؛ أي: باليد اليمنى، وضرب بها؛ لأن اليد اليمنى هي آلة العمل غالبًا؛ ولأنها -أي اليد اليمنى- أقوى من اليد اليسرى في الغالب؛ ولهذا تجد من النادر أن يكون بعض الناس أعسر، يعمل بيده اليسرى عمله بيده اليمنى.

﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ (بالقوة فكسرها فبلغ قومه ممن رآه ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ [الصافات ٩٤] أي: يسرعون المشي، فقالوا له: نعبدها وأنت تكسرها!) لما بلغ قومه ما صنع أقبلوا إليه يزفون؛ أي: يسرعون على وجه الجماعات بدليل قوله: أقبلوا بالواو، فهم أقبلوا إليه مسرعين للإنكار عليه، لماذا كسرها؟ وقد ذكر الله تعالى في سورة الأنبياء ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِين﴾ [الأنبياء ٥٩]، فجعلوا ذلك ظلمًا وعدوانًا، فجاؤوا يزفون لينتصروا لآلهتهم، وهكذا العابدون للأصنام ينتصرون للأصنام، والأصنام لا يستطيعون نصرهم، لكن هم جند محضرون لها.

إذن أقبل هؤلاء يزفون إلى إبراهيم لينتصروا لآلهتهم، ولكنه -عليه الصلاة والسلام- كان قويًّا في ذات الله، قال لهم موبخًا: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾ [الصافات ٩٥] (من الحجارة وغيرها أصنامًا؟ والاستفهام هنا للتوبيخ والإنكار)، والحقيقة أنه للتوبيخ والإنكار والاستهزاء بهم، كيف تعبدون شيئًا أنتم تنحتونه بأيديكم؟! وهل يليق عقلًا أن يكون المعبود مصنوعًا لعابده؟!

الجواب: لا يليق، لا يفعل هذا إلا أسفه السفهاء، شيء تصنعه أنت بيدك، ثم تعبده، وتتضرع إليه، وتنيب إليه، وتتعلق به، وترجو منه النفع والضرر! هذا من السفه، ولكن -والعياذ بالله- الإنسان إذا أعمى الله بصيرته، لا يغنيه بصر العين، وكانوا في الجاهلية يفعلون شِبْه هذا الفعل، كانوا إذا نزلوا أرضًا في سفر جمعوا أربعة أحجار، ثلاثة منها للقِدْر وواحدًا للعبادة، فصار هذا الحجر المعبود مساويًا لمناصب القدور، وبعضهم يقولون: إنهم كانوا يعجنون إلهًا من العجوة؛ يعني من التمر، تمثالًا من التمر يعبدونه من دون الله، فإذا جاعوا أكلوه، ما يقولون: أطعمنا أو هيِّئ لنا طعامًا، هو نفسه يُؤكل هذا من السفه، كذلك أصحاب إبراهيم عليه الصلاة والسلام؛ قوم إبراهيم، صنعوا آلهة هم بأيديهم، ثم صاروا يعبدونها.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском