Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
As-Saffat 37:97–132, continued
يقول: (أَمَرَّ السكين على حلقه فلم تعمل شيئا بمانع من القدرة الإلهية)، هذا أيضا يحتاج إلى دليل، وليس في القرآن الكريم أنه أَمَرَّ السكين على حلقه، فالواجب علينا أن نتوقف في هذا، لا نصدِّق ولا نكذِّب، لأن القرآن لم يصدق ذلك ولم يكذبه، لكن عندي -والله أعلم- أن هذا لو وقع لكان من الحكمة أن يُذْكَر؛ لأن فيه دلالة على آية من آيات الله وهي عدم تأثير السكين في حلقه، ولو وقع مثل هذا لذكره الله عز وجل لما فيه من الدلالة على آية عظيمة من آيات الله، والذي نجزم به الآن أنه وقع أنه تله للجبين ليذبحه فقط، وكفى بذلك فخرًا أنه لم يَبْقَ إلا أن يمر السكين على حلقه، فماذا كان؟ قال الله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات ١٠٤، ١٠٥].
قوله: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ (لما) هذه شرطية تحتاج إلى شرطٍ وجوابِه؛ فشرطها قوله: ﴿أَسْلَمَا﴾ ﴿وَتَلَّهُ﴾ معطوف عليه ﴿وَنَادَيْنَاهُ﴾ لا يستقيم أن نجعله معطوفًا على ﴿أَسْلَمَا﴾، ولكن اختلف العلماء في الواو هنا فقيل: إنها زائدة، وتقدير الكلام: فلما أسلما وتلَّه للجبين ناديناه: أن يا إبراهيم قد صَدَّقْتَ الرؤيا، وقال آخرون: ليست بزائدة؛ لأن زيادة الحروف المعنوية التي تقتضي المغايرة لا يمكن أن يقع في القرآن الكريم، بل هي معطوفة على شيء مُقَدَّر، فالتقدير: فلما أسلما وتلَّه للجبين تحقق تنفيذ أمر الله أو ما أشبه ذلك من الكلام المناسب، ثم عطف على الجواب المحذوف قولَه: ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ إلخ.
* طالب: إبراهيم لما ترك هاجر وإسماعيل هل رجع إليهم؟
* الشيخ: إي، رجع إليهم وحصلت القصة هذه ثم ذهب ثم رجع مرة ثانية بعد أن تزوج إسماعيل.
* طالب: ما ذكر في القرآن موقف أم اسماعيل.
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: الله أعلم، ما نعرف لماذا لم يُذْكَر، هل هي قد ماتت أم هي موجودة؟ الله أعلم.
* طالب: بالنسبة للرؤيا في المنام بعد انقطاع الوحي إذا رأيت فيها أمرًا شرعيا أو حكمًا هل يجوز العمل به؟
* الشيخ: أبدًا لا يجوز العمل بالرؤيا ولو صادقة فيما يخالف الأحكام الشرعية، أما ما يؤيد الأحكام الشرعية وتشهد له النصوص بالصحة يمكن.
* من فوائد الآيات الكريمة في قوله تعالى: ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾ [الصافات ٩٧] شدة كيد هؤلاء المكذبين لإبراهيم عليه الصلاة والسلام حيث أَروا الناس أنه بُنِيَ له بنيانًا دون أن يروه أنهم يريدون أن يحرقوه؛ لقوله: ﴿فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا﴾ [الصافات ٩٨].
* ومن فوائدها: أن النار التي أضرموها في هذا البنيان كانت عظيمة؛ لقولهم: ﴿فِي الْجَحِيمِ﴾ والجحيم هي النار العظيمة.
* ومن فوائدها: عتوهم؛ لأنهم قالوا: ألقوه، والإلقاء يدل على العنف وعدم الرحمة، وهو كذلك هم لو كانوا يريدون رحمته ما هَمُّوا بإحراقه.
* ومن فوائدها أيضًا: أن نيتهم هذه نية عدوان؛ لأنهم قالوا: ﴿ابْنُوا لَهُ﴾ واللام ذكرنا أنها أيش؟ للتعليل يعني: ما بنوا هذا البنيان إلا بهذه النية السيئة.
* ومن فوائد هذه الآيات في قوله: ﴿فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾ بيان ما يُكِنُّه أعداء الإسلام للمسلمين وللإسلام من إرادة الكيد بالإسلام وأهله، وهذا كما أنه في الأمم السابقة فيكون في الأمم اللاحقة؛ لقول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان ٣١].
* ومن فوائدها: الرد على الجبرية؛ لقوله أيش؟ ﴿فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا﴾، والجبرية ينفون أن يكون للإنسان إرادة في فعله؛ لأنهم يرون أن الإنسان مُجْبَر على الفعل وأن فعله الواقع بإرادته كفعله الواقع بغير إرادته، الكل عندهم سواء.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الذين كادوا كاد الله بهم فجعلهم هم الأسفلين.
* ومن فوائدها: أن مَنْ تعالى على الحق فإن الله تعالى يجازيه بنقيض قصده؛ لأن هؤلاء أرادوا العلو والفساد في الأرض فعاملهم الله تعالى بنقيض قصدهم فجعلهم الأسفلين.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الحكم لله عز وجل، وأن بني آدم مهما بلغوا من الطغيان فإنهم تحت حكم الله تعالى وسلطانه؛ لقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾.
* ومن فوائدها: أن الجزاء من جنس العمل؛ لأن هؤلاء لما طغوا واعتدوا وتعالَوْا عاقبهم الله تعالى بالسفل المناقض لِمَا أرادوا فكانت العقوبة مناسبة للفعل.
* ومن فوائد الآيات الكريمة في قوله: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات ٩٩] الثناء على إبراهيم عليه الصلاة والسلام بإعلانه الهجرة من بلده الذي يتضمن تحدي قومه وعدم مبالاته بهم؛ لأنهم لم يُمْسِكُوه ولم يمنعوه عن الهجرة وهذا من حكمة الله عز وجل أن يظهر التحدي في مثل هذا ولا يقع.
* ومن فوائدها: ثقة إبراهيم عليه الصلاة والسلام بربه؛ حيث قال: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾.
* ومن فوائدها: الإشارة إلى الإخلاص في العمل؛ لقوله: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي﴾، وهذا فيه إخلاص القصد لله عز وجل، وهذه هي النية الصالحة أن يكون الإنسان قاصدًا بعمله الوصول إلى رضا الله عز وجل.
* ومن فوائدها أيضا: تَحَنُّن الإنسان إلى ربه في الدعاء بأن يأتي بالعبارات الدالة على التحنن والتعطف والافتقار إلى الرب؛ لقوله: ﴿إِلَى رَبِّي﴾ فأضاف الربوبية إلى نفسه من باب التلطف والتحنن إلى الله عز وجل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي بل يجب على الإنسان ألا يعتمد على نفسه، بل يعتمد على ربه عز وجل؛ لقوله هنا: ﴿سَيَهْدِينِ﴾.
* ويستفاد من الجملة: ما أشرنا إليه أيضًا من الفوائد وهي ثقة إبراهيم بالله عز وجل.
* ومن فوائد هذه الآيات في قوله: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات ١٠٠] أن كلَّ أحد وإن علا قَدْرُه من البشر مفتقر إلى الله عز وجل، ومفتقر إلى من يُعِينُه؛ لقوله: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾، والمؤلف رحمه الله قَدَّر أن في الآية محذوفًا تقديره (ولدًا)، وكأنه خص هذا الطلب بالولد لقوله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات ١٠١] على أن الآية تحتمل أن المحذوف ليس كلمة (ولدًا)، وأنه حُذِفَ المعمول لإفادة العموم؛ يعني هب لي من الصالحين مَنْ يكون عونًا لي من الأولاد وغيرهم، لأن القوم الذين كان فيهم غير صالحين فسأل الله أن يهب له من الصالحين مَنْ يُعينُه ويساعده فكانت الإجابة من الله أن بَشَّرَهُ بمن يعينه من صُلْبِه في قوله: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ فيكون هذا الوجه الذي ذكرنا أعم من الوجه الذي قاله المؤلف، المؤلف خَصَّه بالولد بقرينة قوله: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ وهذا الوجه الذي ذكرنا أنه عام، سأل الله أن يهبه من الصالحين مَنْ يكون عونًا له، وحُذِفَ المعمول لإفادة العموم.
* ومن فوائد الآية: الحث على الاستعانة بالصالحين؛ لقوله: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ وأنه ينبغي للإنسان أن يكون قرناؤه من الصالحين؛ لأن القرين الصالح يعينك على الخير ويحذِّرك من الشَّرِّ وكما مثل الرسول عليه الصلاة والسلام للقرين الصالح الجليس الصالح بحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن يبيعك وإما أن تجد منه رائحة طيبة[[متفق عليه؛ البخاري (٥٥٣٤)؛ ومسلم (٢٦٢٨ / ١٤٦) من حديث أبي موسى رضي الله عنه، ولفظه: «مثل الجليس الصالح والسوء، كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحا طيبة. ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحا خبيثة».]].
* ومن فوائد الآية الكريمة في قوله: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ إجابة الله سبحانه وتعالى للدعاء؛ لقوله: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ﴾. والفاء هنا ماذا تفيد؟
* طالب: ما أعرف.
* الشيخ: ما حضرت؟
* طالب: حضرت، لكن لا أعرف اللغة.
* الشيخ: ما لغة هذه، هذه معنى.
* طالب: تفيد التعقيب.
* الشيخ: وغيره، التعقيب والترتيب.
* الطالب: التعقيب والترتيب.
* الشيخ: لكن التعقيب غير الترتيب غير.
* طالب: الفورية.
* الشيخ: هذا التعقيب.
* طالب: السببية.
* الشيخ: السببية على كل حال فبسبب دعائه بادرنا ببشارته فبشرناه.
يستفاد -يعني يتفرع أو يلزم- من هذه الفائدة -وهي إجابة الله عز وجل لمن دعاه- صدق وعده؛ لقوله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر ٦٠] وقدرته على تحقيق ما وَعَد به؛ لأنه لو كان عاجزًا لم يُعْطِ ما دُعِيَ به؛ لأنه عاجز، ولكن الله عز وجل على كل شيء قدير.
* ومن فوائد هذه الآية: الثناء على إسماعيل بوصفه بماذا؟
* طلبة: بالحلم.
* الشيخ: بالحلم.
* ومن فوائدها: تبشير المرء بما وُلِدَ له من ولد ولا سيما إذا كان ذكرًا؛ لأن الله عَبَّر عن إخباره إبراهيم أنه سيولد له، عبَّر عن ذلك بالبِشارة، فأخذ العلماء من هذا أنه تُشْرَع بِشارة مَنْ وُلِدَ له ولد ولا سيما إذا كان ذكرًا.
وهل يستفاد من الآية الكريمة إثبات كلام الله؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لو كانت البشارة من الله لكان يستفاد من ذلك إثبات الكلام، لكن قد يكون بشرناه على لسان الملائكة؛ يعني الملائكة هي اللي بَشَّرَتْه، فالله أعلم.
* ومن فوائد الآيات في قوله: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ﴾.. إلى آخره أن الله عز وجل قد يبتلي عبده المؤمن ببلوى عظيمة شديدة على النفوس وذلك بما أرى الله نبيه إبراهيم عليه الصلاة والسلام من ذبح ولده، نحن نعلم أن الله لو قدر على ولدك أن يموت لكان هذا مصيبة عظيمة، لكن إذا أمرك الله سبحانه وتعالى أن تذبحه أنت بنفسك صار هذا أعظم وأشد وصار الصبر على هذا الأمر أشد وأفضل من الصبر على موته بقدر من الله، أليس كذلك؟ الصبر على أنك أنت بنفسك تتولى قتل ابنك أشد مما لو أماته الله عز وجل بقدر من عنده.
* ومن فوائد الآية: أن هذا الوقت الذي أُمِرَ إبراهيم بذبح ابنه فيه كان وقتًا يكون فيه تنفيذ الأمر شديدًا؛ لأنه بلغ معه السعي فتنفيذ الأمر في هذه الحال يدل على كمال عبودية المأمور حيث نفذه في أَشَدِّ ما يكون تَعَلُّقًا بابنه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي لمن أراد أن يُنَفِّذ شيئًا مكروهًا لشخص أن يأتي بأسلوب يدل على أنه لا يريد الإضرار به وإنما هو أمر لا بد منه؛ لقوله: ﴿يَا بُنَيَّ﴾ فإن إتيانه بهذه الصيغة على صيغة التلطف من أجل أن يبعد عنه تهمة أنه لا يحبه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجوز امتحان الشخص بما لا يُؤْخَذ رأيه فيه ولكن للاستعلام؛ لقوله: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ فإن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لا يريد أن ينظر لابنه إن قال: لا تذبحني ترك الذبح، بل يريد أن يعرف مدى قبوله واستعداده فيكون في هذا تورية، والتورية لاشك أنها جائزة للاستعلام والاستخبار ولا سيما عند الحكم في القضاء.
وقد مر علينا «قصة سليمان عليه الصلاة والسلام في المرأتين اللتين تخاصمتا في ولد بينهما، حيث تخاصمتا عند داود فحكم به للكبرى، ثم تخاصمتا عند سليمان فدعا بالسكين ليشقه نصفين بينهما». وهل سليمان سيفعل؟ لا، لن يفعل أبدًا، لكن هذا من باب التورية واستطلاع الحقيقة، «فلما دعا بالسكين وأراهما أنه يريد أن يشقه نصفين قالت الصغرى: هو ولدها يا نبي الله»[[أخرج البخاري واللفظ له (٦٧٦٩)، ومسلم (١٧٢٠ /٢٠) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «كانت امرأتان معهما ابناهما، جاء الذئب فذهب بابن إحداهما، فقالت لصاحبتها: إنما ذهب بابنك. وقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك، فتحاكمتا إلى داود عليه السلام فقضى به للكبرى، فخرجتا على سليمان بن داود عليهما السلام فأخبرتاه، فقال: ائتوني بالسكين أشقه بينهما. فقالت الصغرى: لا تفعل يرحمك الله هو ابنها فقضى به للصغرى». قال أبو هريرة: والله إن سمعت بالسكين قط إلا يومئذ، وما كنا نقول إلا المدية.]] فعرف أنه لها؛ لأنها أدركها حب الولد فتنازلت عن حقها منه ودعواها والكبيرة رضيت؛ لأنه لا يهمها أن يقتل ابن هذه المرأة كما أكل الذئب ولدها.
طيب، إذن يؤخذ من هذا أنه يجوز للإنسان أن يُوَرِّي بالشيء لاستطلاع الأمر واستظهاره؛ لأن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما قال لابنه: ﴿انْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ فإن ظاهر ذلك أنه يريد أن يستشيره ويأخذ رأيه إن وافق وإلا لم ينفذ، وليس الأمر كذلك بل أراد أن يختبره لأي شيء؟ لينظر مدى قبوله لهذا الأمر واستعداده لتنفيذه.
* ومن فوائد الآيات: أن رؤيا الأنبياء حق؛ وذلك لأن إبراهيم اعتمدها ولو لم تكن حقًّا لم يعتمدها، لكن لو رأى أحدنا مثل هذه الرؤيا أنه يذبح ابنه فهل هذا حق؟
* طالب: نعم.
* طالب آخر: لا.
* الشيخ: لا، ليس بحق قطعًا؛ لأننا لا نؤمر أبدًا عن طريق المنام ولا عن طريق اليقظة بذبح أبنائنا، لكن إما أن تكون رؤيا ويكون فيها إشارة إلى شيء مشابه، وإما أن تكون من الشيطان ليحزنك، أما أن تكون أمرا يجب تنفيذه فهذا لا يمكن.
* * *
* الطالب: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٠٩) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات ١٠٥ - ١١١].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، سبق لنا البحث إلى قوله: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ أظن، بعده؟
* طالب: أخذنا أن رؤيا الأنبياء حق لأن إبراهيم اعتمدها.
* الشيخ: * ومن فوائد الآيات في قوله تعالى: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾.
* من فوائد هذه الآية: أنه يجوز اختبار الإنسان ليُنْظَر مدى استعداده وقبوله للأمر؛ لأن إبراهيم عليه الصلاة والسلام اختبر ولده بذلك في قوله: ﴿فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾، وقد سبق لنا أن هذا ليس من باب المشاورة لأنه من المستحيل أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام يستشير ابنه في تنفيذ أمر الله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: حسن أدب إسماعيل؛ حيث قال في جواب أبيه: ﴿يَا أَبَتِ﴾، ولم يقل: يا هذا، أو يسكت، بل قال: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: أن الخبر قد يكون بمعنى الأمر؛ لأن هذه الرؤيا -كما مر علينا- بمنزلة الخبر حيث لم يقل له في الرؤيا: اذبح ولدك، بل رأى نفسه يذبح الولد، ولكن الخبر قد يكون بمعنى الأمر، وهل يحتاج إلى قرينة في هذا أو لا؟
الجواب: نعم، يحتاج إلى قرينة؛ لأن الأصل في الخبر أنه لا يدل على الطلب، ولكن إذا وُجِدَ قرينة تقتضي ذلك كان أمرًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز حث المفضول للفاضل على فعل الأوامر؛ لقوله : ﴿افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾.
* فيتفرع على هذه الفائدة: أنه لا ينبغي للإنسان أن يُحَقِّر نفسه في الأمر بالخير فيقول مثلًا: هذا أجل مني، هذا أعلم مني، أكبر مني، فلن آمره بشيء، بل نقول: مر بالخير سواء كنت أصغر سنًّا أو شأنًا من المأمور أو مثله أو أكبر منه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن يُعَلِّق كل أمر مستقبل على مشيئة الله؛ لقوله: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ فإن هذا أمر مستقبل، وينبغي أن يعلق الإنسان كل شيء مستقبل بمشيئة الله سبحانه وتعالى.
فإن قال قائل: كيف نفهم هذا الحكم من قول إسماعيل؟
فالجواب: أن الله سبحانه وتعالى قصَّه علينا لنعتبر به كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف ١١١] ويؤيد هذا أيضًا شرعنا فإن الله قال لنبيه محمد ﷺ: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف ٢٣، ٢٤].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الصبر يكون على امتثال الأوامر وعلى المصائب؛ فإن قوله: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ أي الصابرين على تنفيذ هذا الأمر وعلى ما يقتضيه من الآلام؛ لأنه ذَبْحٌ، والصبر ثلاثة أقسام دلت هذه الآية على قسمين منها، والثالث الصبر عن معصية الله.
* ومن فوائد هذه الآيات في قوله: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ فضيلة إبراهيم وإسماعيل؛ حيث استسلما لأمر الله في هذه الأمر العظيم الذي لا يقدم عليه إلا أمثالهما، ولا شك أن هذا من مناقبهما.
* ومن فوائدها: أنه ينبغي للإنسان أن يحول بين نفسه وبين كل شيء قد يعيقه عن تنفيذ أمر الله؛ لقوله: ﴿تَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ فإن هذا يهون عليهم الأمر فيهون عليهم التنفيذ وربما يتفرع على هذه الفائدة العمل لسد الذرائع ومنعها، الذرائع التي تحول بين المرء وبين تنفيذ أمر الله أو توجب أن يقع فيما نهى الله عنه.
ثم قال: ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ ﴿نَادَيْنَاهُ﴾ ضمير الفاعل يعود على الله عز وجل، والنداء -كما سبق- يكون بالصوت العالي للمنادى بخلاف المناجاة فتكون بالصوت المنخفض، ولا شك أن الصوت العالي يقال لمن كان بعيدًا، والصوت المنخفض يقال لمن كان قريبًا.
وقوله: ﴿أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ﴾، ﴿أَنْ﴾ هذه تفسيرية؛ لأنها -أي التفسيرية- هي التي تأتي بعد فعل أو بعد عامل يتضمن معنى القول دون حروفه فهي بمعنى أي.
﴿أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ صدقتها أي: فعلت ما يقتضي تصديق هذه الرؤيا، وقد رأى أنه يذبح ابنه وعزم على ذلك وقام ببعض العمل الذي يكون بين يدي الذبح فجعل الله تعالى ذلك تصديقًا، والرؤيا ما يراه الإنسان في منامه. وما يراه الإنسان في منامه ينقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم رؤيا، وقسم حلم، وقسم يكون عن حديث النفس؛ أما الأول فإنه من الله وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: «أن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة»[[أخرجه البخاري (٦٩٨٩) من حديث أبي سعيد الخدري.]]، وأما الثاني فهو من الشيطان، وغالب ما يكون هذا فيما يمتنع شرعًا أو حسًّا أو عقلًا، أي: أن الشيطان يسول للشخص شيئًا ممتنعًا في الشرع أو ممتنعًا في العقل أو ممتنعًا بالحس، وغالب ما يكون هذا أيضًا من أجل إحزام الرأي وإخلال عقله، وقد «حدث رجلٌ النبي ﷺ بأنه رأى في منامه أنه قد ذُبِحَ وأن رأسه هرب، وذهب الرجل يشتد وراء رأسه يريد أن يطلب رأسه، فقال النبي ﷺ : «لَا تُحَدِّثُ النَّاسَ بِمَا يَتَلَاعَبُ بِكَ الشَّيْطَانُ فِي مَنَامِكَ»[[أخرج مسلم (٢٢٦٨ /١٥) بسنده عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما عن رسول الله ﷺ أنه قال لأعرابي جاءه فقال: إني حلمت أن رأسي قُطِعَ فأنا أتبعه، فزجره النبي ﷺ وقال: «لا تخبر بتلعُّب الشيطان بك في المنام».]] لأن هذا الشيء غير معقول، إنسان قُطِعَ رأسه وهرب الرأس وذهب يشتد وراءه ليأخذه ويضعه على رقبته، هذا شيء ينافي العقل.
أحيانًا يضرب لك الشيطان مثلًا بما يمتنع شرعًا كما يُذْكَر عن عبد القادر الجيلاني رحمه الله أنه رأى نورًا عظيمًا وسمع من هذا النور قولًا يقول: إني أنا ربك، وحدثه فقال: إنه قد وضع عنه الصلاة. فقال له: كذبت ولكنك الشيطان. بما عرف أنه كاذب؟ بأنه حدثه بما يمتنع شرعًا، فإن وضع الصلاة لا يمكن أن يكون أبدًا، وهي أهم أركان الإسلام والوحي قد انقطع فإذا رأى الإنسان في منامه ما يمتنع شرعًا فإنه من الشيطان.
كذلك القسم الثالث من الحلم ما يريه الشيطان للإنسان في منامه لأجل أن يحزن وهذا كثير جدًّا، ودواء هذا ما أخبرنا به رسول الله ﷺ: «أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا رَأَى فِي مَنَامِهِ مَا يَكْرَهُ فَلْيَقُمْ وَلْيَتْفُلْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثًا، وَلْيَقُلْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ وَمِنْ شَرِّ مَا رَأَيْتُ، ثُمَّ يَنْقَلِبُ إِلَى الْجَنْبِ الْآخَرِ، وَلَا يُحَدِّثُ النَّاسَ بِمَا رَأَى، وَبَعْدَ ذَلِكَ لَا يَضُرُّهُ هَذَا الْحُلْمُ»[[أخرجه أبو داود (٥٠٢١) بسنده عن قتادة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ، يقول: «الرؤيا من الله، والحلم من الشيطان، فإذا رأى أحدكم شيئًا يكرهه فلينفث عن يساره ثلاث مرات، ثم ليتعوذ من شرها، فإنها لا تضره».]] عرفتم؟ طيب، فصار ما يريه الشيطان النائم إما ممتنعًا عقلًا وإما ممتنعًا شرعًا، وإما لأجل الحزن وإدخال الهَمِّ والغَمِّ على الرائي؛ لأن الشيطان حريص على ما يؤذي الإنسان.
أما القسم الثالث من أقسام الرؤيا فهو ما يُحَدِّث الإنسان به نفسه في اليقظة؛ فإنه لشدة تعلق نفسه به قد يراه في منامه، وهذا كثير أيضًا، وقد قال العامة: إن رؤيا أهل نَجْد حديث قلوبهم، أقولها باللغة العامية يعني يرون ما تتحدث به نفوسهم، وهذا شيء كثير يوجد، وقد حدثني بعض الناس أنهم كانوا إذا رَأَوْا رؤيا تقع على حسب ما رَأَوْا تمامًا إما في نفس اليوم أو بعد أيام قليلة، ويقولون: أن هذا الشيء مطرد لا نرى رؤيا إلا وقعت كما رأيناها، لا يَرَوْنها على سبيل المثل، بل يرونها هي مباشرة، وهذا شيء عجيب يعني حتى إن بعضهم يتأذى إذا رأى شيئًا يكره ثم وقع على حسب ما رأى، لكن على كل حال هذا شيء نادر، والنادر لا حكم له، فالحاصل أن الرؤيا في المنام تنقسم إلى ثلاثة أقسام، والقسم الذي من الشيطان ينقسم أيضًا إلى ثلاثة أقسام.
(﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ بما أتيت به مما أمكنك من أمر الذبح أي: يكفيك ذلك فجملة ناديناه جواب (لما) بزيادة الواو) وهذا سبق البحث فيه وبيَّنَّا أن الصحيح أن الواو ليس زائدة، ولكنها عاطفة على مُقَدَّر مناسب للمقام؛ لأن الواو من حروف المعاني وتفيد فائدة لا نستفيدها إذا قلنا بزيادتها، وما كان كذلك فإنه لا يمكن أن يكون زائدًا.
قال: (﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ﴾ كما جازيناك ﴿نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ لأنفسهم بامتثال الأمر بإفراج الشدة عنهم).
﴿إِنَّا كَذَلِكَ﴾ أي: مِثْل جزائنا إياك نجزي المحسنين؛ وذلك بإزالة الشدة عنهم إذا فعلوا ما أُمِرُوا به، وشاهد هذا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق ٢، ٣]، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق ٤]، فهاتان آيتان تدلان على أن الإنسان كلما اتقى الله زالت عنه الهموم وفُرجت عنه.
وقوله: ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ يشمل الإحسان في عبادة الله والإحسان إلى عباد الله، أما الإحسان في عبادة الله فقد فَسَّره النبي ﷺ بقوله: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة.]]. وأما الإحسان في معاملة الخلق فقيل فيها: إنها بذل الندى، وكف الأذى، وطلاقة الوجه؛ بذل الندى يعني بذل المعروف القولي والفعلي والمالي والجاهي، هذا بذل الندى. كف الأذى معروف؛ أن تكف أذاك عن الناس أو أذاك للناس بالقول أو بالفعل. وطلاقة الوجه ألا تكون عبوسًا، بل تكون دائمًا منشرح الصدر مستنير الوجه. وكان النبي ﷺ دائمَ البشر كثير التبسم، والإنسان إذا كان كذلك يبقى هو نفسه مسرورًا منشرح الصدر دائمًا، وكذلك يكون مَنْ يقابله مسرورًا منشرح الصدر ولا بأس إذا وُجِدَ سبب حقيقي للعبوس وكانت المصلحة تقتضيه لا بأس أن يقوم به الإنسان لكن بشرط ألا يكون ممنوعًا شرعًا، فلو عبَّس الإنسان في وجه إنسان جاء يطلب الخير والحق وانشرح لآخرين لا يريدون ذلك فهذا لا يجوز له، ولهذا عاتب الله النبي ﷺ على ذلك في قوله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ [عبس ١، ٢] إلى آخره، لكن إذا كانت الحال تقتضي ذلك بكون هذا الرجل لو أنك استبشرت في وجهه وأطلقت وجهك له زاد عُتُوًّا ونفورًا وطغيانًا، فإن الأولى ألا تريه انشراحًا.
طيب، يقول: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات ١٠٥] (﴿إِنَّ هَذَا﴾ الذبح المأمور به، ﴿لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾ أي الاختبار الظاهر) فهذه الجملة مؤكدة بمؤكدين: أولهما: (إِنَّ)، والثاني: اللام، بل الثالث؟
* طالب: قسم مقدر.
* الشيخ: ضمير الفصل، ما فيها قسم مقدر، لكن فيها ضمير الفصل.
﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾ [الصافات ١٠٦] ولا شك أن الأمر -كما قال ربنا عز وجل- أنه بلاء مبين اختبار عظيم ظاهر أن أُمِرَ بذبح ابنه الذي فيه هلاكه وموته على يده، والواحد منا قد لا يطيق الصبر على موت ابنه الذي جرى بفعل الله عز وجل، فكيف يصبر على أن يذبح ابنه بيده؟ ولهذا قال الله: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾ [الصافات ١٠٦] قال: (أي الاختبار الظاهر) ففسر المؤلف ﴿الْمُبِينُ﴾ هنا بأيش؟ بالبين، ولكن يحتمل أن يكون المراد به ﴿الْمُبِينُ﴾ المظهر يعني الذي أظهر حقيقة إبراهيم عليه الصلاة السلام، وأنه يُقَدِّم محبة الله على ما يحب، قال أهل العلم: ولهذا جعله الله تعالى خليلًا له، والخُلَّة هي أعلى أنواع المحبة حيث قَدَّم عليه الصلاة والسلام ما يحبه الله على ما تحبه نفسه.
(﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْنَاهُ﴾ [الصافات ١٠٦، ١٠٧] أي المأمور بذبحه وهو إسماعيل أو إسحاق قولان ﴿بِذِبْحٍ﴾ بكبش ﴿عَظِيمٍ﴾ من الجنة وهو الذي قربه هابيل جاء به جبريل عليه السلام فذبحه السيد إبراهيم مكبِّرًا) ﴿فَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ فدينا مَنْ؟ الذبيح علشان نأخذ بالقولين، الذبيح يعني الذي أُمِرَ بذبحه أي: جعل الله له فداء، فنُقِلَ الأمر من ذبح هذا الولد إلى ذبح أيش؟
* طلبة: الكبش.
* الشيخ: الكبش؛ لأن الشيء الذي يقع فداء للشيء يكون بدلًا عنه ونائبًا منابَه، فانتقل الأمر من ذبح هذا المولود إلى ذبح الكبش فصار فداء له.
وقوله: (بكبش عظيم) الكبش هو الكبير من الضأن يعني الكبير الجسم، وزيد في ذلك قوله: ﴿عَظِيمٍ﴾ [الصافات ١٠٧] يعني أنه من عظيم الكباش، ثم ما هذا الكبش؟ يقول المؤلف: (إنه الذي قربه هابيل) كيف قربه هابيل؟ هابيل أخو قابيل وكان قد قَرَّب قربانًا فتقبل منه وقَرَّب قابيل قربانًا فلم يتقبل منه فحَسَدَه قابيل وقال له: لأقتلنك، قال له هابيل: إنما يتقبل الله من المتقين، يعني: فلو اتقيت الله لقُبِلَ منك، والقصة معروفة في ابني آدم عليه الصلاة السلام، ولكن ما قاله المؤلف دعوى تحتاج إلى دليل وليس فيه دليل من الكتاب والسنة، بل إن الدليل على خلافها؛ لأن القربان الذي تقرب به هابيل لا يتعين أن يكون كبشًا، ثم على فرض أنه كبش فإنه قد ذُبِحَ وأُكِلَ و﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج ٣٧]، لكن هذا مما يأخذه بعض المفسرين عن الإسرائيليات، ولا يجوز أن يؤخذ عن الإسرائيليات مثل هذا الكلام؛ لأن هذا كلام يقطع بكذبه، وأخبار بني إسرائيل إذا كان يقطع بكذبها لا يجوز نقلها إلا على سبيل التكذيب لها.
وأما قول المؤلف رحمه الله: (وهو إسماعيل أو إسحاق قولان) فالأمر كما ذكر، اختلف العلماء رحمهم الله مَنْ هو الذي أُمِرَ بذبحه هل هو إسماعيل أو إسحاق؟ والصحيح أنه إسماعيل، بل إنه هو المتعين؛ لأن الأوصاف التي ذُكِرَت للذبيح ليست هي الأوصاف التي ذُكِرَت لإسحاق كما يظهر ذلك بالتأمل في الآيات؛ ولأن الله تعالى قال في هذه القصة بعد أن ذكر قصة الذبح قال: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات ١١٢]، ولم يذكر ما جرى بعد هذه البشارة فتعيَّن أن يكون الذبيح هو إسماعيل، والله أعلم.
* طالب: الرؤيا ثلاثة أقسام، ما هي الثلاثة أقسام؟
* الشيخ: إحنا ما ذكرناها؟
* طالب: أنا ما فهمت.
* الشيخ: يفهمك مهند؟
* طالب: ثلاثة أقسام: الأول المنام، ثم الرؤيا، ثم القسم الثالث، ما يحدث به الانسان نفسه مما يراه في المنام.
* الشيخ: الرؤيا التي من الله، والحلم الذي من الشيطان، وما يحدث الإنسان به نفسه (...)؛ الرؤيا من الله هي التي تكون حقًّا، وتكون في الغالب ضرب أمثال؛ «ولهذا لما رأى النبي ﷺ ثُلْمَةً في سيفه قبل غزوة أحد ورأى بقرًا تُنْحَر أَوَّلها عليه الصلاة والسلام بأن الثلمة في سيفه أن يُقْتَل رجل من أهله، وأما البقر التي تُنْحَر أن يقتل رجال من أصحابه»[[قال ابن هشام: وحدثني بعض أهل العلم، أن رسول الله ﷺ قال: «رأيت بقرًا لي تُذْبَح؟ قال: فأما البقر فهي ناس من أصحابي يُقْتَلون، وأما الثَلْم الذي رأيت في ذباب سيفي، فهو رجل من أهل بيتي يُقْتَل» سيرة ابن هشام (٢ / ٦٣).]]، ووقع الأمر كذلك، «ولما رأى في يديه سوارين من ذهب نفخهما عليه الصلاة والسلام فطارا فأَوَّلَها بأنهما كَذَّابان يَدَّعِيَان النبوة»[[أخرج البخاري (٣٦٢١)، ومسلم (٢٢٧٤ / ٢١) بسنديهما عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «بينا أنا نائم رأيت في يدي سوارين من ذهب فأَهَمَّنِي شأنهما، فأوحي إليَّ في المنام أن انفخهما، فنفختهما فطارا، فأولتهما كذابين يخرجان من بعدي، فكان أحدهما العنسي صاحب صنعاء، والآخر مسيلمة صاحب اليمامة».]]، وهذا هو الذي وقع في حياته عليه الصلاة والسلام، وكذلك أيضًا رؤيا الرجلين اللَّذَيْن دخلا السجن مع يوسف، ورؤيا أبيه يعقوب، كل هذه ضرب أمثال (...).
﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ هذه؟
* طالب: إي نعم.
* الشيخ: أخذنا الفوائد نكمل القصة ونأخذ الفوائد جميعًا.
* طالب: وقفنا على اختلاف العلماء في اسماعيل واسحاق.
* الشيخ: في أيش؟
* طالب: وقفنا على اختلاف العلماء في اسماعيل واسحاق.
* الشيخ: قال المؤلف: (﴿وَفَدَيْنَاهُ﴾ أي: المأمور بذبحه وهو إسماعيل أو إسحاق قولان)، (أو) في كلام المؤلف ليست للشك، ولكنها للتنويع؛ أي: من العلماء من قال: أن الذبيح إسحاق، ومنهم من قال: إن الذبيح إسماعيل، ولكن القول الراجح أن الذبيح إسماعيل لعدة أوجه منها:
ما سيأتي في كلام المؤلف في قوله: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ حيث قال المؤلف: (استدل بذلك على أن الذبيح غيره).
ومنها: أن الله تعالى قال في إسحاق: بشرناه ﴿بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ [الحجر ٥٣]، وفي الذبيح قال: ﴿بَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات ١٠١] وهذا غير هذا؛ لأن الذي وُصِفَ بالحلم هو الذي صبر على الذبح وتنفيذ أمر الله عز وجل.
ومنها: أن الله وصف إسماعيل بأنه صادق الوعد ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ [مريم ٥٤]، وهذا الوصف إنما يقال في أمر عظيم صدق به الإنسان، والوعد الذي وَعَد هو قوله لأبيه: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ وقد وَفَّى بذلك.
ومنها أيضًا: أن الله تعالى وصف إسماعيل بأنه من الصابرين، ولم يصف بذلك إسحاق فقال تعالى: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنبياء ٨٥]، ولم يذكر إسحاق ولم يصف إسحاق بالصبر، ومعلوم أن الصبر الذي صبره إسماعيل هو الصبر الذي يستحق أن يُثْنَى به عليه؛ لأنه صبر عظيم.
ومنها: أن الله سبحانه وتعالى بَشَّر بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب فقال: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود ٧١]، ولو كان إسحاق هو الذي أُمِرَ بذبحه لكان هناك تناقض؛ لأنه كيف يؤمر بذبحه وقد بُشِّر بابن له أي: بإسحاق؛ لأن يعقوب ابن إسحاق، فإذا كان قد بُشِّر بأن له ولدًا اسمه يعقوب فلا يليق أن يؤمر بذبحه.
وقد يقول قائل: إنه بُشِّر بيعقوب باعتبار المآل؛ لأنه إذا نسخ وجوب الذبح بقي هذا الولد ورزق ولدًا، فيقال: نعم هذا يمكن أن يرد به، لكن تفوت البشارة عندما يُؤْمَر بالذبح تكون البشارة بيعقوب قد انتفت في تلك الحال، ومن المعلوم أن الإنسان المُبَشَّر بالشيء لا يمكن أن يزعج بضده، إذا أُزْعِجَ بضده انقلبت البشارة سوءًا. هذا خمسة أوجه كلها تدل على أن الذبيح إسماعيل.
الوجه السادس: قوله هنا: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ﴾ [الصافات ١١٢] بعد أن ذكر قصة الذبح كاملة، ولا يمكن أن يكون في القرآن تكرار.
السابع: أن الله تعالى ذكر البشارة بإسحاق للأم ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ﴾ ولم يذكر ذلك في إسماعيل.
الثامن: أن الله تعالى قال في إسحاق: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ وإذا كان قد بُشِّرَ بأنه نبي فإنه لا يليق ولا يسوغ أن يأمر بذبحه بعد أن بشر بنبوته. هذه ثمانية أوجه كلها تدل على أن الذبيح هو إسماعيل.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences