Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
As-Saffat 37:97–132
37:97–132Page 449
قَالُواْ ٱبۡنُواْ لَهُۥ بُنۡيَٰنٗا فَأَلۡقُوهُ فِي ٱلۡجَحِيمِ ٩٧
They said, "Construct for him a structure [i.e., furnace] and throw him into the burning fire."
فَأَرَادُواْ بِهِۦ كَيۡدٗا فَجَعَلۡنَٰهُمُ ٱلۡأَسۡفَلِينَ ٩٨
And they intended for him a plan [i.e., harm], but We made them the most debased.
وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهۡدِينِ ٩٩
And [then] he said, "Indeed, I will go to [where I am ordered by] my Lord; He will guide me.
رَبِّ هَبۡ لِي مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ١٠٠
My Lord, grant me [a child] from among the righteous."
فَبَشَّرۡنَٰهُ بِغُلَٰمٍ حَلِيمٖ ١٠١
So We gave him good tidings of a forbearing boy.
فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعۡيَ قَالَ يَٰبُنَيَّ إِنِّيٓ أَرَىٰ فِي ٱلۡمَنَامِ أَنِّيٓ أَذۡبَحُكَ فَٱنظُرۡ مَاذَا تَرَىٰۚ قَالَ يَٰٓأَبَتِ ٱفۡعَلۡ مَا تُؤۡمَرُۖ سَتَجِدُنِيٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّٰبِرِينَ ١٠٢
And when he reached with him [the age of] exertion,1 he said, "O my son, indeed I have seen in a dream that I [must] sacrifice you, so see what you think." He said, "O my father, do as you are commanded. You will find me, if Allāh wills, of the steadfast."
فَلَمَّآ أَسۡلَمَا وَتَلَّهُۥ لِلۡجَبِينِ ١٠٣
And when they had both submitted1 and he put him down upon his forehead,
وَنَٰدَيۡنَٰهُ أَن يَٰٓإِبۡرَٰهِيمُ ١٠٤
We called to him, "O Abraham,
قَدۡ صَدَّقۡتَ ٱلرُّءۡيَآۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٠٥
You have fulfilled the vision." Indeed, We thus reward the doers of good.
إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ ٱلۡبَلَٰٓؤُاْ ٱلۡمُبِينُ ١٠٦
Indeed, this was the clear trial.
وَفَدَيۡنَٰهُ بِذِبۡحٍ عَظِيمٖ ١٠٧
And We ransomed him with a great sacrifice,1
وَتَرَكۡنَا عَلَيۡهِ فِي ٱلۡأٓخِرِينَ ١٠٨
And We left for him [favorable mention] among later generations:
سَلَٰمٌ عَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ ١٠٩
"Peace upon Abraham."
كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١١٠
Indeed, We thus reward the doers of good.
إِنَّهُۥ مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١١١
Indeed, he was of Our believing servants.
وَبَشَّرۡنَٰهُ بِإِسۡحَٰقَ نَبِيّٗا مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ١١٢
And We gave him good tidings of Isaac, a prophet from among the righteous.1
وَبَٰرَكۡنَا عَلَيۡهِ وَعَلَىٰٓ إِسۡحَٰقَۚ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحۡسِنٞ وَظَالِمٞ لِّنَفۡسِهِۦ مُبِينٞ ١١٣
And We blessed him and Isaac. But among their descendants is the doer of good and the clearly unjust to himself [i.e., sinner].
وَلَقَدۡ مَنَنَّا عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَٰرُونَ ١١٤
And We did certainly confer favor upon Moses and Aaron.
وَنَجَّيۡنَٰهُمَا وَقَوۡمَهُمَا مِنَ ٱلۡكَرۡبِ ٱلۡعَظِيمِ ١١٥
And We saved them and their people from the great affliction,
وَنَصَرۡنَٰهُمۡ فَكَانُواْ هُمُ ٱلۡغَٰلِبِينَ ١١٦
And We supported them so it was they who overcame.
وَءَاتَيۡنَٰهُمَا ٱلۡكِتَٰبَ ٱلۡمُسۡتَبِينَ ١١٧
And We gave them the explicit Scripture [i.e., the Torah],
وَهَدَيۡنَٰهُمَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ ١١٨
And We guided them on the straight path.
وَتَرَكۡنَا عَلَيۡهِمَا فِي ٱلۡأٓخِرِينَ ١١٩
And We left for them [favorable mention] among later generations:
سَلَٰمٌ عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَٰرُونَ ١٢٠
"Peace upon Moses and Aaron."
إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٢١
Indeed, We thus reward the doers of good.
إِنَّهُمَا مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٢٢
Indeed, they were of Our believing servants.
وَإِنَّ إِلۡيَاسَ لَمِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ١٢٣
And indeed, Elias was from among the messengers,
إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِۦٓ أَلَا تَتَّقُونَ ١٢٤
When he said to his people, "Will you not fear Allāh?
أَتَدۡعُونَ بَعۡلٗا وَتَذَرُونَ أَحۡسَنَ ٱلۡخَٰلِقِينَ ١٢٥
Do you call upon Baʿl1 and leave the best of creators -
ٱللَّهَ رَبَّكُمۡ وَرَبَّ ءَابَآئِكُمُ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٢٦
Allāh, your Lord and the Lord of your first forefathers?"
فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمۡ لَمُحۡضَرُونَ ١٢٧
And they denied him, so indeed, they will be brought [for punishment],
إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلۡمُخۡلَصِينَ ١٢٨
Except the chosen servants of Allāh.
وَتَرَكۡنَا عَلَيۡهِ فِي ٱلۡأٓخِرِينَ ١٢٩
And We left for him [favorable mention] among later generations:
سَلَٰمٌ عَلَىٰٓ إِلۡ يَاسِينَ ١٣٠
"Peace upon Elias."1
إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٣١
Indeed, We thus reward the doers of good.
إِنَّهُۥ مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٣٢
Indeed, he was of Our believing servants.
﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٩٧] ﴿قَالُوا﴾ أي: قال بعضهم لبعض: ﴿ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا﴾ الأمر هنا إن كان من الرؤساء فهو أمر حقيقي، وإن كان من غير الرؤساء أو من الرؤساء بعضهم لبعض فهو أمر مشورة والتزام وليس أمر إلزام؛ وذلك لأن أمر الإلزام إنما يكون من الأعلى إلى من دونه، وقالوا: ﴿ابْنُوا لَهُ﴾ اللام هنا ليست للملك، ولكنها للتعليل؛ أي: ابنوا لأجله بُنيانًا، هذا البنيان بنوه من أجل أن يملؤوه حطبًا، ثم يوقدوه على إبراهيم، فبنوا البنيان، وأضرموا النار في الحطب، كما أشار بعضهم على بعض.
قال: ﴿فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾ يقول المؤلف: ﴿ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا﴾ (فاملؤوه حطبًا وأضرموه بالنار، فإذا التهب ﴿فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾ في النار الشديدة).
قوله: ﴿ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾ هذه الآية فيها إيجاز حذف قدَّرَه المفسر، التقدير فاملؤوه حطبًا، وأضرموه بالنار، فألقوه في الجحيم، وفي الإتيان بالفاء عقب قوله: ﴿ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا﴾، وحذف ما توسط بينهما إشارة إلى أنهم أرادوا الإسراع العظيم في هذا الأمر كأنهم قالوا: ابنوا بنيانًا وألقوه مباشرة، وطبعًا ليس يُلقى بالبنيان فقط ليتمتع فيه، ولكن بعد إيقاد النار فيه إنما أرادوا بهذا الإسراع والمبادرة كأنهم طووا ذِكْر ما بين البناء والإلقاء لعدم وجوده من سرعة المبادرة، ويدل لذلك أيضًا قوله: ﴿فَأَلْقُوهُ﴾ والفاء هذه تدل على الترتيب والتعقيب.
قال: ﴿فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾ (أي النار الشديدة) ففعلوا ذلك، وألقوه في النار، ولكن خالق النار قال للنار: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء ٦٩] فكانت بردًا وسلامًا عليه، لم تكن بردًا شديدة البرودة حتى يهلك، ولم تكن حارة بل كانت على عكس ما يريد به، الأعداء أرادوا بالنار أن تكون حارة مهلكة، والله عز وجل أراد أن تكون باردة مُسلِّمة ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾، فكانت بردًا وسلامًا عليه.
وهنا نقف لنبين أن بعض المفسرين رحمهم الله قالوا: إنه في تلك اللحظة صارت جميع النيران في جميع أقطار الدنيا باردة، ولكن هذا قول ضعيف جدًّا مخالِف للقرآن؛ لأن الله تعالى قال في القرآن: ﴿يَا نَارُ﴾ [الأنبياء ٦٩]، وهذا النداء يكون موجهًا للمقصود بالنداء؛ ولهذا يسميها أهل النحو نكرة مقصودة، فالمراد تلك النار التي خُوطِبت فقط، فصارت النار التي خُوطبت بردًا وسلامًا، وأما الزعم بأن جميع النيران في جميع أقطار الدنيا صارت بردًا، فهذا لا شك أنه مخالف لظاهر القرآن وليس له أي فائدة.
قال الله تعالى: (﴿فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا﴾ [الصافات ٩٨] بإلقائه في النار لتهلكه ﴿فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾ المقهورين فخرج من النار سالِمًا) أرادوا به كيدًا، الكيد في الأصل التوصل إلى الإيقاع بالخصم من حيث لا يدري، وهو والمكر والخِداع بمعنى واحد، أو بمعنى متقارب، لكنها كلها تدور على أن الإنسان يُوقِع بخصمه من حيث لا يشعر،، هذا في الأصل؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق ١٥، ١٦]، ولكنهم هم أرادوا بذلك إهلاكًا لإبراهيم.
ويحتمل أنهم لما بنوا هذا البناء والنار في وسطه يحتمل أن الإنسان إذا رآه يظن أن ذلك قصر، فيُقدم على أن يستسلم للإلقاء؛ لأنه لو علم أن ما في جوفه نار لكان يهرب أو يدافع، ويكون هذا معنى الكيد؛ أي أنهم لم يشقوا الأرض كما فعل أصحاب الأخدود ويضعوا فيها الحطب ويوقدوه، ولكن بنوا بنيانًا من رآه من خارج ظن أنه منزل سكن، ولكنه في الواقع حسب صنعهم نار تتأجج. أقول: يمكن أن يقال: إن هذا هو المراد بقوله: ﴿كَيْدًا﴾؛ لأن الكيد كما أسلفنا هو التوصل إلى الإيقاع بالخصم من حيث لا يشعر، ولكن الله تعالى جعلهم الأسفلين، وذلك بعدم نيل مرادهم وخروج إبراهيم سالِمًا، فكان العلو له عليهم من وجهين:
الوجه الأول: أنه سلم مما أرادوا من إهلاكه.
الوجه الثاني: أن الله عز وجل أكرمه بأمر لم يكن معهودًا عند البشر، ما هو؟ سلامته من النار التي ظنوا أنها ستحرقه فصاروا أسفلين من هذين الوجهين؛ الوجه الأول، ما هو؟
* طالب: الأول: سلامته من كيدهم.
* الشيخ: سلامته من النار التي أرادوا أن تهلكه، والثاني؟
* طالب: الثاني: أن الله عز وجل أكرمه بأمر لم تعتده البشرية.
* الشيخ: صح، أن الله أكرمه بأمر لم يكن معهودًا، وهذا بلا شك يُوجِب أن يكون عاليًا عليهم بل عاليًا علوًّا بالغًا؛ لأنه قال: ﴿الْأَسْفَلِينَ﴾، والأسفلين هذه اسم تفضيل؛ أي البالغ في الأسفل أو في السفل غايته ﴿فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾. وهنا نسأل عن إعراب: ﴿فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾.
* طالب: مفعول ثانٍ لـ(جعلنا).
* الشيخ: أيها؟
* الطالب: ﴿الْأَسْفَلِينَ﴾.
* الشيخ: والهاء؟
* الطالب: مفعول أول.
* الشيخ: مفعول أول، وهذه (جعلنا) من أفعال القلوب ولَّا من أفعال التصيير؟
* طالب: من أفعال القلوب.
* الشيخ: هل تعد (جعل) من أفعال القلوب؟
* طالب: بمعنى (...).
* الشيخ: مثاله؟ جعل من أفعال القلوب؟
* الطالب: إذا كان بمعنى (أعطى).
* الشيخ: إي نعم، لكن نريد مثالًا لها؟
* طالب: اجعل الدراهم في جيبك، ضعها.
* الشيخ: لا، صيرها، وضعها ما هي من أفعال القلوب؛ من أفعال الجوارح ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف ١٩] جعلوا بمعنى (صيروا)؟ لا، لكن اعتقدوهم (...) إي وليست من أفعال القلوب، وكلاهما يعني (جعل) التي من أفعال القلوب أو التي من أفعال التصيير كلاهما ينصب مفعولين.
قال: ﴿فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ (٩٨) وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات ٩٨، ٩٩]، وقال: مَنْ؟ إبراهيم. قال: مُعْلِنًا هجرته من بلدهم إلى بلد الشام، وإنما قال ذلك؛ لأنهم بلغوا إلى حد يكون به اليأس من هدايتهم، فإن قومًا أضرموا النار ليحرقوا بها داعيهم إلى الله لا يُرجَى فيهم خير؛ ولهذا قال: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾، فإن قلت: هل أمر بذلك أو أُذِن له بذلك؟
فالجواب: نعم، أُذِن له بذلك، والدليل: أن الله سبحانه وتعالى أقرَّه فلم يُنكر عليه، لكن يونس عليه الصلاة والسلام لما ذهب من غير أن يؤذن له بَيَّنَ الله سبحانه وتعالى أن ذهابه عن غير إذن، فقال: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ﴾ [الأنبياء ٨٧]، ولما ذكر هجرة إبراهيم لم يذكر ما فيه انتقاد عليه؛ ولهذا قال: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي﴾ [الصافات ٩٩] قال المؤلف: (مهاجر إليه من دار الكفر ﴿سَيَهْدِينِ﴾ إلى حيث أمرني ربي بالمسير إليه وهو الشام فلما وصل إلى الأرض المقدسة قال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي﴾ [الصافات ١٠٠]).
﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي﴾ ولم يقل: إلى الله؛ لأن المقام يختص بالربوبية أكثر؛ إذ إن الربوبية مقتضاها التدبير، وهو الآن محتاج إلى مُدَبِّر يُدَبِّره إلى ما فيه مصلحته، فقال: ذاهب إلى ربي، والإضافة هنا إضافة تعطُّف وتحنُّن، وهي من الربوبية الخاصة؛ يعني إلى الرب الذي أرجو منه أن يهديني ويدلني لما فيه الخير.
وقوله: ﴿سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات ٩٩] (السين) هذه للتنفيس، وتفيد أمرين: تحقق الوقوع وقربه. ﴿سَيَهْدِينِ﴾ والمراد بالهداية هنا هداية الدلالة؛ أي: سيهديني إلى ما فيه الخير والصلاح لهذه الدعوة، وربما يقال: إنها تشمل هداية الدلالة وهداية التوفيق.
﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِين﴾ [الصافات ٩٩، ١٠٠] (هب لي ولدًا من الصالحين) أشار المؤلف بقوله: (ولدًا) إلى أن المفعول الثاني لـ(هب) محذوف، تقديره ولدًا.
وقوله: ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ الصالح هو الذي صلح ظاهره وباطنه، ولزم من صلاحه أن يكون قائمًا بحقوق الله وحقوق عباده، وهو ضد الفاسد، وفساد كل شيء بحسبه، وصلاح كل شيء بحسبه، فصلاح الطعام أن يكون قابلًا للأكل مُهيئًا له، وفساده أن يكون غير صالح للأكل، ولا قابلًا للأكل، وصلاح الإنسان أن يكون مُهيئًا مُستعدًّا لما أمر به، قائمًا بأمر الله في حقوقه وحقوق عباده.
﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات ١٠٠، ١٠١] (أي ذي حلم كثير) الفاء في قوله: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ﴾ تدل على الترتيب والتعقيب، وربما تدل أيضًا على السببية؛ أي: فبسبب دعائه لله أجاب الله دعوته وبَشَّره بغلام حليم؛ أي: ذي حلم كثير، وأفادنا المؤلف بقوله: (ذي حلم كثير) إلى أن ﴿حَلِيمٍ﴾ هنا صيغة مبالغة، ولكن يحتمل أن تكون صفة مشبهة؛ أي: بغلام صفته الدائمة المستمرة الحِلْم.
* طالب: النار قال: كانت بردًا يعني نار إبراهيم باردة على كل شيء ولَّا على إبراهيم خاصة (...)؟
* الشيخ: الله أعلم، أما ظاهر الآية: ﴿عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء ٦٩] على إبراهيم فقط.
* طالب: (...).
* الشيخ: اللي غيره على طبيعته، هذا ظاهر الآية.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إلا الآية.
* الطالب: (...).
* الشيخ: أما مسألة الطيور أنها تموت وتقع، هذا الله اعلم لكن ظاهر الآية أنها برد وسلام على هذا الرجل فقط.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ (٩٨) وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٠٩) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات ٩٨ - ١١١].
* الشيخ: قال الله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ أخذنا دلالة الفاء فقط أنها تدل على أن الله استجاب له فور دعائه.
وقوله: ﴿بَشَّرْنَاهُ﴾ البشارة هي الإخبار بما يسر، هذا هو الأصل إذا أُخْبِر الإنسان بما يَسُر قيل: بُشِّر، وإذا أُخبر بما يخوف قيل له: أُنْذِر؛ ولهذا يذكر الله عز وجل دائمًا التقابل بين البشارة والإنذار ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [البقرة ١١٩] ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [النساء ١٦٥]، فالبشارة في الأصل هي الإخبار بما يسر، وقد تطلق على الإخبار بما يسوء إما من باب التهكم بالمخبَر، وإما من باب الجامِع بين البشارة والإنذار؛ لأن كل واحد منهما يؤثر في بشرة الْمُخبَر، البشارة تؤثر به سرورًا وفرحًا، واستنارة وجه، وراحة قلب، والإنذار بالعكس يظلم الوجه، ويصغر ولا ينتشب الوجه، ويحصل فيه الغم.
المهم أن البشارة في الأصل الإخبار بما يسر، وقد تُطلق على الإخبار بما يسوء كقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران ٢١] إما من باب التهكم بهم كما تقول مثلًا لشخص: أَبْشِر بالعقوبة تتهكم به، وإما من باب الجامع بينه وبين البشارة بما يَسُر، وهو أن كُلًّا منهما يؤثر على البشرة تأثيرًا يظهر.
﴿فَبَشَّرْنَاهُ﴾ (أي بشرنا إبراهيم) ﴿بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ (أي ذي حلم كثير) وما هو الحِلم؟ الحلم: هو التأني وعدم التسرع في مقابلة الأمور بل يتلقاها الإنسان بطمأنينة واتزان وتصرف رشيد، ضد الحليم هو سريع الغضب، سريع الانفعال، الذي لا يتأنى في الأمور، ولا يتروَّى فيها فتجده يرد الشيء مبادرة، أو يقبله مبادرة، فالْحِلْم -في الحقيقة- هو غاية ما يكون من الرشد.
ووصف الله هذا الغلام هنا بالحِلم، وفي آيتين من كتاب الله وُصِفَ الغلام الذي لإبراهيم بالعلم؛ وذلك لأن الغلامين اثنان؛ أحدهما: وُصِفَ بالعلم، والثاني: وُصِف بالحِلْم، الذي وُصِفَ بالحلم، سيأتينا إن شاء الله تعالى بيان من هو، وأما الذي وُصِفَ بالعلم فهو إسحاق عليه الصلاة والسلام، كما تفيده الآيات التي جاءت في سياقها.
﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ [الصافات ١٠١، ١٠٢] ﴿فَلَمَّا بَلَغَ﴾ الضمير يعود على الغلام، والضمير في ﴿مَعَهُ﴾ يعود على إبراهيم، والسعي إما أن يراد به الكسب، وإما أن يراد به المشي، وكلاهما صحيح، ولكن الأقرب عندي أن المراد به المشي، فإن السعي يطلق على المشي كثيرًا كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة ٩]، وكذلك قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة ٢٠٥]، فالمراد بالسعي يعني المشي، ولكن كلمة (مع) تفيد المصاحبة؛ يعني صار تابعًا لأبيه يسير معه؛ لأنه ليس صغيرًا، قد مكث في مكانه، وليس كبيرًا انفرد بنفسه، فالصغير الذي في المهد لا يبلغ السعي مع أبيه، والكبير الذي انفرد يبلغ السعي لا مع أبيه؛ لأنه منفرد، أما هذا فقد بَلَغَ مع أبيه السعي، وكان ملازمًا له، وهذا أشد ما يكون الأب تعلُّقًا بابنه إذا كان في مثل هذا السن؛ لأن الصغير -كما تعلمون- الذي في المهد لا تتعلق به النفس، والكبير الذي انفرد كذلك لا تتعلق به النفس، إنما تتعلق بمن كان في مِثْل هذا السن، وهذه من حكمة الله عز وجل أن ابتُلِي إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه بهذا البلاء المبين.
قال: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ [الصافات ١٠٢] (أي أن يسعى معه ويعينه، قيل: بلغ سبع سنين، وقيل: ثلاث عشرة سنة)، ويحتمل أن يكون ما بينهما، ما بين السبع إلى ثلاث عشرة؛ لأنه إذا زاد على ذلك فقد يستقل بنفسه، وما دون السبع أيضًا يحتاج إلى من يَعُوله، ولا تتعلق به النفس كثيرًا لا سيما نفس الأب، أما الأم فقد يكون تعلق نفسها بالصغير أكثر من تعلق نفسها بالكبير، ولكن الأب تتعلق نفسه بمثل هذا السن.
لما بلغ معه السعي امتحن الله سبحانه وتعالى إبراهيم بمحنة عظيمة لا يصبر عليها إلا من كان في مثل حاله، واعلم أن هذا الولد هو بكر إبراهيم؛ يعني أنه أول مولود وُلِدَ له، ووُلِدَ له كما قيل: على كبر السن؛ يعني أنه كان كبيرًا، وُلِدَ له هذا المولود البكر الذي ليس له ولد سواه، فامتحنه الله، فأراه الله سبحانه وتعالى في المنام أنه يذبح هذا الولد، وهذا خبر بمعنى الأمر؛ لأن الذبح هنا مجرد فعل، رأى في المنام أنه يذبح ولده، فهو كما لو أُخْبِر بأنه يذبح ولده أُرِيَ، والإراءة إخبار بالقول ولَّا بالفعل؟ الإراءة إخبار بالفعل، ولهذا قيل: الخبر ما ترى لا ما تسمع.
المهم أن الله أراه أنه يذبحه، وهذا خبر بمعنى الأمر كما سيأتي إن شاء الله تعالى في قوله: ﴿افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات ١٠٢]، أراه الله ذلك، فلم ينزعج إبراهيم، ولم يتأثر واطمأن إلى هذا، ثم عرض الأمر على هذا الابن لا للاستشارة، ولكن للاختبار، وإلا فلا يمكن أن يستشير إبراهيم ابنه فيما أمره الله به أليس كذلك؟ وإنما عَرَضَ عليه الأمر ليختبره بهذا، وينظر مدى قوة تحمله لهذا الأمر العظيم.
قال: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ﴾ يعني لما بلغ معه السعي وأُرِيَ ما رأى ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى﴾ (أي: رأيت) ﴿فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ شوف هذا التلطف ﴿يَا بُنَيَّ﴾ ليُبعد عن ابنه أنه ذَكَرَ ذلك عن جفاء؛ لأن الإنسان إذا كان يبغض ابنه فإنه لا يهمه أن يعذبه أو أن يذبحه ولا يتأثر بذلك، لكنه قال: ﴿يَا بُنَيَّ﴾ من باب التلطف به، وبيان أن الحنان قد بلغ في قلبه كل مبلغ، وصَغَّرَه فقال: ﴿يَا بُنَيَّ﴾ ولم يقل؛ يا ابني؛ زِيادة في التلطف.
﴿قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾، قال: المفسِّر (أي: رأيت ولكنه عَبَّرَ بالمضارع ليدل على استمرار حكم هذه الرؤية) نعم، إني أرى في المنام أني أذبحك، هذه ماضٍ ولَّا مضارع؟
* طلبة: مضارع.
* الشيخ: عبَّر بالمضارع عن الماضي ليبين أنه مستمر على تنفيذ حُكْم هذه الرؤيا، قال: إني أرى أني أذبحك، أو نَزَّلَ الماضي منزلة الحال كأنه الآن يرى أنه يذبحه.
وعلى كل حال فإن (أرى) هنا أبلغ من (رأيت)؛ لأن (رأيت) شيء مضى، أما هذا فهو شيء حاضر يدل على الاستمرار، وأنه سيُنفِّذ حكم ما رأى.
(﴿فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ ورؤيا الأنبياء حق وأفعالهم بأمر الله) هاتان كلمتان يُعبِّران عن سؤال مُقدَّر، أولًا: قوله: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات ١٠٢]، قد يقول قائل: رؤيا المنام أضغاث أحلام، فأجاب عن ذلك بقوله: (رؤيا الأنبياء حق)، أنا لو رأيت في منامي أني أعتقت عبيدي، أو أوقفت دوري، هل يكون ذلك نافذًا؟ لا، ولا أؤمر بذلك من أجل هذه الرؤيا، لكن رؤيا الأنبياء حق يعني أنها وحي.
والجواب الثاني قال: (وأفعالهم بأمر الله) وهو أيضًا جواب عن سؤال مُقدَّر، وإذا كانت هذه الرؤيا حقًّا فهل يثبت بها حكم شرعي؟ فأجاب المؤلف بما يقتضي نعم، لماذا؟ لأن أفعال الأنبياء بأمر الله لا سيما مثل هذا الفعل العظيم هذا الفعل العظيم، هذا الفعل العظيم هو من أكبر الكبائر ليش؟ لأنه قتْل نفس بغير حق، وليست نفسًا بعيدة قتْل نفس قريبة، فهو جامع بين قتل النفس وبين قطيعة الرحم؛ لأن من قتل أجنبيًّا ليس كمن قتل قريبًا، لكن هذا الذنب العظيم إذا كان بأمر الرب الذي له ملكوت السماوات والأرض صار طاعة، كما أن السجود لغير الله شِرْك، ولما كان بأمر الله كان تركه كفرًا ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة ٣٤]، المهم أن المؤلف أجاب عن هذه الرؤيا بأنها فِعْل من نبي، وأفعال الأنبياء بأمر الله عز وجل تقع بأمر الله؛ لأنهم معصومون.
قال: (﴿فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات ١٠٢] من الرأي؛ يعني فكر في أمرك، وانظر ماذا ترى) فكان جوابه جوابًا عجيبًا عظيمًا.
﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾، وهذا شبيه بما وقع من عائشة رضي الله عنها حين خَيَّرَها النبي ﷺ بين أن تبقى معه، وأن تفارقه للدنيا وقال لها: «اسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ»؛ يعني استشيريهم، فقالت رضي الله عنها:« أفي هذا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ؟! إني أختارُ اللَّهَ ورسولَهُ والدارَ الآخرةَ »[[أخرجه البخاري (٢٤٦٨) من حديث عمر بن الخطاب.]].
قال: ﴿فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات ١٠٢] من الرأي؛ يعني: فكرْ في أمرك وانظر ماذا ترى، فكان جوابه جوابًا عجيبًا عظيمًا ﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ وهذا شبيه بما وقع من عائشة رضي الله عنها حين خيَّرها النبي ﷺ بين أن تبقى معه وأن تفارقه للدنيا وقال لها: «اسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ» يعني: استشيريهم. «فقالت رضي الله عنها: أفي هذا أستأمر أبوي؟ إني أختار الله ورسوله والدار الآخرة»[[أخرج البخاري (٤٧٨٥) ومسلم (١٤٧٥/٢٢) بسنديهما عن عائشة رضي الله عنها أخبرته أن رسول الله ﷺ جاءها حين أمره الله أن يُخَيِّر أزواجه، فبدأ بي رسول الله ﷺ فقال: «إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمَرًا، فلا عليك ألا تستعجلي حتى تستأمري أبويك»، وقد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه، قالت: ثم قال: «إن الله قال: ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك﴾ [الأحزاب: ٢٨]».. إلى تمام الآيتين، فقلت له: فَفِي أَيِّ هذا أستأمر أبوي؟ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة.]].
هنا قال: ﴿انْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ يعني: فَكِّرْ في أمرك. هل أنت مستعد لهذا الشيء أو لا؟ وهذا من باب الاختبار في حال هذا الابن وتهيُّئِه لتنفيذ ما أمر الله به أباه.
﴿فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ قال المؤلف أي: (من الرأي شاوره ليأنس بالذبح وينقاد للأمر به)، نعم لو أنه حين قام من النوم جر ابنه وذَبَحَه بدون أن يخبره لفات في ذلك فائدتان عظيمتان: الفائدة الأولى عدم ظهور تَقبُّل هذا الابن لأمر الله، والثانية أنه إذا أتاه بغتة صار أشد وقعًا في نفسه وأشد ألمًا مما لو أُخْبِر به؛ لأن الإنسان إذا أخبر بالشيء قبل أن يقع واستعدت نفسُه له وتهيأت صار الوالد العظيم يرد على النفس وهي أيش؟ متهيئة فيسهل عليها، بخلاف إذا ما وَرَد على غِرَّة فإنه يكون أشدَّ وقعًا وأشد ألمًا؛ ولهذا قال المؤلف رحمه الله: (ليأنس بالذبح وينقاد للأمر به).
قال: (﴿يَا أَبَتِ﴾ التاء عوض عن ياء الإضافة) وأصلها يا أبي، ولكن العرب قد يبدلون الياء تاء فيقولون: يا أبت، وعلى هذا فالتاء بدلا عن الياء فهي ياء المتكلم.
(﴿افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ به) سبحان الله! ما قال: يا أبت لا مانع عندي، قال: ﴿افْعَلْ﴾ فحثه على أن يفعل، ولم يقل: افعل ما رأيت، قال: افعل ما تؤمر به حثًّا لإبراهيم على أن يفعل؛ لأنه إذا ذَكَّرَه أن هذا أمر الله فإنه يزيده قوة في تنفيذ هذا الأمر؛ لأن إسماعيل عليه الصلاة والسلام خاف أن تُدْرِكَ إبراهيم رحمةُ الولد فيراجعَ الله عز وجل في ذلك فأشار عليه أن يُبادِر بفعل ما أُمِرَ به، افعل ما تُؤْمَر، ولم يقل: ما رأيت، ليكون هذا أشد حثًّا لإبراهيم على الإقدام لهذا.
(﴿افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ به ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ ) ما شاء الله نعم، ﴿سَتَجِدُنِي﴾ هذه السين كما قلنا فيما سبق قريبًا للتنفيس وتفيد شيئين: التوكيد، وقرب الوقوع. والتأكيد يعني تحقق هذا الشيء، ولكنه لما كان أمرًا مستقبلًا والإنسان لا يثق أن يقوم بالأمر المستقبل قال: ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾، وأتى بالاستثناء قبل ذِكْر المفعول الثاني للمبادرة به ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ ولم يقل: ستجدني من الصابرين إن شاء الله، فبدأ بالاستثناء الدال على الاستدراك يعني: إن لم يشأ الله لن تجدني كذلك ولكن ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾.
وقوله: ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ جملة معترضة بين مفعولي (تجد) لأن المفعول الأول الياء والثاني ﴿مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ أي: من الصابرين على أيش؟ على أمر الله، هذا الأمر العظيم الصابرين على بلاء الله؛ لأن هذا من بالبلاء العظيم أن يصبر الإنسان على أن يُقْتَل امتثالًا لأمر الله سبحانه وتعالى، وهنا لم يقل: ستجدني إن شاء الله صابرًا قال: ﴿مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ إشارة إلى أنه عليه الصلاة والسلام سيكون له تَأَسٍّ بمن سبق حتى يكون من جملة المتصفين بهذا الوصف وهو الصبر.
قال الله تعالى: (﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾ [الصافات ١٠٣] خضعا وانقادا لأمر الله ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ ) ﴿أَسْلَمَا﴾ يعني: استسلما لأمر الله، وانقادا لأمره عن كره ولّا عن رضا ورغبة؟ عن رضا ورغبة بلا شك من الأب الذي عزم على أن ينفذ أمر الله، والابن الذي تَقَبَّل هذا الأمر بانشراح صدر وحَثٍّ لأبيه على أن يفعل ما أمره الله به، وهذا غاية ما يكون من الاستسلام وهذا استسلام القلب، ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ هذا استسلام الجوارح، يعني أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام تَلَّ ابنه للجبين يعني: صرعه على الأرض على جبينه ليذبحه، وإنما صرعه على جبينه من أجل ألا يرى وجهه حين يذبحه، ولئلا يرى الابن السكين فيفزع، ومعلوم أن رؤية المذبوح للسكين تريعه ويروى «عن النبي ﷺ أنه رأى رجلًا يَحُدَّ الشفرة ليذبح شاة فقال: «أَتُرِيدُ أَنْ تُمِيتَهَا ميتتين»[[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١١٩١٦) والأوسط (٣٥٩٠) بلفظ: «تريد أن تميتها موتتين» وبنحوه أخرجه الحاكم في المستدرك (٧٧٥٤)، والبيهقي في السنن الكبرى (٩/٢٨٠) كلهم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.]]؛ لأنه إذا ارتاعت البهيمة هذا روعة عظيمة، حتى إن بعض البهائم إذا رأى السكين تُحَدُّ هرب وهو بالأول مطمئن، المهم أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام تَلَّ ابنه للجبين بسرعة قوةً في تنفيذ أمر الله عز وجل.
قال المؤلف رحمه الله: (﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ صرعه عليه ولكل إنسان جبينان بينهما الجبهة، وكان ذلك بمنى وأَمَرَّ السكين على حلقه فلم تعمل شيئًا بمانع من القدرة الإلهية) ونحن نقول، وقلنا سابقًا أيضًا: إن قَصَص الأنبياء السابقين إنما يُؤْخَذ من الكتاب والسنة الصحيحة؛ لقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ [إبراهيم ٩]، ونحن في قصة إبراهيم عليه الصلاة والسلام لا ينبغي لنا أن نتجاوز القرآن ولا أن نُقَدِّر شيئًا لا يقتضيه السياق فهنا يقول: ﴿تَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ صَرَعَه على جبينه، الجبين هذا طرف الجبهة؛ يعني القرنين، وذكرتُ لكم الحكمة في فعله هذا.
وأما قول المؤلف: (وذلك بمنى) فهذا يحتاج إلى دليل هو لا شك أنه في مكة؛ لأن إسماعيل كان نشأ في مكة من صغره، ولكن كونه في منى هذا يحتاج إلى دليل من الكتاب أو السنة وإلَّا وجب التوقف فيه.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences