Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Sad 38:1–6, continued
* الشيخ: أي الفرار والنجاة، طيب، أحسنت. يعني أنهم إذا وقع بهم العذاب ولو نادوا واستغاثَوا فلا مناص لهم منه.
قوله: ﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ﴾ فيها نكتة بلاغية، ما هي؟
* طالب: فيها وضع الظاهر وضع المضمر، وهذا فيه عدة فوائد:
الفائدة الأولى: التنبيه؛ لأنه لو استطرد الكلام هنا على نمط واحد لما انتبه السامع.
ثانيًا: فيه الإعلام أن هؤلاء كافرون.
ثالثًا: فيه التعليل بأن من قال هذا القول فهو كفر، فيتعدى إلى كل من قال مثل هذا القول بأنه كافر.
* الشيخ: نعم. قوله: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ الاستفهام؟
* طالب: للاستنكار والتعجب.
* الشيخ: نعم. والضمير في قوله: ﴿جَعَلَ﴾ يعود إلى مَنْ؟
* طالب: إلى محمد رسول الله ﷺ.
* الشيخ: إلى محمد رسول الله ﷺ، طيب.
كيف جمعوا بين وصفه بالسحر والكذب؟ السحر باعتبار أيش؟
* طالب: قول الإله إله واحد.
* الشيخ: لا.
* طالب: السحر لأن الساحر يسبي العقول (...).
* الشيخ: باعتبار تأثير كلامه؟ طيب، ﴿كَذَّابٌ﴾؟
* الطالب: باعتبار إخباره بخلاف الواقع.
* الشيخ: باعتبار ما أخبر به، طيب. إذن فهم وصفوه بأنه ساحر باعتبار تأثير كلامه كما يؤثر الساحر في المسحور، وكذاب باعتبار ما أخبر به.
طيب، قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ما معنى عجاب؟
* طالب: صيغة مبالغة أصلها عجيب.
* الشيخ: بمعنى عجيب لكن أتوا..
* الطالب: بصيغة مبالغة.
* الشيخ: أَتَوْا فيه بصيغة مبالغة.
* الطالب: للإنكار.
* الشيخ: مبالغة في التعجب منه.
قوله تعالى: ﴿أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ ما المراد بالمشي؟ هل هو المشي بالقدم أو المشي على الطريقة؟
* طالب: المشي على طريقتهم.
* الشيخ: على طريقتهم، طيب، ولا يصح أن يكون مَشْيًا بالقدم؟
* الطالب: ﴿أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ (...) مشي على الطريق.
* الشيخ: يعني ولا يصح أن يكون مشيًا على القدم؟
* الطالب: ممكن.
* الشيخ: كيف ذلك؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، بس كيف ذلك؟ إحنا عرفنا الآن أنه يصح، لكن كيف ذلك؟ كيف يتآمرون أو يأمر بعضهم بعضًا بالمشي على القدم؟
* الطالب: (...) الانطلاق، (...) المشي على القدم.
* الشيخ: إي أقول: كيف يتواصون بالمشي على القدم؟ يعني ليش؟
* الطالب: فرارًا.
* الشيخ: فرارًا، خوفًا من أن يُؤَثِّر فيهم المجلس الذي يُدْعَى فيه إلى التوحيد، أما المشي على الطريقة واضح.
قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ سامي ما معنى ﴿لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾؟
* الطالب: أن ما جاء به شيء يراد منه، يريدنا أن نتبعه لما جاء به.
* الشيخ: إي، يراد منا أو يراد منه؟
* الطالب: يريد منا.
* الشيخ: منا.
* الطالب: ومنا أيضًا، هو يريد أن نتبعه (...).
* الشيخ: طيب، يراد منا معروف أنه ما دعاهم الرسول إلا يريد منهم هذا الشيء، لكن يراد منه كيف ذلك؟
* الطالب: بأن يتركوا آلهتهم ويتبعوه.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: يراد منه لأن صاحب الإرادة لا بد أن يحقق إرادته.
* الشيخ: نعم، لأن من الناس من يتكلم بالكلام لكنه ما يهتم به ولا يريد ما يُفْضِي إليه، بخلاف المتكلم بكلام يريد ما يتكلم به؛ ولهذا نسمع كثيرًا من الناس يقول: أنا أقول كذا وأعني ما أقول، يعني أنه سوف يُنَفِّذ وسوف يعمل، فإذا كان الرسول ﷺ يريد ما يقول فمعنى ذلك أنه سوف يسعى بكل ما يستطيع لإتمامه.
قال الله تبارك وتعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
* من فوائد هذه الآية: أنه ينبغي الابتداء بها في الأمور الهامة ولهذا يبتدئ الله بها كل سورة، ومن المعلوم أن السورة من الأمور الهامة، وجاء في الحديث عن رسول الله ﷺ أنه قال: «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِبِاسْمِ اللَّهِ فَهُوَ أَبْتَرُ»[[أخرجه الخطيب في الجامع (١٢١٠) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]. والحديث حسن.
* ومن فوائدها: إثبات الألوهية لله في قوله: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات أسماء الله؛ لقوله: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾، وهذا مفرد مضاف فيعم كل اسم لله عز وجل؛ ولهذا يفسرها بعض المفسرين بقولهم: أي بكل اسم من أسماء الله أبتدئ.
* ومن فوائدها: التبرك بذكر اسم الله عز وجل فتكون أسماء الله مما يُدْعَى الله به؛ لقوله: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ومما يتبرك به ويستعان به؛ لأنها تقدم بين يدي الأمور الهامة، وإذا أردت أن تعرف مدى بركة هذه التسمية فانظر إلى الذبيحة يُسَمَّى عليها فتكون طيبةً حلالًا، ولا يُسَمَّى عليها فتكون خبيثة حرامًا مع أن الذابح واحد والآلة المذبوح بها واحدة ومكان الذبح واحد وإنهار الدم واحد، كل شيء واحد، لكن لما فُقِدَت التسمية صارت خبيثة ميتة لا يحل أكلها، فإذا سُمِّيَ عليها صارت طيبة.
«إِذَا أَتَى الرَّجُلُ أَهْلَهُ فَقَالَ: بِاسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، فَإِنَّهُ إِنْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطَانُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٣٨٨)، ومسلم (١٤٣٤ / ١١٦) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما ولفظه: «لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال: باسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يُقَدَّر بينهما ولد لم يَضُرَّه الشيطان أبدًا».]]، وإن لم يسمِّ بهذا التسمية كان عُرْضَة لأن يصاب ولده بالشيطان ويُضَرَّ به.
* من فوائد الآية الكريمة: إثبات الرحمة لله في قوله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وأنها رحمة واسعة؛ لقوله: ﴿الرَّحْمَنِ﴾؛ لأن الرحمن صفة تدل على السعة والامتلاء.
* ومنها: إثبات إثبات الأسماء الثلاثة وهي الله والرحمن والرحيم.
ثم قال الله تعالى: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ [ص ١، ٢].
* من فوائد هذه الآيات: أن القرآن كلام الله سبحانه وتعالى بحرف، تكلم به بالحروف العربية التي يتكلم الناس به ويركبون منها كلامهم؛ لقوله: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾.
* ومن فوائدها: فضيلة القرآن وشرفه حيث أقسم الله به ولا يُقْسَم إلا بالشيء العظيم.
* ومن فوائدها: جواز الإقسام بالقرآن، من أين يؤخذ؟
* طلبة: ﴿وَالْقُرْآنِ﴾.
* الشيخ: هذا خطأ. ليس فيها دليل على جواز الإقسام بالقرآن؛ لأن الله تعالى يقسم بما لا يجوز أن يُقسم به كقوله: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس ١]، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل ١]، فإذا أقسم الله بشيء فإنه لا يلزم أن يجوز لنا الإقسام به؛ لأن الله يقسم بما شاء، ولكننا نقسم بالقرآن بدليل آخر لا بهذه الآية، وهو أن القرآن من كلام الله فهو صفة من صفات، والإقسام بصفات الله جائز.
* ومن فوائد هذا الآيات: أن القرآن ذِكْرٌ على الوجوه التي ذكرناها في معنى الذكر؛ فهو موعظة يُتَذَكَّر به، وهو ذكر يتذكر به الإنسان ويتعلم، وهو ذكر يُنالُ به الشرف، وهو ذكر لله يتعبد لله تعالى بتلاوته، كما يُتَعَبَّد بالذكر: لا إله إلا الله وسبحان الله والحمد لله.
* ومن فوائد هذه الآيات: بيان ما في نفوس الكفار من الحمية والأنفة الباطلة؛ لقوله: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: أن الكفار لا (...) على كفرهم، ويستمرون في طغيانهم وأنفتهم، بل يحاولون أن يصدوا عباد الله عن دين الله؛ لأنهم في شقاق دائم، يشاقون الله ورسوله.
* ومن فوائد الآيات: أن لنا أن نقول: إنهم في عزة وشقاق مع الحق دائمًا، سواء مع الله أو مع الرسول أو مع ورثة الرسول وهم العلماء، أو مع أتباع الرسول عمومًا وهم مَن؟ المؤمنون. فهم في شقاق دائم مع أهل الحق.
ثم قال تعالى: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ [ص ٣].
* من فوائد هذه الآية: تسلية الرسول عليه الصلاة والسلام في أن الله تعالى أهلك المكذبين قَبْلَهم فَحَرِيٌّ أن يُهْلِكَ هؤلاء، وقد بينا أثناء التفسير أن الله تعالى أهلك هؤلاء لكن على يَد مَنْ؟ على يد الرسول ﷺ وأصحابه في الغزوات التي انتصر فيها، وقلنا: إن هذا النصر والتأييد والخذلان أبلغ من النصر الذي يأتي به الله من عنده؛ لأن الله يعذب هؤلاء بأيدي عباده المؤمنين وحزبه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تحذير هؤلاء المكذبين وأنهم لن يعجزوا الله شيئًا كما لم يعجزه مَنْ سبقهم ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن التكذيب للرسل كان كثيرًا؛ لأن إهلاك القرون إنما كان بسب تكذيبهم فإذا كثرت القرون فلازم ذلك أن يكثر التكذيب؛ أي: إذا كثرت القرون المهلكة كان لازم ذلك أن يكثر التكذيب.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان قوة الله وعظمته حيث أهلك أُمَمًا كثيرًا وقرونًا عظيمة؛ قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (١٥) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [فصلت ١٥، ١٦] فبين الله عز وجل أن الله الذي خلقهم أشد منهم قوة وأنه عذبهم بما هو ألطف الأشياء بما هو الريح.
* ومن فوائد هذه الآية: أن الأمم المهلكة إذا نزل بهم العذاب لم يستفيدوا من الاستغاثة بالله ولا بأنفسهم؛ لقوله: ﴿فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ يعني ليس هناك فرار من هذا العذاب الذي نزل بهم.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ [ص ٤].
* في هذا دليل على سفه قريش الذين كذَّبوا الرسول ﷺ واستنكروا ما جاء به؛ ووجه ذلك أنه لم يَأْتِهِم أحد غريب عليهم لا في جنسه ولا في نسبه، فالذي جاءهم جنسه بشرٌ مثلهم ونسبه منهم من قريش، ومع ذلك يعجبون استنكارًا مما جاءهم.
* ومن فوائد الآية: إقامة الحجة للرسول عليه الصلاة والسلام على هؤلاء؛ لقوله: ﴿مُنْذِرٌ﴾ يعني قد أقام عليهم الحجة بالإنذار، وقد قامت الحجة للرسول ﷺ وأنه لم يُفرِّط في رسالته، بل أنذر وقام بما قام به من البلاغ.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الذين عَجِبوا استنكارًا كفارٌ؛ لقوله: ﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ﴾.
* ومن فوائدها: أن كلَّ مَنْ قال مثل قولهم وعجب مثل عجبهم فإنهم كفار، من أي جنس كان من البشر.
* ومن فوائد الآيات: بيان قوة تأثير كلام الرسول ﷺ في نفوس القوم كقولهم: ﴿هَذَا سَاحِرٌ﴾، والساحر يؤثر في المسحور.
* ومن فوائدها: كذبهم في وصف الرسول عليه الصلاة والسلام حيث قالوا: أنه ساحر كذاب، والحقيقة أن الكذاب هم، هم الكذابون بما وصفوا به رسول الله ﷺ.
* ومن فوائدها: أن أعداء الرسل لا يعادونهم عداء شخصيًّا، ولكنهم يعادونهم عداء معنويًّا لما جاؤوا به من الرسالة.
ويتفرع على هذه الفائدة أن الكافرين سيكونون أعداء لكل متبعي الرسول، كل من اتبع الرسول فسيجد له أعداء من الكافرين والمنافقين.
ويتفرع على ذلك تسلية مَنْ وجد عداءً من أعداء الله إذا تمسك بكتاب الله وسنة رسوله، فإنه يقال: هذا العداء الذي حصل لك قد حصل لمن هو خير منك فلا تعجب.
* ومن فوائد الآية: أن أعداء الرسل بل أعداء الرسالة يضعون ألقاب السوء لمن تمسَّك بالشرع، مثل؟
* طالب: (...).
* الشيخ: يضعون ألقاب السوء لكل مَنْ تمسَّك بالشريعة؛ لقولهم: ﴿هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾.
وقد حصل هذا؛ فإن أهل التعطيل مثلًا يصفون أهل الإثبات من السلف بأنهم حشوية، مجسمة، ممثلة، رعاع، غوغاء، حشوية، وما أشبه ذلك من ألقاب السوء من أجل أن ينفروا الناس.
والعجب أن هؤلاء الذين يضعون ألقاب السوء لو تأملنا لوجدنا هذا اللقب الذي وضعوه للمتمسكين بشريعة الله لوجدنا هذا اللقب يصدُق عليهم هم. ألم يبلغكم قول المنافقين في الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه؟ قالوا: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونًا ولا أكذب ألسُنًا ولا أجبن عند اللقاء من هؤلاء القراء.
هذه الأوصاف الثلاثة تنطبق على مَنْ؟ عليهم هم، هم أكذب الناس ألسنًا وأجبن الناس عند اللقاء وأرغب الناس بطونًا، ليس لهم هم إلا بطونهم، فكل مَنْ وصف أهل السوء بوصف فإن وصفه يكون هو أول المتصفين به.
* ومن فوائد هذه الآيات: أن هؤلاء المكذبين للرسول عليه الصلاة والسلام لم يقيموا عليه حجةً فيما كذبوه فيه وليس عندهم إلا السب والعيب، وهذا يدل على ضعف حجة من ناوءك، فإذا وجدت الذي ناوءك، ليس عنده إلا الصراح والعويل ولطم الخد ونتف الشعر وما أشبه ذلك، فاعلم أنه ليس له حجة، إنما يريد أن يهوش عليك لعلك تنهزم، وإلَّا فصاحب الحجة يدلي بحجته بدون إثارة، يُدْلِي بحجته بهدوء بدون أن يثير، أما أن يَسُب ويشتم فإن هذا دليل على أنه مهزوم ومخذول، وأنه يريد أن يتخذ من هذا السلاح مَهْربًا ومخلصًا مما هو عليه من الضيق الذي عجز أن يدفع به حجة خصمه.
ثم قال الله تعالى: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص ٥].
* فوائد هذه الآية:
* من فوائدها: أن النبي ﷺ كان يدعو هؤلاء إلى التوحيد، إلى توحيد الله عز وجل في ألوهيه أو في ربوبيته؟ هو مع هؤلاء يجادلهم في الألوهية ويدعوهم إلى توحيد الألوهية؛ لأن توحيد الربوبية عندهم ثابت يُقِرُّون به ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف ٩]، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف ٨٧] لا ينكرون توحيد الربوبية، لكنهم ينكرون توحيد الألوهية؛ ولهذا قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ فكان الصراع بين الرسول ﷺ وبين كفار قريش على توحيد الألوهية، أما توحيد الربوبية فقد أقروا به.
* ومن فوائد هذه الآية: وجوب تقديم الأهم فالأهم في الدعوة إلى الله؛ لأن الرسول ﷺ أول ما دعا هؤلاء إلى التوحيد، ما قال: صلوا ولا زَكُّوا ولا صوموا ولا حجوا؛ دعاهم إلى التوحيد، وهذا هو شأن القرآن، وهذا شأن سنة الرسول عليه الصلاة والسلام العملية؛ فإنه لما بعث معاذًا إلى اليمن أمره أن يدعوهم أول ما يدعوهم إليه إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: مكابرة هؤلاء الذين أنكروا توحيد الألوهية؛ حيث ادَّعَوا أن الدعوة إليه من الأمور العجيبة جدًّا؛ لقولهم: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾، وكما قلت لكم آنفًا: إن مَنْ وصف الحق بأوصاف الباطل فإن حقيقته أن تعود هذه الأوصاف إليه، فأيما أشد عجبًا؟ رجل يدعو إلى توحيد الله وآخر يدعو إلى الإشراك به ونفي التوحيد! أيهما أعجب؟ الثاني؛ ولهذا نقول: إن الشيء العجاب أن تنكروا توحيد الله، وأن تَدَّعُوا أن مع الله شريكًا، هذا هو الشيء العجاب، أَمَّا رجل يدعو إلى توحيد الله الذي دلت عليه الفطرة ودلت عليه الآيات الكونية والشرعية فإن هذا ليس بعجاب، بل العجاب فِعْلُكُمْ أنتم.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: استعمال المؤكِّدات في الكلام وأنه من الأساليب اللغوية؛ لقولهم: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ﴾ فهم أكدوا هذه الجملة بمؤكدين بـ(إن) واللام ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ [ص ٦].
* في هذا أيضًا: دليل على تَخَوُّف هؤلاء من تأثير دعوة الرسول ﷺ فيهم؛ ولهذا كانوا يتواصون بالصبر على آلهتهم، وكانوا يتواصون بالبقاء والثبات على طريقتهم، وكانوا يتواصون بالهروب من الأماكن التي يُدْعَى فيها إلى التوحيد، كل هذا يؤخذ من قوله: ﴿أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾.
* ومن فوائد الآية: أن أهل الباطل يحنون على باطلهم ويحافظون عليه ويخافون مِنْ تَزَعْزُعِه؛ لقوله: ﴿وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾، وهكذا أهل الباطل تجدهم دائمًا يحوطون باطلهم بالسياج الذي يمنع من الوصول إليه على وجه يُمَزِّق هذا الباطل.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن للاجتماع على الشيء تأثيرًا في بقائه وثباته، من أين يؤخذ؟ من التواصي بالثبات على ما هم عليه والصبر على آلهتهم، ولا شك أن العمل الجماعي أكثر تأثيرًا من العمل الفردي مهما كان الفرد، يعني مهما كان الفرد في القوة لا شك أن العمل الجماعي له تأثير، ولهذا أمر النبي عليه الصلاة والسلام بأن نتزوج الودود الولود[[أخرج أبو داود (٢٠٥٠) بسنده عن معقل بن يسار قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ، فقال: إني أصبت امرأة ذات حسب وجمال، وإنها لا تلد، أفأتزوجها؟ قال: «لَا» ثم أتاه الثانية فنهاه، ثم أتاه الثالثة، فقال: «تَزَوَّجُوا الوَدُودَ الْوَلُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الْأُمَمَ».]]؛ من أجل كثرة الأمة، فإن الكثرة لها تأثير عظيم؛ ولهذا امتن الله بها في كتابه على بني إسرائيل حيث قال: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ [الإسراء ٦]، وذَكَّر شعيب قومَه بها حيث قال: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾ [الأعراف ٨٦]. والعامة يقولون: (الكثرة تغلب الشجاعة).
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن النبي ﷺ كان يقول قولًا يَعْنِي به ما يقول؛ لقولهم: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: أن الإنسان إذا عَنَى ما يقول فإن تأثيره في المخاطب أكثر؛ لأن الخطاب كما يكون باللسان فإن اللسان وسيلة للتعبير عما في القلب، ثم إن كان اللسان يُعَبِّر عما في القلب حقيقة فإن الوسيلة التى تتلقى هذا القول وهي الأذن توصل ما تسمع إلى القلب؛ ولهذا يقول العامة: (ما كان باللسان فلن يتجاوز الآذان، وما كان من القلب نفذ إلى القلب)، وهذا صحيح أن القول الخارج من القلب يؤثر أكثر بكثير من القول الخارج من اللسان، وأضرب لذلك مثلًا: لو قام رجلان يعظان الناس أحدهما يعظ من قلب وتشعر بأنه يتكلم من قلب ويظهر أثر قوله على صفحات وجهه، والآخر أبلغ منه وأشد ترصيعًا للكلام وتنميقًا له لكن قوله يخرج من لسانه فقط، وقلبه على خلاف ذلك، أو على الأقل لا يؤمن بما يقول. أيهما أشد تأثيرًا؟
الأول أشد، لو قام عاميٌّ يتكلم بكلام عاميٍّ لكن يُنْقَل تأَثَّر الناس به أكثر مما لو تكلم رجل فصيح اللسان قوي البيان، لكن قلبه خالٍ مما يقول، وهذا الشيء مشاهد ولهذا قال الكافرون: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ [ص ٦] يعني: يقال ويُراد حقيقة، فهم لقوة إرادة النبي ﷺ لما يقول كانوا يخافون من هذه الإرادة ويقولون: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ والله أعلم.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences