Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Sad 38:7–25
38:7–25Page 453
مَا سَمِعۡنَا بِهَٰذَا فِي ٱلۡمِلَّةِ ٱلۡأٓخِرَةِ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا ٱخۡتِلَٰقٌ ٧
We have not heard of this in the latest religion.1 This is not but a fabrication.
أَءُنزِلَ عَلَيۡهِ ٱلذِّكۡرُ مِنۢ بَيۡنِنَاۚ بَلۡ هُمۡ فِي شَكّٖ مِّن ذِكۡرِيۚ بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ ٨
Has the message been revealed to him out of [all of] us?" Rather, they are in doubt about My message. Rather, they have not yet tasted My punishment.
أَمۡ عِندَهُمۡ خَزَآئِنُ رَحۡمَةِ رَبِّكَ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡوَهَّابِ ٩
Or do they have the depositories of the mercy of your Lord, the Exalted in Might, the Bestower?1
أَمۡ لَهُم مُّلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَاۖ فَلۡيَرۡتَقُواْ فِي ٱلۡأَسۡبَٰبِ ١٠
Or is theirs the dominion of the heavens and the earth and what is between them? Then let them ascend through [any] ways of access.1
جُندٞ مَّا هُنَالِكَ مَهۡزُومٞ مِّنَ ٱلۡأَحۡزَابِ ١١
[They are but] soldiers [who will be] defeated there among the companies [of disbelievers].
كَذَّبَتۡ قَبۡلَهُمۡ قَوۡمُ نُوحٖ وَعَادٞ وَفِرۡعَوۡنُ ذُو ٱلۡأَوۡتَادِ ١٢
The people of Noah denied before them, and [the tribe of] ʿAad and Pharaoh, the owner of stakes,1
وَثَمُودُ وَقَوۡمُ لُوطٖ وَأَصۡحَٰبُ لۡـَٔيۡكَةِۚ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلۡأَحۡزَابُ ١٣
And [the tribe of] Thamūd and the people of Lot and the companions of the thicket [i.e., people of Madyan]. Those are the companies.1
إِن كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ ١٤
Each of them denied the messengers, so My penalty was justified.
وَمَا يَنظُرُ هَٰٓؤُلَآءِ إِلَّا صَيۡحَةٗ وَٰحِدَةٗ مَّا لَهَا مِن فَوَاقٖ ١٥
And these [disbelievers] await not but one blast [of the Horn]; for it there will be no delay.1
وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبۡلَ يَوۡمِ ٱلۡحِسَابِ ١٦
And they say, "Our Lord, hasten for us our share [of the punishment] before the Day of Account."
ٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَٱذۡكُرۡ عَبۡدَنَا دَاوُۥدَ ذَا ٱلۡأَيۡدِۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ ١٧
Be patient over what they say and remember Our servant, David, the possessor of strength; indeed, he was one who repeatedly turned back [to Allāh].
إِنَّا سَخَّرۡنَا ٱلۡجِبَالَ مَعَهُۥ يُسَبِّحۡنَ بِٱلۡعَشِيِّ وَٱلۡإِشۡرَاقِ ١٨
Indeed, We subjected the mountains [to praise] with him, exalting [Allāh] in the [late] afternoon and [after] sunrise.
وَٱلطَّيۡرَ مَحۡشُورَةٗۖ كُلّٞ لَّهُۥٓ أَوَّابٞ ١٩
And the birds were assembled, all with him repeating [praises].
وَشَدَدۡنَا مُلۡكَهُۥ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡحِكۡمَةَ وَفَصۡلَ ٱلۡخِطَابِ ٢٠
And We strengthened his kingdom and gave him wisdom and discernment in speech.
۞ وَهَلۡ أَتَىٰكَ نَبَؤُاْ ٱلۡخَصۡمِ إِذۡ تَسَوَّرُواْ ٱلۡمِحۡرَابَ ٢١
And has there come to you the news of the adversaries, when they climbed over the wall of [his] prayer chamber -
إِذۡ دَخَلُواْ عَلَىٰ دَاوُۥدَ فَفَزِعَ مِنۡهُمۡۖ قَالُواْ لَا تَخَفۡۖ خَصۡمَانِ بَغَىٰ بَعۡضُنَا عَلَىٰ بَعۡضٖ فَٱحۡكُم بَيۡنَنَا بِٱلۡحَقِّ وَلَا تُشۡطِطۡ وَٱهۡدِنَآ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلصِّرَٰطِ ٢٢
When they entered upon David and he was alarmed by them? They said, "Fear not. [We are] two adversaries, one of whom has wronged the other, so judge between us with truth and do not exceed [it] and guide us to the sound path.
إِنَّ هَٰذَآ أَخِي لَهُۥ تِسۡعٞ وَتِسۡعُونَ نَعۡجَةٗ وَلِيَ نَعۡجَةٞ وَٰحِدَةٞ فَقَالَ أَكۡفِلۡنِيهَا وَعَزَّنِي فِي ٱلۡخِطَابِ ٢٣
Indeed this, my brother, has ninety-nine ewes, and I have one ewe; so he said, 'Entrust her to me,' and he overpowered me in speech."
قَالَ لَقَدۡ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعۡجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِۦۖ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡخُلَطَآءِ لَيَبۡغِي بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٍ إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَقَلِيلٞ مَّا هُمۡۗ وَظَنَّ دَاوُۥدُ أَنَّمَا فَتَنَّٰهُ فَٱسۡتَغۡفَرَ رَبَّهُۥ وَخَرَّۤ رَاكِعٗاۤ وَأَنَابَ۩ ٢٤
[David] said, "He has certainly wronged you in demanding your ewe [in addition] to his ewes. And indeed, many associates oppress one another, except for those who believe and do righteous deeds - and few are they." And David became certain that We had tried him, and he asked forgiveness of his Lord1 and fell down bowing [in prostration] and turned in repentance [to Allāh].
فَغَفَرۡنَا لَهُۥ ذَٰلِكَۖ وَإِنَّ لَهُۥ عِندَنَا لَزُلۡفَىٰ وَحُسۡنَ مَـَٔابٖ ٢٥
So We forgave him that; and indeed, for him is nearness to Us and a good place of return.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى حاكيًا عن قريش ما كانوا يتوَاصَوْن به من الصبر على آلهتهم والثبات عليها نقل عنهم من جملة كلامهم ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾ [ص ٧].
﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا﴾ المشار إليه التوحيد أي أنه لا إله إلا الله ﴿فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾ الملة هي الدين الذي يكون عليه الإنسان كما قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل ١٢٣].
وتُطْلَق الملة على الحق وعلى الباطل؛ فالكفار على ملة، والمسلمون على ملة، وفي كلام أهل الفقه في الفرائض: «لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ»[[أخرجه أبو داود (٢٩١١) وابن ماجه (٢٧٣١) وغيرهما من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما.]] وجاء في ذلك حديث عن رسول الله ﷺ.
فالملة هي الدين الذي يكون عليه المرء من عقائد وعبادات وأخلاق.
وقوله: ﴿فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾ قال المؤلف: (أي: ملة عيسى)؛ لأن عيسى هو آخر الرسل قبل محمد ﷺ، لم يكن بينه وبين محمد ﷺ نبي، وما قيل عن نبوة بعض العرب مثل: خالد بن سنان أو غيره فإنه لا صحة له؛ وذلك لأن العرب ليس فيهم رسول إلا إسماعيل عليه الصلاة والسلام ومحمد ﷺ، وما سوى ذلك فكل ما يُدَّعى من أن في العرب رسولًا أو نبيًّا فهو كذب.
يقول: (﴿فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾ أي: ملة عيسى)؛ وذلك لأن الذي سمعوه في ملة عيسى هو أن الله ثالث ثلاثة وهذا ليس بتوحيد.
والعجب من ضلال النصارى حيث يقولون: إننا نُوَحِّد الله، وهم يقولون: إن الله ثالث ثلاثة، فأين التوحيد في ثلاثة؟! لا يمكن أن تجعل الثلاثة واحدًا؛ ولهذا يُعْتَبر هذا من أَضَلِّ ما ضل فيه النصارى وهم -كما تعلمون- ضالون، لكن هذا من أشد ما يكون من الضلال، كيف تقول: إنك موحد وأنت تقول: إن الله ثالث ثلاثة؛ مريم وابنها والله؟!
فالعرب الذين في عهد الرسول ﷺ ما سمعوا في ملة عيسى توحيدًا، وإنما سمعوا فيها تثليثًا فكأنهم يقولون: أنت يا محمد أتيت بملة لم تكن لمن قبلك، فالذين مِنْ قبلك آخرهم الملة النصرانية، وهم لا يقولون بالتوحيد.
﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ (إن) يقول المؤلف: (ما)، وعلى هذا فهي نافية، وعلامة (إن) النافية أن يأتي بعدها الإثبات بـ(إلا) أو نحوها، وهنا أتى بعدها الإثبات بـ(إلا) ما هذا إلا اختلاق.
و(إن) تأتي في اللغة العربية على أوجه: نافية، وزائدة، وشرطية، ومخففة من الثقيلة..
﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ [ص ٧] ﴿إِنْ﴾ يقول المؤلف: (ما) وعلى هذا فهي نافية، وعلامة (إن) النافية أن يأتي بعدها الإثبات بـ (إلا) ونحوها، وهنا أتى بعدها الإثبات بـ (إلا) ما هذا إلا اختلاق، و(إن) تأتي في اللغة العربية على أوجه: نافية، وزائدة، وشرطية، ومخففة من الثقيلة، فهنا نافية. وفي قولك: إن أكرمتني أكرمتُك، شرطية. وفي قوله تعالى: ﴿وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء ٥٢] مخففة أو نافية؟
* طالب: نافية.
* الشيخ: لأن (إلا) إذا أثبت (إلا) فهي نافية، وفي قول الشاعر:
.............................. ∗∗∗ وَإِنْ مَالِكٌ كَانَتْ كِرَامَالْمَعَادِنِ
(إِنْ مَالِكٌ) مخففة من الثقيلة، وفي قول الشاعر:
بَنِي غُدَانَةَ مَا إِنْ أَنْتُمُ ذَهَبٌ ∗∗∗ ............................
قال المؤلف هنا: (﴿إِنْ هَذَا﴾ ما) هذا المشار إليه، ما جاء به ﷺ من التوحيد، وقوله: ﴿إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ أي: إلا كذب، يقال: اختلق الكلام أي افتراه وكذبه، وهذا مبني على قولهم فيما سبق: ﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾، والكذاب لا يأتي إلا بأيش؟ إلا بالكذب والاختلاق.
ولما أنكروا التوحيد أنكروا الرسالة أيضًا، فقالوا: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ [ص ٨]، وهذا الاستفهام للنفي لكنه أتى بصيغة الاستفهام مبالغة في نفيه كأنهم يتعجبون كيف يُنْزَل عليه الذكر من بيننا ولم يُنْزَل على أحد غيره؟! وهذا كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف ٣١] والقريتان هما مكة والطائف، يقولون: لو نُزِّل هذا القرآن على رجل من الأكابر والأشراف لا على هذا الغلام الذي يُعْتَبر من أصغر القوم فكيف ينزل عليه الذكر من بيننا؟
وقوله: ﴿أَأُنْزِلَ﴾ ذكر المؤلف فيها قراءات قال: (بتحقيق الهمزتين)، الهمزتان هما همزة الاستفهام وهمزة الفعل، والتحقيق أن تقرأها هكذا: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾، (وتسهيل الثانية) بأن تمر عليها مرًّا فلا يظهر أنك حذفتها ولا أنك بَيَّنْتَها فتقول: ﴿أَاُنْزِلَ﴾ لم تتبين، (وإدخال ألف بينهما على الوجهين) أي: وجهي التحقيق والتسهيل، (ألف بينهما) أي: بين الهمزتين، فتقول على قراءة التحقيق: ﴿آأُنْزِلَ﴾ ، وعلى قراءة التسهيل: ﴿آانْزِلَ﴾ فالقراءات إذن أربع: تحقيق الهمزتين بلا ألف، تحقيق الهمزتين بألف، تسهيل الثانية بدون ألف، تسهيلها مع الألف.
طيب، ﴿أَؤُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ (﴿عَلَيْهِ﴾ على محمد) ﷺ الذي جاء بهذا القرآن الذي يُذَكِّرُهم به.
(﴿الذِّكْرُ﴾ أي: القرآن) وهذا إقرار منهم بأن القرآن ذِكْر، وإن كان يحتمل أن يكونوا قالوه على سبيل التنزل والتهكم وأنهم لا يؤمنون بأنه ذكر، وأيًّا كان فالمقصود بذلك نفي أن يكون محمدٌ ﷺ هو الرسول، يقول: (وليس بأكبرنا ولا بأشرافنا) ويريدون أن يكون نزول القرآن على أكبرهم وأشرفهم، ولكن الذي نتيقن أنه لو نزل على أكبرهم وأشرفهم لكذَّبوا أيضًا كما قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (٨) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام ٨، ٩] فهم معاندون لا يريدون الحق، ونعلم أنه لو نزل على غير محمدٍ ﷺ لطالبوا أن يكون نزل على غيره؛ لأنهم لم ينفوا الرسالة حقيقةً من أجل شخصية محمد ﷺ، فإن شخصيته عندهم من أفضل الشخصيات وأقواها أمانةً وأحسنها خُلُقًا، ولكن يقولون هذا على سبيل العناد والمكابرة فهو كقولهم لما حُدِّثوا بالبعث قالوا: ﴿ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجاثية ٢٥]، وهذا مكابرة منهم؛ لأنهم لم يُحَدَّثوا بالبعث الآن، حُدِّثوا بالبعث متى؟ يوم القيامة، فلم يأتِ الموعد الذي حُدِّد للبعث حتى يتحدَّوا بهذا التحدي، فيقال لهم: إن الله يميتكم ثم يحييكم ثم يجمعكم إلى يوم القيامة، والرسل ما قالت لهم: إنكم تبعثون الآن حتى تقولوا لهم: هاتوا آباءنا، يقول: ستبعثون يوم القيامة وسيأتي آباؤهم ومَنْ سبقهم.
طيب. نقول: إن قولهم: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ قالوه على سبيل أيش؟ المكابرة والمعاندة؛ لأننا نعلم أنه لو نزل على غيره لطلبوا شيئًا آخر.
قال: (وليس بأكبرنا ولا أشرفنا) أما قولهم: وليس بأكبرنا إن كانوا قالوه فهم صادقون، فالرسول ليس بأكبرهم سِنًّا فيهم من يكبره، وأما قوله: ولا أشرفنا فهم كاذبون، فإن محمدًا ﷺ أَشْرَفُ الخلق، قال النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى بَنِي إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى مِنْ بَنِي إسْمَاعِيلَ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ كِنَانَةَ قُرَيْشًا، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ»[[أخرج مسلم (٢٢٧٦ / ١)، وأحمد (١٦٩٨٧) واللفظ له من حديث واثلة بن الأسقع رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «إن الله عز وجل اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من بني إسماعيل كنانة، واصطفى من بني كنانة قريشًا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم».]]. وقال الله تبارك وتعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤] فلم يجعل رسالته إلا في أحق الناس بها وأجدرهم بها وأَوْلَاهم بها.
يقول المؤلف: (أي لم يُنْزَل عليه) هذا تفسير للاستفهام في قولهم: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ أي أن الاستفهام للنفي، لكنه جاء على سبيل الاستفهام، لماذا؟ للتعجب والاستبعاد مِنْ أن يُنْزَل عليه الذكر من بيننا. قال الله تعالى: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي﴾ ﴿بَلْ﴾ هذا إضراب لإبطال ما ادَّعَوْه من كونهم يريدون أن ينزل القرآن على أشرفهم، يقول: ﴿هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي﴾ فكيف يقولون: لو نزل على أشرفنا، لو نزل على غير محمد؟ والشاك في الأصل لا يطلب الفرع أصلًا، فإذا كانوا في شكٍّ من نزول هذا الذكر بقطع النظر عن كونه من محمدٍ وآله، فكيف يقولون: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾؟! وعلى هذا فقولهم ليس مبنيًّا على أصل يعني أنهم لم يؤمنوا بهذا الذكر أصلًا فضلًا عن أن يكون مع محمد أو غيره.
(﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي﴾ وَحْيِي؛ أي القرآن، حيث كذَّبوا الجائي به) فإن من كَذَّب من جاء بالشيء فإنه مُنكِر للشيء؛ لأنه لو قال لك قائل: قَدِم فلان اليومَ فقلت: أنت كاذب، هل تكون مؤمنًا بقدومه؟ لا، لا تكون مؤمنًا بقدومه، وكيف تكون مؤمنًا بقدومه وهو لم يأتكِ إلا من هذا الطريق الذي زعمتَ أن صاحبها كذاب؟ ولهذا إذا كان هذا الذكر لم يأت إلا عن طريق محمد ﷺ، وقالوا: إنه كاذب، وإنه ليس برسول، وليس له حق في الرسالة لأن فيه من هو أحق منه، فكيف تقولون: إنه ذكر؟
إذن هم في شك من هذا الذكر، وهل هذا الشكُّ حقيقة أو على سبيل العناد؟ الظاهر -والله أعلم- أنه على سبيل العناد، لكن منهم من يشك لقوة الدعاية المضادة، فبقوة الدعاية المضادة، ولا سيما إذا جاءت من الأكابر سوف يلحق العامة شَكٌّ من هذا القول.
﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي﴾ وقوله: ﴿مِنْ ذِكْرِي﴾ أي: من الذكر الذي أنزلت وهو القرآن. والشك هو التردد وعدم الجزم.
وقد قيل: إن الإدراك ينقسم إلى خمسة أقسام: إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكًا جازمًا، وإدراك الشيء على خلاف ما هو عليه، وإدراك الشيء برجحان، وإدراك الشيء بمرجوحيَّة، وإدراك الشيء على السواء. هذه خمسة أقسام.
فإدراك الشيء على ما هو عليه إدراكًا جازمًا يُسَمَّى علمًا؛ كإدراكنا أن الواحد نصف الاثنين، هذا علم. وإدراك الشيء على خلاف ما هو عليه جهل مركب؛ مثل أن تدرك أن غزوة بدر مثلًا السنة الثالثة، هذا نسميه جهلًا مركبًا. وعدم إدراكه بالكلية هذا جهل بسيط. وإدراك الشيء مع رجحان ظن. وإدراكه مع المرجوحية وَهْم. وإدراكه مع التساوي شَكٌّ، فهذه ستة أقسام.
إدراكه على ما هو عليه، وعلى خلاف ما هو عليه، وعدم الإدراك بالكلية، والإدراك برجحان، والإدارك بمرجوحية، والإدراك بالتساوي. ستة أقسام.
الشك أحيانًا يُراد به التساوي، وأحيانًا يطلق على الراجح والمرجوح والمساوي، وهذا ما يكون في كلام الفقهاء عندما يتحدثون عن الشك في الْحَدَث أو الشك في نجاسة الطاهر، فإنهم يريدون الشك الراجح والمرجوح والمساوي؛ يعني بمعنى أنه إذا شككتَ في نجاسة الماء الطاهر ولو غلب على ظنك أنه نجس فهو طاهر، وإذا شككت هل أحدثتَ ولو غلب على ظنك أنك أحدثت فأنت طاهر، وعلَّلوا ذلك بأن الرسول ﷺ قال: «لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ ريِحًا»[[متفق عليه؛ البخاري (١٧٧)، ومسلم (٣٦١ / ٩٨) من حديث عبد الله بن زيد بن عاصم رضي الله عنه.]] يعني: حتى يتيقن ولا عبرة بالظن.
يقول: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ ﴿بَلْ﴾ هذه للإضراب الانتقالي لا للإبطالي. ﴿لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ قال المؤلف: أي: (لم)، وهذا تفسير ببعض المعنى لأن (لَمَّا) و(لم) تشتركان في النفي، لكنهما تختلفان فيما عداها؛ لأن (لم) لنفي غير المتوقَّع، و(لَمَّا) لنفي المتوقع القريب، فإذا قلت: لم يقم زيد. فهذا نفي لقيامه على وجه لم يُتَوَقَّع منه القيام، وإذا قلت: لَمَّا يقم زيد فهو نفي لقيامه على وجه يُتَوَقَّع منه القيام عن قرب وعلى هذا فقوله: ﴿لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ أي: لم يذوقوه ولكن سيذوقونه قريبًا.
قالوا: و(لَمَّا) تأتي على أوجه: تأتي نافية فتجزم الفعل المضارع كما تجزمه (لم)، وتأتي بمعنى حين، وتأتي شرطية، وتأتي استثنائية. هذه أربعة أوجه؛ تأتي نافية كنفي (لم) لكنها تختلف عنها بأن منفي (لم) لا يُتَوَقَّع، ومنفيها يُتَوَقَّع قريبًا مثل هذه الآية، وتأتي شرطية كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ [هود ٨٢]. وتأتي استثنائية كقوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق ٤] أي: ما كل نفس إلا عليها حافظ. وتأتي بمعنى (حين) فتقول: قدمت البلد لَمَّا طلعت الشمس أي: حين طلعت الشمس.
طيب هنا ﴿لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ مِنْ أي الأقسام الأربعة؟ نافية. قال: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ ﴿يَذُوقُوا﴾ أصلها يذوقون لكن حُذِفَت النون للجزم؛ لأن (لما) من حروف الجزم طيب.
(﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ ولو ذاقوه لصدقوا) قوله: ﴿عَذَابِ﴾ قد يُشكِل على طالب العلم وهو أن الفعل واقع عليه ومع ذلك لم يُنْصَب؛ أي لم يقل: بل لما يذوقوا عذابًا، فكيف توجيه ذلك؟ كيف لم ينصب عذاب مع أن الفعل واقع عليها؟
والجواب عن ذلك أن نقول: إن ﴿عَذَابِ﴾ أصلها عذابي بالياء، والمضاف إلى ياء المتكلم تُقَدَّر عليه الحركات؛ وذلك لأنه لا بد أن يُكْسَر من أجل مناسبة الياء، فتكون الحركات مُقَدَّرة عليه، وعلى هذا فنقول: ﴿عَذَابِ﴾ مفعول ﴿يَذُوقُوا﴾ منصوب بفتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة تخفيفًا منعَ من ظهورهًا اشتغالُ المحل بحركة مناسبة. والياء هنا حُذِفَت للتخفيف وهذا كثير في القرآن وفي اللغة العربية أن تُحْذَف ياء المتكلم للتخفيف كما في قوله تعالى: ﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد ٩]، ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [الرعد ١١]، التقدير المتعالي، من والي.
طيب ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ العذاب ليس مطعومًا يُذاق، ولكن الإصابة به ذَوْق، وذوق كل شيء بحسبه فإذا أعطيتك حلاوة وأدخلتها في فمك ومصصتها فهذا ذوق، وإذا أعطيتك لحمة ومضغتها فهذا ذوق، وإذا ضربتُك وأحسست بالضرب فهذا ذوق، فذوق كل شيء بحسبه. فالعذاب ليس ذوق العذاب كذوق الطعام والشراب، بل هو ذوق مناسب له.
﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ قال المؤلف: (ولو ذاقوه لصدقوا النبي ﷺ فيما جاء به)، ولكن هذا التصديق لا ينفعهم؛ لأنه إذا صَدَّق الجاحد بعد نزول العذاب به فإن ذلك لا ينفعه، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر ٨٤، ٨٥].
قال الله تعالى: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾ [ص ٩] هذا كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف ٣١] قال بعدها: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف ٣٢] حتى يقولوا: نجعل النبوة في فلان دون فلان، وهنا لما قالوا: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ [ص ٨] قال الله تعالى: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ﴾ يعني: هل هم الذين يقسمون هذه الخزائن فيجعلون الرسالة في فلان دون فلان؟ وأم هنا بمعنى (بل)، وهمزة الاستفهام الذي يراد به النفي، وعلى هذا فتقدير الكلام: بل أعندهم خزائن رحمة ربك؟ أي ليس خزائن رحمة الله عندهم حتى يقولوا: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ ولماذا لم يُنَزَّل على فلان أو فلان؟ وقلت لكم: إن نظير هذه الآية قوله: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ قال الله تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ حتى يجعلوا القرآن ينزل على فلان دون فلان.
قال: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾ [ص ٩] خزائن جمع خزينة، والخزينة مُستودَع الشيء يُسَمَّى خزينة، والرحمة ﴿رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾ أي: ما يكون برحمته من الأرزاق الحسية والمعنوية، والجواب: نعم أو لا؟ لا، ليس عندهم خزائن رحمة ربك.
وقوله: ﴿الْعَزِيزِ﴾ قال المؤلف: (الغالب)، الوهاب أي كثير الهبات وهي العطايا، أولًا قال: ﴿رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾ فأضاف الربوبية إلى النبي ﷺ اعتناء به وبيانًا أن ما حصل له من الرسالة فهو بمقتضى ربوبية الله الخاصة له ولهذا نقول: أخص أنواع الربوبية ما كان لِمَن؟ للرسل، كما أن أخص العبودية عبودية الرسل؛ ولهذا أضاف الربوبية إليه؛ لأن أخص الربوبية ربوبية الله سبحانه وتعالى لرسله وعلى رأسهم محمد ﷺ، فكأنه يشير إلى أن رسالة الله للرسول ﷺ من رحمته به.
وقوله: ﴿الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾ فيه مناسبة عظيمة ﴿الْعَزِيزِ﴾ لمقابلة هؤلاء الذين كانوا في عزة وشقاق ليبين أن عزة الله فوق عزتهم وأنفتهم وحميتهم وأنه غالب لهم وقاهر لهم.
﴿الْوَهَّابِ﴾ بالنسبة لمن؟ بالنسبة للرسول ﷺ؛ يعني أنه وهبه النبوة.
﴿الْعَزِيزِ﴾ يقول المؤلف: إنه (الغالب)، وهذا أحد معانيها، ولكنها تشتمل على معنى أكثر. فالعزيز يشمل أو يدل على ثلاثة أنواع من العزة: عزة القدر، وعزة الامتناع، وعزة القهر.
فعزة الامتناع معناه امتناع الله سبحانه وتعالى عن كل نَقْصٍ وعيب، فهو عزيز يمتنع عليه كل نقص وعيب. عزة القدر يعني عزة الشرف والسيادة، فالسيادة المطلقة لله عز وجل والعزة المطلقة لله عز وجل ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر ١٠]، والثالث: عزة القهر وهي عزة الغلبة؛ أي أنه غالب لكل أحد، فعزة القهر يعني عزة الغلبة أنه غالب لكل أحد، ومن أشعار الجاهلية:
أَيْنَ الْمَفَرُّ وَالْإِلَهُ الطَّالِبُ ∗∗∗ وَالْأَشْرَمُ الْمَغْلُوبُ لَيْسَالْغَالِبُ
طيب. فإذن يكون تفسير المؤلف رحمه الله للعزيز بالغالب تفسير لها ببعض المعاني، وهو تفسير قاصر؛ لأننا ذكرنا فيمن سبق أن كل مَنْ فَسَّر القرآن ببعض ما يدل عليه فإن تفسيره قاصر، لكن أحيانًا يُفَسَّر القرآن ببعض ما دل عليه تمثيلًا لا حصرًا، خذوا بالكم، يُفَسَّر على سبيل التمثيل لا الحصر، كتفسير بعضهم قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر ٣٢] فسَّر الظالم لنفسه بأنه الذي يؤخر الصلاة عن وقتها، والمقتصد هو الذي يصليها في آخر الوقت، والسابق بالخيرات الذي يصليها في أول الوقت، وبعضهم فسَّر الظالم لنفسه بالذي لا يزكي، والمقتصد بالذي يزكي ولا يتصدق، والسابق بالخيرات بالذي يُزَكِّي ويتصدق، فهذا التفسير نقول: لا شك أنه قاصر، لكن المفسر لم يُرِدْ أن المعنى منحصر في هذا، وإنما أراد بذلك أيش؟ التمثيل؛ يعني: الظالم لنفسه مثل الذي لا يزكي، المقتصد مثل الذي لا يزكي ويتصدق، السابق بالخيرات مثل الذي يزكي ويتصدق.
(﴿الْوَهَّابِ﴾ من النبوة وغيرها فيعطونها من شاؤوا) هذا مفرع على النفي؛ يعني: هل عندهم خزائن رحمة الله من النبوة وغيرها فيعطونها مَنْ شاؤوا ويمنعونها من شاؤوا؟ فالجواب: لا.
* طالب: شيخ -أحسن الله إليك- في قول الله عز وجل: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ قال: (لو ذاقوه لصدقوا النبي) مع أن الله عز وجل يقول: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام ٢٨]، وهذا بعد قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾ [الأنعام ٢٧].
* الشيخ: نعم، هذا يوم القيامة.
* الطالب: (يذوقوا العذاب) هذا في الدنيا؟
* الشيخ: إي، في الدنيا.
* * *
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾ [ص ٩].
أولًا: مناقشة فيما سبق. ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ﴾ فيها عدة قراءات، كم؟
* طالب: أربع قراءات.
* الشيخ: أربع قراءات. نعم، اذكرها.
* الطالب: القراءة الأولى الآن الموجودة بالتحقيق.
* الشيخ: بتحقيق أيش؟
* الطالب: الهمزتين.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: والثانية بتسهيل الهمزتين.
* الشيخ: بتسهيل أيش؟
* الطالب: الهمزتين.
* الشيخ: خطأ.
* الطالب: الثانية بتسهيل الأولى وتحقيق الثانية.
* الشيخ: خطأ.
* طالب: بتسهيل الثانية.
* الشيخ: تسهيل الثانية، طيب. الثالث؟
* الطالب: وضع ألف بين الهمزتين.
* الشيخ: إدخال ألف بين الهمزة الأولى والثانية مع التحقيق. طيب الرابعة؟
* الطالب: إدخال ألف مع تسهيل الثانية.
* الشيخ: إدخال ألف بينهما مع تسهيل الثانية. طيب، اقرأ تحقيق الهمزتين بألف بينهما؟
* الطالب: ﴿آأُنْزِلَ﴾ .
* الشيخ: ﴿آأُنْزِلَ﴾ . طيب، بتسهيل الثانية معها ألف؟
* الطالب: ﴿آانْزِلَ عَلَيْهِ﴾ .
* الشيخ: نعم، تسهيل الثانية بدون ألف؟
* الطالب: ﴿أَاُنْزِلَ﴾ .
* الشيخ: بدون ألف، طيب.
ما معنى قوله تعالى ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾؟
* الطالب: ينكرون هذا ويتعجبون؛ ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ﴾ هذا القرآن (...)؟
* الشيخ: يعني: وتُرِكْنَا نحن مع أن فينا من هو أشرف منه، تمام.
قوله: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي﴾ هنا ﴿بَلْ﴾ للإضراب الإبطالي أو الانتقالي؟
* طالب: للإضراب.
* الشيخ: أي النوعين لأن فيه إضراب إبطالي يبطل ما سبق وفيه إضراب انتقالي؟
* طالب: انتقالي.
* الشيخ: انتقالي، طيب. ما وجه اتصاله بما سبق ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي﴾؟
* طالب: الاضراب هنا إبطالي لبيان أنهم في شك مما أُنْزِل على النبي ﷺ.
* الشيخ: طيب الأخ يقول: انتقالي. لكن ما وجه ارتباطه بما سبق سواء كان إبطاليًّا أو انتقاليًّا؟
* الطالب: قال: إنهم لن يؤمنوا أو سوف يكونون في شك مما نزل (...).
* الشيخ: يعني أنهم في شك من الذكر سواء على محمد أو على غيره. طيب، إذن دعواهم هذه تحججًا فقط. طيب، قوله: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ ﴿لَمَّا﴾ عملها أيش؟ ماذا تعمل في مدخولها؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ما أريد معناها، إذا دخلت على شيء فماذا تعمل فيه؟
* الطالب: ﴿لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ نعم، تجزم الفعل المضارع.
* الشيخ: تجزم، ولهذا فسرها المؤلف بـ (لم).
طيب، تأتي (لما) في اللغة العربية على عدة أوجه؛ منها هنا أنها للنفي والجزم.
* الطالب: للنفي.
* الشيخ: للنفي وللجزم ، وغير؟
* الطالب: الشرطية.
* الشيخ: تأتي شرطية، مثاله؟
* الطالب: وصلت البلد لما طلعت الشمس.
* الشيخ: لا.
* الطالب: هذه بمعنى حين.
* الشيخ: طيب هذه بمعنى حين.
* الطالب: أما الشرطية..
* الشيخ: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة ٨٩] طيب.
* الطالب: استثنائية.
* الشيخ: مثل؟
* الطالب: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق ٤].
* الشيخ: أحسنت، تمام. طيب، قوله: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ تدل على أنهم لم يذوقوا العذاب ولكن..
* الطالب: سيذوقون العذاب، يعني إما أن يذوقوه في الدنيا عاجلًا..
* الشيخ: لا، هنا تفيد النفي. لكن نفي الشيء نفيًا قاطعًا أم ماذا؟
* الطالب: نفي الشك أنهم (...).
* طالب آخر: نفي المتوقع عن قرب.
* الشيخ: أحسنت، نفي المتوقع عن قرب، فلما يذوقوا عذاب ولكن سيذوقونه عن قرب.
في قوله: ﴿عَذَابِ﴾ إشكال، وهي أنه قد تسلط عليها الفعل ومع ذلك هي مكسورة؟
* الطالب: هو منصوب ولكنه مضاف إلى ياء المتكلم، وحذفت ياء المتكلم تخفيفًا.
* الشيخ: يقول: الإعراب هنا على الباء مقدرًا.
* الطالب: نعم.
* الشيخ: لأنها على تقدير ياء المتكلم.
قوله: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾ مناسبتها لما سبقها؟
* طالب: استنكار التعجب بمعنى هل عندهم خزائن رحمة الله حتى يعطوا النبوة لمن يريدون ويحجزونها عمن لا يريدون؟
* الشيخ: أنت تقول بهذا؟ صح؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: طيب، هل له نظير في القرآن؟ ما نظيرها في القرآن (...) لها آية تبين أكثر؟
* الطالب: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف ٣١، ٣٢].
* الشيخ: ثم قال الله عز وجل: ﴿أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [ص ١٠]، ﴿أَمْ﴾ هنا للإضراب فهي بمعنى (بل) والهمزة، يعني بل ألهم ملك السماوات؟! وهذا الاستفهام للنفي، يعني: ليس لهم ملك السماوات والأرض.
وقوله: ﴿مُلْكُ السَّمَاوَاتِ﴾ السماوات جمع سماء، وهو في اللغة العربية: كل علا، فكل ما علاك فهو سماء، ولكن المراد به هنا السماوات المعروفة المحفوظة، السماوات والمعروف أنها سبع سموات كما صرح الله به في عدة آيات. وقوله: ﴿وَالْأَرْضِ﴾ هي هذه الأرض المعروفة، وهي سبع أرضين أيضًا كما هو ظاهر القرآن في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢] فإن المثلية هنا في العدد لا في الحجم ولا في الكيفية، ولكنها في العدد، وكما جاءت السنة بذلك صريحًا، في قول النبي ﷺ: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا طُوِّقَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ»[[أخرجه مسلم (١٦١٠ / ١٣٧) من حديث سعيد بن زيد رضي الله عنه.]].
وقوله: ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ أي: ما بين السماء والأرض من المخلوقات العظيمة كالشمس والقمر والنجوم والكواكب وغيرها مما لا يعلمه إلا الله، ولكن جَعْلُ ما بين السماوات والأرض قسيمًا لهما يدل على أن ما بينهما مخلوقات عظيمة تقابل السماوات والأرض، طيب مِنَ الذي بينهما؟ قلنا: الشمس والقمر والنجوم والكواكب وكذلك الرياح وكذلك الغيوم، إلى ما غير ذلك مما لم نعلمه وربما يعلمه الخلق وربما لا يعلمونه.
قال المؤلف: (إن زعموا ذلك) أي: أن لهم ملك السماوات، فهل يملكون ذلك؟ لا يمكن.
﴿فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ﴾ كأن المؤلف رحمه الله جعل قوله: ﴿فَلْيَرْتَقُوا﴾ جوابًا لشرطٍ مُقَدَّرٍ؛ يعني: (إن زعموا أن لهم ملك السماوات والأرض فليرتقوا في الأسباب الموصلة إلى السماء فيأتوا بالوحي فيخصوا به من شاؤوا).
قوله: ﴿فَلْيَرْتَقُوا﴾ الفاء هذه واقعة في جواب شرط مُقَدَّر أي: فإن زعموا ذلك فليرتقوا، واللام لام الأمر وسُكِّنَت لوقوعها بعد فاء العطف؛ لأن لام الأمر تُسَكَّن إذا وقعت بعد الفاء و(ثُمَّ) والواو، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج ٢٩] هذه بعد (ثم)، ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ هذه بعد الواو، ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ [الحج ١٥] هذه بعد الفاء بخلاف لام التعليل؛ فإن لام التعليل تكون مكسورة ولو وقعت بعد هذه الحروف، كما قال الله تعالى: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ [العنكبوت ٦٦] ولم يقل: وَلْيَتَمَتَّعوا لأن اللام للتعليل؛ فلام التعليل تكون مكسورة دائمة، ولام الأمر تكون مكسورة إلا إذا وقعت بعد الواو والفاء و(ثم)؛ ولهذا قال هنا: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ [الحج ١٥] فاللام هنا للأمر، والظاهر أن المراد بالأمر هنا التحدي؛ يعني إن كانوا صادقين فليرتقوا في الأسباب. الأسباب جمع سبب وهو كل ما يوصل إلى المقصود، وهذه الآية نظير قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ [الحج ١٥]، أي بشيء يوصله إلى السماء كالحبل ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾.
فهنا قال: ﴿فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ﴾ أي: فليجعلوا أسبابًا يرتقون بها يصلون إلى السماء، ومعلوم أن هذا التحدي لا يمكن لهم أن يحققوه.
ثم قال: (الموصلة إلى السماء فليأتوا بالوحي فيخصوا به مَن شاؤوا) بناء على قولهم: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ يعني: كيف أُنْزَل؟ قالوا: إذن ارتقوا إلى السماء وأنزلوا الوحي وخُصُّوا به من شئتم، طيب.
ثم قال المؤلف: (و(أن) في الموضعين بمعنى همزة الإنكار) الإنكار الذي بمعنى النفي، يعني ليس عندهم خزائن الله وليس لهم ملك السماوات والأرض، بل هم خَلِيُّون من هذا كله.
ثم قال تعالى: (﴿جُنْدٌ مَا﴾ [ص ١١] أي جند حقير ﴿هُنَالِكَ﴾ أي: في تكذيبهم لك ﴿مَهْزُومٌ﴾ صفة جند ﴿مِنَ الْأَحْزَابِ﴾ صفة جند أيضًا).
﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ﴾ ﴿جُنْدٌ﴾ خبر مبتدأ محذوف، التقدير هم جند، و﴿مَا﴾ نكرة واصفة، لأن ﴿مَا﴾ لها عدة معان، لها عشرة معان جُمِعَت في قول الشاعر:
مَحَامِلُ (مَــــا) عَشْـــــــرٌ إِذَا رُمْتَعَـــــــدَّهَا ∗∗∗ فَحَافِظْ عَلَى بَيْتٍ سَلِيمٍ مِنَ الشِّعْرِ؎سَتَفْهَمُ شَرْطَ الْوَصْلِ فَاعْجَبْ لِنُكْرِهَا ∗∗∗ بِكَفٍّ وَنَفْيٍ زِيـــــــــدَ تَعْظِيــــمُمَصْدَرِ
من حفظهما؟
* طالب:
مَحَامِلُ (مَــــا) عَشْـــــــرٌ إِذَا رُمْتَعَـــــــدَّهَا ∗∗∗ فَحَافِظْ عَلَى بَيْتٍ سَلِيمٍ مِنَ الشِّعْرِ؎سَتَفْهَمُ شَرْطَ الْوَصْلِ فَاعْجَبْ لِنُكْرِهَا ∗∗∗ بِكَفٍّ وَنَفْيٍ زِيـــــــــدَ تَعْظِيــــمُمَصْدَرِ
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences