Ibn 'UthayminSad · 38:26–33

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Sad 38:26–33, continued

والفرق بين الفائدتين أنَّ الفائدة الأولى يكون الكفر سابقًا على هذا الظن، فيكون الكفر سببًا لهذا الظن، وأمَّا الفائدة الثانية فهي أن هذا الظن سابقٌ على الكفر، فيكون هذا الظن سببًا للكفر. واضح؟ طيب، إذَنْ لا يظن أحدٌ أن الله خلق السماء والأرض باطلًا إلا الكفار، إذا ظنَّ أحدٌ أن الله خلق ذلك باطلًا صار كافرًا.

* ومن فوائد الآية الكريمة: إثباتُ الوعيد للكفار في قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾، وأنهم سيدخلون النار، وهم أيضًا مخلَّدون فيها أبدًا كما ذكر الله ذلك في ثلاث آيات من كتاب الله:

في سورة النساء في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء ١٦٨، ١٦٩].

وفي سورة الأحزاب ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الأحزاب ٦٤، ٦٥].

وفي سورة الجن ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن ٢٣].

وبعد هذه الآيات الثلاث لا ينبغي أن يلحقنا الشك في أبديَّة النار، وإن قاله مَن قاله من الناس؛ لأن هذا كلام الله، وهو خبر، والخبر في كتاب الله لا يمكن أن يكذب ولا يمكن أن يَلْحقه النسخ، فلا عبرة بقول مَن قال: إن النار لا تؤبَّد، بل قوله مرفوضٌ باطلٌ مردودٌ بدلالة القرآن الصريحة.

* ومن فوائد هذه الآيات الكريمة كلها: أنَّ مِن جملة الحِكَم التي هي من صفات الله عز وجل أنَّه لا يمكن أن يجعل المؤمن العامل للصالحات كالمفسد في الأرض؛ لأن ذلك ينافي الحكمة منافاةً بالغةً، لا يستوي المؤمنون والكافرون كما لا يستوي الأعمى والبصير؛ قال الله تعالى: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ [هود ٢٤].

* ومن فوائد الآية الكريمة ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [ص ٢٨]: أن الإيمان والعمل الصالح سببٌ لصلاح الأرض، وهذا يؤيِّده آياتٌ كثيرةٌ مثل قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف ٩٦].

* ومن فوائدها أيضًا: أنَّ المعاصي سببٌ للفساد في الأرض؛ لأنه قابلَ هذا بالإيمان والعمل الصالح، ويشهد لهذا قوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم ٤١]، فكلُّ فسادٍ يحدث في الأرض من جَدْبٍ وفقرٍ ومرضٍ وفسادِ ثمارٍ وغير ذلك فإنَّه بسبب المعاصي؛ ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾.

* ومن فوائدها أيضًا: أن الله لا يمكن أن يجعل المتقين كالفُجَّار في مآلِهم؛ فالمتقي في جنات النعيم، والفجَّار في عذاب الجحيم، ﴿أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص ٢٨]، يعني لا يمكن أن نجعل المتقيَ كالفاجر في مآلِه؛ لأن المتقيَ مآلُه الجنة والفاجر مآلُه النار.

* * *

ثم نبدأ بشرح المؤلف، قال: (نزل -يعني قوله تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ إلى آخره- لَمَّا قال كفَّار مكة للمؤمنين: إنَّا نُعطَى في الآخرة مِثْل ما تُعطَون). وهذا قد يكون صحيحًا وقد لا يكون صحيحًا، لكن إن كان صحيحًا فهو كقول اليهود: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة ٨٠]، فكلُّ أحدٍ يدَّعي أنه على الحق، كلُّ أحدٍ يدَّعي أن الثواب له وأنَّ الآخرة له، ولكن الشأن كل الشأن لمن شهد الله له في ذلك.

يقول: (و﴿أَمْ﴾ بمعنى همزة الإنكار). ﴿أَمْ﴾، يعني قوله: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ﴾، بمعنى همزة الإنكار، لكن يُقدَّر قبلها (بل)؛ لأن ﴿أَمْ﴾ هذه تفيد الإضراب.

* * *

ثم قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ﴾ [ص ٢٩] قال المؤلف: (خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ؛ أي: هذا) كتابٌ. والمشار إليه القرآن الكريم، و﴿كِتَابٌ﴾ بمعنى مكتوب، ووَصَف القرآنَ بأنه كتابٌ لعدَّة أوجه:

أولًا: أنَّه مكتوبٌ في اللوح المحفوظ؛ كما قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج ٢١، ٢٢].

ثانيًا: أنَّه مكتوبٌ في الصُّحُف التي بأيدي الملائكة؛ كما قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس ١١ - ١٦].

ثالثًا: أنَّه يُكتب في المصاحف كما هو معروف.

وربما يدَّعي مدَّعٍ أنَّه بمعنى مفروض؛ (فِعَال) بمعنى (مفعول) أي: مفروضٌ على الأُمَّةِ الإيمانُ به والعملُ به، فيكون هذا معنى رابعًا لكلمة (مكتوب).

وقوله: ﴿أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ﴾ أَنزله الله إلى محمدٍ ﷺ، وإنزاله إلى محمدٍ من الله يدلُّ على أنه كلام الله؛ وجْه ذلك أنَّ هذا الكتاب كلامٌ، والكلام لا بدَّ له من متكلِّم، فإذا كان الله هو الذي أنزله لَزِم أن يكون هو المتكلِّم به، فيكون في هذا إثبات أن القرآن كلام الله.

وفي قوله: ﴿أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ﴾ وأحيانًا يأتي التعبير بـ(أنزلناه عليك)، والجمع بينهما أنَّ (إلى) تفيد الغاية؛ أي إنَّ غاية هذا الإنزال إلى محمد ﷺ، و(على) تفيد الاستعلاء؛ وذلك لأن هذا القرآن جاء من عَلٍ؛ أي: من فوق، من الله عز وجل، ثم إنَّ في (على) إفادة التحمُّل للشيء، (أنزله عليك) يعني: لتتحمَّله وتقوم به، فالفرق إذَن من وجهين:

الوجه الأول: أنَّ (إلى) تفيد الغاية؛ أي إنَّ غاية الإنزال إلى محمد ﷺ لا يتعدَّاه إلى غيره، ولا نبِيَّ بعده.

وأمَّا (على) فتفيد الاستعلاء؛ أي إنَّه نزَّل إلى الرسول ﷺ مِن فوق، وتفيد أيضًا التحمُّل؛ لأن (نزل عليه) كأنَّه فوقه، والشيء الذي فوقك لا بدَّ أن تتحمَّله، ويؤيِّد هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل ٥]، وقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (٢٣) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [الإنسان ٢٣، ٢٤]، مما يدلُّ على ثِقَله، وهو كذلك.

قال: ﴿أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ﴾، ﴿مُبَارَكٌ﴾ صفة لـ﴿كِتَابٌ﴾، و﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ أيضًا الجملة صفة لـ﴿كِتَابٌ﴾، هذا بناء على إعراب المؤلف أن ﴿كِتَابٌ﴾ خبرٌ لمبتدأ محذوف.

ويجوز أن يكون ﴿كِتَابٌ﴾ مبتدأً، و﴿مُبَارَكٌ﴾ خبره، وجملة ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ صفة لـ﴿كِتَابٌ﴾، وسوَّغ الابتداء به وهو نكرةٌ وَصْفُه بجملة ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾.

﴿مُبَارَكٌ﴾ بماذا؟

بركة القرآن من عِدَّة أوجه:

الوجه الأول: في الثواب الحاصل بتلاوته؛ فإنَّ مَن قرأ حرفًا منه فله بكلِّ حرفٍ عشر حسنات، وهذه بركة عظيمة.

وثانيًا: مباركٌ من حيث الأثر المترتِّب على تلاوته سواءٌ كان عامًّا أم خاصًّا؛ فالخاصُّ ما يحصل للإنسان بتلاوة القرآن من انشراح الصدر ونور القلب وطُمأنينته كما هو مجرَّب لِمَن قرأ القرآن بتدبُّر، وأمَّا العامُّ فإنَّ الله تعالى فَتَح بهذا القرآنِ مشارقَ الأرض ومغاربها؛ فإنَّ المسلمين لَمَّا كانوا متمسِّكين بهذا الكتاب سادوا العالَم كُلَّه، ولا شكَّ أن هذا من البركة بهذا القرآن.

ثالثًا: ما يحصل بهذا القرآن من اجتماع الكلمة وحفظ اللغة الأصيلة للقوم الذين نزل بلُغتهم، فإنَّ من المعلوم أن الناس إذا كانوا على لغةٍ واحدةٍ صاروا إلى الاجتماع أقرب، وإذا تفرَّقت لُغاتهم صاروا إلى التفرُّق أقرب؛ لأنه إذا اتَّفقت لُغاتهم استطاعوا أن يتفاهموا فيما بينهم وأن يعرف بعضُهم ما عند بعض، وإذا اختلفت اللغات لم تحصل هذه الفائدة، فهذا من بركة القرآن الكريم.

وله أوجهٌ أُخرى ربما لا نستطيع أن نستوعبها في هذا المكان، لكنَّها ظاهرة لِمَن تأمَّلها.

وقوله: ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ هذه متعلِّقة بـ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾؛ يعني: أنزلناه لِيدَّبَّروا آياتِه، والتدبُّر معناه تكرار اللفظ على القلب دبرًا بعد دبرٍ حتى يتَّضح المعنى؛ يعني هو عبارةٌ عن التأمُّل في معاني القرآن وترديد هذا التأمُّل حتى يتَّضح ما فيه من المعنى.

وأصل هذه الكلمة ﴿لِيَدَّبَّرُوا﴾ أصلُها (ليتدبَّروا) فأُدغمت التاءُ في الدال. (ليتدبَّروا) إذا أدغمنا التاءَ في الدال جعلْنا التاء دالًا فصارت ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾.

وقوله: ﴿آيَاتِهِ﴾ جمع آية، والآية هي ما تنتهي بفاصلة، ومِن حِفْظ الله لهذا القرآن أنَّ آياته محفوظة مرقَّمة، أو محجوزٌ بعضُها عن بعض إلى يومنا هذا.

والآيات هي العلامات، علاماتٌ على أيِّ شيء؟ علامات على أنَّ هذا القرآن من عند الله عز وجل بما تحويه من اللفظ والمعنى، ولهذا كانت الآية الواحدة معجزةً للبشر، بل معجزةً للخلق كلِّهم؛ لأنها آيةٌ من آيات الله.

فقال: (ينظروا في معانيها فيؤمنوا). هذه حكمة من حِكَم إنزال القرآن أن يتدبَّر الإنسان في الآيات.

الثانية قال: (﴿وَلِيَتَذَكَّرَ﴾ يتَّعظ ﴿أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ أصحاب العقول). هذه الفائدة الثانية، لكن جعل التذكُّر بعد التدبُّر لأنه لا يمكن أنْ يتَّعظ الإنسانُ بالشيء إلا إذا عرف المعنى الذي يتضمَّنه، فتدبَّر أولًا ثم تذكَّر ثانيًا.

فأولًا: أن يقرأ الإنسانُ القرآن.

المرحلة الثانية: أن يتدبَّره لفَهْم معانية.

المرحلة الثالثة: أن يتَّعظ به.

والاتِّعاظ بالقرآن هو التأثُّر به، التأثُّر في القلب والتأثُّر في الجوارح؛ فالتأثُّر بالقلب: إخلاصُ العبدِ لله، وإنابتُه إليه، وتوكُّله عليه، وما أشبهَ ذلك من أعمال القلوب. وبالجوارح: القيام بطاعة الله بالجوارح الظاهرة؛ مثل الطهارة، والصلاة، والزكاة، والصوم، وغير ذلك.

إذَن الفائدة من إنزال هذا القرآن المبارك تتركَّز على شيئين هما: التدبُّر والاتِّعاظ.

﴿وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، ﴿أُولُو﴾ بمعنى أصحاب، وهي مُلحَقة بجمع المذكر السالم؛ لأنه ليس لها مفردٌ من لَفْظها، بل لها مفردٌ من معناها؛ إذا قلنا: معناها (أصحاب) صار مفردها من المعنى (صاحب) فـ﴿أُولُو﴾ جمع (صاحب) باعتبار المعنى، ولهذا نقول: إنها مُلحَقة بجمع المذكر السالم لأنه لا مفرد لها، وجمع المذكَّر السالم هو ما سَلِم فيه بناءُ المفرد، فإذا لم يكن له مفردٌ لم يكن جمعًا فيُلحق به.

وقوله: ﴿أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ يعني أصحاب العقول، لأن صاحب العقل هو الذي يتَّعظ، أمَّا مَن لا عقل له فإنَّه لا ينتفع بذلك.

طيب، والعقول هنا هي عقول الرُّشد وليست عقول الإدراك؛ لأن العقل عقلان: عَقْل إدراكٍ، وعَقْل رُشدٍ؛ فعَقْل الإدراك هو ما يتعلَّق به التكليف، وعَقْل الرُّشد ما يكون بحسن التصرف. فالكفَّار مثلًا لهم عقول، لكن عقول أيش؟

* الطلبة: إدراك.

* الشيخ: عقول إدراك؛ لأن هذا هو الذي يتعلَّق به التكليف، وليس لهم عقول؛ يعني: ليس لهم عقول رُشدٍ؛ لأنهم لم يُحسِنوا التصرف، وكلُّ مَن لا يُحسِن التصرف فإنه يصح أن يُنفى عنه العقل؛ قال الله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة ٤٤]، ونحن فيما بيننا إذا وجدْنا شخصًا يُسيء التصرف قلنا: هذا غير عاقل. وإنْ كان عاقلًا من حيث الإدراك لكنَّه ليس عاقلًا من حيث التصرف، والعقل الذي يُمدَح هو عقل الرُّشد، أمَّا عقل الإدراك فهذا يحصل لكلِّ أحدٍ حتى للكفَّار والفجَّار.

وقوله: ﴿الْأَلْبَابِ﴾ (ألباب) جمع لُبٍّ، ولُبُّ كلِّ شيءٍ: المقصودُ منه. هذا لبُّ الشيء، هو المقصود منه؛ فالحبة مثلًا لُبُّها ما كان بداخلها، المخُّ الذي بداخلها هو اللُّبُّ، وما فوقه فهو قشور، البيضة الذي في داخلها هو اللُّبُّ، وما فوقه قشور.

قال: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ﴾ [ص ٣٠] ﴿وَهَبْنَا﴾ أعطينا. ووَصَف الله ذلك بأنَّه هِبةٌ لأنَّه محضُ فضلٍ منه لا يحتاج مِنَّا إلى شيءٍ؛ قال الله تعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا﴾ [الشورى ٤٩، ٥٠].

إذَن ﴿وَهَبْنَا لِدَاوُودَ﴾ يعني: أعطيناه هِبةً، فضلًا منَّا وتبرُّعًا بلا قيمة.

وقوله: ﴿سُلَيْمَانَ﴾ لم ينوَّن لماذا؟ ممنوع من الصرف للعلمية وزيادة الألف والنون.

* طالب: العُجمة.

* الشيخ: لا، (سُليمان) ما هو أعجمي؛ السلامة موجودة في اللغة العربية. (داود) ممنوع من الصرف للعلمية والعُجمة. كذا؟

قال المؤلف: (﴿سُلَيْمَانَ﴾ ابنَه). مِن أين عرف المؤلف أنَّه ابنه؟ ألَا يجوز أن يكون المراد ﴿وَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ﴾ يعني خادمه؟

فالجواب: لا؛ لأن الله سبحانه وتعالى سَمَّى الأولادَ هِبةً في قوله: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ﴾ يعني يصنِّفهم ﴿ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾ [الشورى ٥٠].

قال: (﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ [ص ٣٠] أي: سليمان)، والجملة إنشاءٌ للمدح والثناء؛ يعني أنَّه يؤتى بها للمدح والثناء. وعلى نقيضها (بِئْس) فإنها كلمةٌ لإنشاء الذمِّ.

وقوله: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ المعروف أنَّ (نِعْم) و(بِئْس) تحتاج إلى فاعلٍ، ومخصوصٍ بالمدح في (نِعْم) والذمِّ في (بِئْس).

قال المؤلف: (﴿سُلَيْمَانَ﴾ [ص ٣٠] ابنه)، من أين عرف المؤلف أنه ابنه؟ ألا يجوز أن يكون المراد ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ﴾ [ص ٣٠] يعني خادمه؟

فالجواب: لا؛ لأن الله سبحانه وتعالى سمَّى الأولاد هِبة في قوله: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ﴾ [الشورى ٤٩، ٥٠] يعني يصنفهم ﴿ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾ [الشورى ٥٠].

قال: (﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ [ص ٣٠] أي سليمان). والجملة إنشاء للمدح والثناء؛ يعني أنه يُؤتى بها للمدح والثناء، وعلى نقيضها (بئس)؛ فإنها كلمة لإنشاء الذم.

وقوله: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ المعروف أن (نعم) و(بئس) تحتاج إلى فاعل ومخصوص بالمدح في (نعم)، والذم في (بئس) فأين ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾، ﴿الْعَبْدُ﴾ موجود، وهو الفاعل يعني ﴿نِعْمَ﴾ فعل ماضٍ، و﴿الْعَبْدُ﴾ فاعل لكن أين المخصوص؟ المخصوص إما الضمير المستتر ولا نقول: مستتر أيضًا، الضمير محذوف؛ لأنه لا يمكن أن نقول: مستتر والفاعل اسم ظاهر ﴿الْعَبْدُ﴾، لكن نقول: إنه محذوف، تقديره (هو)، أو تقديره: (سليمان)، يعني إما أن نقدره اسمًا ظاهرًا أو ضميرًا.

﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ ﴿إِنَّهُ﴾ هذا سبب هذا الثناء من الله عز وجل على سليمان ﴿إِنَّهُ﴾ أي سليمان ﴿أَوَّابٌ﴾ أي: رجَّاع إلى الله عز وجل، سواء كان ذلك بترجيع الصوت بالذكر، أو بالرجوع إلى طاعة الله عز وجل، والظاهر أن الآية شاملة للمعنيين أنه ﴿أَوَّابٌ﴾ رجَّاع إلى طاعة الله، وأوَّاب رجَّاع بالتسبيح؛ أي: يُرجِّع الصوت به ويردده.

يقول هنا المؤلف: (رجَّاع في التسبيح والذكر في جميع الأوقات) ولكن الصحيح أنه أعم مما قال المؤلف أنه رجَّاع بالتسبيح والذكر، وكذلك رجَّاع إلى الله بالتوبة والطاعة.

قال: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ﴾ [ص ٣١] ﴿عُرِضَ﴾ مَنِ العارِض؟ أبهمه للتفخيم؛ لأن الفعل هنا مبني للمجهول، لما لم يُسمَّ فاعله؛ للتفخيم، يعني كأنه يوحي بأن له جنودًا كثيرة يعرضون عليه ما يعرضون.

وقوله: ﴿بِالْعَشِيِّ﴾ (هو ما بعد الزوال) إلى غروب الشمس. وقوله: ﴿بِالْعَشِيِّ﴾ الباء هنا للظرفية؛ أي (في) لكن الغالب أن الباء إذا جاءت في مكان (في)، الغالب أنها تكون مستوعبة لجميع الوقت كأن العشي كله صار مستوعبًا بهذا العرض لكثرة الخيول التي تُعرَض عليه ﴿بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ﴾ [ص ٣١] ما الذي رفعها؟

* طالب: نائب فاعل.

* الشيخ: نائب فاعل وين؟

* طلبة: ﴿عُرِضَ﴾.

* الشيخ: نائب فاعل ﴿عُرِضَ﴾ إي نعم.

إذا قال قائل: ﴿الصَّافِنَاتُ﴾ جمع، والفعل مُذكَّر ﴿عُرِضَ﴾ وهذه جمع ذات حِر؛ يعني جمع مؤنث حقيقي، وابن مالك يقول في التاء:

وَإِنَّمَا تَلْزَمُ فِعْلَ مُضْمَرِ ∗∗∗ مُتَّصِلٍ أَوْ مُفْهِمٍ ذَاتَ حِرِفما رأيكم؟ نقول: إنما لم يجب التأنيث لوجود الفاصل وهو قوله: ﴿عَلَيْهِ﴾.

﴿الصَّافِنَاتُ﴾ قال المؤلف: (الْخَيْل جَمْع صَافِنَة، وَهِيَ الْقَائِمَة عَلَى ثَلَاثٍ، وَإِقَامَة الْأُخْرَى عَلَى طرف الْحَافِر، وَهُوَ مِنْ صَفَنَ يَصْفِن صُفُونًا).

﴿الصَّافِنَاتُ﴾ هي الخيل، تقوم على ثلاث أرجل، وترفع الرابعة قليلًا؛ بحيث يكون طرف الحافر على الأرض، وهذا يدل على قوتها، وهو أيضًا من ناحية الجمال أجمل عند رؤيتها؛ فإنك لو تصورت الخيل مصفوفة صافنة لكان لها أُبَّهة، وتَشعر بشيء من العظمة من هذا المشهد الذي تشاهده.

* * *

* الطالب: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (٣١) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (٣٢) رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (٣٣) وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (٣٤) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥) فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (٣٦) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٣٨) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٩) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص ٣١ - ٤٠].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص ٢٨] كملنا فوائدها.

* طالب: لا.

* الشيخ: طيب، ذكرنا الحكمة أنه لو كان كذلك لانتفت حكمة الله ولَّا لا؟ اقرأها علينا، الفوائد عندك؟ ما عندك الفوائد؟

* طالب: (...).

* الشيخ: لا، الفوائد.

* طالب: (...).

* الشيخ: بس إلى هذا.

* طالب: إي، هذا في الحكم لكن أخذنا فوائد أخرى بعدها.

* الشيخ: إي، اقرأ اللي بعدها.

* طالب: الفائدة التي بعدها إثبات الوعيد للكفار (...)، فهم مخلدون فيها أبدًا كما في ثلاثة مواضع في سورة النساء والأحزاب والجن، ثم الفائدة التي بعدها أن من جملة الحكم التي هي من صفات الله أنه لا يمكن أن يجعل المؤمن كالفاسد؛ لأن ذلك ينافي الحديث، والتي بعدها أن الإيمان والعمل الصالح..

* الشيخ: أنه لا يجعل أيش؟ المؤمن.

* الطالب: كالفاسد.

* الشيخ: الفاسد؟!

* الطالب: كالمفسد.

* الشيخ: كالمفسد.

* الطالب: نعم، التي بعدها أن الإيمان والعمل الصالح سبب لصلاح الأرض، والتي بعدها أن المعاصي سبب للفساد في الأرض والأخيرة أن الله لا يمكن أن يجعل المتقين كالفجار.

* الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ﴾ [ص ٢٩] كيف نُعرب ﴿كِتَابٌ﴾؟

* طالب: ﴿كِتَابٌ﴾ إما أنها خبر لمبتدأ محذوف.

* الشيخ: وهذا رأي من؟

* طالب: رأي المؤلف.

* الشيخ: نعم.

* طالب: وإما أن نقول: ﴿كِتَابٌ﴾ مبتدأ، وخبره ﴿مُبَارَكٌ﴾.

* الشيخ: على هذا التقدير كيف صح الابتداء بـ﴿كِتَابٌ﴾ وهو نكرة؟

* طالب: لأنها وصفت.

* الشيخ: لأنها وصفت بـ؟

* الطالب: مبارك.

* الشيخ: لا، ﴿مُبَارَكٌ﴾ هو الخبر.

* الطالب: ﴿أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ﴾.

* الشيخ: في ﴿أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ﴾ اذكر ثلاثة جوانب من بركة القرآن؟

* طالب: من بركة القرآن؛ أولًا: أنه يحصل به الثواب.

* الشيخ: كثرة الثواب لقارئه، اصبر كيف كثرة، اذكرها؟

* الطالب: كثرة الثواب أن النبي ﷺ قال: «لَا أَقُولُ الم حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ»[[أخرجه الترمذي (٢٩١٠) من حديث ابن مسعود.]].

* الشيخ: اصبر ما أتيت بالشاهد، لم تأتِ بالشاهد.

* طالب: ما يترتب على تلاوته من الثواب..

* الشيخ: إي، أقول: ما الدليل، وما هذا الثواب الذي يترتب؟

* الطالب: الذي يترتب على تلاوة القرآن؟

* الشيخ: نعم.

* الطالب: الحسنات.

* طالب آخر: يترتب بتلاوته أن كل من قرأ حرفًا منه فله عشر حسنات لك حرف منه.

* الشيخ: تمام، أحسنت، طيب كمل؟

* الطالب: أيضًا ما يحصل بقراءته من أثر عام أو خاص؛ وذلك من نور قلب، وانشراح الصدر، وشبه ذلك.

* الشيخ: تمام، هذا خاص ولَّا عام؟

* الطالب: هذا خاص.

* الشيخ: نعم، والعام.

* طالب: والعام ما يحصل به من اجتماع الكلمة، وجمع الصف، ولم الشعث.

* الشيخ: نعم هذا، اثنين.. خلِّ العام والخاص.

* طالب: الخاص هو الذي ذكره، والعام هو ما (...) به المسلمون في هذا القرآن (...).

* الشيخ: ذكره.

* طالب: هذا العام، وجعله الثاني، وأما الثالث فهو اجتماع الكلمة (...).

* الشيخ: إحنا ما ذكرنا أن المسلمين فتحوا به مشارق الأرض ومغاربها؟

* طلبة: نعم، ذكرنا هذا.

* الشيخ: نعم، هذا عام، وكذلك اجتماع الكلمة؛ لأن اللغة واحدة، وإذا اجتمعت اللغة اتفقت اللغة اجتمع الناس، وبتفرق اللغة يحصل التفرق، فهذا غير هذا، فالآن عندنا الأثر الخاص ما يحصل من نور القلب وانشراح الصدر والطمأنينة، وما إلى ذلك، العام اجتماع المسلمين عليه؛ لأنهم يكونون بلغة واحدة، توحيد اللغة؛ ولهذا كثير من الفرس تعلموا اللغة من أجل أن يفهموا هذا القرآن، والثالث: آثاره الحميدة في الفتوحات، فتوحات في مشارق الأرض ومغاربها.

قوله تعالى: ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص ٢٩] اللام؟

* طالب: اللام للتعليل.

* الشيخ: للتعليل، وما معنى التدبر؟

* طالب: تكرار اللفظ.

* الشيخ: على أيش؟

* طالب: (...) الرياح دبرًا دبرًا (...).

* الشيخ: قوله: ﴿وَلِيَتَذَكَّرَ﴾ معناها؟

* طالب: أي ليتعظ به.

* الشيخ: يتعظ به فيقوم بالعمل، كذا؟

* طالب: ليتعظ به، يتذكر ويتعلم ويتعظ، ثم يعمل.

* الشيخ: ويش معنى يتذكر؟ يتعظ يعني ليعمل به؛ لأن العمل لا يكون إلا بعد فهم المعنى الحاصل بالتدبر، ما معنى قوله: ﴿أُولُو الْأَلْبَابِ﴾؟

* طالب: أولو العقول.

* الشيخ: أولو العقول، أحسنت، ما المراد بالعقول هنا هل هي عقول إدراك؟

* طالب: رشد.

* الشيخ: عقول الرشد، تمام.

* الطالب: وحسن التصرُّف.

* الشيخ: أحسنت، بارك الله فيك.

* من فوائد هذه الآية: أن هذا القرآن كلام الله؛ لأن الله أضافه إلى نفسه في قوله: ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ والقرآن كلام كما نعلم، وإذا أضيف الكلام إلى أحد لزم أن يكون صفة له؛ لأن الكلام معنى لا يقوم إلا بغيره.

* ومن فوائدها: إثبات علو الله عز وجل؛ لقوله: ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾، والإنزال لا يكون إلا من العلو، وقد قررنا هذا كثيرًا في عدة مجالس؛ أي: قررنا علو الله بذاته فوق خلقه، وبينا أنه ثابت بجميع أنواع الأدلة السمعية التي هي الكتاب والسنة والإجماع، والرابع: العقل، والخامس: الفطرة.

* ومن فوائد هذه الآية: أن القرآن كتاب؛ أي: مكتوب، وقد بينا أنه مكتوب في ثلاثة مواضع: اللوح المحفوظ، والكتب التي بأيدي الملائكة، والكتب التي بأيدي الإنسان.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات رسالة النبي ﷺ؛ لقوله: ﴿أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ﴾.

* ومن فوائدها: فضيلة رسول الله ﷺ حيث كان أهلًا لأن يُنَزَّل عليه القرآن، والقرآن لا ينزل إلا على من هو أهل لإنزاله لجمعه صفات الكمال البشرية.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن القرآن الكريم مبارك حسب الوجوه التي ذكرناها.

* ومن فوائدها: الحث على العناية به والتزامه؛ لأنه إذا كان مباركًا فإن كل أحد من البشر يريد أن ينال بركة هذا الشيء المبارك.

* ومن فوائد هذه الآية: أنه يُستشفى به، أن القرآن يُستشفى به كما دلت على ذلك آيات أخرى، يُستشفى به من أمراض القلوب، ومن أمراض الأبدان ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس ٥٧].

إذن فمن بركة القرآن أنه يُستشفى به في أمراض القلوب، وفي أمراض الأبدان، الاستشفاء به في أمراض الأبدان يقع على وجوه متنوعة؛ منها: أن يُقرأ على المريض به كقراءة الفاتحة على المريض؛ فإنها مفيدة جدًّا، ومنها أن يكتب في إناء ويصب عليه الماء، ويدار الماء عليه حتى يتغير بهذه الكتابة، ثم يشرب، وهذا مجرب، ومنها على رأي بعض العلماء من السلف والخلف أن يعلق بصفة تميمة؛ يعني يُكتب في جلد أو شبهه، ثم يُعلَّق على المريض فإن هذا قد اختلف فيه السلف، فرخص فيه بعضهم ومنعه بعضهم؛ فمن رخص فيه استدل بعموم الأدلة الدالة على أن القرآن فيه شفاء.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من أعظم الحِكم في إنزال القرآن تدبُّر القرآن؛ لقوله: ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾.

* ومن فوائدها: حث الإنسان على تدبر القرآن، وألا يقرؤه قراءة لفظية فقط، فإن الله تعالى قد ذم هؤلاء الجنس من الناس، أعني الذين يقرؤونه قراءة لفظية، فقال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة ٧٨]، ﴿أَمَانِيَّ﴾ يعني قراءة لفظية فقط، فوصفهم الله بأنهم أميون؛ لأنهم لم ينتفعوا بالقرآن؛ إذ لا يمكن الانتفاع بالقرآن إلا بفهم معانيه، فإذا لم يفهم معانيه صار العربي والأعجمي على حد سواء.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن تدبر القرآن فرض؛ لأن العمل بالقرآن فرض، ولا يتم العمل إلا بالتدبر، وما لا يتم الفرض إلا به فهو فرض، ولكن هل هو فرض عين أو فرض كفاية؟ حسب الحال، قد يكون فرض كفاية، وقد يكون فرض عين، فما لا يتم دين العبد إلا به فهو فرض عين، وما زاد على ذلك فهو فرض كفاية، ولا بد أن يكون في الأمة الإسلامية من يفهم القرآن.

* ومن فوائد هذه الآية: أن القرآن الكريم كله آيات دالة على المتكلِّم به سبحانه وتعالى؛ ولهذا قال: ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ ولم يقل: آية منه أو عشر آيات، كل الآيات.

* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن مِن أعظم ما نزل القرآن من أجله التذكر؛ لقوله: ﴿وَلِيَتَذَكَّرَ﴾.

* ومن فوائدها: أن القرآن الكريم نزل موعظة للناس، كما قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [يونس ٥٧]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ [النساء ٥٨]، فالقرآن نزل ليؤثر، ما نزل ليتبرك الإنسان بقراءته، أو ينال الأجر بقراءته، هذا سهل، لكن لا بد أن يؤثر تَذَكُّرًا وموعظة.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يتذكر بالقرآن إلا أصحاب العقول؛ لقوله: ﴿وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾.

* ومن فوائدها: أن من تذكَّر بالقرآن فهو صاحب العقل، ومن لم يتذكر فليس له عقل، كذا؟ وجه ذلك أن الله جعل التذكر لمن اتصفوا بمن؟ بالعقول.

* ومن فوائدها: أن لُبَّ الإنسان وروحه هو العقل؛ عقل الرشد؛ لأن الله سمى هذه العقول، سماها ألبابًا جمع (لُبٍّ) كأسباب جمع (سَبَب).

ثم قال الله تعالى في قصة سليمان بن داود: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾، قال: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾ إلى هنا تم تفسيره، قال: (جمع جواد، وهو السابق، المعنى أنها إذا استُوقفت سكنت، وإن ركضت سبقت) يعني أن هذه الخيل التي عُرِضَت عليه موصوفة بهذين الوصفين؛ أنها من الصوافن، وأنها من الجياد، فهي إذا وقفت وقفت على أحسن هيئة؛ وهو الصفون، وإذا مشت مشت على أكمل هيئة، وهو الجود، جيدة في السبق وتحمُّل المشاق ولو طال السير، وهذا غاية ما يكون من جمال الخيل، غاية ما يكون من جمال الخيل هو هكذا أن تكون هيئتها حين الوقوف مما يسر النفس، وأن يكون فعلها وأداؤها حين السير مما ينفع لكونها من ذوات الجود.

وقول المؤلف: (وكانت ألف فرس عُرِضَت عليه بعد أن صلى الظهر لإرادته الجهاد عليها لعدو، فعند بلوغ العرض منها تسع مئة غربت الشمس ولم يكن صلى العصر فاغتم).

تقدير هذه الخيل بألف فرس يحتاج إلى دليل عن معصوم عن النبي ﷺ، وليس هناك دليل عن رسول الله ﷺ بأنها ألف أو ألفان أو أقل أو أكثر. وحينئذٍ تكون مسؤوليتنا أن نقف حيث وقف القرآن، فلا نحددها بألف ولا بأكثر ولا بأقل، إنما هو عُرِضت عليه في آخر النهار هذه الخيول ﴿الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾، فلما عُرِضت عليه نسي أن يُصلي لقوة ما في قلبه من التعلق بهذه الخيول التي أعدها للجهاد في سبيل الله، أو أعدها للزينة والتمتع؛ لأن سليمان عليه الصلاة والسلام كان من الأنبياء الملوك كما قال تعالى: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص ٣٥] والملوك من عادتهم أن يُسرُّوا ويبتهجوا بالنظر إلى الخيول، فسواء كان أعدها للجهاد إن كان قد أُمِر به، أو أعدها للتمتع بها بصفته أنه ملك.

يقول: ﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ [ص ٣٢]. قال: (﴿أَحْبَبْتُ﴾ أي أردت) ﴿حُبَّ الْخَيْرِ﴾ يعني محبته؛ محبة الخير، والخير يُطلق على المال عمومًا كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات ٦ - ٨] أي لحب المال، والدليل على أن الخير هو المال قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة ١٨٠]، فقوله: ﴿حُبَّ الْخَيْرِ﴾ يعني حب المال.

وتفسير المؤلف رحمه الله لهذا الخير بالخيل أخص من دلالة اللفظ، وقد مر علينا أنه لا يجوز أن يُفَسَّر اللفظ الأعم بالمعنى الأخص؛ لأن هذا قصور في التفسير، لكن قد يكون عذر المؤلف أن السياق في الخيل فيكون حمله لهذا العام على الخاص بقرينة السياق، وهنا إشكال وهو قوله: ﴿أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ﴾ هل الحب يحب؟ يعني لو قال قائل: لماذا لم تكن الآية: (إني أحببت الخير) كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾؟

المؤلف رحمه الله أَوَّلَ المحبة التي جاءت بلفظ الفعل بالإرادة فقال: (﴿أَحْبَبْتُ﴾ أي أردت حُبَّ الخير) لكنه رحمه الله وإن تخلَّص من تضارب اللفظ لم يتخلص من فساد المعنى؛ لأنه إذا قال: (أردت حب الخير)، فالمراد قد يحصل وقد لا يحصل، مع أن حبه حاصل، ولكن الجواب على هذا أن نقول: إن (أحببت) الأولى على بابها، و(أحببت) الثانية على بابها من باب التوكيد كأنه أحب حب الخير فضلًا عن الخير، ومن أحب حب الشيء لزم أن يكون محبًّا للشيء، كما لو قلت: أنا أحب أن أحب فلانًا، مثلًا، أن أحب قراءة الكتاب الفلاني، فيكون هذا من باب التوكيد، كأنه كرر المحبة مرتين؛ وبهذا نتخلص من الإيراد الذي يرد على تفسير المؤلف رحمه الله.

وقوله: ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ قال المؤلف: (أي صلاة العصر)، وهذا أيضًا فيه تفسير للعام بما هو أخص، وهو قصور في التفسير؛ وذلك لأن الذكر أعم من الصلاة، فكل صلاة ذكر، وليس كل ذكر صلاة، صحيح هذا؟ كل صلاة ذِكْر، وليس كل ذكر صلاة، صحيح؟ إي نعم، إذن إذا فسرنا الذِّكْر بالصلاة فقد فسرنا الأعم بالأخص، وهذا قصور، ولكن ربما يُعتذَر عن المؤلف بالسياق، ولكن هذا العذر لا يُقبَل؛ لأنه من الذي يقول: إن سليمان أراد بذكر ربه صلاة العصر؟ إذ قد يكون أنه أراد ذِكْر الله في المساء؛ لأن المساء له أذكار معينة، وتكون صلاة العصر داخلة في هذا الذكر، وهذا هو الصحيح، الصحيح أن المراد بالذكر في قوله: ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ عموم الذكر الذي يدخل فيه صلاة العصر.

وقوله: ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ يشمل التذكر الذي هو ذكر القلب، ويشمل القول الذي هو ذكر اللسان، ويشمل الفعل الذي هو أفعال الجوارح إذا أدخلنا صلاة العصر في هذا؛ لأن صلاة العصر تشتمل على أنواع الذكر الثلاثة، الصلاة تشتمل على أنواع الذكر الثلاثة، فيها تذكر القلب، وتذكر اللسان، وتذكر الجوارح.

وقوله: ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ في إضافة الربوبية إلى الله استعطاف من سليمان لله عز وجل حيث أذعن له بالربوبية التي تقتضي أن يكون مشغولًا بذكره سبحانه وتعالى.

وقوله: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ استشكل بعض العلماء تعدي الفعل بـ(عن)، أحببته عن ذكر ربي، كيف؟ فقيل: إن (عن) معناها (مِنْ)، يعني البدلية، يعني بدلًا عن ذكر ربي، وقال بعض العلماء: إن أحببت مُضمَّن معنى آثرتُ حُبَّ الخير عن ذكر ربي، ومر علينا فيما سبق، أنه إذا جيء بمتعلق لا يناسب المتعلق ظاهرًا فإن لعلماء النحو في ذلك قولين:

القول الأول: تضمين المتعلق معنى يُناسب المتعلِّق.

والثاني: أن يُضمَّن الحرف الذي لا يُناسب المتعلَّق حرفًا يناسب المتعلَّق.

وذكرنا أن الأولى أن يكون التجوُّز بالفعل.

وقوله: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾، ﴿حَتَّى تَوَارَتْ﴾ قال المؤلف: (أَي الشَّمْس ﴿بِالْحِجَابِ﴾ أي استترت بما يحجبها عن الأبصار). ﴿تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾، ﴿تَوَارَتْ﴾.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском