Ibn 'UthayminSad · 38:26–33

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Sad 38:26–33, continued

إذا قال قائل: الضمير مستتر، والشمس لم يسبق لها ذكر، فلماذا لا يقال: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ﴾ (أي الخيل) بالحجاب؟ يعني أنها أبعدت حتى استترت عنه، وكأنه شُغِل بالنظر إليها وهي تتطارد وتتسابق حتى وصلت إلى مسافة بعيدة بحيث غابت عنه؟

نقول: لا شك أن هذا المعنى محتمل في الآية، قوله: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ﴾ أي هذه الخيول، فأبعدت واستترت، ولكن وردت أحاديث تؤيد ما ذهب إليه المؤلف من أن الذي توارت هي الشمس ﴿بِالْحِجَابِ﴾ أي بما يحجبها عن الأبصار، فما هو هذا الحجاب؟ الحجاب هو الأرض، الحجاب الذي يحجب الشمس إذا غابت هو الأرض، كما قال الله تعالى عن ذي القرنين: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ [الكهف ٨٦] يعني في البحر، إذن فالذي يسترها إذا غابت هي الأرض، وهذا لأن الأرض كروية الشكل، فإذا دارت الشمس عليها ووصلت إلى الجانب المنحني فلا بد أن تغيب، وهكذا تغيب عن كل قوم شيئًا فشيئًا حتى تطلع على من غابت عنهم أولًا.

ثم قال تعالى: ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ﴾، ﴿رُدُّوهَا﴾ الضمير يعود على الخيل التي عُرِضَت عليه، أمر أن تُرَدَّ عليه، وتُرجَع عليه مرة ثانية من أجل أن يقضي عليها غضبًا لله عز وجل وتنكيلًا لنفسه التي تعلقت بهذه الخيول، وأعرضت بها عن ذِكْر الله.

قال: (﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ﴾ أي الخيل المعروضة فرَدُّوها. ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا﴾ بِالسَّيْفِ ﴿بِالسُّوقِ﴾ جَمْع سَاق ﴿وَالْأَعْنَاق﴾ ) جمع (عُنُق)، قال: ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ﴾ فردوها عليه.

﴿فَطَفِقَ﴾ طفق هذه فعل ماضٍ من أفعال الشروع، ويكون خبرها فعلًا، وبناءً على ذلك فإن قوله: ﴿مَسْحًا﴾ ليس خبرًا لها، بل مصدر للفعل المحذوف الذي هو الخبر، والتقدير: فطفِق يمسح مسحًا.

وقوله: ﴿مَسْحًا بِالسُّوقِ﴾ يعني يضربها مع سُوقها، جمع (ساق)، والأعناق مع العنق؛ لأن الخيل تتعلق بها النفس باعتبار المشي، وباعتبار الصفون عند الوقوف، وباعتبار الرقبة، وما عليها من الشعر وحُسْن العُنُق؛ فلهذا ضرب عليه الصلاة والسلام ضَرَبَ مواقع الحسن في الخيل وهي سُوقُها وأعناقها، والله أعلم.

* طالب: (...) الذكر العام.

* الشيخ: أعم من الصلاة.

* طالب: يعني هل هي صلاة العصر أم (...)؟

* الشيخ: لا، لأن الأذكار في المساء تستمر إلى ما بعد الغروب.

* طالب: (...).

* الشيخ: عام، الذكر عام، يشمل الصلاة وغيرها.

* طالب: (...) الأذكار التي ليست مقيدة بالمساء.

* الشيخ: إي نعم، إذا لم تكن مُقيَّدة بالمساء؛ فلا فرق أن يذكر بعد غروب الشمس أو قبله.

* الطالب: أنا أقول: أقصد أن غروب الشمس (...) صلاة العصر.

* الشيخ: ولا فيه أذكار بعد العصر؟

* الطالب: لا، فيه أذكار.

* الشيخ: إذن لماذا لا نجعلها عامة ومنها الصلاة؟

* الطالب: (...) غروب الشمس؟

* الشيخ: نعم؛ لأن أذكار المساء تكون بعد العصر، فهو يذكر الله بعد العصر فاشتغل عن ذلك.

* طالب: (...).

* الشيخ: كيف؟

* الطالب: (...).

* الشيخ: لا، يُكتب ألفًا ما لم تتصل بالضمير، إذا اتصلت بالضمير ما حاجة إلى الألف.

* طالب: ما حاجة، والواو واقعة في محل هذا..

* الشيخ: يعني لو قال: (ردوا) فقط ما قال: (ها).

* طالب: في (ردوا) الضمير راجع إلى من؟

* الشيخ: لا، قصدي أنت تقول: لماذا لم يكتب ألفًا بعد الواو؟ كذا ولَّا لا؟ أقول: لا تُكتب الألف بعد الواو مع الضمير، لو قلت: (رُدُّوه) ما تكتب ألفًا، (رُدُّوها) ما تكتب ألفًا، لكن (رُدُّوا زيدًا) تكتب ألفًا.

* الطالب: وفي (رُدُّوا) الضمير راجع إلى من؟

* الشيخ: الواو راجع للمخاطب.

* الطالب: للمخاطب، هو للجمع.

* الشيخ: إي، وهو للجمع، يخاطب جماعة، و(ها) تعود على الخيل؛ يعني ردوا الخيل عليَّ.

* الطالب: نعم، والواو للغائب.

* الشيخ: لا، للمخاطب، ما هو الأمر إذا وُجِّه لجماعة، ما هي بالغائب، لو كان فعلًا ماضيًا صارت للغائب لكن هذه فعل أمر، والواو المقترنة بفعل الأمر تكون للمخاطب.

* الطالب: حسبته ماضيًا.

* الشيخ: لا، لو كان ماضيًا لقال: رَدُّوها، الماضي يُقال: رَدُّوها.

* الطالب: قلت: يمكن مجهول.

* الشيخ: لا، مجهول وفيه المفعول رُدُّوها.

* طالب: (...).

* الشيخ: على كل حال هي فعل أمر، يأمرهم أن يردوها عليه.

* طالب: شيخ، بارك الله فيك، سأل شخص مفتيًا، فقال له: كنت عاصيًا وعندي أشرطة أغانٍ وإلى آخره، فماذا أعمل بها هل أُسَجِّل عليها محاضرات دينية ولَّا أيش أعمل فيها، ولَّا أحرقها، قال له: حرِّقْها، واستدل بهذه الآية، قال: إن سليمان عليه السلام قتل الخيول.

* الشيخ: السؤال هذا متقدم على وقته؛ لأنه سيكون في الفوائد إن شاء الله.

* طالب: لماذا كان تضمين الفعل أحسن من تضمين فعل الأمر؟

* الشيخ: إي نعم؛ لأنك إذا ضمنت الفعل استفدت معنى جديدًا زائدًا على معنى الفعل الأصلي، فمثلًا إذا قلنا في قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان ٦] أن المراد يروى بها تضمن هذا معنيين؛ الشُّرب والرِّي، إذا قلت: إن الباء ﴿يَشْرَبُ بِهَا﴾ بمعنى (مِنْ)، يشرب منها لم نستفد إلا معنى واحد وهو الشرب.

* طالب: إذا ضمنَّا يا شيخ الفعل يعني كأننا أتينا بشيء زائد.

* الشيخ: لا، لا ما هو زائد؛ لأن الفعل إذا قُلنا: يَرْوَى أتينا بالمعنى الأصلي ليشرب؛ إذ لا رِيَّ إلا بعد شُرب، والذي جعلنا نأتي بالمعنى الزائد وهو الرِّي؛ لأن صحيح أن الرِّيَّ زائد على مجرد الشرب، الذي جعلنا نأتي به هو أن (بها)، الباء ما تتعدى بـ(يشرب).

* طالب: شيخ، عفا الله عنك (...) بعض العلماء (...)؟

* الشيخ: إي، هذه هي التميمة، إذا أجزنا التميمة بالقرآن، جاء أُناس فدخَّلوا فيها أشياء شِرْكية، فماذا تقولون؟ نقول: الحكم يدور مع علته، إذا كتب أشياء شركية صار ممنوعًا لأجل الشرك، لكن إذا كتب شيئًا من القرآن فليس فيه شرك؛ يعني لا بد أن يكون هذا الكاتب اللي كتب التميمة لا بد أن يكون مأمونًا.

* طالب: (...).

* الشيخ: جاب أيش؟

* الطالب: أقول: تكثر في بعض المحال في الحجاز (...) الأرض الشمالية والجنوبية.

* الشيخ: ويش اللي تكثر؟

* الطالب: التعاليق هذه اللي بها الشركيات.

* الشيخ: لا، هذا يُمنع هذا.

* * *

* الطالب: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (٣٤) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥) فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (٣٦) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٣٨) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٩) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص ٣٤ - ٤٠].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾ [ص ٣٠، ٣١] إلى آخره، أين مُتعلَّق ﴿إِذْ﴾ في قوله: ﴿إِذْ عُرِضَ﴾؟

* طالب: نعم، ﴿إِذْ عُرِضَ﴾.

* الشيخ: يعني (إذ) ظرفية تحتاج إلى مُتعلَّق.

* الطالب: محذوف، تقديره: واذكر إذ عُرِضَ.

* الشيخ: واذكر إذ عُرض. قوله: ﴿الصَّافِنَاتُ﴾ ما هي ﴿الصَّافِنَاتُ﴾ (...)؟

أحببت الخير حُبًّا شديدًا.

ما المراد بالخير هنا؟

* طالب: الخير المؤلف فسرها بالخيل، وهذا قصور.

* الشيخ: ما الذي حمله على تفسيرها بالخيل؟

* الطالب: يُعتذر عنه بالسياق؛ سياق الآية.

* الشيخ: حيث قال: ﴿الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾، والقول الثاني، أو الاحتمال الثاني؟

* الطالب: أنها عامة تشمل الخيل وغيرها من المال وغيرها، يُطلق على الخير المال.

* الشيخ: ما هو الدليل أو الشاهد على أن الخير يُراد به المال؟

* طالب: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾.

* الشيخ: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات ٨] والمراد بالخير هنا؟

* الطالب: المال.

* الشيخ: المال، ما الدليل أن المراد به المال؟ ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر ٢٠].

قوله: ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ ما المراد بذكر ربه؟

* طالب: على قول المؤلف قال: إنها صلاة العصر، ولكن الذِّكْر يشمل أعم من الصلاة، ويشمل أذكار المساء والصلاة أيضًا.

* الشيخ: أحسنت. قوله: ﴿حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ عن ما موقعها هنا؟

* طالب: في المعنى يعني؟

* الشيخ: إي، ويش معنى أحببته عن ذكر ربي؟

* الطالب: أي: دون ذكر ربي.

* الشيخ: يعني أيش؟

* الطالب: أي: أحببت حب الخير دون ذكر الله سبحانه وتعالى.

* الشيخ: ويش معناه على هذا؟

* الطالب: بمعنى سوى.

* الشيخ: عن بمعنى سوى؟

* طالب: بمعنى سوى الله سبحانه وتعالى؛ أي سوى ذكر الله.

* طالب آخر: بدلًا عن عبادته.

* الشيخ: يعني؟

* الطالب: بدل ذكر ربه.

* الشيخ: بدل ذكر ربه هذا وجه، وجه آخر؟

* الطالب: أو أنها مُضمَّنة.

* الشيخ: مُضمَّنة؛ يعني آثرت حب الخير عن ذكره.

قوله: ﴿تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ الضمير يعود على مَنْ؟

* طالب: فيها قولان: أن الضمير يعود على الخيل، أنه رآها تبتعد عنه بعيدًا.

* الشيخ: جعل يشاهدها ذاهبة وجائية.

* الطالب: والقول الثاني: أنها توارت بالحجاب عن الشمس.

* الشيخ: الشمس، وما المراد بالحجاب على هذا القول؟

* طالب: الحجاب يعني الأرض.

* الشيخ: الأرض، صحيح؟ قال: ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا﴾ طفق من أفعال؟

* طالب: (...).

* الشيخ: وأين خبرها؟

* طالب: (...).

* الشيخ: خبرها محذوف، فطفق يمسح مسحًا. ﴿بِالسُّوقِ﴾ ويش معناها؟

* الطالب: جمع (ساق).

* الشيخ: جمع (ساق)؛ يعني يضرب سُوقها حتى يعقرها، والأعناق؟

* الطالب: جمع (عُنق) وهو يمسح أعناقها.

* الشيخ: بيده، يمسح بيده كذا، إذن معنى كلامك أنه يمسح سُوقَها بيده، ويمسح أعناقها كذلك.

* طالب: يعني ضربًا بالسيف.

* الشيخ: حتى في السُّوق؟

* الطالب: إي نعم.

* الشيخ: والأعناق القتل. نأخذ الفوائد.

قال الله عز وجل: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ﴾.

* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الأولاد هِبَة من الله عز وجل للعبد، ويتفرع على هذا أنه يجب على العبد أن يشكر الله تعالى على هذه النعمة.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الثناء على سليمان في قوله: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾. والعبودية هنا العبودية الخاصة.

* ومن فوائد هذه الآية: إثبات العلل والأسباب؛ لقوله: ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾، فإن هذا هو سبب الثناء عليه.

* ومن فوائدها: فضيلة الأوبة إلى الله والرجوع إليه بالقلب والعمل؛ لأن الله أثنى على سليمان بسبب ذلك.

* ومن فوائد الآية الكريمة في قوله: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ﴾ إلى آخره، من فوائدها: بيان عظمة ملك سليمان حيث كان الناس يعرضون عليه هذه الخيول للتمتع بها، ومن أجل الاطلاع عليها وتفقدها، ووجه ذلك أنه قال: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ﴾ فهذا يدل على أن هناك أناسًا يعرضون عليه هذا الخيل.

* ومن فوائد هذه الآية: أن هذه العادة وهي عرض الخيول والتمتع بجريها في آخر النهار عادة قديمة ما زال الناس عليها إلى اليوم؛ يعني لا تكاد تجد أحدًا يُجري مسابقة على الخيل في أول النهار، وإنما يكون في آخر النهار، وهذه من العادات القديمة في الناس إلى اليوم.

* ومن فوائد هذه الآية: أنه ينبغي اختيار الخيل الجيدة الجميلة التي تسُرُّ النفس في رؤيتها وفي جريها؛ لقوله: ﴿الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾.

* ومن فوائدها: أنه ينبغي اقتناء الخيل، حيث كان هذا من دأب الرسل عليهم الصلاة والسلام، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٨٥٠)، ومسلم (١٨٧٣ / ٩٨) من حديث عروة بن الجعد.]]. فمتى كانت الخيل آلة حرب فالخير في نواصيها إلى يوم القيامة.

* ومن فوائد هذه الآية: ذِكْر أُنموذج من وَصْف سُليمان بالأوَّاب؛ حيث قال: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ إلى آخره.

* ومن فوائدها: أن المال خير وهو كذلك؛ لأن الإنسان إذا رُزِق المال تمكَّن أن يتمتع تمتعًا كاملًا فيما يختص بالمال بخلاف ما إذا ضُيِّق عليه المال فإنه لا يستطيع أن يتمتع.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإعراض عن ذِكْر الله بأمور الدنيا أمر مذموم؛ لأن سليمان وَبَّخَ نفسه في كونه أحب الخير وقدَّمَه على ذِكْر الله.

* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات أن الشمس تجري دائمًا، وليست تغيب؛ بمعنى أنها تنحجب عن الأبصار في السماء؛ لقوله: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾.

* ومن فوائدها: إثبات أن الشمس هي التي تدور على الأرض في طلوعها وغروبها؛ لأنه أضاف الفعل إليها فقال: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ﴾، ولو كان الأمر كما يقول أهل الجغرافيا اليوم: إن الأرض هي التي تدور وتنحجب الشمس بسبب دورانها لقال: حتى توارين بالحجاب، أو حتى توارى بالحجاب هو يعني؛ لأنه إذا كان أنت الذي تدور ومقابلك ثابت، فمن الذي يتوارى؟ الثابت أو الدائر؟ الدائر، فإذا كان الله تعالى أثبت أن التواري للشمس دل هذا على أنها هي التي تدور، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾ [الكهف ١٧]، فهذه أربعة أفعال كلها أضيفت إلى الشمس.

وفي الصحيح عن أبي ذر رضي الله عنه أنه كان مع النبي ﷺ حين غربت الشمس فقال له: أتدري أين تذهب؟ قلتُ: الله ورسوله أعلم. قال: «فَإِنَّهَا تَسْجُدُ تَحْتَ الْعَرْشِ وَتَسْتَأْذِنُ، فَإِنْ أُذِنَ لَهَا وَإِلَّا قِيلَ: ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ، فَتَخْرُجُ مِنْ مَغْرِبِهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٣١٩٩)، ومسلم (١٥٩ / ٢٥٠) من حديث أبي ذر.]].

هذا هو ظاهر القرآن، والواجب على المؤمن أن يتبع ظاهر القرآن؛ لأن هذه هي الطريق في كل شيء كما تعرفون في أسماء الله وصفاته نتبع ظاهر القرآن، وكما تعلمون في الأحكام الشرعية نتبع ظاهر القرآن، إذن في الأمور الكونية نتبع ظاهر القرآن؛ لأن ظاهر القرآن صدر من الخالق العليم فهو أعلم من خلقِه بخلقه، قال الله تعالى: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الكهف ٥١]، فإذا كان هذا صادرًا من أعلم من يكون وجب علينا أن نُصدِّقه.

فالواجب علينا إذن إجراء ظواهر الكتاب والسنة على ما هي عليه حتى يقوم لنا دليل حسي واضح يتبين أن اللفظ ليس على ظاهره، فلو فُرِضَ أنه تبين تبينًا واضحًا مثل الشمس أن الأرض هي التي تدور فإننا نقول: عُبِّرَ بهذه الأفعال التي ظاهرها أن الشمس هي التي تدور باعتبار ما نُشاهِد، فتكون غربت باعتبار مشاهدتنا؛ لأن المشاهد المحسوس حسب الأمر الظاهر لعامة الناس أن الأرض ثابتة والشمس تدور عليها، فيكون التعبير بحسب ما يشاهده الناس في الظاهر، لكن متى نحتاج إلى تأويل الآيات؟ إذا ثبت ثبوتًا حسيًّا قطعيًّا ما فيه إشكال؛ لأن الظاهر دلالته ظنية، ولا يمكن زحزحة هذه الدلالة إلا بدليل قطعي يكون أقوى منها.

* ومن فوائد هذه الآية: أن الأرض كروية؛ لأنه لما أثبت أنها تتوارى بالحجاب دلَّ هذا على أن الأرض هي التي تحجبها، وهي كما نشاهد تنزل الشمس في أوج السماء في أعلى، ثم تنزل شيئًا فشيئًا حتى تكون في الأسفل، في الأرض، فيدل ذلك على أن الأرض كروية، وهذا أيضًا أمر مقطوع به، ولا إشكال فيه؛ فهو ظاهر مِن القرآن، وظاهر كذلك بالواقع؛ ففي القرآن يقول الله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (٤) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الانشقاق ١ - ٥] متى هذا؟ يكون يوم القيامة؛ لأن السماء لم تنشق الآن.

فقوله: ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ﴾ يدل على أنها قبل هذا ليست ممدودة بل هي كُروية، وهذا لا يُعارِض قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية ١٧ - ٢٠] لا يعارضه؛ لأن سطحها باعتبار المشاهَد، فأنت الآن إذا وقفت على الأرض تجدها مستوية إلى مد البصر.

* ومن فوائد هذه الآيات: في قوله: ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ﴾ إلى آخره، من فوائدها: جواز التعزير بإتلاف المال، وهذه المسألة اختلف فيها الفقهاء، هل يجوز أن نُعزِّر الإنسان بإتلاف ماله أو لا يجوز؟ فمن العلماء من قال: إنه لا يجوز؛ لأن إتلاف المال إفساد له، ويمكن أن نُعزِّره بأخذ المال دون إتلافه، فنأخذه منه وننفقه في جهة أخرى نافعة، ومنهم من قال: بل إن ذلك جائز، واستدلوا لهذا بأن الغالَّ من الغنيمة الذي يكتم ما غنم يُحرَّق رحله، وهذا إتلاف له مع أن الجيش قد يكون في حاجة إلى ماله، ومع هذا نتلفه، وهذا القول هو الراجح؛ أنه يجوز التعزير بإتلاف المال؛ أولًا: لدلالة السنة على ذلك.

وثانيًا: لأن إتلافه أنكى وأعظم أثرًا؛ لأنه لو أُخِذ وجُعِل في مصالح؛ صار التنكيل خفيًّا، ثم قد يكون فتح بابٍ للولاة الظلمة، إذا أرادوا المال؛ أقاموا دعوى على شخص ما، ثم قالوا: نُعزِّره بأخذ ماله، ثم يأخذون ماله على أنه سيكون في بيت المال، ولكنه سيكون في جيوب هؤلاء الظلمة، فإذا قلنا بأنه يحرق ويُتلف أمام الناس زال هذا المحذور، وبناء على ذلك لو وجدنا مع شخص آلة لهو تصلح أن تستعمل في غير اللهو، وعزَّرْناه بتكسيرها كان ذلك سائغًا، ولا نقول: حوِّلها إلى غير آلة اللهو؛ لأن إتلافها أمام الناس أنكى وأشد مما لو أُتلفت بإنفاقها في جهة ما.

* ومن فوائد هذه الآية: أن الإنسان لا بأس أن يُعزِّر نفسه بإتلاف ماله بنفسه؛ لفعل سليمان، فلو فرضنا أن شخصًا اشتغل بشيء معه عن ذكر الله، وأراد أن يكسره لكان ذلك سائغًا جائزًا؛ لأن هذا يؤدي إلى ألا يعود مرة أخرى إلى التشاغل عن ذِكْر الله تعالى بشيء من المال.

* ومن فوائد هذه الآية: قوة سلطان سليمان في أمره ونهيه؛ لقوله: ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ﴾، فإن هذا يدل على أن له جنودًا كثيرة تأتمر بأمره؛ إذ لم يقل: رُدَّها. لو قال: ردها لكان الخادم واحدًا، لكن لما قال: ﴿رُدُّوهَا﴾ دل على أن له جنودًا خدمًا يخدمونه؛ كثيرين.

* ومن فوائدها: سرعة ومبادرة سليمان عليه الصلاة والسلام بتنفيذ ما أراد من إتلاف هذا المال؛ لقوله: ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾.

قد يقول قائل: أليس في هذا تعذيب للحيوان إذا جعل يضرب سُوقه بالسيف؟

فيقال: بلى، لكن الظاهر أنه يعقرها أولًا، ثم يقطع عنقها ثانيًا، وهذا لا بأس به؛ لأن الألم لا يدوم، وإنما خَصَّ السوق بالضرب من أجل أنها صافنات، والصافنة إذا رفعت حافرها بعض الشيء؛ صار لسُوقها منظر جميل، فهو متعلق الرغبة؛ ولذلك جعل يضرب هذه السوق، وأما الأعناق فظاهر من أجل إتلافها نهائيًّا.

* طالب: عرف سليمان لغة الطيور، وكذلك أمور (...) هل أخذ الخيول يعني صدقة باللحوم، يعني (...)؟

* الشيخ: إي، هذا السؤال جيد، يقول: هل أكل لحومها أو تصدق به، أو ماذا فعل؟ ما تقولون؟

* طالب: المؤلف يقول: تصدق بها.

* الشيخ: يقول: تصدق بها، اقرأ (...).

* طالب: يقول: (﴿وَالْأَعْنَاق﴾ أَي ذَبحها وَقَطع أَرْجُلهَا تَقَرُّبًا إلَى اللَّه تعالى حَيْثُ اشْتَغَلَ بِهَا عَن الصَّلَاة، وَتَصَدَّقَ بِلَحْمِهَا فَعَوَّضَهُ اللَّه خَيْرًا مِنْهَا وَأَسْرَعَ وَهِيَ الرِّيح).

* الشيخ: سمعت؟ هذا يحتمل ما قال المؤلف أنه تصدق بها، ويحتمل أنه لم يتصدق بها؛ لأن ذبحها تقرُّب إلى الله تعالى بإتلافها، وما كان كذلك فإنه لا يُؤكَل، نظيره لو زنى رجل ببهيمة، فإن البهيمة تُقتل، ولا يُؤكل لحمها؛ لأنها أُتلفت في حق الله فلا ينبغي أن تُؤكَل، على كل حال يحتمل أن سليمان تصدَّق بها كما قال المؤلف، أو أكلها، أو تركها، الله أعلم.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском