Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Sad 38:45–64, continued
* الطالب: يا شيخ، حديث: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ وَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا»[[أخرجه مسلم (1650 / 12) من حديث أبي هريرة.]] (...)؟
* الشيخ: وهنا؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، نقول: اضرب، البر هنا أحسن؛ لأن المقصود تربية المرأة وتأديبها، وهذا خير، لكن لو قلنا: كفِّرْ ولا تضربْ فات هذا المقصود.
* طالب: يا شيخ، التأويل إذا لم يكن الإنسان ظالمًا ولَّا مظلومًا؟
* الشيخ: الصحيح أنه حرام إذا لم يكن هناك مصلحة.
* طالب: مصلحة التي تعود على نفس الحال يا شيخ؟
* الشيخ: إي نعم، حتى وإن كانت تعود عليه المهم أنها تكون فيه مصلحة؛ لأنه أحيانًا يُراد به مجرد التضليل ولو عن شيء غير ظلم، وأحيانًا يكون فيه مصلحة.
* طالب: (...) المحلوف عنده يرى غير ذلك؟
* الشيخ: ما عليه، لو جاء إنسان -مثلًا- ليسألني كم مالك؟ فقلت: مالي -مثلًا- عشرة، هو بيفهم أنها عشرة ريالات، وأنا عندي عشرة ملايين يصلح، ما فيه شيء لمصلحة.
* الطالب: يمكن يظهر بعد ذلك، ويعتبره كذبًا؟
* الشيخ: ما يهم؛ لأني ما ظلمته، ربما لو أقول: عندي عشرة ملايين، قال: يلا أعطني هالحين تسعة ملايين وتسع مئة ألف وتسعين، مشكلة؛ يأخذ مالي وأنا أشوفه.
يقال: إن رجلًا جاء يسأل الإمام أحمد عن المروزي أحد أصحابه، وكان المروذي حاضرًا في الدرس، فقال: ليس المروذي هاهنا، وما يصنع المروزي هاهنا؟ يعني: في كفه هذه، ويش المقصود منها؟ مصلحة ولَّا لا؟ مصلحة ما في (...)، ما فيه لا ظلم ولا مظلوم فيها.
* طالب: هذه الجملة (...).
* الشيخ: أيهم؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: (...) هذا ﴿وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (49) جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ﴾ [ص 49، 50]، ﴿جَنَّاتِ﴾ بدل منين؟
* الطالب: بدل من ﴿حُسْنَ مَآبٍ﴾، من ﴿حُسْنَ﴾، و﴿حُسْنَ﴾؟
* الطالب: و﴿حُسْنَ﴾ اسم.
* الشيخ: لكن مبتدأ.
* الطالب: إي نعم، هذا ما فيه البدل، متابع.
* الشيخ: ما دام اسم (إن) وهو منسوخ يصلح منه الحال. (إن زيدًا قائم منيبًا) يصلح أن يقال: (قائم منيبًا) حالٌ من (زيد)، لا من الضمير المستتر في (قائم).
* طالب: ومن ﴿لَهُمُ﴾.
* الشيخ: لأن الكلام على أن الضمير هنا معرفة يصلح منه الحال.
* طالب: قوله: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾.
* الشيخ: و(لهم) ضمير.
* الطالب: ومتعلق بالمحذوف.
* الشيخ: ولو كان، لكن الكلام على أن الضمير هنا معرفة يصلح منه الحال.
* طالب: قوله: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ (...) فهل الحال (...)؟
* الشيخ: ما فيه شك ما هو دائمًا، الحال تكون متنقلة وتكون ثابتة.
* الطالب: (...).
* الشيخ: (...).
* الطالب: بغير القرآن؟
* الشيخ: بغير القرآن، بحسب الحال.
* طالب: هل يفهم من الآية هنا أن ﴿إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ﴾ مع المتقين في جنات عدن؟
* الشيخ: كل المتقين؛ إسماعيل واليسع وذو الكفل وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وغيرهم.
* الطالب: أليس المتقين في أعلى الجنات في الفردوس الأعلى؟
* الشيخ: كلهم متقون.
* الطالب: ولكن الجنة درجات؟
* الشيخ: معلوم درجات، فإذا قلت: فلان في القصر، هذا في أعلى القصر، وهذا في أسفله، وهذا في وسطه.
* الطالب: يعني جنات عدن شاملة الجنات هذه.
* الشيخ: كل الجنات (...).
* * *
* طالب: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (65) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ [ص 65، 66].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. نأخذ فوائد ما سبق.
قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (45) إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (46) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾ [ص 45 - 47].
* من فوائد هاتين الآيتين: الثناء على إبراهيم وإسحاق ويعقوب بأنهم أصحاب قوة في عبادة الله وبصيرة في دين الله.
* ومن فوائد هذه الآية، وكذلك ما ماثلها مما سبق: أنه ينبغي ذكر أهل الخير بالثناء؛ لأن في ذلك فائدتين:
الفائدة الأولى: إحياء ذكر هؤلاء ليتبين فضلهم ويُدْعَى لهم.
الفائدة الثانية: الاقتداء بهم واتباعهم فيما هم عليه مما استحقوا به الثناء.
انتبهوا لهذا، فائدتان: الفائدة الأولى: بيان فضلهم وإحياء ذكراهم للدعاء لهم، والثانية: التأسي والاقتداء بهم.
* ومن فوائد هاتين الآيتين الكريمتين: أن الله تعالى أخلص هؤلاء بخالصة، وهي تذكُّر الدار الآخرة بحيث لا ينغمسون في ترف الدنيا.
* ويتفرع على هذه الفائدة: أن من أنعَمَ الله عليه بهذه الصفة -وهي تذكُّر الدار الآخرة- فإن هذا من الأمر الذي يستحق الثناء عليه هو، ويستحق الرب عز وجل عليه الشكر؛ حيث لم يجعل هذا ممن ينطوي في سلك أهل الدنيا.
* ومن فوائد هاتين الآيتين: أن لله تعالى عباد مصطفين؛ لقوله: ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ﴾؛ لأن (من) هنا إما للجنس أو للتبعيض، فتدل دلالة واضحة على أن لله تعالى عبادًا مُصْطَفَيْنَ.
* ومن فوائدها: أنه إذا كان العامل له مراتب فإن العمل كذلك له مراتب؛ لأن العامل إنما ينال المراتب بحسب عمله.
* ويتفرع على هذه الفائدة ما فيه دليل لمذهب أهل السنة والجماعة من أن الإيمان يزيد وينقص.
* ومن فوائد هاتين الآيتين: أن إبراهيم وإسحاق ويعقوب من هؤلاء المصطَفَيْنَ.
* ومن فوائدها: أن من اصطفاهم الله فإنهم أصحاب خير وفضل؛ لقوله: ﴿الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾، فرتَّب الأخيار أو الخيِّرين على الاصطفاء.
ثم قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ (48) هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص 48، 49] إلى آخره.
* في هذا: الثناء على إسماعيل واليسع وذا الكفل؛ لأن الله أَمَرَ بذكرهم للثناء عليهم.
* وفيه: فضيلة هؤلاء الرسل الثلاثة؛ إسماعيل واليسع وذا الكفل.
* وفيه: أن لله عبادًا أخيارًا منهم هؤلاء الثلاثة؛ لقوله: ﴿وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ﴾.
* ومن فوائدها كالتي قبلها: أن لله تعالى فضلًا على بعض العباد يُحْرَمُه البعض الآخر؛ حيث يجعل هؤلاء من المصطفين الأخيار، والآخرين على العكس من ذلك.
ثم قال تعالى: ﴿هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ﴾ إلى آخره.
* من فوائد هذه الآيات: أن القرآن الكريم ذكْرٌ؛ يذكر به الله بتلاوته، ذكْرٌ يتذكر به الإنسان معاده ومعاشه، ذكْرٌ يذكر به غيره، وقد ذكرنا هذا في أول السورة.
* ومن فوائد هذه الآيات: بشارة المتقين بأن لهم حسن المآب؛ أي: لمرجع، وعلى العكس من ذلك غير المتقين لهم سوء المآب؛ لأن الله إذا حكم للشيء بصفة من الصفات، فإنه يحكم له بضده إذا انتفت هذه الصفة.
فإن قال قائل: لماذا لا تقولون: إنه إذا انتفت هذه الصفة ولم تثبت الصفة المضادة، لماذا لا تجعلونه وسطًا بين هذا وهذا، فلا يستحق الثناء المثبت بالصفة ولا القدح الذي يكون بضدها؟
فالجواب على ذلك أن نقول: لا شك أن الأمور طرفان ووسط؛ الطرفان متضادان، والوسط بينهما. لكن قد دلَّ الكتاب والسنة على أن التقوى وضدها ليسا طرفًا ووسطًا، بل هما طرفان متقابلان، كما قال الله تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس 32]. فإذا ثبت للمتقين حسن المآب فلغيرهم سوء المآب، ولا نجعل هنا شيئًا وسطًا؛ لأنه لا وساطة بين الإيمان والكفر، والتقوى والفسوق.
* ومن فوائد هذه الآيات: الحث على التقوى، وذلك بذكر ثوابها؛ لأن الحث على الشيء يكون بالأمر به كما هو ظاهر، ويكون بالوعيد على تركه، ويكون بالثناء على فعله، المهم أن طرق الحث على الشيء متنوعة، منها ذكر حسن المآب.
* ومن فوائد هذه الآيات: إثبات الجنات لهؤلاء وأنها هي حسن المآب؛ لقوله: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾، ولا شك أن أحسن مآب يؤوب إليه البشر هو الجنات؛ فإن فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وكل إنسان مؤمن إنما يسعى للوصول إلى هذه الغاية العظيمة.
* من فوائدها: أن الجنات دار إقامة؛ لقوله: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾، فالناس مقيمون فيها لا يرحلون عنها، مقيمون فيها لا يبغون عنها حِوَلًا. ففيها إقامتان: إقامة لا ارتحال عنها، الإقامة الثانية: لا يبغي المقيم عنها حِوَلًا، يرى أنها محل إقامة وأنها أشرف مكان؛ وذلك لأنه لو رأى أن غيره أشرف منه لم يتم نعيمه؛ لأنه يرى أنه قاصر، وهذا بخلاف أهل النار؛ أهل النار كل واحد يرى أنه لا أحد أشد منه عذابًا؛ لأنه لو رأى أن أحدًا أشد منه عذابًا لتسلَّى به، لكنه بالعكس يرى أنه أشد الناس عذابًا، أهل الجنة لا يرى الواحد منهم أن غيره أكمل منه نعيمًا على وجه يفوقه، بل يرى أنه هو في أكمل ما يكون من النعيم؛ حتى لا يتنغَّص عليه نعيمه.
* ومن فوائد الآيات: أن للجنة أبوابًا؛ لقوله: ﴿مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ﴾.
* ومن فوائدها: كثرة الخدم المستفاد من قوله: ﴿مُفَتَّحَةً﴾، ولم يقل: (مفتوحة)، فهي تفتح يستقبلون منها، كلما دنوا من غرفة فُتِّحَت لهم الأبواب.
* ومن فوائد هذه الآيات: أن أهل الجنة يطلبون كل ما يشتهون من الفواكه؛ لقوله: ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾، وفي سورة الدخان: ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ [الدخان 55].
* ومن فوائدها -أي هذه الآيات-: أن لأهل الجنة شرابًا يدعون فيها بكل شراب، وقد مَرَّ علينا في التفسير أن أنواع الشراب أربعة.
* ومن فوائد هذه الآيات: ما في الجنة من الأزواج المطهرة العفيفات البالغات في الحسن غايته؛ لقوله: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ [ص 52].
* ومن فوائدها: أن هذه القاصرات الطرف خيرات الأخلاق طيبات ليس فيهن نشوز إطلاقًا؛ لقوله: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ﴾، في الدنيا الزوجات تارة تكون عندك، وتارة تزعل وتروح لأهلها ما تكون عندك، لكن في الجنة أزواجهم دائمًا عندهم؛ ليس هناك نشوز ولا غضب ولا زعل، بل أخلاق طيِّبة على ما ينبغي.
* ومن فوائدها: كمال عفة هؤلاء النساء؛ لكونهن قاصرات الطرف على أزواجهن، لا ينظرْنَ إلى غير أزواجهم.
* وفيها: كمال جمال هؤلاء النساء؛ لأنهن ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ أي: يقصرن أطراف أزواجهن عليهن، فالزوج لا ينظر إلى غيرها؛ لأنها قد ملأت عينه وسرَّت قلبه.
* ومن فوائدها: أن هؤلاء النساء أو هؤلاء الأزواج أتراب متساويات في السن والخلق، بحيث لا تغار واحدة من الأخرى لكونها أجمل منها أو أسن منها أو ما أشبه ذلك؛ لقوله: ﴿أَتْرَابٌ﴾.
* ومن فوائدها: أنهم يخاطبون بما يسرهم ويدخل النور في قلوبهم؛ لقوله: ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾، عكس أهل النار فإنهم يُوَبَّخون: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [غافر 50] وما أشبه ذلك من التويبخ، أما هؤلاء فيدخل في قلوبهم السرور، فيقال لهم: ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ﴾ به أخذتموه ووصلتم إليه وجَنَيْتُموه.
* ومن فوائد هذه الآيات: إثبات يوم القيامة وأنه يوم الحساب؛ لقوله: ﴿لِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾.
* ومن فوائدها: حثُّ الناس على العمل؛ لأنه كلما تذكر الإنسان أنه سوف يحاسب عن عمله فإنه سوف يحرص ويجتهد في العمل حتى لا يحاسب على شيء يكون عليه.
* ومن فوائد هذه الآيات: أن هذه الجنات التي وعد هؤلاء المتقون فضلٌ من الله ومِنَّة؛ لقوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا﴾.
* ومن فوائدها: أن هذا الرزق لا ينفد أبدًا ولا ينقطع أبدًا؛ الفاكهة في كل وقت، لحم الطير في كل وقت، الشراب في كل وقت، الزوجات في كل وقت، ما فيه هذا فصل صيف ليس فيه فاكهة شتاء، وهذا فصل شتاء ليس فيه فاكهة صيف، كل شيء ليس له نفاد.
* ومن فوائد هذه الآيات: كمال القرآن في التعليم والتبليغ، وأنه مثانٍ؛ إذا ذُكِرَ المتقون وثوابهم ذُكِرَ المجرمون وعقابهم، ولهذا قال: ﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ الطاغون ضد المتقين لهم شرُّ مآب.
* ومن فوائد هذه الآيات: أنه ينبغي للداعي إلى الله أن تكون دعوته تارة بالترغيب وتارة بالترهيب، بل الأفضل أن يجعل دعوته مشتملة على الترغيب والترهيب؛ وذلك لأنها -أي الدعوة- إذا كانت مقتصرة على الترغيب صارت سببًا للأمن من مكر الله وأن يتمادى الإنسان في معصية الله ويرجو الله، وإذا كانت مشتملة على الترهيب صارت سببًا للقنوت من رحمة الله واستبعاد الرحمة، وهذا ضرر، بل ينبغي أن يكون الداعية جامعًا بين هذا وهذا؛ ليحمل الناس على الرجاء وعلى الخوف، ولهذا قال الإمام أحمد: ينبغي أن يكون خوفه ورجاؤه واحدًا، فأيهما غلب هلك صاحبه.
وقال بعض أهل العلم: الرجاء والخوف كالجناحين للطائر؛ إن انخفض أحدهما سقط الطائر، وإن تساويا صار طيرانه مُتَّزِنًا.
وقال بعض أهل العلم: ينبغي للإنسان عند فعل الطاعة أن يغلِّب جانب الرجاء، وعند الهم بمعصية أن يغلِّب جانب الخوف؛ يعني عند المعصية يغلب جانب الخوف، وعند الطاعة يغلِّب جانب الرجاء، قالوا: لأنه إذا فعل الطاعة فقد فعل سبب الرجاء، وإذا فعل المعصية فقد فعل ما يكون سببًا للخوف.
وقال بعض العلماء: ينبغي في حال الصحة أن يغلِّب جانب الخوف، وفي حال المرض أن يغلب جانب الرجاء؛ حتى يموت وهو يحسن الظن بالله عز وجل.
ولعل القول الوسط هو القول الوسط؛ أن الإنسان إذا فعل المعصية وهمَّ بها غلَّب جانب الخوف، وإذا فعل الطاعة أو همَّ بها غلَّب جانب الرجاء. وهذا قول طيب.
ولكن ليس معنى قولنا: أن نغلِّب جانب الرجاء أو جانب الخوف ألَّا يكون لديه شيء من الطرف الآخر بل يجمع بين هذا وهذا، لكن الكلام على التغليب.
* ومن فوائد هذه الآيات: أن الطاغين مآبهم ﴿شَرَّ مَآبٍ﴾، بخلاف المتقين فإن مآلهم ﴿حُسْنَ مَآبٍ﴾، أما الطاغون فإن مآبهم ﴿شَرَّ مَآبٍ﴾؛ لأن مآبهم إلى جنهم والعياذ بالله، وقد ذكَرَ الله تعالى من أنواع العقوبات في هذه الدار ما يكفي ردعًا للمؤمن عن المعصية.
* ومن فوائدها: أن من أسماء النار ﴿جَهَنَّمَ﴾.
* ومن فوائدها: أنها هؤلاء ﴿يَصْلَوْنَهَا﴾ أي: يقعون في صلاها؛ أي: حرها الذي لا يمكن أن يبرد أبدًا، لكن مع ذلك قد ورد أنهم يُطَافُ بهم أحيانًا في زمهريرٍ شديدِ البرودة، وأحيانًا في نار شديدة الحرارة.
* من فوائدها: الثناء بالقدح على هذه الدار، أما الجنة قال الله تعالى: ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ [النحل 30]، أما هذه فقال هنا: ﴿فَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾، فأثنى عليها بالقدح والقبح والسوء.
* ومن فوائد هذه الآيات: أن أهل النار -والعياذ بالله- يذوقونه -أي العذاب- بين حميم وغساق؛ يعني: يسقون ماء حارًّا، ويسقون صديد أهل النار؛ الغساق والعياذ بالله، والإنسان منهم يتجرع هذا الشراب ﴿وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ [إبراهيم 17].
* ومن فوائدها -أي الآيات-: تنويع العذاب للطغاة؛ لقوله: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾؛ يعني: أصناف متنوعة من العذاب، وهذه الأصناف مذكورة في الكتاب والسنة، فمن أحب أن يراجعها فليراجعها في الكتب المؤلفة في ذلك.
* ومن فوائد هذه الآيات: أن أهل النار يتنازعون فيما بينهم ويتخاصمون ويتلاعنون، كلما دخل فوجٌ لعَنَ الثاني، ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف 38]، ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ﴾ [ص 59].
* ومنها: أن الأتباع والمتبوعين من أهل النار، كلهم يكونون في النار، فلا يُعْذَر هؤلاء بتبعيتهم للسادة والكبراء، ولكن هذا ليس على إطلاقه؛ فإنه قد دلَّت النصوص أنه لا يُعَذَّب أحدٌ حتى تقوم عليه الحُجة، وعلى هذا فيُحْمَل الأتباع هنا على الأتباع الذين بلَغَتْهم الحجة وبلغتهم الرسل، ولكن قالوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف 22]، ولهذا قال الله تعالى في سورة الأحزاب: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (66) وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (67) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب 66 - 68]، فدلَّ هذا على أن هؤلاء الأتباع قد قامت عليهم الحجة، ولهذا يقولون: ﴿يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾ [الأحزاب 66].
* ومن فوائد هذه الآيات: أن أهل النار يكلِّم بعضهم بعضًا، وينبذ بعضهم بعضًا، وهم ليسوا أحياءً ولا أمواتًا؛ ليسوا أمواتًا مستريحين ولا أحياء مُنَعَّمين، بل هم أحياء مُعَذَّبون.
* ومن فوائد هذه الآيات: تبرُّؤ التابع من المتبوع وبالعكس، كما دلت على ذلك آيات سورة البقرة.
* ومن فوائد هذه الآيات: أن أهل النار يتذكرون ما جرى لهم في الدنيا؛ لقوله: ﴿وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ﴾، وهذا يدل على أنهم يتذكرون ما كان في الدنيا، وكذلك أهل الجنة يتذكرون ما كان لهم في الدنيا.
قال الله تبارك وتعالى في سورة الصافات: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (51) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (52) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (53) قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ [الصافات 51 - 54]، يقول لأصحابه الذين معه في الجنة: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات 55]. رأى من؟ قرينه، قال له: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ [الصافات 56]، وهو يسمع هذا في أعلى عليين، وهذا في أسفل السافلين يسمع، ﴿تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (56) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [الصافات 56، 57] أي: من المحضرين في العذاب كما أنت محضر في العذاب.
* ومن فوائد هذه الآية: قصور عقل أهل النار حيث قالوا: ﴿كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ﴾؛ لأنهم إذا لم يروهم الآن فهم إما أنهم ليسوا في النار، وإما أن هؤلاء قد زاغت أبصارهم، وقد صرحوا بذلك في قولهم: ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ﴾ [ص 63]، فيقال: إن الواقع أنكم الآن مقصرون؛ إما في الدنيا، وإما في الآخرة، إن كنتم اتخذتموهم سخريًّا فهذا تقصير في الدنيا، وإن كانت أبصاركم زاغت عنهم فهذا قصور في الآخرة.
* ومن فوائد هذه الآيات: أن هذا الخصام الذي يقع بين أهل النار حق؛ لقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ﴾ [ص 64].
* ويتفرع عن هذه الفائدة أنه يجب على كل أحد ألَّا يغتر بالسادة والمتبوعين، بل يكون دأبه دأب نفسه.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences