Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Sad 38:65–88
38:65–88Page 457
قُلۡ إِنَّمَآ أَنَا۠ مُنذِرٞۖ وَمَا مِنۡ إِلَٰهٍ إِلَّا ٱللَّهُ ٱلۡوَٰحِدُ ٱلۡقَهَّارُ ٦٥
Say, [O Muḥammad], "I am only a warner, and there is not any deity except Allāh, the One, the Prevailing,1
رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡغَفَّٰرُ ٦٦
Lord of the heavens and the earth and whatever is between them, the Exalted in Might,1 the Perpetual Forgiver."2
قُلۡ هُوَ نَبَؤٌاْ عَظِيمٌ ٦٧
Say, "It is great news
أَنتُمۡ عَنۡهُ مُعۡرِضُونَ ٦٨
From which you turn away.
مَا كَانَ لِيَ مِنۡ عِلۡمِۭ بِٱلۡمَلَإِ ٱلۡأَعۡلَىٰٓ إِذۡ يَخۡتَصِمُونَ ٦٩
I had no knowledge of the exalted assembly [of angels] when they were disputing [the creation of Adam].
إِن يُوحَىٰٓ إِلَيَّ إِلَّآ أَنَّمَآ أَنَا۠ نَذِيرٞ مُّبِينٌ ٧٠
It has not been revealed to me except that I am a clear warner."
إِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّي خَٰلِقُۢ بَشَرٗا مِّن طِينٖ ٧١
[So mention] when your Lord said to the angels, "Indeed, I am going to create a human being from clay.
فَإِذَا سَوَّيۡتُهُۥ وَنَفَخۡتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُۥ سَٰجِدِينَ ٧٢
So when I have proportioned him and breathed into him of My [created] soul,1 then fall down to him in prostration."
فَسَجَدَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ كُلُّهُمۡ أَجۡمَعُونَ ٧٣
So the angels prostrated - all of them entirely,
إِلَّآ إِبۡلِيسَ ٱسۡتَكۡبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٧٤
Except Iblees;1 he was arrogant and became among the disbelievers.
قَالَ يَٰٓإِبۡلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسۡجُدَ لِمَا خَلَقۡتُ بِيَدَيَّۖ أَسۡتَكۡبَرۡتَ أَمۡ كُنتَ مِنَ ٱلۡعَالِينَ ٧٥
[Allāh] said, "O Iblees, what prevented you from prostrating to that which I created with My hands?1 Were you arrogant [then], or were you [already] among the haughty?"
قَالَ أَنَا۠ خَيۡرٞ مِّنۡهُ خَلَقۡتَنِي مِن نَّارٖ وَخَلَقۡتَهُۥ مِن طِينٖ ٧٦
He said, "I am better than him. You created me from fire and created him from clay."
قَالَ فَٱخۡرُجۡ مِنۡهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٞ ٧٧
[Allāh] said, "Then get out of it [i.e., Paradise], for indeed, you are expelled.
وَإِنَّ عَلَيۡكَ لَعۡنَتِيٓ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلدِّينِ ٧٨
And indeed, upon you is My curse until the Day of Recompense."
قَالَ رَبِّ فَأَنظِرۡنِيٓ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ ٧٩
He said, "My Lord, then reprieve me until the Day they are resurrected."
قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلۡمُنظَرِينَ ٨٠
[Allāh] said, "So indeed, you are of those reprieved
إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡوَقۡتِ ٱلۡمَعۡلُومِ ٨١
Until the Day of the time well-known."
قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغۡوِيَنَّهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٨٢
[Iblees] said, "By Your might, I will surely mislead them all
إِلَّا عِبَادَكَ مِنۡهُمُ ٱلۡمُخۡلَصِينَ ٨٣
Except, among them, Your chosen servants."
قَالَ فَٱلۡحَقُّ وَٱلۡحَقَّ أَقُولُ ٨٤
[Allāh] said, "The truth [is My oath], and the truth I say -
لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنۡهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٨٥
[That] I will surely fill Hell with you and those of them that follow you all together."
قُلۡ مَآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ أَجۡرٖ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُتَكَلِّفِينَ ٨٦
Say, [O Muḥammad], "I do not ask you for it [i.e., the Qur’ān] any payment, and I am not of the pretentious.
إِنۡ هُوَ إِلَّا ذِكۡرٞ لِّلۡعَٰلَمِينَ ٨٧
It is but a reminder to the worlds.
وَلَتَعۡلَمُنَّ نَبَأَهُۥ بَعۡدَ حِينِۭ ٨٨
And you will surely know [the truth of] its information after a time."
ثم قال الله تعالى: (﴿قُلْ﴾ [ص 65] يا محمد لكفار مكة ﴿إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ﴾ ) ﴿قُلْ﴾ لا شك أن الخطاب للرسول ﷺ، وأنه من الخطاب الخاص به؛ لأن الإنذار الذي هو إنذار الرسالة خاص بالرسول ﷺ.
وقول المؤلف: (﴿قُلْ﴾ لكفار مكة) وجه التخصيص أن هذه السورة مكية قبل أن يهاجر النبي ﷺ، فيكون الخطاب الموجه له بالإعلان بأنه منذر خاصًّا بأهل مكة.
ولكن يقال: إن الأولى أن يجعل عامًّا، وأن يقال: إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب والمكان.
(﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ﴾ مخوف بالنار) من؟ الكفار، فالإنذار بالنار للكفار، والبشارة بالجنة للمؤمنين لكن المقام هنا يقتضي الإنذار.
﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [ص 65] هذا حصر من أعظم أنواع الحصر؛ لأنه مبني على النفي والإثبات؛ النفي المؤكد بـ﴿مِنْ﴾ ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾؛ لأن ﴿مِنْ﴾ حرف جرٍّ زائد، والزائد يفيد زيادة المعنى في القرآن الكريم.
وقوله: ﴿مَا مِنْ إِلَهٍ﴾ أي: ما من معبود حق إلا الله، وإلا فهناك آلهة تُعْبَد لكن ليست بآلهة حقًّا، بل هي أسماء سمَّاها أصحابها ما أنزل الله بها من سلطان، ولهذا لا يعبدونها العبادة الحقة. إذا أصابهم الضر من يدعون؟ يدعون الله وحده، فهم بلسان حالهم يشهدون بأن هذه الآلهة، والأصنام التي يعبدونها ليست آلهة.
المهم أن قوله: ﴿مَا مِنْ إِلَهٍ﴾ أي: ما من إله حق، ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ خالق السماوات والأرض عز وجل، ﴿الْوَاحِدُ﴾ يعني: الذي لا شريك له، ﴿الْقَهَّارُ﴾ الذي لا غالب له بل هو قاهر لخلقه. و﴿الْقَهَّارُ﴾ هنا يجوز أن تكون نسبة؛ أن يكون التضعيف فيها للنسبة، ويجوز أن يكون التضعيف فيها للتكثير، فتكون صيغة مبالغة، ويمكن أن نقول: إنها للأمرين جميعًا، فالله تعالى من صفاته اللازمة له أنه قهار، ولكثرة من يقهرهم من الجبابرة يكثر قهره، فتكون هذه للنسبة أيش؟ وللتكثير الذي يُسَمَّى المبالغة.
﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [ص 66]، ﴿رَبُّ﴾ هذه بدل من الله، ويجوز أن تكون خبرًا لمبتدأ محذوف تقديره: هو رب، و﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ سبق الكلام عليهما كثيرًا، وقوله: ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ أي: من المخلوقات العظيمة التي نعلمها والتي لا نعلمها.
وقد سبق لنا أن كون الله عز وجل يجعل ما بين السماء والأرض قسيمًا للسماوات والأرض يدل على عظم ما بينهما من المخلوقات التي لم نصل إلى الآن إلى غايتها.
وقوله: ﴿الْعَزِيزُ﴾ قال المؤلف: (الغالب على أمره)، وهذا أحد معاني العزيز؛ لأن العزيز له ثلاث معانٍ: العزيز بمعنى ذو القدر والشرف، العزيز بمعنى القهر والغلبة، العزيز بمعنى الذي يمتنع أن يناله السوء، مأخوذ من: أرض عزاز؛ أي: صلبة لا تؤثر فيها الفؤوس.
إذن العزة لها ثلاثة معانٍ: عزة القدر، وعزة القهر، وعزة الامتناع، الامتناع؛ يعني: يمتنع أن يناله السوء سبحانه وتعالى.
وقوله: ﴿الْغَفَّارُ﴾ يعني: الكثير المغفرة، ولنا أن نجعلها أيش؟ نسبة؛ أي: أنه موصوف بالمغفرة دائمًا، فما أكثر من يغفر الله لهم، وما أكثر الذنوب التي يغفرها الله عز وجل، وهنا قرن العزة بالمغفرة فأكسب معنى ثالثًا غير العزة والمغفرة.
﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [ص ٦٦] ﴿رَبُّ﴾ هذه بدل من الله، ويجوز أن تكون خبرًا لمبتدأ محذوف تقديره (هو رب). و﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ سبق الكلام عليهما كثيرًا.
وقوله: ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ أي: من المخلوقات العظيمة التي نعلمها والتي لا نعلمها، وقد سبق لنا أن كون الله عز وجل يجعل ما بين السماء والأرض قسيمًا للسماوات والأرض؛ يدل على عِظَم ما بينهما من المخلوقات التي لم نصل إلى الآن إلى غايتها.
وقوله: ﴿الْعَزِيزُ﴾ قال المؤلف: (الغالب على أمره)، وهذا أحد معاني العزيز؛ لأن العزيز له ثلاثة معانٍ: العزيز بمعنى ذو القَدْر والشرف، العزيز بمعنى القهر والغلبة، العزيز بمعنى الذي يمتنع أن يناله السوء؛ مأخوذ من (أرض عَزَاز) أي: صلبة، لا تؤثر فيها الفؤوس. إذن العِزَّة لها ثلاثة معانٍ: عِزَّة القَدْر، وعِزَّة القَهْر، وعِزَّة الامتناع؛ يعني يمتنع أن يناله سوء سبحانه وتعالى.
وقوله: ﴿الْغَفَّارُ﴾ يعني الكثير المغفرة، ولنا أن نجعلها أيضًا نسبة؛ أي أنه موصوف بالمغفرة دائمًا، فما أكثر من يغفر الله لهم، وما أكثر الذنوب التي يغفرها الله عز وجل! وهنا قَرَنَ العزة بالمغفرة فأكسب معنى ثالثًا غير العزة والمغفرة؛ وهي أنه مع عزته وغلبته وقهره هو مع ذلك غفَّار بخلاف من يتصف بالعزة من المخلوقين فإنه قد يكون العزة تغلب مغفرته، أو من يتصف بالمغفرة فيكون عنده ضعف، وليس عنده عزة، فإذا اجتمعت العزة والمغفرة حصل من ذلك معنى مُركَّب من اجتماعهما وهو أكمل ممن لو انفرد أحدهما.
* طالب: (...) اجتمع القهر والعزة (...).
* الشيخ: القهر والعزة خطأ.
* طالب: بعض الناس يكون عنده عزة لكن مغفرته لا تغلب على عزته، لكن الله عز وجل مغفرته..
* الشيخ: أيش؟ ما فهمنا!
* الطالب: يعني بعض الناس يكون له عزة.
* الشيخ: وليس عنده مغفرة.
* الطالب: وليس عنده مغفرة.
* الشيخ: وبعضهم؟
* الطالب: وبعضهم عنده عزة، وعنده مغفرة، لكن أقل من عزته.
* الشيخ: لا.
* طالب: بعضهم عنده المغفرة والرحمة لكنه ضعيف وليس عنده عزة.
* الشيخ: عنده مغفرة لا عزة، والرب عز وجل جامع بين هذا وهذا، ولا شك أن غلبة المغفرة على العزة فيها نقص، وغلبة العزة على المغفرة فيها نقص، فإذا اجتمعا جميعًا صار هذا أكمل؛ أي: أن عزته وغلبته وقهره لا تخلو من مغفرة.
يقول: ﴿قُلْ﴾ (لهم) ﴿هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ [ص ٦٧، ٦٨]. ﴿هُوَ﴾ أي: النبأ الذي أنبأتكم به، والذي جئت به منذرًا نبأ عظيم، النبأ بمعنى الخبر لكنه لا يكون إلا في الأمر الهام، قال الله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ [النبأ ١، ٢]، فالنبأ خبر لكنه في الأمور الهامة، ووصف الله هذا النبأ بأنه ﴿عَظِيمٌ﴾، وهو القرآن، وقد وصف الله القرآن بأنه عظيم وكريم ومجيد؛ لأنه يتصف بهذه الصفات، ومن أخذ به نَالَه من هذه الأوصاف بقدر ما أخذ به.
﴿أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ (أي: القرآن الذي أنبأتكم به وجئتكم فيه بما لا يُعلم إلا بوحي).
قوله: ﴿أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ جملة استئنافية يُراد بها شدة الشناعة على هؤلاء المكذبين لرسول الله ﷺ، فهم مع هذا النبأ العظيم لم يُقبلوا عليه بل أعرضوا عنه، ولم يلتفتوا إليه، ولم يقيموا له وزنًا، يقول: ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى﴾ [ص ٦٩] يعني هذا النبأ العظيم لا يمكن لي أن آتي به من عند نفسي؛ لأنه ليس لي علم ﴿بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى﴾ يعني الملائكة، فهم ملأ لكنهم فوق؛ إذ إن الأصل في مساكنهم السماوات، ولكن ينزلون إلى الأرض لأداء الوظائف التي كُلِّفوا بها.
(﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى﴾ أي الملائكة ﴿إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ في شأن آدم حين قال الله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة ٣٠] إلى آخره).
الصحيح أن معنى الآية أعم مما قال المؤلف، يعني ما كان لي من عِلْم بالملأ الأعلى؛ إذ يختصمون في شأن آدم، وفي الدرجات العلا، وغيرها مما يختصم فيه الملائكة، ويرجعون فيه إلى الله.
يقول: (﴿إِنْ﴾؛ ما)، أفادنا المؤلف أن ﴿إِنْ﴾ هنا نافية، وهو أحد معانيها.
وقوله: ﴿يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا﴾ ﴿إِلَّا أَنَّمَا﴾ هذه هي التي دلت على أن ﴿إِنْ﴾ نافية ﴿إِلَّا أَنَّمَا أَنَا﴾ [ص ٧٠] (أي أني) ﴿نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [ص ٧٠]. قوله: (أي أني) تفسير لـ﴿أَنَّمَا أَنَا﴾؛ لأن أصله (أني) لكن دخلت (ما) الكافة على (أن)، ولما دخلت (ما) الكافة على (أن) أبطلت عملها، أليس كذلك؟ ثم لما دخلت عليها لزم أن ينفصل الضمير المتصل، أين الضمير المتصل؟ أني، هذا الأصل، دخلنا (ما) على (أن)، فصلت الآن بين (أن) والضمير، والضمير المتصل إذا وُجِدَ ما يفصله عما اتصل به صار منفصلًا؛ لأنه متصل على اسمه، فإذا وُجِد ما يفصله عن ما اتصل به وجب انفصاله، فهنا تكون (أنا) هي الياء في قول المؤلف: (أني).
﴿إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ﴾ [ص ٧٠] لكن إذا جاءت ﴿إِلَّا أَنَّمَا أَنَا﴾ تكون أشد تأكيدًا للحصر؛ لأن الحصر الآن استفدناه من قوله: ﴿إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا﴾ واستفدناه أيضًا من قوله: ﴿أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ فحُصر حال النبي عليه الصلاة والسلام بأنه نذير مبين، وهذا الحصر -كما تعلمون- حصر إضافي. أي: إنما أنا في هذه المسألة خاصة -وهو الوحي- نذير مبين وإلا فإنه بشر ينسى ويأكل ويشرب ويُبَشِّر، فالحصر إذن إضافي بحسب السياق.
وقوله: ﴿مُبِينٌ﴾ قال المؤلف: (بَيِّن الإنذار). والصواب: مُظْهِر، ﴿أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أي مُظْهِر، وليست من (أبان) اللازمة، بل هي من (أبان) المتعدي؛ لأن كلمة (أبان) تكون لازمة، كما تقول: أبان الصبح أي ظهر، وتكون متعدية كما لو قلت: هذا مُبِين لهذا؛ أي: مُظهِر له، فالصواب أن ﴿مُبِينٌ﴾ هنا بمعنى مُظهِر.
ثم قال المؤلف: (اذكر) ﴿إِذْ قَالَ﴾ فأفادنا رحمه الله أن ﴿إِذْ قَالَ﴾ متعلق بمحذوف تقديره (اذكر).
﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ﴾ [ص ٧١] (هو آدم). وقوله: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا﴾، ﴿بَشَرًا﴾ مفعول به لخالق لاستكمال شروط العمل ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ﴾ (أتممته ﴿وَنَفَخْتُ﴾ أجريت ﴿فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ فصار حيًّا) إلى آخره. قال المؤلف: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ قال: (أجريت). وكأنه رحمه الله أَوَّلَ معنى الآية، أَوَّلَ النفخَ بالإجراء، ولكن هذا خلاف ظاهر الآية، فظاهر الآية أن الله تعالى نفخ فيه من روحه، وهذا النفخ نثبته على ظاهره لكن بدون أن يكون مماثلًا لنفخ المخلوقين، وتفسيره بالإجراء تفسير باللازم؛ لأنه إذا نفخ فيه الروح لزم أن تجري في البدن وتسري فيه.
قال: وقوله: ﴿مِنْ رُوحِي﴾ قال المؤلف: (إضافة الروح إليه تشريف لآدم) يعني ﴿مِنْ رُوحِي﴾ ليس المراد من جزء مني، ولكن المراد من روحي؛ أي: من الأرواح التي خلقتها، وأضافها الله إلى نفسه تشريفًا وتعظيمًا كما أضاف البيت إليه في قوله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ [الحج ٢٦]، وكما أضاف المساجد إليه في قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ [البقرة ١١٤]، وكما أضاف الناقة إليه في قوله تعالى: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾ [الأعراف ٧٣]، فالمضاف إلى الله إذا كان مخلوقًا فإن إضافته إليه تكون من باب التشريف والتعظيم إذا كان هذا خاصًّا، أما إذا كان عامًّا فهو من باب الشمول والعموم كقوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية ١٣]، ثم قال: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ قال: (والروح جسم لطيف يحيا به الإنسان بنفوذه فيه)، الروح جسم لطيف يحيا به الإنسان، ولو قال المؤلف: يحيا به الكائن الحي لكان أعم؛ لأن الإنسان له روح والبهائم لها روح.
وقول المؤلف: (جسم لطيف)، أما كونه جسمًا؛ فلأنه ثبت في القرآن الكريم أنها تُقبض وتُوفَّى، وثبت في السنة أنها تُكفَّن وتُلف في الثوب في الكفن إما من الجنة أو من النار، وهذا يدل على أنها جسم لكنه جسم لطيف لا يُرى بالعين، إذا حل في الجسد حيي، وإذا فُقِد من الجسد صار الجسد جمادًا، ونحن نشاهد الآن مما يصنعه الآدمي ما يكون مثل هذا، إذا كان عندك سالب وموجب في الكهرباء، واتصل بعضهما ببعض؛ اشتعل، يُشعل هذا اللمبة الكبيرة، وهو شيء ما يُرى بالعين، وإذا فقد إذا انفصلا فُقِد، هذا وهو من صُنع البشر، فكيف بالأمور الخارقة التي لا يعلمها إلا الله ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء ٨٥]، وهذا الذي فَسَّر المؤلف الروح به هو أحسن ما قيل في تفسير الروح.
يقول: ﴿فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ (قعوا) فعل أمر، ماضيها (وَقَعَ)، ومضارعها (يَقَع)، والوقوع يعني معناه (خروا على الأرض) ﴿سَاجِدِينَ﴾ قال المؤلف: (سجود تحية بالانحناء).
أما قوله: (سجود تحية) فلا شك أن هذا هو المراد يعني لا سجود عبادة، وأما قوله: (بالانحناء) ففيه نظر؛ لأن السجود هو الوقوع على الأرض، وهو ظاهر الآية، ولكن يقال: إن هذا السجود كان جائزًا، السجود للغير تحية كان جائزًا ولكنه نُسِخَ بعد ذلك.
﴿سَاجِدِينَ﴾ محلها من الإعراب؟
* طلبة: حال.
* الشيخ: من أين؟ من الفاعل في ﴿فَقَعُوا﴾.
قال: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ (فيه تأكيدان). وهما (كل) و(أجمعون).
﴿إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ (هو أبو الجن كان بين الملائكة). قوله: (هو أبو الجن) دليله قوله تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي﴾ [الكهف ٥٠]، والدليل على أنه من الجن قوله تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف ٥٠]. إذن فالجن ذرية الشيطان، والإنس ذرية آدم، نعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
قال: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ (كان بين الملائكة)، ولم يقل المؤلف كان من الملائكة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف ٥٠]، إذن هو بينهم، ومن كان بين الناس فهو من الناس، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ»[[أخرجه البخاري (٦٧٦١) من حديث أنس بن مالك.]] . فهذا الشيطان الذي كان مع الملائكة يتعبد بعبادتهم يصح أن يشمله الخطاب الموجَّه إلى الملائكة؛ ولهذا لَامَهُ الله على عدم السجود؛ فدل على أن الخطاب كان شاملًا له.
﴿إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [ص ٧٤] (في علم الله) قوله: (في علم الله) بناءً على أن (كان) تدل على المضي، ولكنه قد مر علينا أن (كان) قد تكون مسلوبة الدلالة على الزمان، ويكون المراد بها الاتصاف بخبرها كما في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء ٩٦] كان فيما مضى أو المعنى اتصف بالرحمة؟ إذن نقول في هذه الآية: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ أي: واتصف بالكفر، ولا حاجة أن نقول: كان بعلم الله؛ لأننا نقول: إن كان هنا مسلوبة الدلالة على الزمن، فالمراد بها مجرد الاتصال.
﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ﴾ من الفاعل في قال؟ الله؛ لأنه قال: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ﴾ ﴿فَقَعُوا﴾.
﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص ٧٥] يعني أي شيء منعك؟ وهذا الاستفهام للتوبيخ والتعجب؛ يعني كيف تمتنع لمن خلقته بيدي؟! فالله تعالى خلق آدم بيده، وهذا شرف له، وأمر بالسجود له تشريفًا له، فما الذي منعك أن تسجد؟ قال المؤلف في تفسير قوله: ﴿بِيَدَيَّ﴾ (أي: توليت خلقه، وهذا تشريف لآدم فإن كل مخلوق تولى الله خلقه)، عفا الله عنك يا مؤلف، يقول: (توليت خلقه فرارًا من إثبات اليد لله). ولا شك أن هذا تحريف، وأجاب عن قوله عن الإضافة ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾؛ لأن هذا تشريف لآدم، وإلا فكل مخلوق فإن الله قد تولى خلقه، وبناء على كلام المؤلف لا يبقى لآدم فضل عن سائر المخلوقات أليس كذلك؟ ما دمنا نفسر ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ أي: توليت خلقه فإن الله تولى خلق بني آدم، وخلق الإبل والبقر والغنم وغير ذلك، فلا يبقى لآدم فضْل على أي أحد بل لا يبقى لآدم فضل على الشيطان الذي أبى أن يسجد؛ لأن الشيطان من تولى خلقه؟ الله عز وجل؛ ولهذا نقول للمؤلف: إنه أخطأ في هذا، وأن معنى الآية أن الله تعالى خلق آدم بيده، وخلق غير آدم من الشياطين والملائكة بكلمته؛ أي بقوله: كن، أما آدم فبيده، وهذا هو وجه الميزة، والخصيصة لآدم أن الله خلقه بيده.
(﴿أَسْتَكْبَرْتَ﴾ الآن عن السجود) استفهام توبيخ ﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ (المتكبرين فتكبرت عن السجود) يعني أحصل منك الاستكبار الذي تفتعله ولست من أهله؟ ﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ الذين منزلتهم فوق؛ لأن الذي يأبى إما أن يكون في مكان أرفع فيكون مستحقًّا للإباء أو يكون مستكبرًا؛ يعني موضعه نازل لكن جعل نفسه في محل عال، فالله يقول له: هل أنت مستكبر؟ أو أنك عالٍ في مرتبة أعلى من آدم بل أعلى ممن أمرك؟ ما الجواب؟ ادَّعى الآن، قال: (المتكبرين فتكبرت عن السجود لكونك منهم) ممن؟ من العالين.
وأما قول المؤلف: (إن العالين هم المتكبرون) فإنه يؤدي إلى أنه لا يكون فرق بين المتقابِلَيْن؛ لأنه إذا قال: أستكبرت أم كنت من المتكبرين، هل هناك فرق؟ لا فرق؛ ولذلك يُعتبر تفسيره العالين بالمتكبرين خطأ، بل ﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ أي: الذين علت منزلتهم بحيث لا يُوجَّه إليهم الأمر بالسجود لمن هو دونهم، فإباء الشيطان عن السجود لآدم إما أن يكون لوصف يستحقه، وهذا يدل عليه ﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾، أو لوصف لا يستحقه، ولكنه استكبر ورأى نفسه كبيرًا، وهذا في قوله: ﴿أَسْتَكْبَرْتَ﴾ ﴿قَالَ﴾ الشيطان جوابًا على سؤال الله: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ من آدم، وهذه دعوى، وكل إنسان يضيف الشيء إلى نفسه فإنه -أخذناها قاعدة في الفقه- مُدَّعٍ، والمدعي عليه البينة، أتى ببينة وهي قوله: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ﴾؛ ولهذا نقول: الجملة هنا استئنافية لبيان وجه الخيرية ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [ص ٧٦] سبحان الله! الذي يخلق من النار خير من الذي يخلق من الطين؟! مع أن النار التي خلق منها الشيطان ما هي نار مضيئة؟ ﴿مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ [الرحمن ١٥] ليست النار المضيئة، النار التي تكون في أعلى اللهب بين الدخان وبين النار المضيئة حمراء معتمة.
هذا المخلوق من هذه النار يكون خيرًا من المخلوق من الطين البارد النافع؟ سبحان الله! هذا قلب للحقائق؛ ولهذا نقول: هذه دعوى مستندة إلى بينة زائفة باطلة، وين الدعوة؟ ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ [ص ٧٦] البينة ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [ص ٧٦]، وهذه ليست بينة، هذه حجة عليه، وليست حجة له، وقد ذكر أهل العلم في هذا المقام بيان أن ما خُلق منه آدم خير مما خلق منه إبليس.
قال الله تعالى: ﴿فَاخْرُجْ مِنْهَا﴾ [ص ٧٧] (أي من الجنة وقيل من السماوات)، وأيهما أقرب؟ الملائكة هم كلهم في الجنة؟ في السماوات ﴿فَاخْرُجْ مِنْهَا﴾ أي: من السماوات هو أقرب للفظ.
﴿فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ أي: (مرجوم)، فهي (فعيل) بمعنى (مفعول)، ومعنى (مرجوم) أي مطرود مُبعد كما يُبعد الإنسان إذا رُجِم، وأنتم تعلمون أن الرجل إذا أردنا أن نبعده كثيرًا صحنا به أولًا، فإذا هرب أتبعناه الحجارة، فكان هذا أشد إبعادًا.
﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [ص ٧٨] عليك حق حاقة عليك لعنة الله أي طرده وإبعاده ﴿إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ (يوم الجزاء). وبعد يوم الدين تزول اللعنة؟ لا تزول، لكنها إذا امتدت إلى يوم الدين فمعناها أنه قانِط من رحمة الله والعياذ بالله، ما يمكن أن يُرحم، الذي تبقى معه اللعنة إلى يوم الدين لا يمكن أن تناله الرحمة.
﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [ص ٧٩] (أي الناس) ﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ [ص ٨٠، ٨١] طلب من الله أن يُنظِرهُ إلى بعث الناس فهل أجابه الله إلى طلبه؟ أجابه الله ﴿إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾، قال المؤلف: (وقت النفخة الأولى) أي: قبل البعث؛ لأن الناس لا يُبعثون إلا في النفخة الثانية، لكنهم يصعقون في النفخة الأولى، وهو أي الشيطان إنما يريد أن يبقى حتى لا يبقى من بني آدم أحد؛ لأنه صار في نفسه غل وحقد عظيم على آدم وذريته، كيف أُمِر أن يسجد له؟ وكيف حُكِم بالكفر لما أبى صار في قلبه، أو صار في نفسه أحسن؛ لأن ما ندري هل له قلب ولَّا ما له قلب؟ صار في نفسه غِلٌّ وحِقد، فسأل الله أن يبقيه إلى يوم البعث فأجابه الله أن يبقى إلى يوم الوقت المعلوم، وإجابة الله إياه لحكم عظيمة نذكرها إن شاء الله عند الكلام على الفوائد.
﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص ٨٢، ٨٣] ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ﴾ يحتمل أن تكون (الباء) للقسم، ويحتمل أن تكون للاستعانة. فإن قلنا: إنها للقسم فقد أقسم بعزة الله، واختياره الإقسام بالعزة؛ لأن العزة فيها الغلبة، فأقسم بوصف لله يكون به الغلبة. وإن قلنا: إنها للاستعانة، فظاهر أن الاستعانة بعزة الله التي إذا أعان الله بها العبد غلب.
﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ اللام في قوله: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ﴾ تؤيد أن الباء هنا للقسم؛ لأن هذا هو جواب القسم. و﴿أُغْوِيَنَّهُمْ﴾ أي: أسلك بهم طريق الغي؛ وهو خلاف الرشد.
﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ﴾ أي من بني آدم ﴿الْمُخْلَصِينَ﴾ الذين أخلصتهم، وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر ٤٢].
قال الله تعالى: ﴿فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص ٨٤، ٨٥] قال: ﴿فَالْحَقُّ﴾ هذا مبتدأ لكنه متضمن معنى القسم؛ بدليل أنه أُخبِر عنه بجواب القسم وهو قوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾، وقد أعربه المؤلف قال المؤلف: (بنصبهما) كيف؟ ﴿قَالَ فَالْحَقَّ وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾ .
(ورفع الأول ونصب الثاني) ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾ (فنصبه بالفعل بعده، ونصب الأول قيل: بالفعل المذكور، وقيل: على المصدر؛ أي: أحق الحق، وقيل: على نزع حرف القسم، ورفعه على أنه مبتدأ محذوف الخبر؛ أي: فالحقُّ مني. وقيل: فالحق قسمي، وجواب القسم ﴿لَأَمْلَأَنَّ﴾ ) إعرابات متعددة.
(بنصبهما) نقول: الثاني نصبه بالفعل بعده، وهو واضح ﴿الْحَقَّ أَقُولُ﴾؛ لأن الفعل بعده لم يستكمل مفعوله، ولم نجد مفعولًا له إلا (الحق) الذي سبق. يعني (الحق) الثانية منصوبة بـ(أقول) على كل حال، الخلاف في أيش؟ في الأولى، الأولى إما منصوبة وإما مرفوعة نصبها فيه أوجه: (قيل بالفعل المذكور) أي: فالحقَّ أقولُ والحقَّ أقولُ، فيكون (الحق) الأولى والثانية منصوبة بـ(أقول) كما لو قلت: زيدًا وعمرًا ضربتُ، فزيدًا وعمرًا، منصوبان بـ(ضربت)، إذن الحق والحق منصوبان كلاهما بـ(أقول).
(وقيل: على المصدر) قال: فالحقَّ؛ أي: فأُحِق الحقَّ. وعلى هذا فيكون مصدرًا عامله محذوف، تقديره: فأحق الحق. وقيل: على نزع حرف القسم؛ يعني فبالحق أقسم؛ لأنه إذا نُزِع الخافض نُصِب المخفوض؛ ولهذا تسمعون كثيرًا، يقولون: منصوب بنزع الخافض، هذه ثلاثة أوجه، (ورفعه) رفع أيش؟ الحق الأولى على أنه مبتدأ محذوف الخبر؛ أي فالحق مني، وهذا ضعيف.
(وقيل: فالحق قسمي) وهذا أقل ضعفًا من الأول، والذي يظهر لي أنه لا حاجة إلى هذا، هو أن نقول: الحق مبتدأ ضُمِّن معنى القسم، وأُجيب بقوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾. وصار في جواب القسم كفاية عن خبر المبتدأ؛ يعني فنقول في إعرابه: ﴿الْحَقُّ﴾ مبتدأ، وضُمِّن معنى القسم، وأجيب بقوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ﴾، واستُغني بجواب القسم عن خبر المبتدأ، كما يُستغنى بجواب القسم عن جواب الشرط فيما إذا اجتمع شرط وقسم.
قال: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ﴾ [ص ٨٥] (أي الناس) ﴿أَجْمَعِينَ﴾، ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ﴾ وحده، أو المراد الجنس؟ الجنس؛ ولهذا قال المؤلف: (بذريتك ﴿وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ﴾ أي الناس) الذين أقسمت أن تغويهم ﴿أَجْمَعِينَ﴾؛ ولهذا كانت النار دارًا لصنفين من المخلوقات فقط وهما: الجن والإنس؛ فالملائكة ليسوا من أهلها، والوحوش والحشرات وغيرها ليسوا من أهلها، لا يدخل النار إلا صنفان من المخلوقات وهم: الناس والجن.
يقول: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ [ص ٨٦] ﴿قُلْ﴾ الخطاب للرسول ﷺ ﴿مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ أي: على ما جئت به وعلى تبليغه ﴿مِنْ أَجْرٍ﴾ ﴿مِنْ﴾ هذه زائدة، و﴿أَجْرٍ﴾ محلها النصب على أنها مفعول ثانٍ؛ لقوله: ﴿أَسْأَلُكُمْ﴾. واعلم أن (سأل) إن تعدت بـ(عن) فهي بمعنى الاستفهام، وإن تعدت بنفسها إلى مفعولين فهي بمعنى طلب العطاء، فإذا قلت: سألته عن كذا؛ يعني الاستفهام، وإذا قلت: سألته كذا؛ فهو طلب العطاء. هنا نقول: هي طلب العطاء ولَّا استفهام؟ طلب العطاء وعلى هذا فـ﴿أَجْرٍ﴾ محلها النصب.
وقوله (جُعْل) تفسير لـ﴿أَجْرٍ﴾ يعني لستُ أطلب منكم أن تعطوني دراهم، أو تعطوني أرزاقًا، أو تزوجوني بناتكم، أو تسكنوني قصوركم على تبليغ الرسالة، ولكنه ﷺ إنما يسأل الأجر ممن؟ من الله.
قال: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص ٨٦] (المتقوِّلين القرآن من تلقاء نفسي) يعني وما أنا من المتقوِّلين، ولكن عدل عن (المتقولين) إلى ﴿الْمُتَكَلِّفِينَ﴾؛ لأن القرآن لا يمكن أن يأتي بمثله البشر، حتى لو تكلَّف الإنسان، وبذل الجهد فإنه لا يمكن أن يأتي بمثله، ولما كان هذا القرآن لا يأتي بمثله البشر صار من أتى به مُتكلِّفًا لو كان جاء به من عنده فهو يقول: أنا لا أتقول القرآن، لا عن يُسْر، ولا عن كُلْفَة.
﴿إِنْ هُوَ﴾ [ص ٨٧] أي: (ما القرآن) ﴿إِنْ﴾ فسرها بـ(ما)، وقد ذكرنا علامة لـ(إن) التي بمعنى (ما) أن تأتي بعدها (إلا).
﴿إِنْ هُوَ﴾ (أي القرآن ﴿إِلَّا ذِكْرٌ﴾ [ص ٨٧] عِظة ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾ للإنس والجن العقلاء دون الملائكة)، هو ذكر للعالمين؛ الإنس والجن.
وقوله: (دون الملائكة) إن أراد بإخراج الملائكة أنهم لا يُكلَّفون بالعمل به فقد يكون مُسلَّمًا، وإن أراد أنهم لا يتذكرون به، ويتقربون به فهذا غير مُسلَّم؛ لأن الله تعالى قال: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس ١١ - ١٦]، والمراد بهم الملائكة.
وقوله: ﴿ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ [ص ٨٧] تقدم معنى الذكر في أول السورة، وتقدم قريبًا ﴿هَذَا ذِكْرٌ﴾ [ص ٤٩]. وهذا الثالث، والمعنى أنه ذِكْر بنفسه، ويش بعد؟ شرفه وذكر بالوعظ به، يقول: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٨٧) وَلَتَعْلَمُنَّ﴾ [ص ٨٧، ٨٨] (يا كفار مكة ﴿نَبَأَهُ﴾ [ص ٨٨] خبر صدقه ﴿بَعْدَ حِينٍ﴾ أي يوم القيامة).
قوله: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ﴾ جعل الضمير في (تعلمن) عائدًا إلى كفار مكة بِناءً على أن الخطاب المذكور في هذه السورة لأهل مكة؛ لأنها مكية، ولكن قد ذكرنا أن العبرة بالعموم لا بخصوص المكان أو السبب، والخطاب لجميع الناس ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِين﴾ [ص ٨٨]. فإن هذا النبأ الذي أنبأ الله به بواسطة هذا القرآن الكريم سيعلمه الناس كلهم، وذلك ما أخبر به عما يكون يوم القيامة، فإن هذا القرآن أخبر عما يكون يوم القيامة، وهذا سيعلمه الناس كلهم بعد حين.
فيه أشياء أخبر عنها القرآن مضت وانقضت، فهذا علمها بعد حين من سبق هذه الحوادث وأدركها، وفيه حوادث ستأتي يعلمها بعد حين من يُدركها، وأما الذي يدركه جميع الناس فهو ما يكون يوم القيامة.
قال: ﴿بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص ٨٨] (أي يوم القيامة، وعلم بمعنى عرف)، لماذا قال: (علم بمعنى عرف)؟ لأنه تعدى إلى واحد ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ﴾ [ص ٨٨]. وعلم إذا تعدت إلى واحد فهي بمعنى (عرف)، كما تقول: علمت المسألة يعني عرفتها. قال: (واللام قبلها لام قسم مُقدَّر؛ أي: والله لتعلمن نبأه) والله أعلم.
* طالب: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [ص ٧٢] قلنا الروح هي..
* الشيخ: جسم لطيف.
* الطالب: جسم لطيف، والروح هذه أليست من روح الله سبحانه وتعالى؟
* الشيخ: لا، من مخلوقات الله.
* الطالب: (...).
* الشيخ: للتشريف؛ لأن هذه أمرها عجيب جدًّا، فأضافها الله تعالى للتشريف.
* طالب: (...).
* الشيخ: كما قلنا: إذا أضيف الشيء إلى الله لخصوصه فهو لتشريفه، وإن كان للعموم فهو لبيان شمول قدرة الله. وأتينا لكم بمثال ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية ١٣].
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences