Ibn 'UthayminSad · 38:7–25

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Sad 38:7–25, continued

قال المؤلف: (وقالوا: لما نزلت ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الحاقة ١٩] إلى آخره يعني ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ﴾ [الحاقة ٢٥] قالوا: ﴿رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا﴾ أي كتاب أعمالنا ﴿قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ ) قالوا ذلك استهزاء).

وما ذهب إليه المؤلف يحتمله اللفظ لكن لا دليل عليه فيه، والصحيح أن المراد ﴿قِطَّنَا﴾ أي: نصيبنا من العذاب، الذي توعدتنا به وقلت: إنه سيأتيكم عذاب كما أتى الأحزاب من قبلكم، فكأنهم يقولون: إذا كان الأحزاب قد أُوتوا العذاب من قبلِنا فليأتِ لنا نصيبنا، وهذا لا شك أنه في غاية ما يكون من التحدي والسخرية والاستكبار والعياذ بالله، وأنت تعجب أن تصل الحال بالبَشر وهو واحد من بني آدم، أن تصل به إلى هذا التحدي والعياذ بالله، ولكن الشيطان إذا أطاعوه، فإن الشيطان عدو للإنسان يحمله على شيء يكاد الإنسان يقول: إن هذا لا يمكن أن يقع، والله الموفق.

* * *

* طالب: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (١٦) اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (١٨) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (١٩) وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ (٢٠) وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾ [ص ١٦ - ٢٢].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، سبق لنا أن الله سبحانه وتعالى ذكر أن الأمم السابقة كَذَّبت رسلها فأُخِذوا بالعقاب، ذكر الله تعالى ذلك تحذيرًا للمكذبين لرسول الله ﷺ وتسلية للرسول ﷺ، وممن ذكر قوم لوط، فما هي معصيتهم التي انفردوا بها عن سواهم؟

* طالب: المعصية هي الفاحشة؛ فاحشة اللواط، انتشرت بينهم حتى زوجة نبي الله لوط عليه الصلاة والسلام كانت معهم، تعاونهم (...)، هذه الفاحشة، واعتراض الناس في طرقهم.

* الشيخ: لا، هذه ما ذكرت في القرآن.

* طالب: ناديهم.

* الشيخ: نعم، يأتون في ناديهم المنكر، المنكر هو نفس هذا الشيء. ماذا كان عقوبتهم؟

* الطالب: عقوبتهم يعني انقلابهم، بيوتهم تركض إلى الأسفل وهي أرضهم على الأسفل، يعني فيه قولان؛ قول: (...) الأسفل.

* الشيخ: أن الله قلب مدائنهم، القول الثاني؟

* الطالب: القول الثاني: يعني انقلب عليه الأرض، جعل أعلاهم أسفل.

* الشيخ: هذا نفس القول الأول.

* الطالب: والقول الثاني: هو الذي (...) السقف الأسفل.

* الشيخ: تمام، يعني أمطر الله عليهم حجارة من سجيل فهدمت البناء حتى كان أعلاها أسفلها.

قوله: ﴿أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ إِنْ كُلٌّ﴾ [ص ١٣، ١٤] كيف نعرب هذه؟

* الطالب: ﴿أُولَئِكَ﴾ مبتدأ.

* الشيخ: ﴿أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ﴾.

* الطالب: ﴿أُولَئِكَ﴾ مبتدأ ﴿كُلٌّ﴾ خبر.

* الشيخ: و﴿الْأَحْزَابُ﴾؟

* الطالب: صفة.

* الشيخ: صفة لـ﴿أُولَئِكَ﴾، ما فيه إعراب آخر؟

* الطالب: ﴿أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ﴾ ﴿أُولَئِكَ﴾ مبتدأ و﴿الْأَحْزَابُ﴾ خبر.

* الشيخ: ﴿أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ﴾ فتكون ﴿إِنْ كُلٌّ﴾ استئنافية لبيان مآل هؤلاء الأحزاب.

قال الله تعالى: ﴿إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ كيف نعرب ﴿إِنْ﴾؟

* طالب: (إن) نافية بمعنى (ما).

* الشيخ: بمعنى (ما)، ما علامة (إن) النافية؟

* الطالب: تكون بعدها (إلا).

* الشيخ: أن يقع بعدها (إلا) تمام. لماذا قال الرسل، هل الرسل هنا جمع موزع على ما سبق توزيع أفراد أو توزيع جمع؟

* الطالب: محتملة، لكن الأرجح أنها توزيع.

* الشيخ: محتملة أيش؟ مش محتملة.

* الطالب: محتملة أن تكون موزعة توزيع أفراد؛ بمعنى أن كل حزب كذب رسوله وهذا المراد، ويحتمل أن يكون الثاني أن يكون كل حزب كذَّب جميع الرسل، وهذا هو الأرجح.

* الشيخ: توزيع أيش يكون؟

* الطالب: توزيع جمع.

* الشيخ: توزيع جمع؛ لأن الجمع مُوزَّع على كل فرد؛ يعني كل حزب كذَّب جميع الرسل، ما هو الراجح؟

* الطالب: الراجح أنها توزيع جمع.

* الشيخ: توزيع جمع، ما هو الدليل على رجحانه؟

* الطالب: أن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء ١٠٥].

* الشيخ: أن الله قال: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ مع أنه لم يسبق نوحًا رسول، ومع ذلك قال: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ ما وجه هذا القول؟ ما وجه أن نقول: إن المكذب لرسول واحد مكذب لجميع الرسل؟

* الطالب: لأن الكل من عند الله.

* الشيخ: لأن الكل من عند الله ودعوتهم واحدة، فيكون تكذيب جنس لا تكذيب شخص، تمام.

قوله: ﴿مَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ﴾ ما معنى ﴿مَا يَنْظُرُ﴾؟

* طالب: معنى ﴿مَا يَنْظُرُ﴾ يعني على معنيين.. لفظ يعني وجهين.

* الشيخ: ما نريد لفظًا، حدِّد ﴿مَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً﴾؟

* الطالب: إذا جاءت بمعنى (إلى).

* الشيخ: أنا قلت: قل الآية هذه؛ لأن ترى الذي إذا سألته عن شيء محدد، وراح يجيب التفصيل معناه ما عرف، كطالب سُئِل عن مسألة فكتب الفصل كله، فيه طالب في الامتحان سأله ما حكم الالتفات في الصلاة؟ فقال: ج: يُكره في الصلاة التفاته، ورفع بصره إلى السماء، وتخصره. واسرد الفصل كله، واكتب في الأخير، خذ ما شئت ودع ما شئت، يعني أنت مثلًا أسألك عن شيء محدد تجيب كل القسم، أقول: ما معنى قوله: ﴿مَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ﴾؟

* الطالب: ما ينتظر يعنى.

* الشيخ: ما ينتظر هؤلاء، أحسنت. كلمة ﴿يَنْظُرُ﴾ تأتي لمعانٍ منها ينتظر كما في هذه الآية، ومنها؟

* طالب: منها النظر والإبصار، المعنى الثاني، إذا كانت..

* الشيخ: منها أن تأتي بمعنى النظر للعين.

* الطالب: إذا كانت مُعدَّاة بـ(إلى).

* الشيخ: إذا كانت مُعدَّاة بـ(إلى) مثل: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية ١٧] والثالث؟

* الطالب: أن تكون بحسب السياق، بنظر التفكر يعني.

* الشيخ: أن تكون بنظر التفكر.

* الطالب: لقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف ١٨٥].

* الشيخ: ﴿قُلِ انْظُرُوا﴾ [يونس ١٠١].

* الطالب: ﴿قُلِ انْظُرُوا﴾.

* الشيخ: في ملكوت ومثل أيضًا الذي ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ﴾ إذن تأتي بمعنى النظر الفكري، ويؤيد ذلك السياق.

قوله: ﴿مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ ﴿فَوَاقٍ﴾ فيها قراءتان؟

* طالب: ﴿فَوَاقٍ﴾ و﴿فُوَاق﴾ .

* الشيخ: هل معناهما واحد على ما ذهب إليه المؤلف وعلى ما قررناه؟

* طالب: ﴿فَوَاقٍ﴾ معناها الرجوع والإهمال.

* الشيخ: ما معناها على رأي المؤلف؟ هل معنى اللفظتين واحد؟

* الطالب: على رأي المؤلف معناها الرجوع فقط.

* الشيخ: إذن معناهما واحد؟

* الطالب: إي نعم.

* الشيخ: يعني ﴿فَوَاقٍ﴾ و﴿فُوَاقٍ﴾ معناهما واحد، كذا؟ فيه رأي آخر؟

* طالب: نعم.

* الشيخ: ما هو؟

* الطالب: أن ﴿فُوَاقٍ﴾ هو مُدَّة بين حلبتين.

* الشيخ: فُوَاق الناقة؛ يعني المدة بين الحلبتين أو الرضعتين إذا كانت يرضعها طفلها. والمعنى إذا أخذنا بالقراءتين يكون معنى الآية، أخذنا بالقراءتين على الوجهين الذين ذكرنا.

* طالب: يعني شدة سرعة أخذهم.

* الشيخ: سرعة أخذهم كذا؟ وأنه لا يُرفع عنهم، فإذا فسرناها بالرجوع ﴿مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ بالرجوع بمعنى أن العذاب لا يُرفع عنهم، ﴿مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ يعني من إمهال، فالمعنى أنه سريع بهم.

قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ [ص ٦، ٧].

* من فوائد هذه الآية: أن هؤلاء المكذبين لرسول الله ﷺ فيما جاء به من التوحيد ليس عندهم دليل إلا ما كان عليهم آباؤهم؛ لقولهم: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾.

* ومن فوائدها: أن هؤلاء مكابرون معاندون، فمع كونهم لا دليل عندهم قالوا: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾.

* ومن فوائدها أيضًا: أن كل إنسان ليس عنده علم شرعي فإنه يلجأ إلى ما كان الناس عليه في العادة، وهذا كما هو فيما سبق، فهذا فيما حضر كثير من الناس تنهاه عن المنكر فيقول: هذا الذي مشى عليه الناس، وهذا ليس بحُجَّة، وهذا كما أنه سابق فهو أيضًا لاحق، فإن من الناس من إذا أنكرت عليه المنكر قال: هذا ما زال الناس عليه، أو يقول: ما سمعنا بهذا.

ومنه قول بعض العامة إذا نُبِّهوا على شيء لم يكونوا يعرفونه، قالوا: هذا دين جديد، ما سمعنا بهذا، وهذا ليس بحجة، الحجة: الدليل القائم من كتاب الله وسُنَّة رسوله ﷺ.

* ومن فوائد هذه الآيات في قوله: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ [ص ٨] إلى آخره: أن هؤلاء يريدون أن يكون الشرع تابعًا لأهوائهم، يأتي الوحي من يشاؤون، ويمتنع عمن لا يشاؤون؛ لقوله: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾.

* ومن فوائدها: أن صاحب الباطل لا يعرف أن حجته حجة عليه؛ لأن قولهم: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ هي حجة فيما لو نزل الذكر على من يشاؤون؛ لأنه لو نزل على من عينوه وأرادوه لقال غيرهم: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾.

* ويتفرع على هذه الفائدة: أن كل مُبطل يحتج بحق -أي بدليل الحق- لكن استدلاله به باطل فإنه لا حجة له، ومن ذلك ما يحتج به أهل التحريف في باب الصفات أو غيره من الأدلة الصحيحة التي ليس لهم فيها استدلال، فمثلًا أهل التعطيل يستدلون لتعطيلهم بقول الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى ١١]، ومن المعلوم أنه عند التأمل يكون هذا الدليل حجة عليهم؛ لأن نفي المماثلة يدل على ثبوت أصل المعنى، ولو لم يكن أصل المعنى ثابتًا لم يكن لنفي المماثلة فائدة، أليس كذلك؟

وهكذا كل مبطل يحتج لباطله بحجة صحيحة لكن استدلالها بها غير صحيح نجد أن هذه الحجة حُجَّة عليه، وقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله في كتابه درء تعارض العقل والنقل المعروف بالعقل والنقل أنه ملتزم بأنه ما من صاحب باطل يحتج بآية أو حديث صحيح إلا كان دليله حجة عليه وليس له.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء الذين اقترحوا هذا الاقتراح، وأنكروا أن ينزل الوحي على محمد ﷺ هم في شك مما يدعون، فإذا كانوا في شك فكيف يقترحون؟ ولهذا قال: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي﴾.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن المكذبين للرسل يوشك أن ينزل بهم العذاب؛ لقوله: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾.

* ومن فوائدها: أن العذاب إذا نزل فإنه يكون ماسًّا للإنسان مؤثرًا فيه؛ لأنه عبر عن ذلك بقوله: ﴿يَذُوقُوا عَذَابِ﴾.

* ومن فوائدها أيضًا: أن الكلمات تُفسَّر بحسب السياق، فالذوق في الأصل إنما هو في الطعام والشراب، ولكن قد يُراد به ما أصاب الإنسان إصابة مباشرة فإنه يُسمى مذوقًا.

ثم قال عز وجل: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ﴾ [ص ٩، ١٠].

* من فوائد هاتين الآيتين: إبطال حجة هؤلاء الذين قالوا: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾، وذلك بأن إنزال الوحي على شخص ما هو من فضْل الله عليه، ومن خزائن رحمته، وهذا لا يملكه هؤلاء المقترِحون؛ لأن الأمر والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء.

* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات هذين الاسمين من أسماء الله ﴿الْعَزِيزِ﴾ و﴿الْوَهَّابِ﴾، وإثبات ما تضمنها من صفة، فالعزيز تضمن صفة هي العزة وأقسامها ثلاثة، كما مر علينا في التفسير، والوهاب تضمن صفة هي الهبة الكثيرة، وما أكثر هبات الله عز وجل، وتضمن القدرة؛ لأنه لا يهب إلا القادر، وتضمن الغِنى؛ لأن من لا شيء عنده لا يمكن أن يهب، وتضمن الكرم؛ لأن البخيل لا يهب، دلالة الوهاب على الهبة من باب دلالة؟

* طالب: المطابقة.

* الشيخ: لا.

* الطالب: التضمن.

* الشيخ: التضمن، من باب دلالة التضمن وعلى الهبة والوهاب من باب دلالة المطابقة، وعلى القدرة والغنى والكرم من باب دلالة الالتزام، فإذن في هذا الاسم أنواع الدلالات الثلاثة وهي؟

* طالب: (...) الوهاب.

* الشيخ: أنواع الدلالات الثلاثة ما هي؟

* الطالب: الالتزام، والمطابقة، والتضمن.

* الشيخ: الفرق بين هذه الثلاثة؛ أن دلالة اللفظ على جميع معناه دلالة مطابقة، وعلى جزء معناه التضمن، وعلى اللازم الخارج الذي لا يدل عليه اللفظ بلفظه لكن من لوازمه دلالة التزام، أضرب لها مثلًا في أمر حسي ليتبين به الأمر المعنوي، هذا بيت يشتمل على غرف ومجالس وبرحات؛ يعني أحواشًا، دلالة هذا البيت على جميع ما فيه من الغرف والمجالس والأحواش دلالة مطابقة، ودلالته على كل حجرة وحدها، وكل مجلس وحده، وكل حوش وحده دلالة تضمن، ودلالته على أن له بانيًا دلالة التزام؛ لأن البيت لا بد له من بانٍ فنقول: هذا قد بناه بانٍ، ويش الدليل؟ لأن البيت لا بد له من بانٍ، فالوهَّاب مثلًا دلالته على الاسم والصفة التي هي الهبة، على الاسم والهبة؟

* طلبة: مطابقة.

* الشيخ: مُطابَقة، وعلى الاسم وحده أو الهبة وحدها؟

* طلبة: التضمن.

* الشيخ: التضمن. وعلى القدرة والغنى والكرم.

* طلبة: التزام.

* الشيخ: دلالة التزام.

* ومن فوائد الآية الكريمة: مراعاة فواصل الآيات لسياق الآية؛ لأن ﴿الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾ يناسب قوله: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾.

والمطابقة أو مناسبة فواصل الآيات لمضمون الآية دليل على البلاغة، ولا يشذ عن هذا شيء؛ ولهذا لما قرأ رجل عند أعرابي: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُور رَحِيم) استغرب الأعرابي كيف يقول: (نكالًا من الله)، ثم يقول: (والله غفور رحيم)؟ المغفرة والرحمة لا تتناسب مع النكال، فقال الأعرابي للقارئ: أعِدْ قال: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ غفور رحيم) قال: أعِد، ما هكذا الآية. فقال: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة ٣٨]، قال: الآن عز وحكم فقطع، ولو غفر ورحم ما قطع، سبحانه وتعالى، ولهذا قال الله تعالى في سورة المائدة في الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا قال: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة ٣٣، ٣٤] فأخذ العلماء من هذه الآية أنهم إذا تابوا قبل القدرة عليهم سقط عنهم الحد؛ لأن الله قال: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: فإذا غفر لهم ورحمهم فإنهم لا يُقام عليهم الحد.

في هذه الآية مناسبة ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾ مناسبة ظاهرة؛ لأن الله ذو رحمة، وذو عزة وغلبة، وذو هبة وعطاء، فيُعطي من شاء بما تقتضيه عزته من خزائن رحمته، لكن بعض الآيات تكون فواصلها مخالفة لمضمونها فيما يظهر، مثل قول عيسى عليه الصلاة والسلام: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة ١١٧، ١١٨]. فهنا جاء قوله: ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ جوابًا لقوله: ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ وكان المتوقع أن تكون الآية (وإن تغفر لهم فإنك أنت الغفور الرحيم)، فاستشكل بعض العلماء هذا، وقالوا: كيف يقول: ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ولم يقل: (فإنك أنت الغفور الرحيم)، وأُجيب عن ذلك بأن عيسى عليه الصلاة والسلام لم يقتصر على ذكر المغفرة، بل ذكر المغفرة والتعذيب، قال: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ﴾ ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ فكان الحُكم الآن مترددًا بين المغفرة والرحمة، إن نظرنا إلى قوله: ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ وبين العزة والحكمة والحكم إذا نظرنا إلى قوله: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ﴾ فصار ختم الآية، أو ختم القول بقوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أنسب؛ لأن حتى المغفرة إذا حصلت فهي من عزة وحكمة.

ثم قال عز وجل: ﴿أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [ص ١٠].

* من فوائد هذه الآية كالتي قبلها: أن الخلق لا يملكون خزائن رحمة الله، ولا يملكون السماوات والأرض وما بينهما؛ لأن ذلك ممن؟ من الله عز وجل؛ ولهذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: «اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٨٤٤)، ومسلم (٥٩٣ /١٣٧) من حديث المغيرة بن شعبة. ]]. فخزائن رحمة الله لا يملكها أحد، الذي يملكها هو الله عز وجل.

وفي حديث ابن عباس: «وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَنْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ»[[أخرجه الترمذي (٢٥١٦)، وأحمد (٢٦٦٩).]].

* ويتفرع على هذه الفائدة: أنه لا ينبغي للإنسان أن يعلق رجاءه إلا بمن؟ إلا بالله عز وجل، لا يعلق رجاءه بمخلوق إلا في الحدود الضعيفة المرسومة، يجعل الرجاء كله والتعلق كله بالله سبحانه وتعالى، وإذا جعل هذا بالله سَخَّر الله له المخلوقات؛ حتى البشر يُسخِّرهم له، لكن إذا تعلق بغير الله وُكِل إليه وضاع، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ﴾ [ص ٩]، فخزائن رحمة الله عند الله سبحانه وتعالى.

* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات ملكية الله للسماوات والأرض وما بينهما؛ لأن نفي ملك هؤلاء لها دليل على ثبوت الملكية لغيرهم، ولا مالك لهذه إلا الله.

* ومن فوائد الآية الكريمة: عِظَم ما بين السماء والأرض، ووجهه: أن الله جعل ما بينهما قسيمًا لهما، والقسيم لا بد أن يكون معادلًا أو مقاربًا لقسيمه، لا يمكن أن تأتي بشيء عظيم تُقارِن بينه وبين شيء بعيد منه في العِظَم.

* ومن فوائد الآية الكريمة: تحدي هؤلاء المكذبين أن يأتوا بما يدل على أن لهم شيئًا من ملك السماوات والأرض؛ لقوله: ﴿فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ﴾.

* ومن فوائدها: أنه لا ينبغي التحدي إلا بما لا يستطيعه المتحدَّى، لماذا؟ لأنك لو تحديته بشيء يستطيعه، ثم قام به؛ بطلت حجتك، تبطل الحجة نهائيًّا، وهذا يفيدك في باب المناظرة وفي باب النظر أيضًا؛ لأن الناس ناظر ومناظر، فالناظر هو الذي يتأمل الأدلة من ذات نفسه ويحكم عليها والناظر هو الذي يناقشها مع غيره، فمن فوائد النظر والمناظرة أن الإنسان لا يفرض شيئًا على وجه التحدي إلا إذا علم أنه غير ممكن للمتحدَّى؛ لأنه لو فرض شيئًا يتحداه به، ثم أتى به المتحدَّى بطلت حجته وانهارت، وهو أيضًا بنفسه لا تكون عنده القوة المدافِعة أو المهاجمة إذا بطلت حجته كما هو معلوم، والله أعلم.

* طالب: إذا كان يا شيخ (...) المناظرة يأتي له بالدليل الأسهل فالأسهل حتى يعرف مقدار علمه، يعني ما يعرف الرجل (...).

* الشيخ: على كل حال هذا حسب الحال، قد يكون من المصلحة أن تأتي له بالدليل الأعلى علشان يسكت على طول، أحيانًا يستعمل الإنسان السلاح الثقيل ليقضي على خصمه من أول وهلة؛ لأنه ربما لو تأتي له بالسهل ويجيب ربما تضعف أنت؛ لأن تعرف الضربات إذا توالت على الإنسان أضعفته، (...).

من أن يرتقوا إلى السماء، ويؤخذ من قوله: ﴿جُنْدٌ مَا﴾ [ص ١١] فإن ﴿مَا﴾ هذه تفيد التحقيق.

* ومن فوائد هذا الآية: أن بعض العلماء أخذ منها أنه لا يمكن الوصول إلى القمر؛ لأن الله قال: ﴿فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ﴾، ثم قال: ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ﴾. ومعلوم أن القمر في السماء، فإذا كان هؤلاء الذين يحاولون أن يرتقوا في الأسباب إلى السماء إذا كانوا جندًا حقيرين مهزومين فإنه لا يمكن أن يُوصَل إلى القمر، فهل يمكن أن يُؤخَذ من هذه الآية؟

* طلبة: ما يمكن.

* الشيخ: يمكن أو لا يمكن؟

* طلبة: ما يمكن.

* الشيخ: نعم؟

* طالب: ظاهر الآية ممكن.

* الشيخ: ظاهر الآية أنه ممكن، والله مشكلة، معناه أننا أيضًا نأخذ من هذه الآية دليل على أن الناس يصلون إلى القمر، إذا كان هذا ظاهر الآية معناه أن الآية دلَّت على أيش؟ إمكان الوصول إلى القمر عكس ما استدل به بعض الناس، والحقيقة أنه لا يمكن أن يكون فيها دليل على امتناع الوصول إلى القمر؛ لأن القمر في السماء الذي هو بمعنى العلو، وليس في السماء الذي هو السماء المحفوظة، وهذا أمر مؤكد يعني ما يختلف فيه اثنان، وإذا كان السحاب في السماء، ويُطلق عليه سماء كما قال تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ [الرعد ١٧]، والناس الآن يصعدون فوق السماء الذي هو السحاب، أليس كذلك؟ كثير منكم ركب الطائرة وهي فوق السحاب، السحاب تحتها، فكذلك القمر في السماء ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ [الفرقان ٦١] لا شك أن القمر في السماء، ولكن هل هو في السماء الذي هو السقف المحفوظ الذي لا يدخل إليه أشرف الملائكة وأشرف البشر إلا باستئذان؟ أجيبوا.

* طلبة: لا.

* الشيخ: لا، قطعًا لا، بل هو تحته بكثير. إذن فنقول: إنه ليس في الآية دليل على استحالة الوصول إلى القمر كما أنه ليس فيها دليل على إمكان الوصول إلى القمر، ويُترك هذا الأمر للواقع، فإذا صح أنهم وصلوا إلى القمر فإن الشرع لا يحيله، الشرع لا يحيل ذلك، وإذا لم يصح فإن الشرع لا يثبته، الشرع لا يثبت أنهم يصلون، ولا ينفي أنهم يصلون، فإذا قالوا: وصلنا إلى القمر، وثبت ذلك، قلنا: الحمد لله، هذا لا يعارض شرعنا؛ لا كتاب الله ولا سُنَّة رسوله ﷺ، ومعلوم أن القمر تحت النجوم، والنجوم قال الله فيها: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ [الملك ٥] لكن القمر تحتها، وأنا وغيري شاهدنا أن القمر حجب النجوم، أنا شاهدته بعيني كان يساير النجمة التي تسمى (نجمة الصباح)، يسايرها، ومعروف أن القمر يتأخر، فإذا بها تختفي، ابتلعها القمر، ما نشاهدها، فصار كما لو جاءت سحابة، فحالت بيننا وبين القمر، وحدثني من أثق به أن هذا يقع أحيانًا ونشاهده.

إذن صار القمر ليس في السماء التي هي السقف المحفوظ، فإذا ثبت أنهم وصلوا إليه فلا غرابة في ذلك. إذن ليس في الآية ما يدل على انتفاء الوصول إلى القمر.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان قدرة الله عز وجل، وأن الجنود مهما عظموا فهم حقيرون بالنسبة إلى قوة الله عز وجل وعزته، مهزومون أمام قوته؛ ولهذا قال: ﴿مَهْزُومٌ﴾.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجب على هؤلاء المكذبين للرسول ﷺ أن يعتبروا بمن سبقهم؛ لقوله: ﴿مِنَ الْأَحْزَابِ﴾ أي: هم جند حقير مهزومون كما هُزِم غيرهم من الأحزاب، قالت عاد: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت ١٥] ؟ فقال الله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ﴾.

ثم قال الله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ﴾ [ص ١٢] إلى آخره، في هذه الآية: تسلية وتهديد، تسلية لمن؟

* طلبة: للرسول ﷺ.

* الشيخ: للرسول ﷺ، وتهديد للمكذبين له؛ أن يصيبهم مثل ما أصاب من قبلهم.

* ومن فوائدها: إثبات الرسالة لنوح عليه الصلاة والسلام؛ لقوله: ﴿قَوْمُ نُوحٍ﴾ وهو كذلك، فإن نوحًا ﷺ هو أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض.

* وكذلك أيضًا من فوائدها: إثبات الرسالة لهود؛ لقوله: ﴿وَعَادٌ﴾. وعاد هم قوم هود فإنهم كذبوا مَنْ؟ كذبوا هودًا، إذن ففي الآية إثبات رسالته، وفي الآية إثبات رسالة موسى؛ لقوله: ﴿وَفِرْعَوْنُ﴾ ومعلوم أن الذي أُرسِل إلى فرعون هو موسى، ففي الآية إثبات رسالة موسى.

* ومن فوائدها: أنه مهما عظم سلطان المكذبين للرسل فإنهم أذلاء بالنسبة لسلطان الله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ﴾.

* ومن فوائد الآية: إثبات رسالة صالح؛ لقوله: ﴿وَثَمُودُ﴾ [ص ١٣] والمرسل إلى ثمود أخوهم صالح.

* ومن فوائدها: إثبات رسالة لوط؛ لقوله: ﴿وَقَوْمُ لُوطٍ﴾.

* ومن فوائدها أيضًا: إثبات رسالة شعيب؛ لقوله: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء ١٧٦، ١٧٧].

* ومن فوائدها: أن جميع هؤلاء الأحزاب كذبوا الرسل؛ لقوله: ﴿إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ [ص ١٤].

* ومن فوائدها: الاعتبار بالأغلب، وأن الكل قد يُطلق عليه؛ أي على الأغلب؛ لأن قوم نوح لم يُكذِّبوا كلهم، قال الله تعالى: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود ٤٠]، وكذلك عاد قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾ [هود ٥٨] وكذلك لوط آمن معه مَنْ آمن مِنْ أهله كما قال تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات ٣٥] كذلك فرعون، توافقون؟

* طالب: (...) رجل.

* الشيخ: لا، هؤلاء قومه، أما فرعون نفسه فهو ما آمن إلا حين أدركه الغرق إيمانًا لا ينفعه. ثمود أيضًا آمن معه من آمن، وعلى هذا فالله عز وجل قال: ﴿إِنْ كُلٌّ﴾ أي من هؤلاء ﴿كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ باعتبار الأغلب.

* ومن فوائد الآية: أن من كذب رسولًا من الرسل فهو مُكذِّب لجميع الرسل؛ لقوله: ﴿إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ [ص ١٤] وقد ذكرنا في تفسيرها أنها محتملة أن تكون عائدة لكل فرد باعتبار الجمع، أو باعتبار الأفراد؛ يعني هل من توزيع الجمل أومن توزيع الأفراد؟ وذكرنا أن الراجح أنها من باب توزيع الجمل على الأفراد، وذكرنا الدليل على ذلك.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن تكذيب الرسل سبب للعقوبة؛ لقوله: ﴿إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ﴾ والفاء هنا للسببية، وهي أيضًا عاطفة تدل على الترتيب والتعقيب، ففيها سببية وتعقيب، وأن العقاب حل بهم، وهم ما زالوا على تكذيبهم.

ثم قال تعالى: ﴿فَحَقَّ عِقَابِ﴾ يؤخذ منها فائدة؛ وهو شدة هذه العقوبة؛ لأن الله أضافها إلى نفسه، وقد قال سبحانه وتعالى عن نفسه: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة ٩٨].

ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ في هذا أشد التهديد للمكذبين لرسول الله ﷺ، ولازم ذلك إثبات رسالته ﷺ، ووجهه أن الله توعَّد المكذبين له، ولولا أن رسالته حق لكان الوعيد عليه هو كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة ٤٤ - ٤٧]. الله أكبر، شوفت الآيات، بهذه الشدة هذا الأسلوب الشديد للرسول عليه الصلاة والسلام ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ بالقوة ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ حتى لا يبقى به حياة، ﴿الْوَتِينَ﴾ عرق يتصل بالقلب لو قُطِعَ مات الإنسان فورًا.

﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾، هذا وهو الرسول ﷺ، لو تقوَّل على الله كلمة واحدة لأخذه الله باليمين، فكيف بالذين يتقوَّلون على الله كلمات ولا يبالون أن يقولوا: قال الله وهو لم يقُل؟! ولهذا كان الإمام أحمد رحمه الله من ورعه لا يمكن أن يقول: هذا حرام إلا إذا كان قد نُصَّ على تحريمه، وإلا تجده يقول: أكره هذا، أو: لا يعجبني، أو: لا يفعل أو: تركه أحبُّ إليَّ، أو ما أشبه ذلك، ولكن ما شاء الله كان إمامًا صار الناس يتداولون هذه الكلمات ويحللونها، هل إذا قال: لا يعجبني يعني التحريم أو يعني الكراهة؟

ثم بدأ الناس يتلقون كلامه كأنه كلام رسول، يحللونه؛ لأنه رحمه الله خاف الله، واتقى الله، فجعل الله لكلماته نورًا، بخلاف الآن اللي يقولون: ما شاء الله: الإسلام يحرم كذا وكذا، وإذا رأيته الإسلام يحلله، يمكن يوجبه بعض الأحيان، وهذا يقول: يُحرِّم، الإسلام يتكلم واحد مُعرَّض للخطأ باسم الإسلام، أنت لو قلت: أرى أنه حرام، قلنا: هذا رأيك، وممكن تخطئ وتصيب، أما أن تقول: الإسلام، وقال الإسلام، وفعل الإسلام، هذه خطيرة يا جماعة؛ لأن أعداء المسلمين يتآخذون مثل هذا، ويقولون: هذا الإسلام، وكانت تخالف الإسلام، أخذوا من هذا قدحًا في الإسلام، والإسلام بريء منه، لكن بعض الناس سبحان الله العظيم يجعل لنفسه منصبًا عاليًا فوق مستواه.

إذن نعود إلى هذا، نقول: في هذا إثبات رسالة النبي ﷺ، ووجهه أن الله توعد المكذبين له، ولو كانت غير رسول لكان الوعيد على منْ؟ عليه هو، والدليل قوله: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾.

* ومن فوائد هذه الآية: تسلية رسول الله ﷺ؛ لأنه إذا قيل له: سنهلك أعداءك سوف يتسلى.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن العذاب إذا أخذهم فإنه لن يرجع ولن يتأخر، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر ٨٤، ٨٥].

ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ لما كان الرسول ﷺ يتوعدهم بعذاب يوم القيامة سخروا من هذا ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا﴾ يعني عجِّل لنا نصيبنا من العذاب، يقولون هذا استهزاءً برسول الله ﷺ وسخرية به، قال: (قالوا ذلك استهزاءً).

فقال الله تعالى: ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ [ص ١٧].

هم في قولهم: ﴿رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا﴾ يريدون بذلك مضايقة الرسول ﷺ، يريدون بذلك مضايقته حتى يضجر ويتعب نفسيًّا وفكريًّا وربما جسميًّا، ولا شك أن هذا يؤذي الداعية، أنت لو دعوت إلى الله وقام واحد وقال: هذا الذي تتوعدنا به يلَّا هاته عجِّل لنا، تضيق بهذا ولَّا لا؟ لا شك أنك تضيق، فالرسول ﷺ بشر، لولا أن الله تعالى يصبره بالآيات، اصبر اصبر؛ ما صبر، لكن الرب عز وجل يُصبِّره شرعًا، ويعينه على ذلك قدرًا، يصبره شرعًا بالأمر: اصبر اصبر، ويعينه على ذلك قدرًا، فقد صبر النبي ﷺ صبرًا لا يصبره أحد ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ [الأحقاف ٣٥].

والعجيب أن من صبره أنه صبر حين المقدرة عليهم، صبر على العذاب الذي يكون بيده، وعلى العذاب الذي يكون من عند الله، صبر على العذاب الذي يكون بيده حين فتح مكة، ووقف على باب الكعبة وقريش تحتها يقول: «يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، مَا تَرَوْنَ أَنِّي فَاعِلٌ بِكُمْ؟» قالوا: خَيْرًا، أَخٌ كَرِيمٌ، وَابْنُ أَخٍ كَرِيمٍ، قال: «اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ» »[[ذكره ابن هشام في سيرته (٢/٤١٢)، والطبري في تاريخه (٣/٦٠) من حديث قتادة السدوسي.]]. في هذا الحال يستطيع أن يبطش بهم ولَّا لا؟ يستطيع، كلهم أذلة بين يديه، لكن قال: «اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ». » بل قال قبل ذلك: «مَنْ دَخَلَ دَارَهُ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ»[[أخرجه أبو داود (٣٠٢٢)، والطبراني في المعجم الكبير (٧٢٦٤) من حديث عبد الله بن عباس.]]. زعيمهم، كل هذا من باب العفو والتسامح مع المقدرة.

أما عفوه وتسامحه مع المقدرة بأمر يوقعه الله سبحانه وتعالى فيهم، فإنه «لما رجع من الطائف بعد أن فعل به أهل الطائف ما فعلوا أرسل الله إليه جبريل ومعه ملك الجبال وقال: إن الله يقرئك السلام، وهذا ملك الجبال يفعل ما تأمر به. فقال له ملك الجبال: إن شئتَ أن أُطبق الأخشبين عليهم فعلتُ. ولكنه عليه الصلاة والسلام أَبَى. قال: «أَسْتَأْنِي بِهِمْ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَلَا يُشْرِكُ بِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٣١)، ومسلم (١٧٩٥ /١١١) من حديث عائشة. ]].

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском