Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:11
4:11Page 78
يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيٓ أَوۡلَٰدِكُمۡۖ لِلذَّكَرِ مِثۡلُ حَظِّ ٱلۡأُنثَيَيۡنِۚ فَإِن كُنَّ نِسَآءٗ فَوۡقَ ٱثۡنَتَيۡنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَۖ وَإِن كَانَتۡ وَٰحِدَةٗ فَلَهَا ٱلنِّصۡفُۚ وَلِأَبَوَيۡهِ لِكُلِّ وَٰحِدٖ مِّنۡهُمَا ٱلسُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُۥ وَلَدٞۚ فَإِن لَّمۡ يَكُن لَّهُۥ وَلَدٞ وَوَرِثَهُۥٓ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ ٱلثُّلُثُۚ فَإِن كَانَ لَهُۥٓ إِخۡوَةٞ فَلِأُمِّهِ ٱلسُّدُسُۚ مِنۢ بَعۡدِ وَصِيَّةٖ يُوصِي بِهَآ أَوۡ دَيۡنٍۗ ءَابَآؤُكُمۡ وَأَبۡنَآؤُكُمۡ لَا تَدۡرُونَ أَيُّهُمۡ أَقۡرَبُ لَكُمۡ نَفۡعٗاۚ فَرِيضَةٗ مِّنَ ٱللَّهِۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمٗا ١١
Allāh instructs you concerning your children [i.e., their portions of inheritance]: for the male, what is equal to the share of two females. But if there are [only] daughters, two or more, for them is two thirds of one's estate.1 And if there is only one, for her is half. And for one's parents, to each one of them is a sixth of his estate if he left children. But if he had no children and the parents [alone] inherit from him, then for his mother is one third. And if he had brothers [and/or sisters], for his mother is a sixth,2 after any bequest he [may have] made or debt.3 Your parents or your children - you know not which of them are nearest to you in benefit. [These shares are] an obligation [imposed] by Allāh. Indeed, Allāh is ever Knowing and Wise.
ثم قال الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ الوصية هي: العهد لأمر هام عهد به إليك، أي: أنه عهد إليك بشيء هام، هذه الوصية، وتكون بعد الموت، وأما ما قبل الموت فهي وكالة.
وينبغي أن يعلم أن المتصرف في غير ماله له أوصاف بحسب الوظيفة التي هو قائم بها، فتارة نسميه وكيلًا، وتارة نسميه وليًّا، وتارة نسميه ناظرًا، وتارة نسميه وصيًّا، فإذا كان يتولى مال الغير بغير إذن منه بل بإذن من الشرع، فإنه يسمى وليًّا كولي اليتيم، وإذا كان يتولى مال الغير بعد موته فإنه يسمى وصيًّا، وإذا كان يتولى الوقف فإنه يسمى ناظرًا، وإذا كان يتولى لحي فإنه يسمى وكيلًا.
هنا ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ قلنا: أصل الوصية العهد بالأمر الهام، وقوله: ﴿فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ متعلق بـ﴿يُوصِيكُمُ﴾ أي: أن الوصية في الأولاد أنفسهم، و(الأولاد) جمع (ولد)، ويشمل الذكور والإناث بدليل قوله: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ يعني: إذا اجتمع في الأولاد ذكور وإناث، فإننا نعطي الذكر مثل حظ الأنثيين.
وتأمل كيف جاءت العبارة ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ دون أن يقول: للأنثى نصف الذكر؛ لأن الحظ والنصيب فضل وزيادة والنصف نقص؛ فلهذا قال: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ ولم يقل: للأنثى نصف ما للذكر؛ لما في كلمة (نصف) من النقص بخلاف (حظ) ﴿حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ فإن فيه زيادة، فهو أحسن تعبيرًا مما لو قال: للأنثى نصف ما للذكر.
﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ فإذا هلك عن خمسة أبناء وبنت فكم للبنت؟ واحد من أحد عشر؛ لأن الخمسة عن عشرة.
وإذا هلك عن سبعة أبناء وثلاث بنات؟ واحد من سبعة عشر، ليش؟ لأن السبعة عن أربعة عشر سهمًا، والثلاث عن ثلاثة أسهم، فالجميع سبعة عشر سهمًا، وهلم جرًّا.
﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ هنا قال: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً﴾ ولم يقل: فإن كانوا نساء -أي: الأولاد- مع أنه جائز، فيجوز في الضمير إذا اكتنفه مذكر ومؤنث يجوز أن تذكره باعتبار ما سبقه إذا كان السابق مذكر، وتؤنثها باعتبار ما لحقها، فهنا قال: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً﴾ أنث الضمير أو ذكره؟ أنثه، باعتبار ما لحقه، ولو كان في غير القرآن وقيل: فإن كانوا نساء جاز باعتبار ما سبقه، فالضمير يعود في مثل هذا التركيب..، يجوز أن يعود على ما سبق، ويجوز أن يعود على ما لحق.
﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ اختلف المفسرون في قوله تعالى: ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ فقيل: إنها زائدة، وإن المعنى: فإن كن نساء اثنتين؛ وذلك لأن الثلثين تستحقه الثنتان فما فوق، وظاهر الآية الكريمة أن الثنتين لا تستحقان الثلثين، لماذا؟
* طالب: ظاهر الآية أن الثنتين لا يستحقان.
* الشيخ: لا، أنا سألتك لماذا؟ ما أريد أن تخبرني ما ظاهر الآية.
* الطالب: (...).
* الشيخ: أنا تكلمت بكلام ثم طلبت منك تعليله، فقلتُ: لماذا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: أقول لماذا؟ لماذا كان هو ظاهر الآية؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا.
* طالب: لأنه قال: ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾.
* الشيخ: لأنه قال: ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾، فظاهره أن ثنتين لا تستحقان الثلثين مع أن الحكم خلاف ذلك؛ فلهذا قال بعض العلماء: إنها زائدة، ولكن الصحيح أنها ليست بزائدة، بل هي مفيدة وأصلية ليتبين أن ما فوق ثنتين لا ينحصر، لو كن عشرًا أو عشرين فإن الفرض لا يزيد بزيادتهن، بقي علينا الثنتان، الثنتان لنا في تقرير الثلثين لهما عدة أوجه:
الوجه الأول أنه قال: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ ﴿وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ مفهومه: ما زاد على الواحدة ليس لها النصف، ولا نعلم فرضًا للبنات سوى النصف أو الثلثين، فإذا لم يكن لها النصف بقي لها الثلثان، واضح؟ لأنه ليس هناك فرض بين النصف والثلثين.
ثانيًا: أن الله جعل للأختين الثلثين في آخر السورة، قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ [النساء ١٧٦]، وصلة البنتين بأبيهما أقوى من صلة الأختين بأخيهما، وعلى هذا فيكون للبنتين الثلثان كما أن للأختين الثلثين، واضح؟
الوجه الثالث -وإن كان خارجًا عن نطاق القرآن-: «أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أعطى ابنتي سعد بن الربيع الثلثين»[[أخرجه أبو داود (٢٨٩١)، والترمذي (٢٠٩٦) من حديث جابر بن عبد الله.]] وهما اثنتان.
وعلى هذا فنقول: بين الله في هذه الآية الكريمة أن الأولاد إما أن يكونوا ذكورًا وإناثًا، وإما أن يكونوا إناثًا فقط، وبقي قسم ثالث وهو أن يكونوا ذكورًا فقط، فهل بين الله حكم هذه الأقسام الثلاثة؟
الجواب: ننظر؛ أما إذا كانوا ذكورًا وإناثًا فقد بين الله الحكم، ما هو؟ أن للذكر مثل حظ الأنثيين، تمام، وإذا كانوا نساء فقط بيَّن الله الحكم أن للواحدة النصف، ولما زاد الثلثين، وسكت عن الأولاد فدل على أنهم يرثون بلا تقدير وأنهم يرثون بالسوية، وسكت عن الأولاد الذكور فقط، فدل هذا على أنهم يرثون بلا تقدير؛ لأنه لو كان له مقدر لبينه كما بيَّن المقدر للناس، ولو كانوا يختلفون لبيَّن ذلك، كما بيَّن اختلاف الواحدة من البنات مع الثنتين فأكثر، وعلى هذا فإذا كانوا ذكورًا فقط فلهم المال، وكم تكون مسألتهم؟ من عدد الرؤوس.
لاحظوا: أن الورثة إذا كانوا عصبة لا تؤصل لهم مسألة، أصل مسألتهم من عدد رؤوسهم، فإذا كانوا مئة بني عم من كم المسألة؟ من مئة، على طول، إذا كانوا عصبة فمن عدد رؤوسهم مهما بلغوا، وإذا كانوا مئة بني عم وخمسين بنت عم؟
* طلبة: مئة.
* الشيخ: ليش مئة؟
* طالب: بنات العم لا يرثن.
* الشيخ: لأن بنات العم ما ترث، إذا كانوا مئة بني عم وخمسين بنت عم، الخمسين بنت عم ما ترث؛ لأنه مر علينا القاعدة قريبًا: لا يرث من الحواشي من الإناث إلا الأخوات، بنات أخٍ بنات عمٍّ ليس لهن ميراث.
يقول عز وجل: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ﴾ فيه قراءة: ﴿إِنْ كَانَتْ وَاحِدَةٌ فَلَهَا النِّصْفُ﴾ ، وعلى هذه القراءة تكون (كان) تامة، و(كان) التامة هي التي يكتفى بمرفوعها عن خبرها؛ لأنها لا تتطلب سواه، فهي تامة به، والناقصة هي التي تحتاج إلى خبر؛ لأنها لا تتم إلا به؛ ولهذا سميت (كان) إذا اكتفت بمرفوعها سميت: تامة، لا تحتاج إلى تكميل، ففيها قراءتان: ﴿إِنْ كَانَتْ وَاحِدَةٌ﴾ ﴿إِنْ كَانَتَ وَاحِدَةً﴾.
﴿وَلِأَبَوَيْهِ﴾ أبوي من؟ أبوي الميت ولم يسبق له ذكر لكن المقام يقتضيه، بأي دليل يقتضيه؟ لقوله: ﴿مِمَّا تَرَكَ﴾؛ لأن الإنسان لا يترك ماله إلا بعد موته، ﴿وَلِأَبَوَيْهِ﴾ يعني: أباه وجده؟ أبويه يا إخوان؟ الأب هو الذكر، الأم أم، يقول: وأميه مثلًا؟ من باب التغليب، إذن الأبوان هما: الأب والأم، وهو هنا ملحق بالمثنى أو مثنى؟ ملحق.
﴿لِأَبَوَيْهِ﴾ أي: أبوي الميت، ﴿لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ قوله: ﴿لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ هذا بدل من قوله: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ﴾ بإعادة العامل، والبدل معروف أن له حكم المبدل في إعرابه، لكن هنا نستغني عن التبعية في الإعراب؛ لأننا أعدنا أيش؟ العامل.
﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ ﴿لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا﴾ أي: من الأبوين السدس، ﴿مِمَّا تَرَكَ﴾ ابنهما أو بنتهما أيضًا.
﴿إِنْ كَانَ لَهُ﴾ (له) أي: للميت ولد، وقوله: ﴿إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ يشمل الذكر والأنثى، فإذا كان الميت له أبوان وله أولاد، فلكل واحد من الأبوين السدس، لا يزيد على هذا.
﴿لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ إلى قوله ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ﴾ طيب ﴿لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ ﴿إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ فإن كان الولد ذكرًا، فللأم السدس وللأب السدس والباقي للابن، وإن كان أنثى فرض لها، فرض لها فرضها، وهو النصف إن كانت واحدة، أو الثلثان إن كانت زائدة، والباقي؟ والباقي للأب تعصيبًا؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٧٣٣)، ومسلم (١٦١٥ / ٢) من حديث ابن عباس.]].
إذنْ ميراث الأبوين مع الولد فرض أو تعصيب، أما الأم ففرض، وليس لها تعصيب إطلاقًا، وفرضها السدس مع وجود الولد ذكرًا كان أم أنثى، وأما الأب فإن كان في الأولاد ذكور فليس له إلا السدس، وإن كان الورثة إناثًا فله السدس فرضًا والباقي إن بقي تعصيبًا.
وحينئذٍ نقول: إما أن يكون الولد الذي مع الأبوين ذكورًا فقط أو إناثًا فقط أو ذكورًا وإناثا؛ فإن كانوا ذكورًا فقط فليس للأب ولا للأم إلا السدس، وإن كانوا إناثًا فقط فليس للأم إلا السدس، وكذلك الأب يفرض له السدس وإن بقي شيء أخذه تعصيبًا، وإن كانوا ذكورًا وإناثًا فليس للأب إلا السدس كالأم؛ لأنه لا تعصيب للأب مع وجود أحد من الأبناء أو أبنائه؛ لأن الأبناء أو أبناءهم أولى بالتعصيب من الأب.
* * *
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ ذكرنا أن في الآية دليلًا على أن الله أرحم بالإنسان من أمه وأبيه، فما وجه الدلالة من هذه الآية؟
* طالب: أن الله تعالى أوصى الوالدين بأولادهم.
* الشيخ: بأولادهم، وهذا يدل على أنه أرحم بهم من آبائهم.
وذكرنا من فوائد الآية أنه إذا اجتمع في الميراث ابن وبنت كان للبنت نصف ما للولد من أين يؤخذ؟ إذا اجتمع في الميراث ابن وبنت فإن الذكر يعطى مثل الأنثى مرتين؛ لقوله: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾.
وذكرنا الفائدة في قوله: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ ولم يقل: للأنثى نصف ما للذكر، فائدة؟
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم.
* طالب: لما كان للأنثى نصف نصيب الذكر جبر الله هذا النقص بقوله: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾؟
* الشيخ: لا.
* طالب: لأن (الحظ) فيها فضل وزيادة، أما (نصف الذكر) فيها نقص.
* الشيخ: نعم، يعني اختيار ﴿مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾؛ لأن الحظ والنصيب يفرح النفس ويبهج القلب، لكن النصف نقص وتدنٍ، فلهذا -والله أعلم- عدل عنه إلى ﴿مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾.
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ اختلف المفسرون في كلمة ﴿فَوْقَ﴾..
يعني اختيار ﴿مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء ١١]؛ لأن الحظ والنصيب يفرح النفس ويبهج القلب، لكن النصف نقص وتدنٍ؛ فلهذا -والله أعلم- عدل عنه إلى ﴿مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾.
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ اختلف المفسرون في كلمة ﴿فَوْقَ﴾ فما هو اختلافهم في ذلك؟
* طالب: (...).
* الشيخ: قيل: إنها زائدة، لا، ليست زائدة لكن ما الفائدة منها؟ أن ما زاد على البنتين فلا يزيد السهم بزيادتهن، يعني -مثلًا- الثنتان لهما ثلثان، فوق ثلثان، أربع ثلثان، لا يزيد السهم بزيادتهن.
فإن قال قائل: فالثنتان كم ميراثهما؟ كم ميراث البنتين؟
* الطالب: الثلثان.
* الشيخ: الثلثان؟ من أين يؤخذ والآية تقول: ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾؟ السؤال عن اثنتين؟
* طالب: (...).
* الشيخ: يعني بس هذه في الأخوات وهذه في البنات؟
* طالب: (...).
* الشيخ: يزيد الفرض إذا زاد عن الواحد، كذا؟ ولا نعلم فرضًا بعد النصف سوى الثلثين، هذا وجه. الوجه الثاني؟
* طالب: إذا ذكر الله عز وجل أن للبنتين ثلثان فمعلوم أن البنتين هما للميت.
* الشيخ: يعني قياس أولوية؟
الثالث؟
* الطالب: أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أعطى ابنتي سعد بن الربيع ثلثين.
* الشيخ: طيب، ذكروا الميراث إذا كانوا ذكورا خلصًا، من أين يؤخذ من الآية؟
* طالب: لما بين الميراث والإناث وحدهن أن الذكور على خلاف ذلك يكون لهم المال بالسوية.
* الشيخ: إذنْ البنين والبنات ويسمون عند أهل العلم بالفرائض، يسمونه أيش؟ الفروع، إما أن يكونوا ذكورًا خلّصًا أو إناثًا خلّصًا أو إناثًا وذكورًا.
إذا كانوا ذكورًا خلصًا قسم المال بينهم بالسوية، إذا كانوا إناثًا خلصًا فللواحدة النصف، ولما زاد الثلثان. إذا كانوا ذكورًا وإناثًا فللذكر مثل حظ الأنثيين، انتهى الكلام على الفروع.
من الوارث من الفروع؟ نرجع للضوابط السابقة، كل من ليس بينه وبين الميت أنثى، فالابن والبنت من الفروع، وابن الابن وابن ابن الابن كذلك، وبنت الابن كذلك، وبنت ابن الابن كذلك، وابن البنت؟ لا، لا يرث، لماذا؟ لأن بينه وبين الميت أنثى، والقاعدة: أن كل واحد من الفروع بينه وبين الميت أنثى فلا ميراث له.
الأبوان ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ من المراد بالأبوين؟ الأب والأم، ماذا يسمى مثل هذه الصيغة؟ يسمى التغليب، غلبنا جانب الأب على جانب الأم فقلنا: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ﴾.
قوله: ﴿لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ هذا بدل بإعادة حرف الجر العامل، ﴿لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ﴾ لكن بشرط أن يكون له ولد، وكلما ذكر الولد فالمراد به الفرع الوارث وهو: الولد والبنت وولد الابن وولد ابن الابن وإن نزل، من كل من ليس بينه وبين الميت أنثى.
﴿لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ فإذا هلك هالك عن أب وأم وابن، فللأم السدس، وللأب السدس، والباقي للابن.
ولو هلك هالك عن بنت وأم وأب، فللبنت النصف، وللأم السدس، وللأب السدس؛ لأن الله قال: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ أعطينا أصحاب الفروع فروضهم الآن، وبقي معنا أيش؟ سدس من نعطيه؟ قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٧٣٢)، ومسلم (١٦١٥ / ٢) من حديث عبد الله بن عباس.]] ألحقنا الفرائض بأهلها، وأعطينا البنت نصيبها، والأم نصيبها، والأب نصيبه، بقي واحد من ستة بحثنا في هؤلاء الورثة من الذي يصدق عليه أنه أولى رجل ذكر؟ الأب، فنعطيه الأب تعصيبًا فنقول: للأب السدس فرضًا والباقي تعصيبًا، هذا ما تدل عليه الآية الكريمة مع الحديث، واضح الآن؟
إذنْ ميراث الأبوين السدس مع الولد وهو الفرع الوارث، كذا؟ ثم إن كان الولد ذكرًا فليس للأم والأب سوى السدس لكل واحد، وإن كان أنثى أعطيناها فرضها، فإن بقي شيء بعده فهو للأب تعصيبًا.
﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ﴾ أي: لم يكن له فرع وارث لا ابن ولا ابن ابن ولا بنت ابن ولا بنت، لم يكن له ولد ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ إن لم يكن له ولد، هذا شرط، الشرط الثاني: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾، والجواب: ﴿فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾، وكم للأب؟ الباقي؛ لأنه إذا كان المال بين شخصين وفرض لأحدهما فالباقي كله للآخر.
﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ الآن حصر الإرث في الأبوين، فلأمه الثلث، والباقي للأب، من أين عرفنا أن الباقي للأب؟ لأن الله قال: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ وأعطى أمه الثلث، فيكون الباقي للأب بالضرورة، فعرفنا الآن إذا هلك هالك عن أم وأب وليس معهما ولد ولا غيرهما، يعني ليس معهما أحد؛ لا ولد ولا إخوة ولا زوج ولا زوجة فلأمه الثلث.
هل هذا ماشٍ على قاعدة الفرائض؟ نعم، ماشٍ على قاعدة الفرائض؛ لأن قاعدة الفرائض: إذا كان الوارثان ذكرًا وأنثى من جنس وفي مرتبة واحدة فإن للذكر مثل حظ الأنثيين، انظر: ابن وبنت، أخ شقيق وأخت شقيقة، أخ لأب وأخت لأب، عم وعمة، ما يصلح، لماذا؟ لأن العمة من الحواشي، ولا يرث من الحواشي من الإناث إلا الأخوات.
وقوله تعالى: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ انحصر الإرث قلنا: في الأبوين، يكون للأم الثلث، فماذا لو كان مع الأبوين زوج أو زوجة هل للأم الثلث؟ نقول: الآية الكريمة تدل على أنه ليس لها ثلث، فماذا يكون لها؟ ننظر في الموضوع، لو هلك هالك عن زوج، امرأة هلكت عن زوجها وأمها وأبيها، ليس في المسألة ولد، صح؟ هلكت عن زوجها وأمها وأبيها، انحصر الإرث في ثلاثة أشخاص، فلننظر: للزوج النصف، وللأم ثلث الباقي، وللأب الباقي، لماذا صار للأم ثلث الباقي؟
نقول: لأن الأم والأب ورثا ما بقي بعد الزوج، وقد قال الله تعالى: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ فكأن الأبوين ورثا نصف المال -نصف المال يعني: الذي هو الباقي بعد الزوج- فيكون للأم ثلثه، يعني: نجعل الباقي بعد فرض الزوج كأنه المال كله، فإذا جعلناه كأنه المال كله، فإن للأم الثلث، وهذا واضح جدًّا، فنحن نجعل ما بقي بعد فرض الزوج كأنه المال كله، ومعلوم بنص القرآن أن الأم والأب إذا ورثا المال كله فللأم الثلث، فيكون لها ثلث الباقي.
وحينئذٍ لو سألنا السائل: هل هذه القسمة مخالفة للنص؟ لقلنا: لا، بل هي موافقة للنص، ووجهها ما قلت لكم.
مثال آخر: هلك رجل عن زوجة وأم وأب، كم للزوجة؟ الربع، وبقي ثلاثة أرباع: للأم ثلث الباقي، وللأب الباقي؛ لأن الزوجة لما أخذت نصيبها صار الباقي بعد فرضها كأنه المال كله، والأم والأب إذا ورثا المال كله صار للأم الثلث، وعلى هذا فللأم ثلث الباقي بعد فرض الزوجة، والباقي للأب، وهذا مقتضى النص القرآني الذي معنا.
هاتان المسألتان: زوج وأم وأب، وزوجة وأم وأب تسميان: العمريتين والغرَّاوين، العمريتين؛ لأن أول من قضى بهما عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ إذ لم توجد هذه الصورة لا في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا في عهد أبي بكر، هاتان الصورتان وجدتا في عهد عمر رضي الله عنه، فقضى بهما على هذا النحو قضاء موفقًا للصواب بلا شك، فسميتا بالعمريتين، وسميتا بالغرَّاوين؛ لأنهما في الفرائض كالغرة في وجه الفرس لظهورهما وبيانهما واشتهارهما، أظن المسألة واضحة الآن، فصار للأم والأب السدس مع وجود الولد، وللأم ثلث الباقي في زوج وأبوين وزوجة وأبوين.
قال: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ هذا معطوف على قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ﴾ يعني: حين إرثه أبويه له، ﴿فَإِنْ كَانَ﴾ و(الفاء) هنا عاطفة تدل على ترتب ما بعدها على ما قبلها، للترتيب تدل على ترتب ما بعدها على ما قبلها، فإذا ورث الرجلَ أبواه وكان له إخوة فلأمه السدس.
إخوة ذكور أو إناث؟ يشمل إخوة ذكور أو إناث، أشقاء أو لأب أو لأم؟ يشمل أشقاء أو لأب أو لأم.
﴿إِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ مثاله: هلك هالك عن أم وأب وأخوين شقيقين، في هذا المثال له إخوة أو لا؟ كم تعطى الأم؟ تعطى السدس، والباقي للأب، لماذا فرضنا للأم السدس؟ لوجود جمع من الإخوة، ولماذا لم نفرض للأب السدس؟ لعدم الفرع الوارث، فنقول: للأم السدس والباقي للأب، والإخوة؟ الإخوة يسقطون، يسقطون بإسقاط النبي صلى الله عليه آله وسلم لهم، حيث قال: «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٧٣٢)، ومسلم (١٦١٥ / ٢) من حديث عبد الله بن عباس.]] ، ألحقنا الفرائض الآن بأهلها، من صاحب الفرض في هذه المسألة؟ الأم، أعطيناها نصيبها، بحثنا وقارنا بين الأب والإخوة وجدنا أن الأب أولى؛ لأن الميت بضعة منه، فقلنا: الباقي للأب، واضح يا جماعة؟
إذا كان له إخوة وورثه أبواه فلأمه السدس، فإن قال قائل: كيف يحجب الإخوة وهم محجوبون؟ نقول: نعم، يحجبون غيرهم وهم محجوبون؛ لأن حجبهم هنا لوجود المانع لا لفوات الشرط، انتبه، حجبهم هنا لوجود المانع، من الذي منعهم من الإرث؟ الأب، لا لفوات الشرط فهم من أهل الإرث، يعني: ليس فيهم مانع من موانع الإرث حتى نقول: إن هؤلاء ليسوا مستحقين بالأصل من الميراث، نقول: هم مستحقون لولا وجود المانع؛ فلهذا حَجَبوا وهم محجوبون.
والغريب في هذه المسألة -يا إخوان- لو كان الإخوة إخوةً من أم حجبوا الأم من الثلث إلى السدس، وهذه غريبة من غرائب العلم أن يكون المدلي حاجبًا لمن أدلى به، والعادة أن الذي يحجب هو المدلى به، لكن هذه بالعكس، واضح؟ الابن يحجب ابن الابن لأيش؟ لأن الابن مدلي بالابن، ومن أدلى بواسطة حجبته تلك الواسطة، هنا الإخوة من الأم مدلون بالأم ولم تحجبهم الأم، بل هم الذين حجبوا الأم، على العكس، ولكن مسائل الفرائض كثير منها لا مجال للرأي فيه ولا مدخل للاجتهاد فيه، أمر مسلم ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ مسلم.
انتهينا الآن من ميراث الأبوين ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ فصار ميراث الأبوين أولًا: إذا كان معهم ولد فلكل واحد منهما السدس، ثم إن كان الولد ذكرًا فليس للأب سوى السدس، وإن كان أنثى فللأب ما بقي بعد الفروض تعصيبًا.
الحالة الثانية: إذا ورثه أبواه فقط، إذا ورث الميت أبواه فقط، أي: لم يوجد وارث سوى الأبوين ولا إخوة ولا فرع وارث فما ميراث الأم؟ الثلث، والباقي للأب، ميراث الأم الثلث؛ للنص، والباقي للأب؛ لأن المال الذي بين شخصين إذا قدر لأحدهما نصيبه صار الباقي للثاني
لهذا لو أعطيتك مالًا مضاربة تشتغل فيه وقلت: لك ربع الربح، ماذا يكون لي أنا صاحب المال؟ ثلاثة أرباع؛ لأن المال بين اثنين، إذا قدر لأحدهما نصيب فالباقي للآخر.
الحال الثالثة: إذا ورث الأبوان ولدهما وله إخوة فكم للأم؟ السدس، وإن كان الإخوة غير الوارثين فللأم السدس، والباقي للأب، والإخوة يسقطون؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٧٣٢)، ومسلم (١٦١٥ / ٢) من حديث عبد الله بن عباس.]]
هذه الآية في حكم ميراث الفروع والأصول، وبدأ بذكر الفروع قبل الأصول، وكان المتوقع أن يبدأ بالأصول لأنهم أحق بالبر من الفروع، لكن ذكر الفروع؛ لأنهم بضعة من الميت، جزء منه، والأصول بالعكس الميت بضعة منهم، فكان الذي هو بضعة منه أولى (...) هو، أي: الميت بضعة منه.
وهذه من الحكم، وإلا كان المتوقع أن يقول قائل: لماذا لم يبدأ الله عز وجل بذكر الوالدين قبل ذكر الأولاد؟ والجواب هو هذا، فهذه الآية اشتملت على ميراث من؟ الفروع والأصول، بقي عندنا الحواشي والأزواج، ذكر الأزواج بعد هذه الآية مباشرة، والحواشي: الوارثون للفرع؛ لأن الآية الثانية الآتية خالصة لذوي الفروع ما فيها عاصب، الآية الثانية ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُم﴾ إلى آخره [النساء: ١٢] هذه خاصة بأصحاب الفروض ليس بها عصبة، فيها الزوجان ومن؟ والإخوة من الأم، وكلهم أصحاب فروض؛ ولهذا قال فيها: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ إلى آخره [النساء: ١٣] وهنا لم يقل: تلك حدود الله؛ لأن هذه الآية فيها تعصيب غير محدد، والآية التي بعدها كلها أصحاب فروض، والآية الثالثة في آخر السورة فيها فروض وفيها تعصيب؛ ولهذا قال فيها: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء ١٧٦].
* طالب: (...)؟
* الشيخ: يعني مع جد واحد وأخ واحد؟ لأن الجد ليس بأخ.
* طالب: (...) وأم وجد للأم الثلث (...)؟
* الشيخ: إذا كان الأخ واحد فقط، أما لو كان الأخ اثنين فأكثر، يعني قُلْ: جد وأخ وأم، نقول: للأم الثلث؛ لأنه ليس عندنا فرع وارث ولا جمع من الإخوة، وهذا مما يضعف القول بأن الجد أخ؛ لأنه هنا ليس بأخ ولا يحجب الأم.
كما أنه لو كان عندنا جدان لم يحجبا الأم إلى السدس، أليس كذلك؟ وفيه جدان؟ نعم، ما هما؟ الجد من الأم ليس له شيء، هذه صوَّرها العلماء فيما لو وطئ رجلان امرأة بشبهة وأتت بولد وعرض على القافة -القافة الذين يعرفون الإنسان بالشبه- وقالوا: هذا الولد لهذين الرجلين جميعًا، صار له أبوان، ولكل واحد منهما أب، فيكون له جدان، فلو كان له جدان لم يحجبا الأم إلى السدس، وهذه الأدلة على ضعف الإلحاق الإخوة بالجد، أدلة كثيرة ما هي واحدة.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: الأب؟ والنص ﴿إِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً﴾ من ليس له أب ولا ولد.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: في مسألة أيش؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا لا، استدللنا بأن الباقي للأب تعصيبًا؛ لأنه أولى رجل.
(...) ﴿بِهَا أَوْ دَيْن﴾ يعني: هذا الميراث الذي قال الله عز وجل إنما يكون من بعد وصية يوصي بها، وفي قراءة: ﴿يُوصَى﴾ بالبناء للمجهول، أو دين.
الوصية في الأصل هي: العهد للشيء المهم، وهي اصطلاحًا: الأمر بالتبرع بالمال، بل وهي التبرع بالمال بعد الموت، هذه وصية التبرع بالمال بعد الموت أو الأمر بالتصرف بعد الموت، فهي إما بمال وإما بتصرف، فإذا أوصى رجل إلى شخص بالنظر على أولاده الصغار، فهذه وصية بمال أو بتصرف؟ بتصرف.
وإذا أوصى شخص بمئة درهم لفلان، فهذا تبرع بالمال بعد الموت، وهذا هو المراد بهذه الآية، المراد به التبرع بالمال بعد الموت.
وقوله عز وجل: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾ مطلق لم يقيد، لكن دلت السنة على أنه لا يزيد على الثلث، (...) «سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه حين عاده النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مكة فقال له سعد: إني ذو مال» –يعني: ذو مال كثير- «ولا يرثني إلا ابنة لي، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: «لا»، قال: فالشطر؟ قال: «لا»، قال: فالثلث؟ قال: «الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٢٩٥)، ومسلم (١٦٢٨ / ٥) من حديث سعد بن أبي وقاص. ]] ، قال ابن عباس رضي الله عنهما: «لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع» -يعني- «لكان أحسن»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٧٤٣)، ومسلم (١٦٢٩ / ١٠) موقوفًا من كلام ابن عباس. ]] ؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «الثُّلُثُ كَثِيرٌ» ولم يرخص في الثلث إلا في المراجعة الثالثة من سعد رضي الله عنه.
ويذكر أن أبا بكر الصديق قال: «أرضى بما رضيه الله لنفسه»[[أخرجه البيهقي في الكبرى (١٢٥٧٤) من حديث أبي بكر الصديق.]] ، فأوصى بالخمس، واعتمد ذلك الفقهاء فقالوا: ينبغي أن تكون الوصية بالخمس، ولكن شح الناس اليوم صاروا لا يعرفون في الوصية إلا الثلث، يندر جدًّا أن ترى شخصًا أوصى بخمس ماله. وينبغي لطلبة العلم أن يبينوا للناس أن يقولوا للناس: الوصية بالثلث رخصة جاءت بعد مراجعة، وما دون الثلث أفضل منه.
ودل القرآن على أن الوصية لا تكون لوارث، وهذا هو الشرط الثاني في الوصية، الشرط الأول ما هو؟ ألا تزيد على الثلث، والشرط الثاني هو: أن لا تكون لوارث، بوجه الدلالة قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾، فجعل الوصية مستقلة عن الميراث، وقال في الآية التي تليها هذه لما ذكر (...) الإرث قال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء ١٣، ١٤].
ولا شك أن من أوصى لأمه بالخمس وقد أعطاها الله السدس فقد تعد حدود الله، فرض الله لها السدس وهو زاد على ذلك الخمس فأعطاها، فصار ميراثها الآن أكثر من السدس، وهذا تعدٍّ من حدود الله.
إذنْ نقول: الوصية التي تقدم على الميراث هي الوصية الشرعية التي جمعت شرطين هما: ألا تزيد على الثلث، وألا تكون للوارث.
وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا﴾ في كلمة ﴿يُوصِي بِهَا﴾ دليل على أنه لا بد من ثبوت الوصية، لا بد من الثبوت، وأن يكون الموصي أوصى بها عن طمأنينة وعن معرفة، فلو أوصى وهو في غمرة المرض قد (...) ولم يكن يتصور ما يقول، فإن الوصية لا تقبل ولا عبرة بها؛ لأنه حقيقةً لم يوصِ بها، وكذلك لو لم تثبت الوصية ببينة، فإنها لا عبرة بها إلا إذا صدق الورثة وهم مرشدون بذلك، فالحق لهم والرجوع إليهم.
وقوله: ﴿أَوْ دَيْنٍ﴾ الدين: كل ما ثبت في الذمة فهو دين، فالأجرة دين، والقرض دين، وثمن المبيع دين، والصداق على الزوج دين، وعوض الخلع على الزوجة دين، وأرش الجراحات دين، كل ما ثبت في الذمة فهو دين، فيقدم الدين على الميراث، فلو قدر أن الدين يستغرق جميع المال فلا شيء للورثة؛ لأن الله قال: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾، وإذا قدر أنه يستغرق نصف المال صار الميراث نصف المال؛ لأن الله قال: ﴿أَوْ دَيْنٍ﴾.
وهنا نسأل: هل الدين مقدم أو الوصية؟ الجواب: الدين، الدين قبل الوصية، كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه:« إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قضى بالدين قبل الوصية»[[أخرجه الترمذي (٢٠٩٤)، وابن ماجه (٢٧١٥) من حديث علي بن أبي طالب. ]] ، والمعنى يقتضيه؛ لأن الدين قضاؤه من باب الواجب والوصية من باب التبرع، يعني أن المدين يجب عليه أن يقضي دينه، والموصي مستحب ليست بواجبة، ومعلوم أن النظر الصحيح يقتضي تقديم الواجب.
فإن قال قائل: إذا كان الأمر كذلك فما الحكمة من تقديم الوصية على الدين؟ فالجواب على ذلك: الحكمة أولًا: العناية بالوصية والإشارة إلى أن الدين ينبغي للعاقل أن لا يحمله نفسه.
وثانيًا: أن الدين له من يطالب به، يعني لو فرض أن الورثة سكتوا وقسموا التركة هل يسكت صاحب الدين؟ لا يسكت، لا بد أن يطالب، لكن الوصية لو كتموها ولم يعلم بها الموصى إليه أو الموصى له ما علم بها ليس لها من يطالب؛ فلهذا قدمها ليهتم الورثة بها لا ليقدمها على الدين، فالدين مقدم ثم الوصية، ثم الميراث، فإذا هلك هالك عن ورثة وكان عليه دين يستغرق نصف ماله وأوصى بالثلث، فالمسألة من ستة: للدين ثلاثة، وللوصية الثلث اثنان.
* طالب: واحد.
* الشيخ: لا إله إلا الله! لم نعلم أن ثلث الستة واحد إلا هذه الليلة!
* طلبة: ثلث الباقي.
* الشيخ: نعم، أحسنتم، إذنْ نقول: المأخوذ في الدين كالمفقود، وعلى هذا فيكون التركة الموروثة هي الباقية بعد الدين ثلاثة من ستة، فنعطي صاحب الوصية ثلث الباقي واحدة، ويبقى اثنان هما نصيب الورثة.
هنا قدمنا الدين على الوصية، صح؟ جعلنا النص الآن على من؟ على الوصية، لولا الدين لأخذ الموصى له اثنين من ستة، لكن الآن لم يأخذ إلا واحدًا من ستة؛ لأن الدين مقدم على الوصية، تمام؟ ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾.
* طالب: قلنا: لا وصية لوارث إذا كان الابن كافرًا هل يحوز أن يرث الابن وهو كافر؟
* الشيخ: سؤال هل الكافر يرث من المسلم؟
* طالب: لا يرث.
* الشيخ: إي صحيح، ما دام أنه لا يرث فيوصي، لكن يبقى النظر هل يجوز أن يبر الإنسان الكافر؟ يعني هل يجوز لي أنا أن أبر الكافر؟ فيه تفصيل بينه الله تعالى في سورة الممتحنة فقال تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ﴾ [الممتحنة ٨] هذا إحسان، ﴿وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ هذا المعاملة بالعدل، ما ينهى الإنسان أن يعامل الكافر بالعدل أو بالفضل بشرط أن لا يكون ممن يقاتلوننا في أيش؟ في الدين.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا لا، ما فيه تعدٍّ؛ لأن التعصيب حق له، حق شرعي، والباقي أعطيه بالتعصيب شرعًا.
* طالب: قلنا -يا شيخ-: إن مقتضى الوصية الاستحباب، أليس كذلك؟
* الشيخ: نعم، يعني الوصية مستحبة.
* الطالب: وقول الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة ١٨٠] وقلنا -يا شيخ-: ظاهر الآية أنها واجبة على غير الوالدين وذوي القروض، فما الجواب؟
* الشيخ: الجواب صحيح، الجواب هي واجبة، لكن واجبة للأقارب غير الوارثين، وقال أكثر العلماء –الجمهور-: إن هذه الآية منسوخة، والصحيح أنها غير منسوخة وأنها مخصصة، هذا هو الصحيح.
* طالب: إذا كان الميت عليه دين للبنك العقاري هل لا بد من سداده أو (...)؟
* الشيخ: ماذا تقولون؟ يقول: إنسان له دين مؤجل هل تقسم تركته أو يقضى الدين المؤجل؟ نقول: إن وثق الورثة برهن يحرز أو كفيل ملي، فالدين باقٍ على ما هو عليه، لا يحل وإن لم يوثقوا حل الدين ووجب البيع.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: والله حسب الحال، إذا كانوا غير محتاجين له، فالأفضل أن يبيعوه..
* طالب: الغالب أنه إذا توفي الإنسان يسقط؟
* الشيخ: يعني إذا كان مثلًا، إذا لم يسقط إذا كانوا غير محتاجين، فالأولى أن يبيعوه ليبرئوا ذممهم وذمة الميت، وإن كانوا محتاجين ننظر هل بقي عليه أقساط لم يوفها -أي على الميت- إن قيل: نعم، قلنا: لا بد أن يباع أو توفوها أنتم؛ لأن نفسه معلقة بها، وإن قالوا: لا، كل الأقساط التي حلت في حياته فقد سلمها، ففي هذه الحال نقول: لا بأس أن يبقى مرهونًا للبنك ويسدد كل سنة إذا (...).
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences