Ibn 'UthayminAn‑Nisa · 4:11

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:11, continued

* طالب: في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى﴾ ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء ٨] قلنا: إن القرابة يعطون منه، وفي قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة ١٨٠] يوصى لهم فمتى يعطون؟

* الشيخ: يوصى لهم إن حضروا، لكن الذي يعطى إذا حضر ما يعطى شيئًا كثيرًا.

* الطالب: (...)؟

* الشيخ: ما يثقل؛ لأنهم بيعطونهم شيء قليل.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، نكمل آية إرث الفروع والأصول، فيقول الله عز وجل: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ إلى آخره، سبق لنا أن الميراث لا يستحقه الورثة إلا بعد الوصية والدين، ونسأل الآن الأخ ما هي الوصية؟

* طالب: (...).

* الشيخ: ويش معنى ﴿يُوصِي بِهَا﴾؟

* طالب: الوصية التبرع بالمال بعد الموت أو الأمر بالتصرف فيه.

* الشيخ: إذنْ معناها: أن يتبرع بشيء من ماله بعد موته، إما لجهة عامة كالمساجد، أو لمعين كزيد أو عمرو.

والدَّين ما هو؟

* طالب: الدين هو عبارة عن (...).

* الشيخ: كل ما ثبت في الذمة فهو دين، ثمن مبيع أو أجرة أو قرضًا.

الوصية قبل الدين وأيهما يقدم؟

* طالب: يقدم الدين على الوصية.

* الشيخ: يقدم الدين على الوصية. ما هو الدليل؟

* طالب: «النبي ﷺ أمر علي بن أبي طالب بتقديم الدين على الوصية».

* الشيخ: قال علي: «قضى بالدين قبل الوصية».

* طالب: (...).

* الشيخ: صحيح، والوصية التبرع مستحب، فمنعه من الزائد على الثلث.

وما هو الدليل على أن الوصية للوارث لا تصح؟

* طالب: قوله ﷺ: «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ».

* الشيخ: نعم، قوله ﷺ: «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ»[[أخرجه أبو داود (٣٥٦٥)، والترمذي (٢١٢٠)، وابن ماجه (٢٧١٣) من حديث أبي أمامة الباهلي، وأخرجه النسائي (٣٦٤١) من حديث عمرو بن خارجة. ]] ، ثم تحديد الله المواريث، ثم قال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ فلا تعتدوها.

قال الله عز وجل: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ لما قسم سبحانه وتعالى القسمة على ما اقتضته حكمته قطع خط الاعتراض على هذه القسمة بقوله: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾.

فلو قال قائل: الآباء أحق من الأبناء لأن برهم واجب؟ وقال الآخر: الأبناء أحق من الآباء لأنهم قصَّار يحتاجون إلى رعاية في الغالب؟ نقول: وراء ذلك كله حكمة الله عز وجل، فنحن لا ندري آباؤنا أو أبناؤنا أيهم أقرب لنا نفعًا.

وهل المراد التفضيل بين الجنس والجنس، أي: بين الآباء والأبناء، لا ندري الأبناء أقرب أم الآباء؟ أم حتى بين الأبناء وبين الآباء؟ ما فهمتم، هل المعنى: لا تدرون الآباء أقرب نفعًا أم الأبناء؟ هذا واضح، أو لا تدرون أي الأبناء أقرب لكم نفعًا وأيّ الآباء أقرب لكم نفعًا؟ العموم، الآية تعم المعنيين، يعني: لا تدرون هل الآباء أنفع لكم أو الأبناء، ولا تدرون هل الأكبر من الأبناء أنفع أم الأصغر، وهل الأقرب من الآباء أنفع أم الأعلى.

كثيرًا ما يكون الجد أرأف وأرحم من الأب بأحفاده، وكثيرًا ما يكون الابن الأصغر أرحم من الابن الأكبر، فنحن في الحقيقة لا ندري هل الآباء أبر وأنفع لنا أو الأبناء، وهل أبناؤنا فيما بينهم أبر، الكبير أو الصغير أو الوسط، وكذلك بالنسبة للآباء لا ندري، فلما كنا لا نعلم وجب أن نكل الأمر إلى عالمه وهو الله عز وجل.

ثم قال: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ ﴿فَرِيضَةً﴾ هذه مصدر عاملها محذوف، وقد يقال: إنها مصدر نَابَتْ عن عاملها، والتقدير على الأول: فرضنا ذلك فريضةً، وعلى الثاني: نجعل ﴿فَرِيضَةً﴾ هي نفسها العامل ولا تحتاج إلى عامل ينصبها، فتكون تأكيدًا لما سبق، ويسمون هذا: المصدر المؤكِّد للجملة التي قبله ولا يحتاج إلى عامل، قال ابن مالك:

......................... ∗∗∗ ....... كَابْنِي أَنْتَ حَقًّا....

كلمة (حقًّا) ما فيها عامل لكن تؤكد الجملة التي سبقتها، هذه أيضًا ما فيها عامل لكن لما قال: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ ﴿وَلِأَبَوَيْهِ﴾ وقسم وقدر صار هذا المصدر مؤكدًا للجملة التي قبله.

وقوله: ﴿فَرِيضَةً﴾ الفرض في اللغة: الحز والقطع، يقال مثلًا: فرض اللحم، يعني حزه، وفرض العصا، قطعه، ولكنها في الشرع: ما ألزم به الشارع، ما ألزم به الشارع فهو فرض، ولا فرق -في القول الصحيح- بين ما ثبت بدليل ظني أو بدليل قطعي، وقال بعض العلماء: ما ثبت بدليل قطعي فهو فرض، وما ثبت بدليل ظني فهو واجب، والصحيح ألا فرق، ما دام قد ثبت (...) به، فسمه فرضًا أو سمه واجبًا.

﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ وقوله: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ أي صادرة منه لا من غيره، فلم يقم بفرضها ملك مقرب ولا نبي مرسل، بل الله وحده هو الذي تولى فرضها.

ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ كان عليمًا بمن يستحق وبمقدار ما يستحق، وحكيمًا في وضع الحق في أهله كمًّا وكيفًا، فهو عز وجل له العلم التام وله الحكمة التامة، وبالعلم والحكمة تتم الأمور؛ لأن تخلف الأمور سببه أحد أمرين: إما الجهل، وإما السفه، تخلف الأمور سببه أيش؟ أمران: إما الجهل، أو السفه، فإذا وجد العلم ارتفع الجهل، وإذا وجدت الحكمة ارتفع السفه.

فالله سبحانه وتعالى عليم بالأمور وبمن يستحق وبمقدار ما يستحق، فهو حكيم حيث وضع الأشياء في مواضعها، فلما اجتمع في حقه سبحانه وتعالى العلم والحكمة انتفى أي اعتراض يمكن أن يعترض به على الحكم، عرفتم؟

ولهذا نجد أن الجاهل يتخبط في الأحكام؛ لأنه جاهل، ولو كان عنده حسن قصد وحسن إرادة لكنه جاهل فتجده متخبطًا، ونجد العالم السفيه الذي ليس عنده حكمة ترشده إلى ما فيه الخير، نجد أنه أيضًا يتخبط ويتعسف.

أما من لديه علم وحكمة فإنه سبحانه وتعالى كامل الحكم، أحكامه تامة، والعليم والحكيم من أسماء الله عز وجل.

والعلم: إدراك المعلوم على ما هو عليه، هذا تعريفه، العلم: إدراك المعلوم على ما هو عليه، فخرج بقولنا: (إدراك المعلوم) من لم يدرك، فهذا جاهل، جاهل جهلًا بسيطًا، وخرج بقولنا: (على ما هو عليه) من أدرك الشيء على غير ما هو عليه، وهذا جاهل لكن جهله مركب، وأيهما أولى الجهل المركب أو البسيط؟ البسيط أهون.

ونضرب ثلاثة أمثلة الآن: سأل سائل عن غزوة بدر فقيل له: في رمضان في السنة الثانية، ما تقولون في هذا المجيب؟ هذا عالم، وسأل سائل آخر عن وقعة بدر، غزوة بدر متى كانت؟ فأجيب بأنها في السنة الثالثة، هذا جاهل جهلًا مركبًا، وسأل سائل: متى كانت غزوة بدر؟ فأجيب بلا أدري، هذا جاهل جهلًا بسيطًا وهو خير من الجهل المركب.

ويقال: إن رجلًا يسمى تومًا يدعي الحكمة وأنه عالم حكيم

فَــــــــقَـــــــــالَ حِمَـــــارُ الْحَــــكِــــيـــمِ تَــــــــــوْمَـــــــا ∗∗∗ لَوْ أَنْصَفَ الــدَّهْـــرُ كُـــنْــــتُ أَرْكَــــــــبْ؎لِأَنَّـــــــــــنِي جَـــــــــــاهِــــــــــلٌ بَـــــــــــــسِـــــــــيـــــــــــــطٌ ∗∗∗ وَصَــــــــاحِــــــــبِي جَــــــــاهِـــــلٌ مُــــــــَركَّـــــــــــبْ

يقول الحمار، الحمار جاهل أو غير جاهل؟ جاهل، لكن جهله بسيط وتوما صاحبه جاهل مركب، وعلى هذا يقول الشاعر الآخر:

وَمَنْ رَامَ الْـــــــعُـــــــلُـــــومَ بِــــــغَــــيْرِ شـــــــيْــــــخٍ ∗∗∗ يَضِــــلُّ عَـــــنِ الصِّـــــرَاطِ الْمُــسْــتَــــقِيـــــمِ؎وَتَــلْــــــتَـــبِـــسُ الْــــعُـــــلُـــــومُ عَــــلَــــيْــــهِ حَــــتَّى ∗∗∗ يَــكُــونَ أَضَـــلَّ مِــنْ تَــوْمَـــا الْحَــكِـــــيـــــمِ ؎تَصَــــدَّقَ بِالْـــــبَــــنَـــــاتِ عَـــــلَــــى رِجَــــــالٍ ∗∗∗ يُـــــرِيـــــــدُ بِــــــذَاكَ جَــــــنَّـــــاتِ الـــنَّـــعِـــــــيــــمِ

هذا توما بدأ يتصدق على العالم بالنساء بدون أي شيء، بدون عقد نكاح، يقول: تبغي تصدق عليك؟ يلا خذ، يريد بذلك التقرب إلى الله، يعني: يهب النساء ليزنى بهن ويظن أن ذلك تقرب إلى الله وصدقة، هذا جهل مركب.

العلم أيش قلنا تعريفه؟ إدراك المعلوم على ما هو عليه.

الحكيم مشتق من الحُكم والحِكمة، من أسماء الله: الحكيم، وهو مشتق من الحُكم والحِكمة، فهو عز وجل حاكم وهو محكم، فعليه تكون (حكيم) بمعنى (فاعل) إذا كانت من (الحُكم)، و(حكيم) بمعنى (محكم) إذا كانت من (الحِكمة)، عرفتم؟ ويبقى عندنا إشكال في (حكيم) هل يأتي بمعنى مُحكم؟ نعم، ومنه قول الشاعر:

أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ ∗∗∗ يُــؤَرِّقُنِي وَأَصْــحَـابِي هُــجُــوعُ؎أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ ∗∗∗ .......................

أي: المسمع.

........................ ∗∗∗ يُـــؤَرِّقُنِي وَأَصْــحَــابِي هُــجُـــوعُ

نعود مرة ثانية نقول: إذا كانت من الحكم والإحكام فلا بد أن نعرف، الحُكم -أعني حكم الله- ينقسم إلى قسمين: حكم كوني، وحكم شرعي، فقول أخي يوسف: ﴿لَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ [يوسف ٨٠] هذا حكم كوني؛ ولهذا لم يقل: علي، قال: لي، أي: يقدر لي ذلك، وقوله تعالى في سورة الممتحنة لما ذكر أحكام النساء قال: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة ١٠] هذا حكم شرعي.

الحكم ينقسم إلى قسمين: كوني وشرعي، ما الفرق بينهما؟ الفرق بينهما يقارب الفرق بين الإرادتين: الكونية، والشرعية، فما تعلق بما يحبه ويكرهه فهو؟ ما فهمتم ما أريد، ما تعلق بما يحبه ويكرهه، أي بما يحبه، فأمر به، أو يكرهه فنهى عنه؟ هذا شرعي، وما تعلق بتقديره سواء أحبه أم لم يحبه فهو كوني.

الحكم الكوني لا بد من وقوعه، والحكم الشرعي قد يمتثل وقد لا يمتثل، فيتبين بهذا أن الحكم قريب من الإرادة في التقسيم.

أما على الوجه الثاني في (الحكيم) وهو (المُحكم) فنقول: الحكمة وضع الشيء في مواضعه، وتتعلق في الحكم الكوني والحكم الشرعي، ثم هي إما حكمة باعتبار الصورة المعينة، وإما حكمة باعتبار الغاية، فإذا ضربت اثنين في اثنين صارت أربعة.

الحكمة إما أن تتعلق بالحكم الكوني على صورته المعينة وعلى غايته الحميدة، فمثلًا: الحكم الكوني إذا حكم الله عز وجل على أناس بالفقر والمرض والزلازل وما أشبه ذلك، هذا حكم لا شك أنه متضمن لحكمة، كونه وقع على هذا الوجه حكمة، والغاية منه حميدة هذه حكمة ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم ٤١].

خلق الإنسان على هذه الصفة لحكمة، خلق قائمًا منتصبًا، وغيره على العكس؛ لأن الإنسان له وظائف لا تتم إلى على خلقه على هذا الوجه، فالإنسان له وظائف: قيام ركوع سجود لا يتم إلى على هذا الوجه؛ فلذلك خلقه الله تعالى قائمًا منتصبًا دون غيره من الحيوانات، كونه على هذا الوجه حكمة، وكون الغاية منه، الغاية من ذلك أداء وظائف التي كلفه الله بها، هذه حكمة أخرى. وهكذا، فكرْ في الشمس والقمر والجبال والأنهار وما أشبهها.

في الشرع أيضًا حكمة على الصورة المعينة وحكمة على الغاية، كون الشرع على هذا الوجه، الصلوات خمس وأوقاتها متفرقة، وعددها كذا وكذا، هذا لا شك أنه مطابق للحكمة؛ ولهذا تجد الصلوات كلها مقرونة بتغير الشمس في الأفق، فالفجر عند إقبالها، والمغرب والعشاء عند إدبارها، والظهر والعصر عند توسطها وميلها، لا بد أن يكون هناك سبب، هذه حكمة، الغاية من الصلاة أيش؟ حكمة أيضًا.

ولهذا أقول لكم الآن (...) تتعلق بالحكم الكوني والشرعي على الصورة التي هو عليها وعلى الغاية المقصودة منه، فتكون أربعة: حكمة في الحكم الكوني باعتبار الصورة التي هو عليها، وحكمة في الحكم الكوني باعتبار غايته، وحكمة في الحكم الشرعي باعتبار الصورة التي هو عليها، وحكمة في الحكم الشرعي باعتبار الغاية المقصودة منه.

كل هذه المعاني الجليلة العظيمة كلها تحملها قوله: ﴿حَكِيمًا﴾، فأسماء الله حقيقة مملوءة من المعاني، حسنى على ما وصفها الله عز وجل، نرجع الآن إلى فوائد الآية.

يستفاد من الآية فوائد كثيرة:

أولًا: أن الله أرحم بالإنسان من والديه.

* طالب: (...).

* الشيخ: لا، ذكرنا معنى الحكمة أنها وضع الأشياء في مواضعها، والعلم: إدراك الشيء على ما هو.

* في الآية فوائد؛ منها: أن الله أرحم بالإنسان من والديه، تؤخذ من أين؟

* طالب: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾.

* الشيخ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾، فالذي يوصيك على الشيء هو أرحم به منك وأشد عناية به منك؛ ولهذا إذا وصى الإنسان أحدًا على أولاده فهو أرحم بأولاده من هذا الوصي.

* ومن فوائد الآية الكريمة: الحكمة في توزيع الميراث أنه يشمل جميع الأولاد دون الصغار فقط، يعني لا يقتصر على الصغار أو على ذي الحاجة أو على من كان لا يكتسب أو ما أشبه ذلك، عام، هذه من الحكمة، من أجل ما يسمى في العرف الاصطلاحي: تبديد الثروة، تبديدها يعني: توزيع الثروة حتى لا تنحصر، هذا المال الذي هو ملايين كان في الأول يملكه واحد، الآن يملكه عدد كثير، ثم العدد أيضًا إذا ماتوا سينتقل إلى عدد آخرين، وهذا لا شك أنه من الحكمة.

* ومن فوائد الآية: حكمة أخرى في توزيع الميراث، حيث جعل للذكر مثل حظ الأنثيين، لأن في ذلك حكمة، منها: اعتبار ما يكون على الذكر من مسؤوليات مالية، الذكر عليه مسؤوليات مالية؟ نعم، أكثر من الأنثى، عليه الإنفاق، وعليه المهر، وعليه الجهاد، وعليه حقوق مالية أكثر، فرُوعِيَ في ذلك قسمة المواريث وجعل للذكر مثل حظ الأنثيين.

كذلك جعل للذكر مثل حظ الأنثيين من أجل بيان شرف الرجل على المرأة، وأنه أحق بالتكريم منها، خلافًا للمتفرنجين الآن الذين يقدمون الإناث على الذكور.

وخلافًا لأهل الجاهلية الذين لا يورثون الإناث شيئًا، في الجاهلية ما يورثون الأنثى شيئًا، من يورثون؟ يقولون: لا نركب إلا من يحمل الغمار ويركب الخيل ويذود عن الحمى، أما امرأة قابعة في البيت ليس لها ميراث، لكن الإسلام جاء أعطاها الميراث إلا أنها ليست مثل الذكر.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن يختار الألفاظ الأحسن والأمثل وإن كان المؤدى واحدًا؛ لقوله: ﴿مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ ولم يقل: يوصيكم الله في أولادكم للأنثى نصف ما للذكر.

وقد مر علينا في التفسير التنبيه على ذلك، وحسن التعبير له أثر، ولعل بعضكم سمع قصة الملك الذي رأى في المنام أن أسنانه قد سقطت، رأى أسنانه سقطت فدعا بعابر يعبر الرؤيا، قال: أيها العابر، عبر لي هذه الرؤيا، قال: أيها الملك تموت حاشيتك وأهلك، ارتاع الملك، فأمر به فضرب وجلد؛ لأنه أيش؟ (...) ثم قال: ائتوا بعابر آخر، فأتوا بعابر آخر فسأله فقال: يكون الملك أطول حاشيته عمرًا، فقال: على الرأس، هذا العابر صحيح وأمر له بجائزة، والمعنى يعني: أنهم إذا ماتوا قبله يكون هو الآخر، لكن هذا فيه أن حسن التعبير له أثر، فينبغي للإنسان إذا أراد أن يعبر أن يختار أجزل العبارات وأسهلها وأحبها إلى النفوس.

* من فوائد الآية الكريمة: أن ميراث النساء الخلّص إن كن واحدة فالنصف، وإن كن ثنتين؟ الزوجات إذا كن ثنتين؟

* طالب: (...).

* الشيخ: نصف الواحدة؟ يعني مع الأولاد الثمن ومع عدمه الربع، ما تقولون يا جماعة؟ هل هذا الذي قررنا؟ نحن الآن في الأولاد، البنات: للثنتين فأكثر الثلثان، وللواحدة النصف، وسبق لنا توجيه قوله عز وجل: ﴿إِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإرث شامل لجميع التركة؛ من عقار ومن دور وحيوان ومنافع وحقوق، من أين يؤخذ؟ ﴿مِمَّا تَرَكَ﴾ كل ما ترك فهو داخل في الإرث.

وبهذا يجب التنبه لمن كان له ورثة في غير البيت الذي هو فيه، فإن من الناس من إذا مات ميتهم وهم في بيته وله ورثة آخرون خارج البيت مَن يتمتع بما في البيت من طعام وغيره ويسكن أيضًا، وهذا لا يجوز إلا بعد إذن بقية الورثة، وإلا فإنه يخصم من ميراثه، وكذلك تضرب أجرة على هؤلاء الذين في البيت من حين مات الرجل.

* من فوائد الآية الكريمة: أنه لا يزيد فرض الثلثين بزيادة البنات، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ فإنه يشمل لو كن مئتين، عام.

* ومن فوائد الآية الكريمة: الحكمة في تقديم ميراث الولد على ميراث الأبوين، وما هي؟

* طالب: لأنه بضع من الوالد.

* الشيخ: أحسنت، لأن الأولاد بضع من أبيهم أو من أمهم فقدم ذكرهم على الأبوين.

* ومن فوائد الآية أيضًا: أن الوالدين إذا ورثا ولدهما واختصا بالإرث كان للأم الثلث والباقي للأب؛ لقوله: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه إذا وجد للميت فرع وارث فإن للأبوين على السدس، لا يزيد إلا مع الإناث فإن بقي شيء أخذه الأب تعصيبًا.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن للأم السدس مع جمع من الإخوة؛ لقوله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾، وظاهر الآية سواء كانوا وارثين أم غير وارثين، بل إن ظاهرها أنهم إذا كانوا غير وارثين فليس للأم إلا السدس؛ لأن الفاء مفرعة لما بعدها على ما قبلها.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الميراث يأتي في المرتبة الثالثة مما تركه الميت؛ لقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾، ولكن قد دلت السنة على أن تجهيز الميت مقدم على كل ذلك، وعلى هذا يكون الميراث في المرتبة الرابعة، ودليل السنة: «أن رجلًا وقصته راحلته وهو واقف في عرفة، فسئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عنه فقال: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٨٤٩)، ومسلم (١٢٠٣ / ٩٣) من حديث عبد الله بن عباس. ]] ، ولم يذكر هل عليه دين أو وصية؟ فدل هذا على أن مؤن التجهيز مقدمة على الوصية والدين، ولأن الوصية تتعلق بذات الموصل، ولأن التجهيز يتعلق ببدن الميت، فكان مقدمًا على الوصية والدين، كالمحجور عليه عند الإفلاس، المحجور عليه عند الإفلاس إذا أفلس وحجرنا عليه منعناه من التصرف في ماله، فإننا نبدأ بما تتعلق به حاجته، ما نقول: اخلع ثيابك نبيعها، لا، ما تتعلق بحاجته فإنه يبقى له.

* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب تنفيذ الوصية؛ لقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾، فقدمها على ما يستحق من المال؛ لأن تنفيذها واجب.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الرق مانع من الإرث، من قوله: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾، ووجه ذلك أن (اللام) تفيد الملك، والرقيق لا يملك، وعلى هذا فلا حق للرقيق في الميراث؛ لأنه لا يملك.

* ومن فوائد الآية الكريمة: (...) وإلا فإن قواعد النحو لو لم يكن عند الإنسان غريزة لعثرته وصار يفكر هل هذا فاعل ولَّا مفعول به؟ وهل هو اسم ينصرف أو لا ينصرف؟ وهل المضاف ينون أو لا ينون؟ ثم لا يستطيع أن يخرج سطرًا واحدًا، وكما قال بعضهم: لو أن امرأ القيس قرأ عروض الخليل ما أتى ببيت واحد من الشعر، فالقواعد مساعدة ما هي الأصل، قد يمن الله على الإنسان بسليقة ويمشي مشيًا جيدًا وإن كان ضعيفًا في النحو.

ثم إنه ذكر كلمة ينبغي أن ننتبه لها وهي قول بعضهم: الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه، فإن هذا ينبئ عن كراهة الإنسان لما قدره الله عز وجل، والذي ينبغي للإنسان أن يلتزم مقام الرضا بما قدر الله، وألا يعلن على نفسه أنه يكره ما قضاه الله عز وجل، وكان النبي عليه الصلاة والسلام إذا رأى ما يعجبه قال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ» وإذا رأى خلاف ذلك قال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ»[[أخرجه ابن ماجه (٣٨٠٣) من حديث عائشة. ]] ، ولم يكن يقول: الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه، بل يقول: «الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ»، وهذه المسألة ينبغي أن يتنبه لها.

كما ينبغي أيضًا أن نتنبه لكلمة أسوأ منها يقولها بعض الناس يقول: اللهم إني لا أسألك رد القضاء ولكني أسألك اللطف فيه، فكأنه يقول: رب ابتلني بما شئت ولكن الطف، والإنسان إذا دعا فإن الدعاء يرد القضاء كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا يَرُدُّ الْقَضَاءَ إِلَّا الدُّعَاءُ»[[أخرجه ابن ماجه (٩٠) من حديث ثوبان. ]] .

فهذه الكلمة منكرة لا يجوز للإنسان أن يقول: اللهم إني لا أسألك رد القضاء، بل اسأل، أنت تسأل حاجتك، سواء قضاها الله عز وجل ثم رفعها بدعائك أم لا، اسأل الله قضاء حاجتك أو حصول مطلوبك وقل: اللهم إني أسألك كذا وكذا.

ورسول الله عليه الصلاة والسلام «نهى أن يقول الإنسان: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، وقال: «لِيُعْظِمِ الرَّغْبَةَ وَلْيَعْزِمِ الْمَسْأَلَةَ؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَا مُكْرِهَ لَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٤٧٧)، ومسلم (٢٦٧٩ / ٩) من حديث أبي هريرة. ]] ، فهكذا، (لا أسألك رد القضاء ولكن أسألك اللطف فيه) خطأ، اللهم إني أعوذ بك من كذا مما تكره، وأسألك كذا مما تحب، «لَا يَرُدُّ الْقَضَاءَ إِلَّا الدُّعَاءُ».

ومثل هذه الكلمات ينبغي لطالب العلم إذا سمعها واستنكرها لم يسمعها من كلام الرسول ولا من كلام الصحابة ولا من غيرهم ينبغي أن يتوقف، فإن كان لديه إدراك يمكنه أن يحكم عليها، فذلك هو المطلوب، وإلا سأل أهل العلم، أما أن نأخذ مثل هذه الكلمات مسلمة، فإنه لا يمكن.

حتى في اللغة أيضًا يخطئ بعض الناس كثيرًا في مسائل يتناقلونها يقول: إلى هنا وينتهي مقالنا، إلى هنا وينتهي مقالنا، إلى هنا وينتهي؟ قُلْ: إلى هنا ينتهي، أيش (إلى هنا وينتهي)؟ صواب اللغة العربية: إلى هنا ينتهي، فهي كلمات خطأ، خطأ في العربية، خطأ في العقيدة، تمشي ولا ينتبه لها.

ومن (...) قُلْ: اللهم إني أسألك الجنة، اللهم إني أعوذ بك من النار، حتى لو كتب، اللهم اشفني -مثلًا- من هذا المرض، حتى لو قدر أنك ما أنت مشفي فإن الدعاء يرد القضاء.

* طالب: لأنني في صلاة المغرب أقول للناس: اللهم الطف بي يعني في قضائك؟

* الشيخ: لا لا ما فيها شيء، كلمة: اللهم الطف بنا في قضائك (...) سواك ما فيها شيء، لكن اللهم إني لا أسالك رد القضاء نقول: الدعاء يرد القضاء.

* طالب: لكن ما يشعر –يا شيخ- هذا بأن الله غير لطيف؟

* الشيخ: لا، ما فيه شيء، لسنا نقول: قل: لا تلطف، نحن نقول: لا تقل: لا أسألك رد القضاء ولكن أسألك اللطف، إذا نزل القضاء المكروه قل: اللهم الطف بنا، إذا دعوت لا تقل: لا أسألك رد القضاء؛ لأنه ورد في الحديث: «لَا يَرُدُّ الْقَدَرَ إِلَّا الدُّعَاءُ»[[أخرجه ابن ماجه (٩٠) من حديث ثوبان. ]] ، الدعاء يرفع الضراء، يكون قد كتب لهذا الإنسان –مثلًا- المرض أو الموت، فإذا سأل الله الشفاء شفي، جعل الله سببًا يمنع هذا القدر.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا﴾ إلى آخره.

* من فوائد الآية الكريمة: أنه إذا اجتمع الأبوان في الميراث فللأم الثلث والباقي للأب، وعلى هذا فيكون الأب في هذه الحال وارثًا بالتعصيب؛ لأن نصيبه لم يقدر، فيكون وارثًا بالتعصيب.

* ومن فوائدها: الإشارة إلى اجتهاد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه الاجتهاد الصائب في العمريتين، حيث جعل للأم ثلث الباقي بعد فرض الزوجين؛ وذلك أن الزوجة أو الزوج إذا أخذ حقه انفرد الأب والأم فيما بقي، وقد جعل الله للأب والأم إذا انفردا للأم الثلث، والباقي للأب، فيكون ما بقي بعد فرض الزوجين للأم ثلثه.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإخوة يحجبون الأم من الثلث إلى السدس وإن كانوا محجوبين بالأب؛ لقوله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾، فعطف بـ(الفاء) الدالة على أن ما (...) مفرع على ما قبلها.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الواحد من الإخوة لا يحجب الأم إلى السدس؛ لقوله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾، بخلاف الأبناء أو البنات فإن الواحد يحجبها إلى السدس؛ لقوله تعالى: ﴿لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾، و(ولد) نكرة في سياق الشرط فيعم الواحد والمتعدد، والذكر والأنثى.

فإن قال قائل: كيف تجعلون للأم السدس مع وجود إخوة محجوبين بالأب؟ ألستم تقولون: لو وجدت أم وإخوة أرقاء فإن الإخوة لا يحجبون الأم إلى السدس؟ أو وجدت أم وإخوة كفرة فإنهم لا يحجبون الأم إلى السدس؟ يعني لو هلك هالك عن أمه وإخوته الذين لا يصلون فإن لأمه الثلث، ولا يحجبونها الإخوة الذين لا يصلُّون إلى السدس، لأيش؟ لأنهم كفار لا يرثون.

فالجواب: أن هؤلاء محجوبون بوصف، فهم ليسوا من أهل الإرث أصلًا، وأما الإخوة الذين حجبوا بالأب فهم من أهل الإرث لكن وجد مانع، وفرق بين وجود المانع وبين فوات الشرط، فالإخوة مع اختلاف الدين أو كونهم أرقاء هم ليسوا أهلًا للميراث أصلًا؛ لأن من شرط استحقاقهم الإرث أن يكونوا موافقين للميت في دينه وأن يكونوا أحرارًا، لكن هؤلاء الإخوة مع الأب هم مستحقون للإرث، أحرار، موافقون في الدين، لكن وجد مانع وهو الأب، فهذا هو الفرق بين كون المحجوب بالوصف وجوده كالعدم، والمحجوب بالشخص وجوده معتبر.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الميراث لا يكون إلا بعد الدين والوصية؛ لقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾، ولكن الدين قد يستغرق جميع التركة فلا يبقى للورثة شيء، وأما الوصية فلا تستغرق جميع التركة؛ لأن أقصى ما يمكن الثلث، وما زاد على الثلث فهو إلى الورثة، وعلى هذا فيفرق بين الدين والوصية وهو: أن الدين قد يستغرق المال فلا يبقى للورثة شيء، والوصية لا يمكن أن تستغرق المال؛ لأن ما زاد على الثلث موقوف على إجازة الورثة، وعلى هذا فلو مات شخص وخلف مئة ألف..

ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الميراث لا يكون إلا بعد الدين والوصية؛ لقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء 11]، ولكن الدين قد يستغرق جميع التركة فلا يبقى للورثة شيء، وأما الوصية فلا تستغرق جميع التركة؛ لأن أقصى ما يمكن الثلث، وما زاد على الثلث فهو إلى الورثة، وعلى هذا فيفرق بين الدين والوصية وهو: أن الدين قد يستغرق المال فلا يبقى للورثة شيء، والوصية لا يمكن أن تستغرق المال؛ لأن ما زاد على الثلث موقوف على إجازة الورثة.

وعلى هذا: فلو مات شخص وخلف مئة ألف وعليه دين يبلغ مئة ألف فليس للورثة شيء. ولو مات ميت وقد أوصى بمئة ألف، ولما مات وجدنا خلفه مئة ألف لم يبق للورثة شيء، نقول: نرد مئة ألف إلى الثلث ما لم تجز الورثة.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المفضول قد يقدم على الفاضل لاعتبارات أخرى، من أين نأخذها؟

* طالب: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾.

* الشيخ: نعم، ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ الدين أوجب من الوصية وأقدم، لكن قدمت الوصية لاعتبارات أخرى، كتقديم هارون على موسى في بعض المواضع، في سورة طه قدم هارون على موسى ﴿رَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ [طه ٧٠] لاعتبارات وهي: مراعاة الفواصل، ولَّا لا شك أن موسى هو أفضل من هارون ومقدم عليه في جميع مواضع القرآن، إذن نأخذ منه: أن المفضول قد يقدم على الفاضل لاعتبارات أخرى.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: قصور علم الإنسان، من أين تؤخذ؟ ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾، أقرب الناس إلى الإنسان آباؤه وأبناؤه، فإذا كان لا يدري أيهم أقرب نفعًا، فما بالك بالبعيد؟ وهذا لا شك يعود إلى قصور علم الإنسان، وقد قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء ٨٥] الروح التي هي بين جنبيك لا تعرفها؛ لأنك لم تؤت من العلم إلا القليل.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب إعطاء الورثة نصيبهم من الإرث وأنه فرض، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾، وعلى هذا فيكون تعلم الحساب الفرضي فريضة، انتبهوا يا جماعة، فريضة على كل حال أو كفاية؟ فريضة كفاية؟

* طالب: نعم.

* الشيخ: طيب، أو نفسر نقول: إن كان يتوقف عليه إعطاء كل ذي نصيب نصيبه فهو فرض، وإن كان لا يتوقف فليس بفرض، ماذا تقولون؟

* طالب: الأول.

* الشيخ: الأول؟

* طالب: الثاني.

* الشيخ: تعلم الحساب في الفرائض هل هو مقصود ولَّا وسيلة؟

* طلبة: وسيلة.

* الشيخ: وسيلة، إذا كان وسيلة ننظر إذا احتجنا إليه أخذنا به، وإن لم نحتج فلا، لكن في الغالب أننا نحتاج إليه، لو جاء إنسان قال مثلًا: اقسم زوج وأم وأخ من أم، أقول: للزوج نصف، وللأم الثلث، وللأخ لأم السدس، ولا يلزم أن أقول: المسألة من ستة: للزوج النصف ثلاثة، وللأم الثلث اثنان، وللأخ من الأم السدس واحد، هذا ليس بلازم، لكن أحيانًا يتوقف القسم وإعطاء كل ذي نصيب نصيبه على معرفة الحساب، فإذا توقف على معرفة الحساب صارت معرفة الحساب فريضة كالأصل.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أمر الفرائض إلى الله؛ لقوله: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾.

وأقول لكم ذلك، وإن كان أمرًا معلومًا لكن من أجل الأدب، من أجل الأدب في الفتيا، كان الإمام أحمد رحمه الله مع علمه الغزير لا يطلق على الشيء أنه فريضة أو أنه حرام إلا إذا ورد به النص، وإلا تجده يقول: لا يفعل، أكره هذا، لا يعجبني، وما أشبه ذلك، كل هذا من باب الورع، أما نحن قشور الحبحب فتجد واحدًا منا يقول: هذا يحرمه الشرع، الشرع كله، هذا حرام في الشرع، سبحان الله! يمكن هذا الرجل لو تبحث معه في أدنى مسألة ما يعرفها ويقول: هذا حرام في الشرع، وهو من المسائل الاجتهادية، وقد يكون الصواب أنه ليس بحرام، ثم يضاف إلى الشرع كله من شخص ليس أهل للاجتهاد، هذا مشكل، لكن لو سألك سائل: ما تقول في الميتة؟ تقدر تقول: حرام؟ ما تقول في الميتة؟

* طلبة: حرام.

* الشيخ: حرام، أقدر أقول هذا؛ لأن هكذا في القرآن، إذن يجب على الإنسان أن يتحرز، كثيرًا ما يلجئنا بعض الناس، تكون المسألة عندنا ما هي واضحة في التحريم ثم نقول: لا تفعل، ثم يقول: هو حرام؟ يصر ولكننا نصر على أن نقول: لا تفعل هكذا، ويكفينا هذا يا إخوان، يكفينا حجة عند الله عز وجل: لا تفعل، فإذا أصر هو حرام ولَّا غير حرام؟ نقول: لا تفعل بس؛ لأن بعض الناس يلجئك، يعني: معناه إن كان حرامًا ما نفعل، وإن كان غير حرام أريد أن أفعله ولو أنه فيه شبهة، هذا معنى كلامه، وهذا إلجاء واضطرار، فلا يلزم أن نقول: حرام، إذا لم يتبين لي لا يلزمني.

بل إن بعض الناس -سبحان الله- ناس فيهم جدل أقول له: نهى عنه الرسول عليه الصلاة والسلام، يقول لي: لكن النهي للتحريم؟ سبحان الله! نهى عنه الرسول اتركه، أنت ملزم به إذا نهى عنه النبي ﷺ، خلاص انتهِ عنه، إن كان للتحريم فقد سلمت من إثمه، وإن كان لكراهة فقد رجعت بفضله؛ لأن ترك المكروه يعتبر من الزهد؛ إذ إن الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة، والورع ترك ما يضر، أيهما أعلى؟

* طالب: الورع.

* الشيخ: الورع، التقليد الأعمى لا يفيد.

* طالب: الزهد.

* الشيخ: الزهد، استمعوا للتعريف: الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة، والورع ترك ما يضر في الآخرة، الزهد أعلى؛ لأن بين ما لا ينفع وبين ما يضر مرتبة، اللي ما فيه لا نفع ولا ضرر الزاهد يتركه، الزاهد يترك من أمر الدنيا ما ليس فيه نفع ولا ضرر، الورع لا يترك إلا الحرام، إذن طبقة التارك للمكروه أعلى من طبقة التاركين للحرام؛ لأن ترك الحرام من باب الورع، وترك المكروه من باب الزهد.

* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله، هما: العلم، والحكمة؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.

* طالب: العلم والحكمة؟

* الشيخ: إي نعم.

* الطالب: صفات هذه.

* الشيخ: (...) في الآية الكريمة من أسماء الله تعالى: العليم والحكيم، صح، العليم والحكيم ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.

* ومن فوائدها اللغوية: أن (كان) قد تسلب دلالتها على الزمان؛ لأنها لو دلت على الزمان ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ لو دلت على الزمان لكان الرب عز وجل الآن ليس عليمًا ولا حكيمًا، (كان)، لكنها أحيانًا تسلب دلالتها على الزمان ويكون مدلولها مجرد الحدث أو مجرد الوصف إذا كان صفة، ولهذا قال بعض السلف -وأظنه ابن عباس- «قال: إن الله كان غفورًا رحيمًا ولم يزل غفورًا رحيمًا»[[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١٠٥٩٤) من حديث ابن عباس، وأخرجه بن أبي حاتم في التفسير (٦٢٤٤) من حديث ابن عباس بلفظ: عن ابن عباس قال: أتاه رجل فقال: أرأيت قول الله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ قال ابن عباس: كذلك كان ولم يزل.]]، خوفًا من هذا الوهم أن (كان) لأيش؟ للماضي، ولهذا لو سئلت عن رجل: فلان هل كان غنيًّا؟ تقول: كان غنيًّا، المعنى؟

* طلبة: (...).

* الشيخ: وأما الآن ففقير.

تسأل عن طالب: هل هو مجتهد؟ فتقول: كان مجتهدًا، والآن؟

* طلبة: (...).

* الشيخ: تسأل: هل ينام في الدرس؟ فتقول: كان لا ينام في الدرس، والآن؟

* طلبة: ينام.

* الشيخ: الآن ينام، فعلى كل حال (كان) في الأصل تدل على زمن مضى، لكنها أحيانًا تسلب دلالتها على الزمان فتكون لمجرد الوصف بخبرها.

* من فوائد الآية الكريمة: أنها تستلزم التسليم التام لقضاء الله الكوني والشرعي، من أين؟ إذا آمنت بأن الله عليم حكيم فسأطمئن وأعلم أنه ما قضى قضاء شرعيًّا إلا والحكمة تقتضيه، ولا قضى قضاء كونيًّا إلا والحكمة تقتضيه، فيسلم الإنسان لربه عز وجل تسليمًا تامًّا وينشرح صدره بقضائه وقدره، وينشرح صدره بشرعه وحكمه، ولا يبقى عنده أي تردد.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском