Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:131–134
4:131Page 99
وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَلَقَدۡ وَصَّيۡنَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَإِيَّاكُمۡ أَنِ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ وَإِن تَكۡفُرُواْ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدٗا ١٣١
And to Allāh belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And We have instructed those who were given the Scripture before you and yourselves to fear Allāh. But if you disbelieve - then to Allāh belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And ever is Allāh Free of need and Praiseworthy.
﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ إلى آخره.
﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ هذه تقدم لنا مرارًا أمثالها، وفيه أن تقديم الخبر ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ يفيد الحصر، وأنه خاص بالله عز وجل، وملك السماوات والأرض يشمل ما فيهما من الأعيان والمنافع وغير ذلك، كله ملك لله، لا يشاركه فيه أحد، ولهذا لا يمكن لأحد أن يتصرف في شيء من السماوات والأرض إلا بإذن الله عز وجل الإذن الكوني أو الإذن الشرعي.
يقول: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ لما ذكر ما يتعلق بالربوبية، وهو ملك الواسع العام، ذكر ما يتعلق بالألوهية والعبادة، وهي أيش؟ التقوى، فقال: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، ﴿وَصَّيْنَا﴾ الوصية هي العهد بالشيء مع التأكيد، يعني ليس مجرد أن أقول: يا فلان افعل كذا وكذا، ليس هذا وصية، بل إذا قيل: وصى فمعناه أنه عهد إليه بالشيء مع التأكيد.
﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أوتوا الكتاب من قبلنا من هم؟ قيل: اليهود والنصارى، ولكن الصحيح أنها أعم وأن كل من أنزل الله إليه كتابًا فقد وصاه بالتقوى، ومن المعلوم أن كل رسول معه كتاب كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾ [الحديد ٢٥].
إذن فـ﴿أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ هنا لا تختص باليهود والنصارى، بل كل من آتاه الله الكتاب وصاهم الله تعالى بماذا؟ بالتقوى ﴿أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾، (أن) هنا يسميها النحويون تفسيرية، وعلامتها أن تأتي بعد ما تضمن معنى القول دون حروفه، إذا أتت (أن) بعد فعل تضمن معنى القول دون حروفه فأعربها على أنها تفسيرية، وإن شئت فقل: ما حل محلها (أي) فهي تفسيرية، هنا ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ أي اتقوا الله، فتكون ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ كأنها تفسير لما أوصى به الله سبحانه وتعالى من قبلنا وهذه الأمة.
﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾، هنا لو قال قائل: قال: ﴿وَإِيَّاكُمْ﴾ أليس من الممكن أن يقال: ولقد وصيناكم والذين أوتوا الكتاب من قبلكم؛ حتى لا ينفصل الضمير؟
قلنا: بلى، لكن لما كان هؤلاء سابقين علينا كان مقتضى الترتيب الزمني أن يقَدَّموا، كما أن من سبق غيره في المرتبة فإنه يقدم عليه، ولو أمكن اتصال الضمير مثل قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ﴾ [الممتحنة ١] كان لقائل يقول: لِمَ لم يكن الكلام: يخرجونكم والرسول؟ لأنه لا فصل مع إمكان الوصل، كما قال ابن مالك في الألفية:
وَفِي اخْتِيَارٍ لَا يَجِيءُ الْمُنْفَصِلْ ∗∗∗ إِذَا تَأَتَّى أَنْ يَجِيءَ الْمُتَّصِلْ
فنقول: نعم في الإمكان أن يكون هكذا، لكن يفوت الغاية، فهنا الذين أوتوا الكتاب ليسوا أفضل منا، ولكنهم أسبق منا زمنًا.
وفي ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ﴾ تقديم الرتبة، فذكر الرسول عليه الصلاة والسلام لئلا يكون تابعًا لغيره، فيقال: يخرجونكم والرسول.
يقول: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ هذا ما أوصى به الله عز وجل الأولين والآخرين. وتقوى الله مرت علينا أيضًا كثيرًا مرارًا وتكرارًا على أنها اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه. التقوى أحيانًا تضاف إلى الله كما هنا، وأحيانًا تضاف إلى المخلوقات، مثل: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران ١٣١]، وأحيانًا تضاف إلى الزمن، مثل: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة ٢٨١]، وليست التقوى المضافة إلى غير الله كالتقوى المضافة إلى الله؛ لأن التقوى المضافة إلى الله تقوى مع عبادة وتذلل لله عز وجل، أما اتقاء النار واتقاء اليوم الذي نرجع فيه إلى الله فهذا مثل اتقائنا للسباع والذئاب وما أشبه ذلك، أي أننا نخاف منها خوفًا طبيعيًّا لا خوف عبادة ولا تقوى عبادة، وفي الأثر «اتق شر من أحسنت إليه»[[قال السخاوي في المقاصد (١ / ٦٠): « لا أعرفه، ويشبه أن يكون من كلام بعض السلف».]]. اتق شره ليس هذا تقوى عبادة، فكل تقوى تضاف إلى غير الله فليست تقوى عبادة، والتقوى المضافة إلى الله تقوى عبادة بمعنى أن الإنسان يتقي مخالفة الله عز وجل محبة له وتعظيمًا له.
﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ يعني: ولن تضروا الله، إذا كفر كل الخلق فإنهم لن يضروا الله عز وجل؛ لأنه غني عنهم، وفي الحديث القدسي حديث أبي ذر المشهور؛ أن الله تعالى قال: «يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا»[[أخرجه مسلم (٢٥٧٧ / ٥٥) من حديث أبي ذر رضي الله عنه.]]. وأي شيء ينقص الله؟ الطاعة تنفع من؟ صاحبها، والسيئة تضر صاحبها، أما الرب عز وجل فإنه لا يتضرر بالمعصية ولا ينتفع بالطاعة، ولهذا قال: ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، فهو غني عنهم أجمعين.
﴿وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾ مر علينا أيضًا مرارًا وتكرارًا أن (كان) في مثل هذا التركيب تفيد الثبوت والاستمرار واتصاف الموصوف بها، يعني اتصاف اسمها بالصفة المضافة إليه، ﴿كَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾ ولم يزل غنيًّا حميدًا، والغني هو من عنده غنًى يستغني به عن غيره، والحميد بمعنى المحمود، فهو غني يحمَد على غناه. وهل كل غني يحمَد على غناه؟ لا، الغني البخيل كالفقير تمامًا، بل أردأ من البخيل؛ لأن الغني البخيل أسوأ حالًا من الفقير؛ لأن الغني البخيل يُذَمّ والفقير لا يذم، لكن الغني الحميد بمعنى الذي ينفع غيره بغناه، هذا هو المحمود، فالله سبحانه وتعالى غني بذاته عن جميع المخلوقات، ثم هو حميد بما يفعله بعباده من الخيرات والنعم ودفع النقم وغير ذلك.
(حميد) هنا هل نجعلها بمعنى (حامد) أو بمعنى محمود؟
* الطلبة: كلاهما.
* الشيخ: نعم بمعناهما جميعًا.
فإن قال إنسان: أليس هذا من استعمال المشترك في معنيين؟
قلنا: وأي ضرر في استعمال المشترك في معنيين إذا كان لا منافاة بينهما، المشترك معناه أيش؟ اللفظ الصالح لمعنيين على وجه الحقيقة، مثل كلمة (عين) تطلق على الذهب:
أَنَدَّانُ أَمْ نَعْتَانُ أَمْ يَنْبَرِيلَنَـــــــــــــــــــــــــــا ∗∗∗ فَتًى مِثْلُ نَصْلِ السَّيْفِ مِيزَتْمَضَارِبُهْ
فالذهب يسمى العين، الماء الجاري يسمى عينًا حقيقة، العين الباصرة تسمى عينًا حقيقة، هنا لو جاءت كلمة (عين) هل يمكن أن تحملها على المعاني الثلاثة؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: نقول: لا، إذا لم يمكن أن يجتمعا، أما إذا أمكن فنحملها. هنا (حميد) فعيل تأتي بمعنى فاعل وتأتي بمعنى مفعول، جريح بمعنى مجروح، سميع بمعنى سامع، هل نستعمل (حميد) هنا بمعنى محمود وبمعنى حامد؟
الجواب: نعم، فإذا اعترض علينا معترض وقال: هذا من باب استعمال المشترك لمعنيين.
قلنا: وأي ضرر في ذلك إذا كان المعنيان لا يتنافيان.
إذن هو حميد أي: محمود، محمود على صفاته الكاملة، محمود على إنعامه على أفعاله الدائرة بين العدل والإحسان، هو أيضًا حامد لمن يستحق الحمد من عباده، ولهذا يثني الله سبحانه وتعالى على من يستحقون الثناء، مثل الأنبياء والرسول والأصفياء وما أشبه ذلك.
* في هذه الآية فوائد، من فوائدها: عموم ملك الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾.
* من فوائدها أيضًا: اختصاص الملك العام بالله، سواء كان عامًّا لشموله في الأعيان أو لشموله في الأفعال، من شموله في الأعيان يعني كل الموجودات ملك لله، شموله في الأفعال أنه يفعل في هذه الموجودات ما يشاء. هل يثبت مثل هذا لأحد من المخلوقين؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لا، لا يوجد أحد شمول في الموجودات ولا في الأفعال والتصرفات؛ لأن ملكي أنا محصور لا تملكه أنت، وملكك أنت محصور لا أملكه أنا، ثم ملكي لما أملك هل هو ملك لجميع التصرفات أتصرف فيه كما أشاء؟ لا، ملك محدود. كذا أيش قلنا؟
* طالب: أنه ملك ليس (...).
* الشيخ: محدود، طيب.
* من فوائد الآية الكريمة: أهمية التقوى، أهمية تقوى الله عز وجل، لماذا؟ لأنه أوصى بها الأولين والآخرين: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾.
فإن قال قائل: التقوى تكون بفعل الأوامر واجتناب النواهي؟
قلنا: نعم، فما الجواب عن قوله: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة ٢]، والبر كل ما أمر الله به فهو بر؟
فالجواب: أن بعض الكلمات يكون لها معنى إذا انفردت، ومعنى إذا اقترنت بغيرها، فالتقوى إذا انفردت تشمل البر، والبر إذا انفرد يشمل التقوى، وإذا اجتمعا صار البر فعل الأوامر، والتقوى ترك النواهي.
وهنا جملة معترضة يقول: فوائد أهمية التقوى؛ لأن الله أوصى بها الأولين والآخرين.
* ومن فوائد هذه الآية: أن مخالفة التقوى لا تضر الله شيئًا؛ لقوله؟ أجيبوا.
* الطلبة: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾.
* الشيخ: ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله، وهما: الغني والحميد، فيستفاد منهما إثبات صفتين من صفات الله، وهما الغنى والحمد.
ويستفاد من ضم أحدهما للآخر فائدة الانضمام؛ لأن الغنى وحده كمال، والحمد وحده كمال، واجتماعهما يتولد منه كمال أعلى.
ثم قال الله عز وجل: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، هذا تكرار، لكنه تكرار مهم، الأول بيان غناه عز وجل عن خلقه ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾، والثاني بيان مراقبته لخلقه، فالآية الأخيرة تتضمن التحذير من المخالفة، والأولى تتضمن الأمر بالموافقة.
4:132Page 99
وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًا ١٣٢
And to Allāh belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And sufficient is Allāh as Disposer of affairs.1
قال: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ الوكيل هو المراقب المتصرف، ولهذا يكون وكيل الإنسان متصرفًا فيما وكل فيه مراقبًا له.
ففي هذه الآية من عموم ملك الله ما في الأولى.
وفي هذه الآية: كمال مراقبة الله عز وجل لعباده؛ لقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾.
فإن قال قائل: الوكيل عادةً أدنى رتبة من الموكل، فكيف نقول: إن الله وكيل؟
قلنا: الوكيل الذي هو عادةً أدنى رتبة من الموكل هو الذي يتصرف للغير بأمر غيره، ولَّا لا؟ وكيلك أدنى منك مرتبة؛ لأنه يتصرف لك بأيش؟ بأمرك، فهو دونك، أما الوكيل الذي بمعنى المراقب فإن مرتبته تكون أعلى من المراقب؛ لأنه سبحانه وتعالى يراقب جميع العباد ويحصي عليهم أعمالهم.
ففي الآية أيضا: كمال مراقبة الله عز وجل، وأنها فيها الكفاية عن كل مراقبة.
4:133Page 99
إِن يَشَأۡ يُذۡهِبۡكُمۡ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ وَيَأۡتِ بِـَٔاخَرِينَۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ ذَٰلِكَ قَدِيرٗا ١٣٣
If He wills, He can do away with you, O people, and bring others [in your place]. And ever is Allāh competent to do that.
ثم قال الله عز وجل: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾، ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُم﴾ الجملة لا تخفى علينا جميعًا، أنها جملة شرطية، وفعل الشرط وجوابه كلاهما فعل مضارع، ولهذا جاءا مجزومين ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ﴾، ﴿يُذْهِبْكُمْ﴾ بمعنى يعدمكم حتى لا تكونوا في الوجود.
وقوله: ﴿أَيُّهَا النَّاسُ﴾ هذه منادى صدر الله هذه الجملة بالنداء للتنبيه، والناس هنا يشمل الكافر والمؤمن.
﴿وَيَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ بآخرين يتقون الله عز وجل ويقومون بأمره، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد ٣٨] وهذا تهديد من الله عز وجل أن يخالف أوامره أحد.
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾، ﴿كَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ﴾ أي على إذهابكم والإتيان بآخرين ﴿قَدِيرًا﴾، والقدرة وصف يتمكن به القادر من الفعل بلا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا.
* الطلبة: بلا عجز.
* الشيخ: بلا عجز، القدرة وصف يتمكن به الفاعل من الفعل بلا عجز، والقوة وصف يتمكن به من الفعل بلا ضعف.
الدليل على هذا أن القدرة ضدها العجز، والقوة ضدها الضعف؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ [الروم ٥٤] وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر ٤٤] ولم يقل: عليمًا قويًّا؛ لأن الذي يقابل العجز هو القدرة.
﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ﴾، ﴿يَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ إذا أردنا أن نعرب (آخرين) فكيف نعربها؟
* طالب: آخرين مجرور بالباء (...) الياء لأنها جمع مذكر سالم.
* الشيخ: لأنها؟
* الطالب: جمع مذكر سالم.
* الشيخ: هل حذف من هذا شيء، من هذه الكلمة: ﴿بِآخَرِينَ﴾.
* الطالب: ﴿بِآخَرِينَ﴾.
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: ما حذف شيء.
* الشيخ: ما حذف شيء.
* الطالب: حذف.
* الشيخ: حذف شيء؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: اجزمْ، ويش التقدير؟
* الطالب: بقوم آخرين.
* الشيخ: بقوم آخرين، إذن الذي حذف هنا الموصوف أو الوصف؟
* الطلبة: الموصوف.
* الشيخ: الموصوف، طيب.
* طالب: ما المقصود من الكلمة هذه؟
* الشيخ: ما نعلم عن القصد، ما يعلم القصود إلا رب العباد، هذا عليه قول ابن مالك رحمه الله:
وَمَا مِنَ الْمَنْعُوتِ وَالنَّعْتِ عُقِلْ ∗∗∗ يَجُوزُ حَذْفُهُ وَفِيالنَّــــــــــــــــــــــــــــعْتِ يَقِلْ
المنعوت يحذف كثيرا ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ [سبأ ١١] ومثل هذه وغيرها، والنعت قليل.
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾ وعلى غيره؟ وعلى غيره أيضًا، والتقديم هنا لا يدل على الحصر، ولكن تقديمه لتأكيد قدرته عليه، وهو محل الخصومة بين المنكرين للقدرة وبين المثبتين للقدرة، فلذلك قدم المعمول للأهمية، ومر علينا قريبًا مثله.
* في الآية فوائد، منها: إثبات المشيئة لله، تؤخذ من: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾.
وهل المشيئة الثابتة لله هل هي مشيئة مطلقة مجردة عن الحكمة، أو هي مشيئة مقرونة بالحكمة؟
الثاني، كل شيء علقه الله بالمشيئة فالمراد المشيئة التي تقتضيها الحكمة؛ الدليل قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠]، فدل ذلك على أن مشيئة الله مقرونة بالعلم والحكمة.
* ومن فوائدها: بيان قدرة الله عز وجل أنه قادر على أن يذهب الناس جميعًا ويأتي بآخرين، وتعلمون أن نوحًا عليه الصلاة والسلام أن نوحًا هو الأب الثاني للبشرية؛ لأن الله تعالى أهلك قومه إلا من كانوا معه، وقد قال المؤرخون: إن الذين بقوا من البشرية كلهم أولاد لنوح، وإن أولاد نوح سام وحام ويافث هؤلاء الثلاثة تفرع منهم بنو آدم بعد أن أغرق الله أهل الأرض، فهنا أذهب الله أهل الأرض وأتى بآخرين وعمرت الأرض بساكنيها إلى أن بعث محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم فكان خاتم الأنبياء.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات قدرة الله على كل شيء، كل شيء فالله تعالى قادر عليه.
هل هو قادر عز وجل على إعدام الموجود؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: لأنه شيء، على إيجاد المعدوم؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: لأنه شيء، كل شيء فالله قادر عليه، هل هو قادر على أن ينزل إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: نعم قادر، قادر على أن يأتي للفصل بين العباد؟ قادر، قادر على أن يتكلم؟ هو قادر، كل شيء فالله قادر عليه.
قال بعض أهل العلم: ولكن القدرة تتعلق بالشيء الممكن، أما الشيء المستحيل فلا تتعلق به القدرة.
وأشكل هذا على بعض الناس وقال: إن الله على كل شيء قدير؟ وأجاب عنه شيخ الإسلام رحمه الله بأن المستحيل ليس بشيء؛ لأنه لن يوجد ولن يعدم، ليس بشيء حتى يقال: إنه خرج من عموم الآية، وإذا كان ليس بشيء فإنه لا يدخل في العموم حتى نقول: إن هذا خطأ، ولهذا قال السفاريني في عقيدته:
بِقُدْرَةٍ تَعَلَّقَتْ بِمُمْكِنِ ∗∗∗ .............................
طيب العلم، علم الله يتعلق بمستحيل أو لا؟
* الطلبة: يتعلق.
* الشيخ: إي نعم يتعلق بمستحيل، قال الله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء ٢٢]، وهذا مستحيل أن يكون فيهما آلهة إلا الله، ومع ذلك علم الله تعالى بنتيجته لو كان ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ وهذا شيء مستحيل.
فلو قال قائل: هل يقدر الله على أن يخلق مثل نفسه؟ قلنا: هذا مستحيل، مستحيل أن يخلق مثل نفسه، لأيش؟ لأنه جل وعلا لا مثل له، كما أخبر عن نفسه، وإذا كان لا مثل له فإنه يستحيل أن يكون كذلك؛ لأن الله تعالى خبره صادق لا يخلف ولا يتغير.
يعبر بعض الناس (إن الله على ما يشاء قدير) فهل هذا التعبير صحيح؟
غير صحيح؛ لأنه يقيد القدرة لما شاءه الله. وما لم يشأ هو قادر عليه، ومفهوم هذا الكلام أنه ليس بقادر، فعلى هذا نقول: هذه الكلمة أولًا لم ترد لا في القرآن ولا في السنة (إن الله على ما يشاء قدير)، وثانيًا: أنها توهم معنى فاسدًا.
ورتب بعض العلماء على هذا قال: إنها توهم مذهب المعتزلة الذين أنكروا تعلق مشيئة الله بفعل العبد وقالوا: إن العبد يفعل باختياره، ولا تعلق لمشيئة الله به، فيكون عز وجل غير قادر على أفعال العباد بناء على ذلك لأنه لا يشاؤها.
وعلى كل حال فنتقيد بما جاء في القرآن والسنة ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، وإذا كان الإنسان لا يستطيع أن يدرك: معنى مستحيل أو غير مستحيل؛ فليقل: إن الله على كل شيء قدير ويسكت، لكننا بينا لكم، الذين أمامنا كلهم من طلبة العلم إن شاء الله وسيفهمون، لكن العامي قد لا نقول له هذا الكلام، قد لا نقول: القدرة متعلقة بالممكن؛ لأن غير الممكن، وهو المستحيل، ليس بشيء؛ لأنه لا يفهم أبدًا.
ويذكر أن الشيطان أبا الشياطين الذي يجعل له كرسيًّا على البحر ويبث جنوده وسراياه في إضلال الخلق قالت له ذريته: لم تفرح بموت العالم أكثر مما تفرح بموت العباد؟ قال: لأن العالم يرشد الناس ويهديهم ويدلهم، ولا أتمكن من إضلاله، لكن العابد أستطيع، يعني تنطلي عليه الأمور، قالوا: كيف ذلك؟ قال: أنا أختبرهم لكم. فأرسل من جنوده من يقول للعابد: هل يستطيع الله أن يجعل السماوات والأرض في جوف بيضة، البيضة مفهومة؟ والسماوات والأرض كذلك، فكر العابد هذا، عابد يعبد الله ليلًا ونهارا فكر قال: ما يستطيع. رجع المندوب قال: إنه يقول: لا يستطيع، قال: شوفوا الآن كفر الرجل، كفر وهو ما يدري، فأرسله إلى العالم وقال له: هل يستطيع الله عز وجل أن يجعل السماوات والأرض في بيضة؟ قال: نعم يستطيع ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢] لو قال للسماوات: كوني في جوف البيضة كانت إما أن تكبر البيضة وإلا تصغر السماوات والأرض، نعم رجع إلى شيطانه وقال له الكلام هذا، قال: انظر هذا تخلص وذاك المسكين كفر، هذه تذكر قصة مرت علي في بعض الكتب قديمًا[[ذكرها القرطبي في جامع بيان العلم وفضله (١ / ١٢٧) منسوبة لابن عباس.]].
لكني أقول: إن الله على كل شيء قدير، العامي قل له: إن الله على كل شيء قدير ولا تقل له: القدرة تعلقت بممكن ولا بالمستحيل ولا بالجائز أو الواجب قصدي، وهذا هو الأولى.
* طالب: شيخ، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء ١٣١] هل نعد من هذه الآية، نحن نعد من هذه الآية أن الله وصى الله الأولين والآخرين وأقوام لا يعلمون هل من الآية؟
* الشيخ: يعد من فوائدها يعني؟
* الطالب: يعني يعبر من..
* الشيخ: يعبروا وأيش لون يعبر من الآية؟
* طالب: يعبروا يعني أناس في الحجة أناس مع، وصى الله تبارك وتعالى للأولين والآخرين لتكون لهم حجة.
* الشيخ: لا بأس أن يترجمها بالمعنى لا بأس.
* الطالب: وعلى هذا التقدير تكون (أن) مصدرية وليس بـ(أن) الاسمية؟
* الشيخ: وصى الله؟
* الطالب: الأولين والآخرين بتقوى الله.
* الشيخ: بتقوى الله، تغير المعنى؛ لأن بتقوى الله الآن حذفت (أن).
* الطالب: بجزء خاص..
* الشيخ: الآن حولتها إلى مصدر، ما فيها (أن).
* الطالب: (أن) وحولت..
* الشيخ: وأتيت بالباء أيضًا؛ لأن دخول الباء على (أن) يحوله.
* الطالب: إلى مصدر.
* الشيخ: إلى مصدرية إي نعم، لكن الآية ما فيها (أن)، لا قصدي ما فيها الباء.
* الطالب: ممكن حال.
* الشيخ: ما يصح، لا بد تعربها أنها تفسيرية، مثل ﴿أَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ [المؤمنون ٢٧].
* طالب: شيخ، لو بنينا على قوله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى ٢٩] (...)؟
* الشيخ: هذه ما فيها، يقول: كيف نجيب على قوله: ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ فيقال: المشيئة هنا معلقة بالجمع، يعني إذا شاء جمعه فإنه لا يمتنع عليه، فالمشيئة هنا شرط في الجمع وليست شرطًا في القدرة.
* طالب: قوله: ﴿عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾ يقولون بعض المفسرين: إن تقديم المعمول على العامل لا يراد هنا التخصيص، ويقول: قدم لمناسبة رؤوس الآية؟
* الشيخ: نعم هذه مناسبة لفظية، ونحن ذكرنا أنه قدم لا للحصر، أن الله تعالى قادر على هذا وغيره.
* الطالب: يقولون وجدت لمناسبة رؤوس الآية..
* الشيخ: لا، هذا مناسبة لفظية، صحيح أن المناسبة اللفظية تأتي لكن ذكرنا لكم مناسبة معنوية وهي الاهتمام بهذا الشيء الذي أنكر أو الذي يكون بصدد الإنكار.
* الطالب: بعضهم توسع في هذا وقال: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن ٤٦] وقال: مقصود جنة واحدة، والمقصود هنا مناسبة رؤوس الآية؟
* الشيخ: هذا غلط، هذا غلط كبير، كيف ﴿جَنَّتَانِ﴾ وهو يقول ﴿فِيهِمَا﴾ [الرحمن ٥٠] هذه مثنى ولّا واحد؟
* الطالب: مثنى.
* الشيخ: طيب هذا غلط.
4:134Page 99
مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ ٱلدُّنۡيَا فَعِندَ ٱللَّهِ ثَوَابُ ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعَۢا بَصِيرٗا ١٣٤
Whoever desires the reward of this world - then with Allāh is the reward of this world and the Hereafter. And ever is Allāh Hearing and Seeing.
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (١٣٤) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٣٥) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ [النساء ١٣٤ - ١٣٧].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ الإعراب ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ هذه جملة شرطية، ففي الشرط فيها (كان)، وجواب الشرط قوله: ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾، واقترن الجواب بالفاء لأنه لا يصح أن يكون فعلًا للشرط، وكل جواب لا يصح أن يكون فعلًا للشرط فإنه يتعين أن يقترن بالفاء؛ كما قال ابن مالك رحمه الله:
وَاقْرِنْ بِفَا حَتْمًا جَوَابًا لَوْ جُعِلْ ∗∗∗ شَرْطًا لِإِنْ أَوْ غَيْرِهَا لَمْيَنْجَعِلْ
هذا هو الضابط، وقد قُصَّ ما يشمله هذا الضابط بسبع جمل مذكورة في قوله:
اسْمِيَّةٌطَلَبِيَّـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــةٌوَبِجَامِــــــــــــــــــــــــدٍ ∗∗∗ وَبِمَا وَقَدْ وَبِلَنْ وَبِالتَّنْفِيسِ
وقوله: ﴿عِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ جملة خبرية قدم فيها الخبر لإفادة الحصر؛ لأن من قواعد البلاغة أن تقديم ما حقه التأخير يقتضي الحصر. ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ واضح إعرابها.
يقول الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ أي جزاءها ومتعها وزهرتها فقد فاته الخير الكثير؛ لأنه حُرم ما عند الله من ثواب الدنيا والآخرة، ولهذا لم يقل: من كان يريد ثواب الدنيا نؤته منها، كما جاء ذلك في آية أخرى ﴿نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى ٢٠] بل جاء الجواب على خلاف ما يتوقع السامع، يعني فكأنه لم ينل شيئًا.
وهذه الآية لها شواهد كثيرة؛ أن من أراد الدنيا فإن الدنيا والآخرة تفوته. ثم هل ينال ما أراد من الدنيا؟
الجواب: لا؛ لقول الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء ١٨، ١٩] ثم من أراد الآخرة هل تفوته الدنيا؟ لا، ولهذا قال عز وجل: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى ٢٠].
فمن أراد الآخرة لم تفته الدنيا، ومن أراد الدنيا قد تفوته الدنيا والآخرة، وإن أتته الدنيا فإنه لا يؤتى إلا منها، لا كل ما يريد. هذا هو الحاصل في الإرادات، ومن أراد الدنيا والآخرة معًا فهل نقول: إنه بين درجتين؟ أو نقول: إنه ينال ثواب الدرجة الثانية، وهي إرادة الآخرة؟ نقول هنا: أيهما أغلب فيمن أراد الدنيا والآخرة؟ إذا كان الأغلب الآخرة فإنه ينال ثواب الدنيا والآخرة، وإذا كان الأغلب الدنيا فإنه ينقص من ثواب الآخرة بقدر ما نوى من الآخرة، نعم بقدر ما نوى من الآخرة، فإذا كان نوى الآخرة كلها حصل له الثواب كله، أو بعضها يحصل له أقل.
وقد جاءت الأحاديث شاهدة بهذا؛ فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أن النبي ﷺ قال: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧ / ١٥٥)من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه. ]].
ولهذا نجد الذين يريدون الدنيا أحيانًا يوفَّقون في الدنيا ويحصل لهم مرادهم أو بعضه، وأحيانًا لا يحصل لهم ويكونون أشد فقرًا من المسلمين.
وقوله عز وجل: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ يعني وقد فاته ما يريد؛ لأنه في الواقع قد يؤتى ما يريد أو بعضه، ثم لو أتي فإنه لن يدوم، بل سيموت أو يفقد ما أوتي.
﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ يعني أنه ثبت ثبوتًا أزليًّا وأبديًّا هذا الاسم، بل هذان الاسمان السميع والبصير وما تضمناه من صفة وهي السمع والبصر.
وقد مر علينا أن السمع المضاف إلى الله تعالى ينقسم إلى قسمين، وتفرع من هذين القسمين أقسام كثيرة، وأظن أننا لا نطيل بإعادة ما سبق.
* في هذه الآية الكريمة عدة فوائد، أولًا: ترتيب الثواب والجزاء على النية؛ لقوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ﴾، وعلى هذا فيجب على الإنسان أن يصحح نيته تمامًا، وألا ينوي في عمل الآخرة إلا الآخرة، أما عمل الدنيا فهو للدنيا.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الرد على الجبرية، وذلك بإثبات الإرادة للعبد، والجبرية يقولون: إن العبد ليس له إرادة وإنه مجبر على عمله، فليس له إرادة، وهذه الآية وغيرها ترد عليهم.
* ومنها: بيان انحطاط رتبة الدنيا عند الله عز وجل، ولهذا قال: ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾، قال ابن القيم رحمه الله في النونية:
لَوْ سَاوَتِ الدُّنْيَا جَنَاحَ بَعُوضَةٍ ∗∗∗ لَمْ يَسْقِ مِنْهَا الرَّبُّ ذَا الْكُفْرَانِ؎لَكِنَّهَـــــــــــا وَاللهِأَحْقَـــــــــــــــــــــرُ عِنْدَهُ ∗∗∗ مِنْ ذَا الْجَنَاحِ الْقَـــــاصِرِالطَّيَرَانِ
يعني لو أن الدنيا تساوي جناح بعوضة ما سقى الله أحدًا من الكفار ولا أنعم عليهم بشيء لكفرهم، لكن يتمتعون بها لأنها ليست عند الله بشيء، سواء تمتع بها أولياؤه أو أعداؤه، وهذا هو الواقع، فالدنيا إذا لم تكن وسيلة للآخرة فلا خير فيها، حتى لو نُعِّم فيها الإنسان فإن هذا النعيم جحيم، ولذلك تجد أشد الناس حرارة وأسى وحزنًا وقلقًا هم أصحاب الدنيا، ولا يغرنك ما عندهم من اللباس والقصور والنعيم والسيارات وغيرها، قلوبهم والله أسوأ حالا من أفقر المسلمين، ولهذا قال بعض السلف: لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف[[أخرجه البيهقي في الزهد الكبير (١/ ٨١).]].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الذي يعطي الثواب هو الله عز وجل لا غيره: ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾.
ويتفرع على هذه القاعدة: ألا نعتمد فيما نرجوه من ثواب الدنيا والآخرة إلا على من؟ إلا على ربنا عز وجل؛ لأنه الذي بيده الأمور، حتى قال الرسول ﷺ لابن عمه عبد الله بن عباس: «وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَ اللهُ لَكَ»[[أخرجه الترمذي (٢٥١٦) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.]].
* ومن فوائد هذه الآية: إثبات الآخرة، ولم نقل: إثبات الدنيا، لماذا؟ لأنه ما يحتاج، لو قلنا: إثبات الدنيا، ثواب الدنيا، لكان هذا من باب اللغو: السماء فوقنا والأرض تحتنا، و
كَأَنَّنَا وَالْمَاءُ مِنْ حَوْلِنَا ∗∗∗ قَوْمٌ جُلُوسٌ حَوْلَهُمْ مَاءُ
جزاه الله خيرًا على هذه الفائدة العظيمة!
نعم أقول: هذه الآية تدل على ما ذكرنا من إثبات الآخرة وأنها آتية لا بد منه، وأنها هي الغاية لكل حي، ولهذا يجب علينا أن نشعر بأننا نحن في هذه الدنيا مسافرون كالمسافر تمامًا، بل أعجل من المسافر؛ لأن المسافر يسير ويمكث، ينزل ينام، يستريح، يريح الإبل، لكن الحي في الدنيا لا يستريح، هو سائر ليلًا ونهارًا قائمًا وقاعدًا ومضطجعًا وسائرًا في كل حال، فعلينا أن نشعر أنفسنا بهذا لئلا نتخذها وطنًا، ومن نعمة الله سبحانه وتعالى على الإنسان، على العباد جميعًا، أنه لم يجعل نعيم هذه الدنيا كاملًا، بل ينغص لئلا يتخذ الإنسان أيش؟ مقرًّا ووطنًا، بل يعرف أنها ليست دار مقر، صفوها كدر، وراحتها عناء، بهذا نقول: إن الآخرة هي الأهم.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله، هما: السميع والبصير، وإثبات ما يترتب عليهما من وصف، وهو:
* طالب: السمع والبصر.
* الشيخ: وإثبات ما يترتب عليهما من أثر؟
* طالب: هو أن الله سبحانه وتعالى يسمع ويبصر.
* الشيخ: هو أن الله يسمع ويبصر، يعني ليس سميعًا بلا سمع أو بلا بصر ولا ذا بصر بدون أن يبصر أو ذا سمع بدون أن يسمع.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences