Ibn 'UthayminAn‑Nisa · 4:143–146

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:143–146

4:143Page 101

مُّذَبۡذَبِينَ بَيۡنَ ذَٰلِكَ لَآ إِلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِ وَلَآ إِلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِۚ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ سَبِيلٗا ١٤٣

Wavering between them, [belonging] neither to these [i.e., the believers] nor to those [i.e., the disbelievers]. And whoever Allāh sends astray - never will you find for him a way.

ثم قال تعالى: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾، ﴿مُذَبْذَبِينَ﴾ أي: مرددين، يرددهم الشيطان مرة هنا ومرة هنا، ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ يعني: لا إلى المؤمنين، ولا إلى المنافقين، هم في الظاهر مسلمون، وفي الباطن كافرون، فهم إذا أتوا الكفار قالوا: إنا معكم، وإذا جاؤوا إلى المسلمين قالوا: إنا معكم.

﴿أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ كما مر، فهم -والعياذ بالله- مذبذَبين لا يستقرون على رأي، وهذا لأنهم لم يؤمنوا أول مرة، كما قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام ١١٠].

ولهذا احذر ألَّا تقبل الحق إلا مترددًا، احذر من هذا، لا بد متى بانَ لك الحق فقل: سمعًا وطاعة، وآمِن خوفًا من أن يقلب فؤادك وبصرك إذا لم تقبل الحق في أول مرة، ومن هذا أو قريب منه ما يفعله بعض الناس الآن إذا قلت: إن الرسول أمر بكذا، أو إن الله أمر بكذا، قال: هل الأمر للوجوب؟ كأنه يقول: إذا لم يكن للوجوب فلن أفعل، وهذا غلط، إذا سمعت الله يأمر، أو الرسول يأمر، قل: سمعنا وأطعنا، سواء كان للاستحباب أو للوجوب.

وإنما يُسأل عن: واجب أو مستحب إذا ضيع الإنسان هذا الأمر وتركه، حينئذ لا حرج عليه أن يقول: هل هو واجب فأقضيه، أو غير واجب فلا آثم بعدم القضاء، أما قبل أن تفعل فإن تمام العبودية أن تقول: سمعنا وأطعنا، ثم إن كان واجبًا فقد حصلت على ثواب الواجب وإبراء الذمة، وإن لم يكن واجبًا حصلت على خير وثواب، فلن تندم، لكن الندم أن تتردد، تقول: هل هو واجب أو لا؟

ولا أعلم أن الصحابة رضي الله عنهم سألوا الرسول عليه الصلاة والسلام حين يأمرهم: أواجب ذلك أم سنة؟ إلا في قضية واحدة، في قصة بَرِيرة؛ «فإن الرسول لما أمرها أن تبقى مع زوجها؛ مع مغيث، قالت: إن كنت تأمرني فسمعًا وطاعة » -ولم تقل: إن كنت تأمرني على سبيل الوجوب-« إن كنت تأمرني فسمعًا وطاعة، وإن كنت تشير عليَّ فلا حاجة لي فيه، » وكانت بريرة عَتقت، وإذا عتقت الزوجة تُخيَّر بين البقاء مع زوجها وفسخ النكاح، «فلما عتقت خيَّرها الرسول عليه الصلاة والسلام، قال: إِنْ شِئْتِ بَقِيتِ مَعَ الزَّوْجِ، وَإِنْ شِئْتِ افْسَخِي النِّكَاحَ »[[هو معنى حديث أخرجه البخاري (٥٢٨٣) من حديث ابن عباس.]]، فاختارت الفسخ.

وإنما خيَّرها الشارع لأنها الآن ملكت نفسها ملكًا تامًّا، وكانت حين العقد مملوكة لا تصرُّف لها في نفسها، أما الآن فقد تحرَّرت، ولهذا جعل لها الخيار، فاختارت الفسخ، اختارت نفسها، «فكان زوجها يلاحقها في أسواق المدينة يبكي، يريد أن ترجع، فكان الرسول عليه الصلاة والسلام يتعجب ويقول: «أَلَا تَعْجَبُونَ مِنْ حُبِّ مُغِيثٍ لِبَرِيرَةَ، وَبُغْضِ بَرِيرَةَ لِمُغِيثٍ»[[أخرجه البخاري (٥٢٧٣) من حديث ابن عباس.]]؟

وهذا حق أن نعجب؛ لأن العادة أن القلوب شواهد كما يقولون، تتبادل البغضاء والمحبة، لكن هذه -سبحان الله- أَبَت، كامرأة ثابت بن قيس المشهود له بالجنة، جاءت الرسول عليه الصلاة والسلام تطلب المخالعة،« وقالت: إني لا أعيب عليه في خُلُق ولا دين، لكن أكره الكفر بالإسلام، حتى أمره الرسول ﷺ أن يُخالعَها وتردّ عليه حديقَتَهُ»[[أخرجه البخاري (٥٢٧٣) من حديث ابن عباس.]]، وهذا من العجب.

المهم أننا نقول: إننا لا نعلم أن الصحابة راجعوا الرسول عليه الصلاة والسلام في أمره وقالوا: هل هو على سبيل الإلزام يا رسول الله، أو على سبيل التطوع؟ أبدًا، فلتكن كالصحابة، قل: سمعنا وأطعنا، واحمد الله أن الله عز وجل شرع لك هذا الأمر؛ لأنه لولا أن الله شرعه لك لكان قيامك به بدعة لا يزيدك إلا ضلالًا وبُعدًا من الله.

يقول: ﴿لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾، ﴿مُذَبْذَبِينَ﴾، ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ [النساء ١٤٣] الجملة هذه شرطية، وفيها إشكال؛ وهي أن (من) الشرطية حسب ما نعرف تجزم الفعل، وإشكال آخر أن الفعل لا يلحقه الكسر، يعني لا يكون مجرورًا، وهنا مكسور، فهذان إشكالان؟

* طالب: كُسِر لالتقاء الساكنين.

* الشيخ: يعني هو مجزوم لكن كُسِر كَسْرًا عارضًا؛ لالتقاء الساكنين، والإشكال الثاني؟

* الطالب: هو نفسه.

* الشيخ: لا، ما هو نفسه، هل الجر يدخل الفعل؟

* الطالب: ما يدخل، هنا ما دخل.

* الشيخ: أجل، لم هذه الكسرة؟

* الطالب: هذه للتخلص من التقاء الساكنين.

* الشيخ: يعني ليست كسرة إعراب، نعم، وإنما للتخلص من التقاء الساكنين، أما الجواب فهو قوله: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾.

يعني أي إنسان يكتب الله سبحانه وتعالى ضلاله فلن تجد له سبيلًا إلى الهداية، سبيلًا يعني طريقًا، ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾، وهؤلاء المنافقون قد أضلَّهم الله فلن تجد لهدايتهم سبيلًا -والعياذ بالله- ولكن ربما يَمُنُّ الله على بعضهم فيهتدي، كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً﴾ [التوبة ٦٥، ٦٦].

* من فوائد هذه الآية: أن حال المنافقين التردد بين الكفر والإيمان، لكن الحكم عليهم في الآخرة أنهم كفار، أما في الدنيا فعلى ظواهرهم؛ لأن الأحكام في الدنيا على الظواهر.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أنك إذا رأيت نفسك مترددًا بين القبول والإنكار فاعلم أن فيك شبهًا ممن؟ من المنافقين؛ لأن المؤمن لا يمكن أن يكون مترددًا، ولا أن يكون له الخيرة فيما قضى الله ورسوله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب ٣٦]، بل لا يترددون، يقبلون وينقادون.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الطمأنينة والاستقرار أمر مطلوب؛ ولهذا نجد أشد الناس استقرارًا وطمأنينة هم المؤمنون، قال: ﴿قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة ٢٦٠].

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من أضلَّه الله فلن يستطيع أحد أن يهديه؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ﴾.

فإن قال قائل: لماذا يضل الله فلانًا ويهدي فلانًا؟ قلنا له: هل منع هذا الذي منع هدايته، هل منعه ظلمًا أو عدلًا؟ الجواب: عدلًا لا شك، وتفضل على الآخر فهداه، فهو لم يمنع أحدًا حقه، وإنما تفضل على هذا فهداه.

ثم اعلم أنه لن يكون الإضلال إلا لسبب من العبد؛ لقول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف ٥]، وكما قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام ١١٠]، فلو أنهم آمنوا أول مرة، واستقاموا على الطريق، لم يضلهم الله أبدًا.

وبهذا نعرف أن حديث ابن مسعود رضي الله عنه: «إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٠٨)، ومسلم (٢٦٤٣ / ١) من حديث ابن مسعود.]]، أنه ليس المراد أنه لا يكون بينه وبين الجنة إلا ذراع بحسب عمله، ولكن لا يكون بينه وبين الجنة ذراع بحسب أجله؛ لأنه لو كان عمله أوصله إلى أن لا يكون بينه وبين الجنة إلا ذراع ما خذله الله أبدًا، لكنه في قلبه حَسَكَة، كما جاء في الحديث الآخر: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٨٩٨)، ومسلم (١١٢ / ١٧٩) من حديث سهل بن سعد، وفي أوله قصة.]]، وهذا التأويل متعيَّن؛ أن نقول: حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع باعتبار الأجل؛ يعني: حتى إذا قرب أجله وقارب الموت أظهر وأعلن أنه من أهل النار، والعياذ بالله.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الإشارة إلى اللجوء إلى الله عز وجل في طلب الهداية؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾، وعليه فإذا دعونا أحدًا إلى الحق ولكنه أبى وتردد فإننا نلجأ إلى الله أن يهديه؛ لأن الله على كل شيء قدير، وكم من أناس كانوا أشقى القوم فصاروا أسعد القوم، وأفسد القوم فكانوا أصلح القوم، وما عمر بن الخطاب الرجل الثاني من أتباع الرسول عليه الصلاة والسلام ما أمره ببعيد، خالد بن الوليد، عكرمة بن أبي جهل، ويش حالهم في أُحُد؟ أجيبوا؟

* الطلبة: كفار.

* الشيخ: كفار معادون للإسلام، يريدون القضاء على أهل الإسلام، يريدون قتل الرسول عليه الصلاة والسلام، وقتل الصحابة، ومع ذلك كانوا بعد هذا، أيش كانوا؟ كانوا قادة، وكانوا شجعانًا في نصرة الإسلام وهزيمة الكفار، فالله سبحانه وتعالى يهدي من يشاء، فإذا علم الله في قلب الإنسان خيرًا -ونسأل الله أن يجعل قلوبنا وقلوبكم هكذا- هداه للإسلام، ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الأنفال ٧٠]، فإذا علم الله من قلب العبد الخير وفَّقه له وهداه، حتى وإن ضلَّ فالعاقبة أيش؟ الهداية، العاقبة أن الله يهديه.

﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾، ﴿سَبِيلًا﴾ هذه نكرة في سياق؟ النفي، ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ [النساء ٥٢]، فتعم كل سبيل، لا يمكن أن يكون سبيل لمن أراد الله ضلاله -نسأل الله أن يهدينا وإياكم صراطه المستقيم، وأن يصلح قلوبنا وأعمالنا-.

* طالب: شيخ، أشكل عليّ هذا، وهو ذكر الله تبارك وتعالى هو كان (...) فلا يذكرون إلا قليلا ومع أن المنافقين ليست (...) فكيف يذكرون؟

* الشيخ: نعم، ربما ينقدح في قلوبهم بعض الشيء، أما ذكر اللسان والجوارح ما فيه إشكال، ذكرهم الله باللسان والجوارح ما فيه إشكال، لكن ذكر الله بالقلوب وهو الذي قلنا: إنه يكون بالقلب، قد ينقدح في ذهنه هذا، ولهذا قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ [المنافقون ٣].

* طالب: هل المنافق يزوَّج من المؤمنات (...)؟

* الشيخ: من عُلِم نفاقه فلا.

* الطالب: كيف وقد حكمنا عليه بالإسلام؟

* الشيخ: ظاهرًا، لكن إذا علمنا نفاقه، نعرف هذا الرجل يذهب منا من عند مجالس الذكر يروح إلى الكفرة والفسقة ويكون معهم، ولهذا من عُلِم نفاقه وجب قتله، وهل تُقبل توبته أو لا؟ على خلاف بين العلماء، والصحيح أنها تُقبل.

لكن الرسول عليه الصلاة والسلام يعلم بعض المنافقين علمًا يقينًا، لكنه لم يقتله، خوفًا من التنفير عن الإسلام؛ ولهذا قال: «لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٩٠٥)، ومسلم (٢٥٨٤ / ٦٣) من حديث جابر بن عبد الله.]]، وهذه نقطة يجب التفطن لها؛ أننا إذا علمنا نفاق شخص وجب أن نُجري عليه أحكام الردة، ولا نقل كما قال الرسول ﷺ، أما النبي عليه الصلاة والسلام فإن له أن يمتنع من قتلهم لهذه الفائدة العظيمة.

* طالب: شيخ، بارك الله فيكم، من المعلوم أن باب الأفعال أوسع من باب الأوصاف، فما هو الضابط في الأوصاف التي تطلَق على الله عز وجل من الأفعال؟

* الشيخ: كل فعل يطلق عليه من صفته.

* طالب: إذن ما صفته في بعضهم؟ باب الأفعال أوسع.

* الشيخ: معلوم باب الأفعال، كل فعل يُشتق منه صفة، فإذا قال: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة ١٥]، فيها إثبات صفة الاستهزاء.

* الطالب: هل نقول: الله المستهزئ، أي: من يستهزئ؟

* الشيخ: نعم، يصح.

* الطالب: يا شيخ، اللعن، هل نقول: إن الله اللاعن؟

* الشيخ: لاعِن، نعم، والله يلعن، ونقول: إنه لاعن من يستحق اللعنة، ونقول: إن لعنة الله على من يستحق اللعنة.

* الطالب: إذن باب الأفعال مثل باب الأوصاف.

* الشيخ: هو نفسه ها الفعل مشتق من الصفة، ضارب مشتق منين؟

* الطالب: من الضرب.

* الشيخ: هذه هي.

* طالب: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ المشار إليه (...)؟

* الشيخ: ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾ فسرها بقوله، أي: بين ذلك الحال، وهي أنهم تارة مع الكفار، وتارة مع المؤمنين.

* طالب: شيخ، بارك الله فيكم، يعني لو قال قائل: إنه ينبغي لنا معرفة الخطاب من الله عز وجل ومن رسوله هل يقتضي الوجوب أو يقتضي ما دون ذلك، كالاستحباب والجواز؛ لأننا حتى نشدد على أنفسنا في الواجبات، وقد نتسامح فيما دونها، وأما الصحابة فَلِفُهُومِهِمْ ولمعرفتهم باللغة العربية كانوا يعلمون أن هذا يقتضي الوجوب.

* الشيخ: الأوامر بين أيدينا، المهم أنك أول مرة لا تسأل، وكما قلت لكم: إذا وقع الشيء، إذا وقعت المخالفة فلا بأس بالبحث، أو إذا صار فيه مثل نوع مشقة فلا بأس بالبحث؛ لأجل أن يسقط عن الإنسان، أما من أول ما نقول: افعل كذا، الرسول أمر بكذا، هل هو للوجوب ولّا الاستحباب! هذا لا شك فيه تردد.

* طالب: يا شيخ، بالنسبة لطلبة العلم، تنصحهم بأن يسألوا عن الأسهل؛ لأنهم ربما يذهبون للعوام فيُسأَلون، فإذا لم يسألوا يعني العلماء في هذا..

* الشيخ: أنا أخبرك عن نفسي، أقول: هذا منهي عنه، وإذا قال: هو للتحريم؟ أقول: هذا منهي عنه، بس، كذلك دائمًا يلحُّون على الإنسان: هو حرام؟ أقول: نهى عنه الرسول، أو نهى الله عنه، وأنا ما أنا مكلَّف، إذا كنت سامعًا مطيعًا حقًّا اجتنِب.

* طالب: يا شيخ، قوله تعالى: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾، الفاعل يا شيخ هو تقديره: أنت، عائد على النبي ﷺ أو على أمته؟

* الشيخ: نحن ذكرنا قاعدة في هذا، قلنا: الخطاب الموجَّه من الله إما أن يقوم الدليل على أنه عامٌّ للرسول ولغيره، أو أنه خاص بالرسول، أو ليس هناك دليل، لا في هذا ولا في هذا، فقد اختلف العلماء هل يشمل الأمة أو لا، والصحيح أنه يشمل الأمة؛ إما عن طريق اللفظ، أو عن طريق الحكم.

* طالب: يا شيخ، ابن قيم الجوزية ذكر في كتابه شفاء العليل يقول في باب الهداية والضلال، يقول: إنما يهدي من كان محله قابلًا للهداية، ويُضلّ من كان محله غير قابل للهداية.

* الشيخ: نعم، صحيح.

* الطالب: ماذا يقصد بالمحل هنا؟

* الشيخ: يعني القلب، يعني من كان محلًّا قابلًا للهداية، ويضل من كان محلًّا قابلًا للضلال، وهذا كقوله: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤].

* الطالب: استدل يا شيخ بحديث «أن الله سبحانه وتعالى لما خلق آدم قبض قبضة من الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، فمنهم الخبيث ومنهم الحزَن»[[أخرجه أبو داود (٤٦٩٣)، والترمذي (٢٩٥٥) من حديث أبي موسى الأشعري.]].

* الشيخ: صحيح.

الطالب: يعني إيه يخلق الإنسان يا شيخ خبيث ويخلق طيب؟

* الشيخ: إي نعم، قد تكون طبيعته من أصل أنه يكره الإسلام، يكره الأوامر، وما أشبهها.

* * *

* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (١٤٤) إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (١٤٦) مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ [النساء ١٤٤ - ١٤٧].

4:144Page 101

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلۡكَٰفِرِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۚ أَتُرِيدُونَ أَن تَجۡعَلُواْ لِلَّهِ عَلَيۡكُمۡ سُلۡطَٰنٗا مُّبِينًا ١٤٤

O you who have believed, do not take the disbelievers as allies instead of the believers. Do you wish to give Allāh against yourselves a clear case?

الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، الأول أخذنا فوائدها؟

* الطلبة: نعم.

* الشيخ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، سبق الكلام على مثل هذا التعبير، وذكرنا أن تصديره بالنداء يفيد التنبيه، وأن تصديره بهذا الوصف -وصف الإيمان- يدل على أن امتثاله من مقتضيات الإيمان، وأن مخالفته نقص في الإيمان.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، أي: لا تجعلوهم أولياء؛ لأن (اتخذ) بمعنى جعل، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء ١٢٥] أي: جعله خليلًا له، لا تجعلوهم أولياء، أي تتولونهم، وتثقون بهم، وتناصرونهم، وتعلِّقون أعمالكم بهم من دون المؤمنين؛ لأن بعض المؤمنين يكون ضعيف الإيمان، ضعيف التوكل على الله، فيعتمد على هؤلاء الكفار؛ لقوتهم، ويتولَّاهم، ويرى أن المؤمنين لا يبلغون مبلغهم، وهذا لا شك أنه نقص في الإيمان والتوكل، فقد سبق أن الله قال: ﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء ١٣٩].

وقوله: ﴿مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: من سواهم.

﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾، وهذا استفهام بمعنى الإنكار، يعني: أتريدون باتخاذكم الكافرين أولياء من دون المؤمنين ﴿أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ﴾، أي: تُصَيِّروا له، ﴿عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ أي: حجة بينة واضحة؛ لأن كونكم مؤمنين يقتضي أن تتولوا المؤمنين لا الكفار، فإذا عدلتم عن هذا الواجب إلى موالاة الكفار فقد جعلتم لله عليكم سلطانًا مبينًا تستحقون به عقوبة الله.

* في هذه الآية الكريمة: دليل على تحريم اتخاذ الكافرين أولياء؛ لأن الله نهى عن ذلك وحذَّر منه، نهى عن ذلك في قوله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا﴾، حذَّر منه في قوله: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾.

* ومن فوائد هذه الآية: أنه لا تجتمع ولايتان؛ ولاية الكفار وولاية المؤمنين؛ لقوله: ﴿مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، ولا يعني ذلك أنهم لو اتخذوهم هم والمؤمنين أولياء جاز ذلك، بل نقول: إن قوله: ﴿مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني أنكم إن اتخذتم الكفار أولياء عدلتم عن ولاية المؤمنين.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى له سلطان وحجة على من خالف أمره، ويدل لهذا قوله تعالى حين ذكر إرسال الرسل: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء ١٦٥].

فهنا لو لم يرسل الرسل صارت الحجة للناس على الله، وإذا أُرسل الرسل وبُينت الأحكام صارت الحجة لله على من؟ على المؤمنين.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب موالاة المؤمنين ومناصرتهم؛ لأن المؤمنين إخوة، فما أصاب أحدهم فقد أصاب الآخر، وما حصل من ضرر وجب على جميع المؤمنين إزالته حسب الحال والإمكان.

4:145Page 101

إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ فِي ٱلدَّرۡكِ ٱلۡأَسۡفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمۡ نَصِيرًا ١٤٥

Indeed, the hypocrites will be in the lowest depths of the Fire - and never will you find for them a helper -

ثم قال: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾، وصِلة هذه الآية بالتي قبلها هو أن الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين يشبهون المنافقين، والمنافقون هم الذين اتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين، فمن اتخذهم فقد شابه المنافقين، والمنافقون ليس لهم حظ في الآخرة إطلاقًا؛ لأنهم في الدرك الأسفل من النار، حلول فيه، يحلون فيه ولا يخرجون منه.

والدرك بمعنى المكان الأسفل الذي ليس دونه شيء، ﴿الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾، ولا يعني هذا أن غيرهم لا يكون فيه، لكن هم فيه يقينًا، وأما غيرهم فيحتمل أن يكونوا فيه، وأن يكونوا فيما فوقه.

﴿وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾، ﴿لَنْ تَجِدَ﴾ الخطاب لمن؟ إما للرسول صلى الله عليه وعلى وآله وسلم، وإما لكل من يصح توجيه الخطاب إليه.

وعندي قراءة: ﴿فِي الدَّرْكِ﴾، ﴿فِي الدَّرَكِ﴾ ، يعني فتح الراء بدلًا عن سكونها، وهي قراءة سبعية.

﴿فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ أي: لن تجد لهم من يمنع العذاب عنهم وينصرهم في هذه الحال.

* في هذه الآية الكريمة: دليل على أن المنافقين من أهل النار؛ لقوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ﴾.

* وفيها أيضًا: أن النار دركات، والدرك كما قلنا المكان المهلِك، فكل مكان أنزل مما فوقه حسب شدة العقوبة.

* وفيها أيضًا: أن هؤلاء المنافقين في الدرك الأسفل منها، وهل يعني هذا أن غيرهم لا يشاركهم؟ لا، قد يشاركهم، لكننا نجزم بأن المنافقين في الدرك الأسفل، وأما من سواهم فلا نعلم؛ قد يكونون فيه، وقد لا يكونون فيه.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا ناصر للمنافقين، في الدنيا قد ينتصرون بسبب التمويه والخداع، لكن في الآخرة لن ينتصروا ولن يجدوا من ينصرهم؛ لقوله: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾.

4:146Page 101

إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصۡلَحُواْ وَٱعۡتَصَمُواْ بِٱللَّهِ وَأَخۡلَصُواْ دِينَهُمۡ لِلَّهِ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَعَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ وَسَوۡفَ يُؤۡتِ ٱللَّهُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَجۡرًا عَظِيمٗا ١٤٦

Except for those who repent, correct themselves, hold fast to Allāh, and are sincere in their religion for Allāh, for those will be with the believers. And Allāh is going to give the believers a great reward.

ثم قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾.

﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ من النفاق، أي: رجعوا من النفاق إلى خالص الإيمان وصريح الإيمان، ﴿وَأَصْلَحُوا﴾ أي أعمالهم أصلحوها، بدل ما كانوا مفسدين كانوا مصلِحين؛ لأنه سبق في سورة البقرة قول الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ [البقرة ١٢]، فإذا أصلحوا بدل أن كانوا مفسدين فهذا الشرط الثاني.

﴿وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ﴾ اعتصموا به أي: توكلوا عليه، ولم يلجؤوا إلى غيره؛ لأن المنافقين من ديدنهم الرجوع إلى الكفار، وتعظيم الكفار والاعتصام بهم، فهنا يعتصمون بالله بدلًا عن اعتصامهم بالكافرين.

﴿وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾، ﴿دِينَهُمْ﴾ أي: عبادتهم لله عز وجل، فلم يجعلوا مع الله شريكًا فيها، وقد سبق أن من صفات المنافقين أنهم كانوا ﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾، فإذا أزالوا هذه الخصلة وأخلصوا دينهم لله قال: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، فلن يصلوا إلى درجة المؤمنين ومنزلة المؤمنين إلا بهذه الأوصاف الأربعة؛ الوصف الأول: التوبة من النفاق، والثانية: الإصلاح، والثالثة: الاعتصام بالله، والرابعة: إخلاص الدين لله، ﴿أَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾، قال: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.

ثم قال: ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، لم يقل: وسوف يؤتيهم، بل قال: ﴿سَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ ليشملهم وغيرهم، وليكونوا هم ضمن المؤمنين، ولن يستحقوا هذا الوعد على انفرادهم، بل قال: ﴿سَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.

* في هذه الآية: أن المنافق تُقبل توبته، لكن لن يكون مع المؤمنين حتى يتَّصف بالصفات الأربع.

وهذه المسألة اختلف فيها العلماء رحمهم الله؛ فقال بعض العلماء: لن تُقبل توبة المنافق؛ لأنه لم يبدُ منه إلا الإسلام، أصلًا هو ﴿إِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾ [البقرة ١٤]، فإذا قالوا إنهم آمنوا وتركوا النفاق، فهذا هو ما كانوا يقولونه بالأول وينكرون النفاق، وعلى هذا فلا تُقبل توبتهم، بل يُقتلون، وأمرهم إلى الله؛ إذا كانوا صادقين فالله عز وجل يوم القيامة يجزيهم بصدقهم، وأما إذا كانوا كاذبين فلهم النار، لكننا نحن في الدنيا لا نقبل توبتهم.

ولكن الصحيح أن توبتهم مقبولة، إلا أنه يُتَحَرَّى فيها ما لا يُتَحَرَّى فيمن كفره صريح؛ لأن مَن كفره صريح يصرح؛ إما كافر، وإما مؤمن، ولا يُظْهِر أنه مؤمن وهو كافر، لكن البلاء هو المنافق، ولهذا لا بد أن نتحرى، ونسبره ذاهبًا وراجعًا.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا بد لمن أفسد أن يصلح مقابل إفساده، ولا تكفي التوبة المجردة، لا بد من إصلاح ما أفسد.

وبناء على ذلك قال بعض العلماء: إن المبتدع لا توبة له، لماذا؟ لأنه أفسد أُمَمًا تبعوه على بدعته، فمن يُصلِح هذه الأمم؟ وعلى هذا فلا توبة له، ولكن الصحيح أن له توبة، وأن إصلاحه ما أفسد أن يعلن الرجوع عما كان عليه من الفساد، وأن يدعوَ إلى الإصلاح.

ولهذا يقال: إن أبا الحسن الأشعري رحمه الله لما تاب من الاعتزال قام يوم الجمعة على الكرسي، ووضع عمامته وقال: أما بعد، فمن عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا فلان. ثم صرح برجوعه عن الاعتزال، وصار يرد على المعتزلة، فمثل هذا الرجل الذي كان مبتدعًا معتزليًّا توبته مقبولة، لماذا؟ لأنه أصلح ما أفسد، ولهذا كان خطر البدعة عظيمًا لما يحصل فيه من الفساد.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن من كان معتصمًا بغير الله فإن من تحقيق توبته أن يعدل عن الاعتصام بغير الله إلى الاعتصام بالله؛ لأن الداء يداوَى بالدواء المقابل، فالاعتصام بغير الله شرك يداوَى بماذا؟ بالاعتصام بالله عز وجل، لكل داء دواء يناسبه.

* ومنها أيضًا، من فوائد الآية: أن من تمام التوبة إخلاص المشرِك؛ لقوله: ﴿وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾، والمنافقون عندهم إشراك؛ لأنهم يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلًا.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن من اتصف بهذه الصفات فإنه يكون مع المؤمنين ولو كان قبل ذلك منافقًا؛ لأن هذه الصفات تنتشله من النفاق إلى الإيمان، فهذه -معيَّة المؤمنين- لا شك أنها منزلة عالية، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء ٦٩].

* ومن فوائد الآية الكريمة: وعد المؤمنين بما هو أصدق الوعود، وهو قوله: ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، أجرًا أي: ثوابًا، وسمَّى الله الثواب أجرًا تفضُّلًا منه، كأنه بمنزلة أجرة الأجير التي لا بد أن أيش؟ أن يُعطَى إياها، وهذا التزام من الله سبحانه وتعالى التزم به على نفسه؛ أن يثيب المؤمنين بالأجر العظيم، وهذا الأجر العظيم يكون في الدنيا، ويكون في الآخرة، قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل ٩٧].

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском