Ibn 'UthayminAn‑Nisa · 4:25

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:25

4:25Page 82

وَمَن لَّمۡ يَسۡتَطِعۡ مِنكُمۡ طَوۡلًا أَن يَنكِحَ ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ فَمِن مَّا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُم مِّن فَتَيَٰتِكُمُ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِۚ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِإِيمَٰنِكُمۚ بَعۡضُكُم مِّنۢ بَعۡضٖۚ فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذۡنِ أَهۡلِهِنَّ وَءَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِ مُحۡصَنَٰتٍ غَيۡرَ مُسَٰفِحَٰتٖ وَلَا مُتَّخِذَٰتِ أَخۡدَانٖۚ فَإِذَآ أُحۡصِنَّ فَإِنۡ أَتَيۡنَ بِفَٰحِشَةٖ فَعَلَيۡهِنَّ نِصۡفُ مَا عَلَى ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ مِنَ ٱلۡعَذَابِۚ ذَٰلِكَ لِمَنۡ خَشِيَ ٱلۡعَنَتَ مِنكُمۡۚ وَأَن تَصۡبِرُواْ خَيۡرٞ لَّكُمۡۗ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٢٥

And whoever among you cannot [find] the means to marry free, believing women, then [he may marry] from those whom your right hands possess of believing slave girls. And Allāh is most knowing about your faith. You [believers] are of one another. So marry them with the permission of their people and give them their due compensation [i.e., mahr] according to what is acceptable. [They should be] chaste, neither [of] those who commit unlawful intercourse randomly nor those who take [secret] lovers. But once they are sheltered in marriage, if they should commit adultery, then for them is half the punishment for free [unmarried] women. This [allowance] is for him among you who fears affliction [i.e., sin], but to be patient is better for you. And Allāh is Forgiving and Merciful.

قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ﴾، ﴿مَنْ﴾ هذه اسم شرط جازم، و﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ﴾ جواب الشرط، وهنا نسأل: اجتمع في هذه الجملة موجبان للجزم: أحدهما (من) والثاني (لم)، فهل الفعل مجزوم بـ(من) أو مجزوم بـ(لم)؟

نقول: بـ(لم)؛ لأنها المباشر، وعلى هذا فنقول: ﴿يَسْتَطِعْ﴾ فعل مضارع مجزوم بـ(لم)، وهو فعل الشرط.

وقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ الطول هو الغنى، يعني: من لم يستطع منكم غنى يكفي لمهر المحصنات ﴿أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ أي الحرائر ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾ ضد الكافرات ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ يعني: فانكحوا مما ملكت أيمانكم، أي من التي ملكت أيمانكم، وهن الإماء، فيتزوج الإنسان أمة غيره لا أمة نفسه، لو تزوج أمة نفسه لم يصح النكاح؛ لأن ملك البضع بالملك أقوى من ملكه بالنكاح، ولا يمكن أن يرد الأضعف على الأقوى.

إذن ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ يعني: ملكت أيمان غيركم، كرجل يريد أن يتزوج أمة زيد، هذا ما يريد الله في هذه الآية ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾، (من) هذه بيان لـ (ما) في قوله: ﴿مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، والفتيات: جمع فتاة، وهي الأمة، فالفتاة تطلق على الشابة إذا أضيفت لحرة، وعلى المملوكة إذا أضيفت لرقيقة.

يقول: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ المؤمنات ضد الكافرات، ولو كتابيات، فلا بد أن تكون الأمة مؤمنة، فالكافرة في هذا المقام ولو يهودية أو نصرانية لا يصح.

قال: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ﴾ الله أعلم بإيمانكم يعني: وليس لكم إلا الظاهر، أما الباطن فعلمه إلى الله، فإذا قال الإنسان: هذه أمة لا ندري هل هي مسلمة حقًّا أو مسلمة خوفًا، نقول: الله أعلم بإيمانها، أنت ليس لك إلا الظاهر.

﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ أتى بهذه الجملة المؤكدة للتساوي في البشرية؛ لأن عند العرب أنفة عظيمة أن يتزوج الحر أَمة، فخفف الله ذلك عنهم وقال: ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾، أنت لست تنكح إلا إنسانة، فأنت معها بعضكم من بعض.

﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ﴾ همزة وصل ولَّا قطع؟ وصل؛ لأنها من الثلاثي، من (نكح).

﴿فَانْكِحُوهُنَّ﴾ أي الفتيات المؤمنات، ﴿بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ أي: أسيادهن، وهنا قال: ﴿بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ ولم يقل: بإذن أوليائهن؛ لأنه لا ولاية لأحد في المملوكة إلا لسيدها؛ لأن سيدها مالك لها عينًا ونفعًا، فهو الذي يزوِّجها، حتى لو كان لها أب فإنه لا يزوجها مع وجود السيد.

﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أعطوهن، (آتوا) بمعنى: أعطوا، بخلاف (أتوا) فإنها بمعنى: جاءوا، قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ﴾ [النمل ١٨]، أتوا أي: جاءوا.

﴿أُجُورَهُنَّ﴾ أي مهورهن ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي بما يتعارفه الناس وبما أقره الشرع، بدون مماطلة وبدون مِنة، لا تقولوا: هذه أمة فتماطل بمهرها أو تمن به عليها.

* طالب: سب الرسول ﷺ، الذي يقوم بسب الرسول ﷺ يقتل إجماعا؟ أقول: في المسألة فيه إجماع؟

* الشيخ: ما أدري هل فيه إجماع ولَّا لا، لكن الأدلة تدل على هذا، وقد صنف شيخ الإسلام رحمه الله كتابا حافلا في الموضوع سماه الصارم المسلول في تحتم قتل ساب الرسول.

* طالب: (...) الفائدة من الآية (...) قتل ساب الرسول؟

* الشيخ: ما هو قلنا: إن هذه فائدة قد تكون بعيدة، لكن ما الذي يقربها؟ يقربها أننا قلنا: حق الآدمي إذا عفا عنه سقط، ولو كان الله قد أوجبه له. من حقوق الآدميين حق الرسول عليه الصلاة والسلام، لو سب أحد رسول الله أمام رسول الله وعفا عنه سقط، بس عاد يجب عليه أن يتوب عن الردة إذا كانت ردة.

طالب: الأمة الكتابية لماذا لا تقاس علي الحرة في الزواج؟

* الشيخ: هذا سيستفاد من الفوائد إن شاء الله.

* طالب: شيخ -حفظكم الله- الحق في الدعوة، حق الوجوب هل هو للزوج فقط، أم لمن دعا سواء أبو الزوجة أم أبو الزوج؟

* الشيخ: لا، الزوج فقط؛ لأن الوليمة مشروعة في حق الزوج فقط.

* طالب: شيخ، قلنا: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ أي (...) إيمان غيركم، شيخ، ونحن نأخذ القرآن على ظاهره، وهذه مستنبطة، أن نقول: أقوى (...) وعاد على النص (...) كيف نقدم الفهم على الظاهر؟ يدخل علينا يا شيخ.

* الشيخ: هذه ستكون في الفوائد إن شاء الله.

(...)

* طالب: هل من يمكن يا شيخ أن يكون الإنسان مستقيمًا ثم يُحسَد فينحرف؟

* الشيخ: على كل حال كل شيء يدخله القدر تدخله العين، حتى المستقيم ربما يصاب بالعين وينحرف.

* طالب: (...).

* الشيخ: هذه مصيبة فعلها، هذه مصيبة من المصائب، كما أن الإنسان لو طلب الحق ولكن ما وفق لأحد يشرحه له، فإنه يعاقب.

* طالب: (...) ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦]، وهذا فعل وسعه؟

* الشيخ: هذا نعم لو فرضنا أن الرجل يريد العبادة، يتوضأ ليصلي لكن يعجز، فهذا يُكتب له ما كان يعمل صحيحًا، ولا يحرم الأجر.

* الطالب: لو انحرف؟

* الشيخ: لكن إذا انحرف باختياره، يقول: يا فلان صل.

* الطالب: يمكن أن يكون مستقيمًا ثم يُحسَد فينحرف؟

* الشيخ: إي نعم، يمكن، هذا شيء مشاهَد، ينحرف لكن قد لا يكون انحرافاً إراديًّا، قد يصاب مثلًا بكسر، يصاب بمرض، وما أشبه ذلك، يقعده عن العمل.

* الطالب: (...).

* الشيخ: على كل حال قول الرسول: «لَوْ سَبَقَ الْقَدَرَ شَيْءٌ لَسَبَقَتْهُ الْعَيْنُ»[[أخرجه الترمذي (٢٠٥٩) وأحمد (٢٧٤٧٠) من حديث أسماء بنت عميس.]] يدل على أن العين تكون في كل ما يدخله القدر. نسأل الله السلامة.

* طالب: (...)؟

* الشيخ: يمكن.

* * *

* الشيخ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ سبق الكلام على هذه الجملة من الآية، وقلنا: إن المراد بالطول الغنى والسعة، والمراد بالمحصنات الحرائر، بدليل مقابلتها بقوله: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، والتي قبلها ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ المراد بها المتزوجات، ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ يعني فانكحوا مما ملكت أيمانكم، والخطاب هنا للجميع باعتبار المجموع، لا باعتبار كل فرد، فهو يخاطب الجميع باعتبار المجموع، لا باعتبار كل فرد، وإنما قلنا ذلك لأن المالك لا يصح أن ينكح مملوكته، فالسيد لا يمكن أن يتزوج مملوكته، وإنما يتسراها تسريًا؛ لأن الله جعل ملك اليمين معادلًا للزوجة، أو للزوجية، فقال: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون ٦]، فدل هذا على أن ما ملكت اليمين غير الأزواج.

وقال أهل العلم: إنه لا يمكن أن يتزوج السيد مملوكته؛ لأن استباحته بُضعها بعقد أقوى من عقد النكاح؛ لأن عقد الملكية يفيد ملكها بجميع أنواع الاستمتاعات، وعقد النكاح يفيد ملك الاستمتاع بها فقط، فالأَمَة تملك منافعها كلها، تملك أن تخدمها وأن تؤجرها، وليس لها مال، المال لك، وتملك الاستمتاع بها. والزوجة ليست كذلك.

﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء ٢٥] يعني: فانكحوا مما ملكت أيمانكم، والخطاب هنا للجميع باعتبار المجموع لا باعتبار كل فرد؛ فهو يخاطب الجميع باعتبار المجموع لا باعتبار كل فرد، وإنما قلنا ذلك؛ لأن المالك لا يصح أن ينكح مملوكته، فالسيد لا يمكن أن يتزوج مملوكته وإنما يتسراها تسريًا؛ لأن الله جعل ملك اليمين معادلًا للزوجية فقال: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون ٦] فدل هذا على أن ما ملكت اليمين غير الأزواج.

وقال أهل العلم: إنه لا يمكن أن يتزوج السيد مملوكته؛ لأن استباحته بضعها بعقد أقوى من عقد النكاح؛ لأن عقد الملكية يفيد ملكها بجميع أنواع الاستمتاعات وعقد النكاح يفيد ملك الاستمتاع بها فقط؛ فالأمة تملك منافعها كلها تملك أن تُخَدِّمَها وأن تُؤَجِّرَها، وليس لها مال، المال لك، وتملك الاستمتاع بها، والزوجة ليست كذلك، إذن فملك منفعة البضع بملك اليمين أقوى من الملك بعقد النكاح فلا يرد الأقوى على الأضعف، هذا من حيث التعليل، أما من حيث الدليل؟

* طالب: قوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾.

* الشيخ: وجه الدلالة؟

* الطالب: أن ملك اليمين غير الزواج.

* الشيخ: أن الله جعل ملك اليمين قسيمًا للزوجية ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.

إذن (مما ملكت أيمانكم) الخطاب: للجميع باعتبار المجموع أو باعتبار كل فرد؟ باعتبار المجموع لا كل فرد، فمن ملك أَمة لم يصح أن يعقد عليها النكاح.

﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ فتيات: جمع فتاة وهي المملوكة، واشترط الله سبحانه وتعالى فيها الإيمان فقال: ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾ يعني: لا بد أن تكون مؤمنة، فإن كانت كتابية فإنها لا تحل حتى وإن كانت ممن لا يجد طول الحرة.

قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ﴾ الجملة هنا جملة اعتراضية يعني أن الله سبحانه وتعالى أعلم بالإيمان فإذا اشترط الله الإيمان فليس لنا إلا الظاهر، أما الباطن فعلمه عند من؟ عند الله؛ ولهذا كان الحساب في الدنيا على الظاهر وفي الآخرة على الباطن.

﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ البعضية هنا بعضية إنسانية؛ يعني: أن الله أباح لنا الإماء لأنهن منا، بشر مثلها، فبعضنا من بعض وإن كان الحر أشرف وأعلى.

﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ (الهمزة) هنا ﴿فَانْكِحُوهُنَّ﴾ همزة وصل؛ لأنها من (نكح) ، أما قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور ٣٢] فهي همزة قطع؛ لأنها من الرباعي من (أنكح).

وقوله: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ﴾ أصل النكاح أصله الاجتماع؛ لأن بعقده يكون اجتماع الزوج والزوجة وكذلك اجتماع الأصهار بعضهم إلى بعض، وقد قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ [الفرقان ٥٤].

﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ أي: برضا. الإذن بمعنى السماح والرضا. والمراد بأهلهن أسيادهن؛ وذلك أن الأمة لا تملك نفسها ولا يملكها وليها بالنسب وإنما يملكها وليها بالسبب أي مالكها؛ ولذلك يزوج الأمة سيدها ولا يزوجها أبوها؛ لأن ولاية السيد أقوى من ولاية الأب؛ ولهذا قال: ﴿بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ وهم أسيادهن.

﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ﴿آتُوهُنَّ﴾ أي: أعطوهن؛ لأنها من الرباعي، و(آتى) الرباعي بمعنى أعطى كما قال تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة ١٧٧] أي: أعطى المال.

﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ﴿أُجُورَهُنَّ﴾ أي: مهورهن، وسُمِّيَ أجرًا؛ لأنه عوض عن منفعة وإضافته هنا ﴿أُجُورَهُنَّ﴾ إضافة اختصاص لا إضافة ملك؛ وذلك لأن الأمة لا تملك؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ؛ فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٣٧٩)، ومسلم (١٥٤٣ / ٨٠) من حديث عبد الله بن عمر.]] فالإضافة هنا للاختصاص كإضافة سرج الدابة إليها، تقول: سرج الفرس لا لأن الفرس يملكه، لكن لأنه مختص به.

وقوله: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي بالمعروف شرعًا وعادة، والمعروف شرعًا أن يكون المهر متمولًا شرعًا سواء كان من الذهب أو الفضة أو الحديد أو الرصاص أو الثياب أو الفرش أو الأبواب أو غير ذلك، والمعروف عادة أن لا يماطل، بل يعطي الأمة مهرها كما يعطي الحرة، وإنما ذكر الله ذلك لأنه ربما يحتقر الأَمَة ولا يؤدي لها حقها كما ينبغي؛ ولهذا قال: ﴿آتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.

﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ ﴿مُحْصَنَاتٍ﴾ هذه حال من الضمير في قوله: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ﴾ يعني: انكحوهن حال كونهن محصنات، أو من الضمير في ﴿آتُوهُنَّ﴾ ضمير مفعول به أي: آتوهن أجورهن حال كونهن محصنات لا تؤتوهن أجورهن أجور زنا بل أجور إحصان.

وقوله: ﴿مُحْصَنَاتٍ﴾ هنا أي: متزوجات أي: لا زانيات، وهو من باب التوكيد لما سبق؛ لأنه يغني عنه قوله: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ يعني: لأن نكاحهن الشرعي بإذن أهلهن يكون العقد معهن عقد إحصان لا زنا، لكن لخطر هذا الأمر أكده الله سبحانه وتعالى بقوله: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾ المسافح الزاني -والعياذ بالله- وسُمِّيَ مُسَافِحًا؛ لأنه ليس له هم إلا سفح الماء في القبل، لا يريد أولادًا ولا عشرة ولا مودة وإنما هو كالتيس يريد أن يقضي نهمته فقط.

﴿وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ الأخدان جمع خِدْن أو خَدَن، والمراد به ما يعرف عند الكفرة بالصديق والصاحب، فإنه في بلاد الكفر تتخذ المرأة صديقًا صاحبًا يفعل بها ما يفعل الرجل بامرأته ما عدا الجماع وربما تصل الحال إلى الجماع، والإماء لَمَّا كُنَّ لا يهتممن بهذا الأمر قيد الله ذلك بقوله: ﴿وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ أما الحرائر فإنه يبعد فيهن الزنا حتى قيل:« إن هندًا بنت عتبة -لما بايع النبي صلى الله عليه وآله وسلم النساء على ألا يسرقن ولا يزنين- قالت: يا رسول الله أو تزني الحرة؟»[[أخرجه أبو يعلى في مسنده (٤٧٥٤) من حديث عائشة. ]] وهو ضعيف لكنه ذكره بعض العلماء، والزنا في الحرائر قليل وهو كثير في الإماء، ولهذا قيد بقوله: ﴿غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾.

﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ وفي قراءة: ﴿أَحْصَنَّ﴾ أي: أحصن أنفسهن، واختلف المفسرون في المراد بالإحصان، ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ أي أحصنهن من يحصنهم، وعلى قراءة: ﴿فَإِذَا أَحْصَنَّ﴾ أي: أحصن أنفسهن، واختلف المفسرون في المراد بالإحصان فقال بعض العلماء: إنها على قراءة الفتح ﴿أَحْصَنَّ﴾ بمعنى أسلمن، و﴿أُحْصِنَّ﴾ بمعنى نُكِحْن.

وقال بعض العلماء: هما بمعنى واحد، وأن معنى ﴿أَحْصَنَّ﴾ أي: صرن ذات إحصان كما يقال: أنجد، أي: دخل نجدًا، فأَحْصَن أي صار ذا إحصان.

﴿أُحْصِنَّ﴾ أي: صرن ذوات إحصان، أما على قراءة الضم ﴿أُحْصِنَّ﴾ فالأمر ظاهر في أن المراد ﴿أُحْصِنَّ﴾ أي: نُكِحْن فأحصن فروجهن بهذا النكاح، والصواب أنها بمعنى واحد؛ أن الكلمتين بمعنى واحد، وكونها بمعنى أسلمن بعيد؛ لأن السياق هنا في سياق الفتيات المؤمنات ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ والمؤمنة مسلمة.

﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ هذا شرط داخل في شرط، ﴿إِذَا أُحْصِنَّ﴾ الشرط الأول، ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ﴾ هذا الشرط الثاني، ﴿فَعَلَيْهِنَّ﴾ جواب الشرط الثاني، فهو شرط في شرط يعني: إذا أحصنت الأمة وأتت بفاحشة فعليها نصف ما على المحصنات من العذاب، المحصنات هنا الحرائر، ولا يصح أن نقول: فإذا أحصن فعليهن نصف ما على المحصنات من الإماء، هذا لا يستقيم، ولكن المعنى ﴿نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ﴾ أي: الحرائر ﴿مِنَ الْعَذَابِ﴾، وعذاب الحرائر أن تجلد البكر مئة جلدة وأن ترجم الثيب، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ﴾ [النور ٨] والعذاب هو الحد؛ لقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور ٢] فيكون المراد بالعذاب هنا الحد.

وما هو الحد؟ الحد للمحصنة للحرة؛ إن كانت محصنة بمعنى منكوحة فهو الرجم؛ «لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رجم الغامدية»[[أخرجه مسلم (١٦٩٥ / ٢٣) من حديث بريدة بن الحصيب. ]]، وإن كانت غير محصنة فهو الجلد؛ لقول الله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ فما هو الحد للمحصنة الذي يمكن أن يتنصف في حق الأمة؟

* طلبة: الجلد.

* الشيخ: الجلد؟ والرجم؟

* طلبة: ما يتنصف.

* الشيخ: ما يمكن نرجمها نصف رجم؟ لا، لأن الرجم يحصل به الموت والموت لا يتنصف، فيكون المراد بـ: ﴿نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ المراد به خمسون جلدة، يكون المراد به خمسين جلدة، الحرة تعذب تعذيبًا آخر، وهو التغريب. والتغريب قد جاء في صحيح السنة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لأبي العسيف: «عَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِئَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٦٩٦)، ومسلم (١٦٩٨ / ٢٥) من حديث أبي هريرة، وزيد بن خالد الجهني. ]] وقال الرسول عليه الصلاة والسلام: «الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِئَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ»[[أخرجه مسلم (١٦٩٠ / ١٢) من حديث عبادة بن الصامت. ]] ولكن العلماء اختلفوا في تغريب الحرة هل تغرب أو لا تغرب؟ فمنهم من قال: إنها لا تغرب؛ لأن التغريب إنما هو لصيانة الإنسان عن الزنا، والمرأة إذا غربت ربما يزداد زناها لا سيما إذا لم يكن معها محرم، فلا تغرب المرأة، فإذا لم تغرب قلنا: إن الأمة يكون عليها خمسون جلدة بلا تغريب؛ لأن الحرة لا تغرب، ولكن إذا قلنا بالقول الثاني إنها تغرب فإنه هل تغرب الأمة كما تغرب الحرة؟

قال بعض العلماء: تغرب نصف سنة، وقال بعض العلماء: لا تغرب؛ لأن تغريبها إضرار بمالكها وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام ١٦٤] ولكن هذا التعليل عليل؛ لأننا نقول: إذا قلنا بأن التغريب حد فإنه كما يكون إضرارًا بالسيد فالجلد إضرار بالسيد أيضًا، أليس كذلك؟ نعم هو إضرار بالسيد لأنها ربما تتأثر صحتها بذلك وستتأثر سمعتها بذلك وتنقص قيمتها، طيب إذا قلنا: إن التغريب يرجع إلى اجتهاد الإمام في الحرة وليس بحد واجب فإننا نقول أيضا يرجع التغريب في الأمة إلى اجتهاد الحاكم، فالصواب أن عليها نصف ما على الحرة من العذاب في الجلد والتغريب.

وإذا لم تحصن؟ ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ إذا لم تحصن فماذا عليها؟

قال بعض العلماء: ليس عليها شيء، عرفتم؟ لأن مفهوم الآية الكريمة أنها إذا لم تحصن فليس عليها شيء من العذاب والمفهوم واضح، وإذا سكت الله عن شيء فهو مما عفا عنه، ولا شك أن زنا من أحصنت أقبح من زنا من لم تحصن يعني من لم تتزوج.

وقال بعض العلماء: إذا أحصنت فعليها نصف ما على الحرة من العذاب وإذا لم تحصن فعليها العذاب كاملًا، إذا أحصنت فعليها نصف ما على الحرة من العذاب وإذا لم تحصن فعليها العذاب كاملًا، قال نأخذ بالآيتين: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ هذا عام في الحرة والأمة، خرج منه الأمة إذا أحصنت فعليها نصف ما على الحرة من العذاب وبقيت الأمة غير المحصنة يعني غير المزوجة كالبكر التي لم تتزوج من الحرائر، والبكر التي لم تتزوج من الحرائر كم؟ مئة جلدة، وعلى هذا فإذا أحصنت الأمة فزنت فعليها خمسون جلدة وإذا لم تحصن فعليها مئة جلدة، من أحق الناس بهذا المذهب؟ الظاهرية نعم، وهو كذلك، فإن الظاهرية قالوا بهذا، قالوا: ما لنا إلا الظاهر، ومن العلماء من قال: إذا أحصنت فعليها نصف ما على الحرة وإذا لم تحصن وجب تعذيبها بالجلد المطلق؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إِذَا زَنَتْ أَمَةٌ أَحَدِكُمْ فَلْيَجْلِدْهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَلْيَجْلِدْهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَلْيَجْلِدْهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَلْيَبِعْهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٦٨٣٩)، ومسلم (١٧٠٣ / ٣٠) من حديث أبي هريرة بنحوه. ]] يعني: ولو بحبل، فقال: فليجلدها، وأطلق، فعلى هذا إذا زنت قبل أن تحصن وجبت عقوبتها بالجلد الذي ليس بحد، وهذا القول هو الصحيح أنها إذا تزوجت فعليها نصف ما على الحرة وهو خمسون جلدة.

ولا يمكن أن نقول: عليها نصف الرجم؛ لأنه لا يتبعض، وإذا لم تحصن فإنه يجب جلدها تعزيرًا لها؛ لأننا لو تركناها أيضًا مشكل، وأما القول بأنها إذا زنت قبل الإحصان فإنها ترجم أو فإنها تحد حدًا كاملًا؛ لأن الرجم لا يتأتى وهي لم تحصن بالنكاح، لكن يقول: إنه يجب أن تجلد الجلد الكامل، هذا القول ضعيف لا شك فيه، لأن علة التنصيف هو الإحصان أي التزوج فإذا زالت العلة زال الحكم.

* * *

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

قال الله سبحانه وتعالى في بيان شروط نكاح الأمة، قال: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ ﴿ذَلِكَ﴾ المشار إليه الحكم المذكور وهو جواز نكاح الإماء.

﴿لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ الجار والمجرور خبر المبتدأ؛ خبر ﴿ذَلِكَ﴾، والخبر محذوف، التقدير: ثابت أو كائن ﴿لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾.

﴿خَشِيَ﴾ أي: خاف، والخشية والخوف يترادفان فيحل بعضهما مكان الآخر، لكنهم فرقوا بينهما بأن الخشية إنما تكون عن علم؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر ٢٨] وبأن الخشية يكون سببها عظم المخْشِيِّ، وإن كان الخاشي عظيمًا، وأما الخوف فسببه ضعف الخائف وإن كان المخوف ضعيفًا، فهي أقوى وأشد.

فقوله: ﴿خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ أي: خافها خوفًا مؤكدًا، أي: خافه خوفًا مؤكدًا.

و﴿الْعَنَتَ﴾ يعني المشقة، ومنه قوله تعالى: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ [التوبة ١٢٨] أي: ما شق عليكم.

وقوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ بيان (لمن) في قوله: ﴿لِمَنْ خَشِيَ﴾.

﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ الجملة مبتدأ وخبر، لكن المبتدأ مُؤَوَّل فإن معنى ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أي: وصبركم، ومثلها قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة ١٨٤] أي: وصومكم خير لكم، فالمبتدأ هنا هو المصدر المؤول من أن والفعل.

وقوله: ﴿تَصْبِرُوا﴾ أي: تحبسوا أنفسكم؛ لأن الصبر هو الحبس، تحبسوه عن أي شيء؟ عن نكاح الإماء حتى مع وجود الشرطين وهما: عدم استطاعة الطول، وخوف العنت خير لكم من أن تنكحوا الفتيات، والخيرية هنا مطلقة، وإذا أطلق الله سبحانه وتعالى الشيء صار عامًّا، أي: خير لكم على كل حال، لكن إن عجز الإنسان عن الصبر فالأمر واسع.

﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ خَتْمُ الآية بهذين الاسمين الكريمين (الغفور الرحيم) تشير إلى أنه يجب على الإنسان أن يتحرز في هذه المسألة احترازًا بالغًا لئلا يقع في الإثم، وأن الله سبحانه وتعالى إنما أباح لنا ذلك من أجل أنه موصوف بهذين الوصفين اللذين دل عليهما الاسمان الكريمان وهما المغفرة والرحمة.

والمغفرة هي ستر الذنب والتجاوز عنه، مأخوذة من (المغفر) وهو ما يوضع على الرأس من الحديد من أجل وقاية الرأس السهام، ويحصل به ستر ووقاية؛ فالمغفرة مشتملة على هذين المعنيين: الستر والوقاية من العذاب، فليست سترًا فقط ولا وقاية من العذاب فقط، بل ستر ووقاية.

وأما (الرحمة) فهي صفة من صفات الله عز وجل تقتضي الإحسان للخلق ودفع الضرر عنهم، والله سبحانه وتعالى سمى نفسه بـ (الرحمن) وبـ (الرحيم) ووصف نفسه بأنه ذو الرحمة ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الكهف ٥٨] وهي صفة مستقلة عن الإرادة وعن الإحسان، فهي عند السلف وأئمة أهل السنة صفة زائدة أو مستقلة عن الإرادة أو الفعل.

وحرَّف معناها من لا يرى ثبوت الرحمة لله، ويقال: إن المراد بالرحمة إرادة الإنعام أو الإنعام نفسه، وإنما حرفوها إلى هذا المعنى؛ لأنهم يثبتون الإرادة، فقالوا: إرادة الإحسان أو الإحسان نفسه؛ لأن الإحسان نفسه منفصل عن الذات فلا يمتنع عندهم وقوعه من الله عز وجل، وهؤلاء هم الأشاعرة، وفي الحقيقة أنهم لو رجعوا إلى أنفسهم لوجدوا أن تفسيرهم الرحمة بهذا يستلزم ثبوت الرحمة؛ لأن إرادة الإحسان لا تكون إلا رحمة بمن استحقه ومحبة للإحسان، والإحسان المنفصل عن الله لا يكون إلا من آثار الرحمة، فعلى كل حال مذهبنا -ولله الحمد- مذهب أهل السنة والجماعة أن كل ما سمى الله به نفسه أو وصف به نفسه فهو ثابت له على وجه الحقيقة لكن بدون تمثيل وبدون تكييف.

* هذه الآية الكريمة فيها فوائد: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ إلى آخره؛ أولا: الحث على تزوج الحرائر المؤمنات، وجه ذلك أن الله لم يرخص في العدول عن نكاحهن إلا لحاجة وعذر؛ لقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ﴾.

* ومن فوائدها: أنه لا بد في النكاح من مال؛ لقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾.

* ومن فوائدها: أنه لا ينبغي لمن لم يستطع الطول أن يستدين بل يعدل إلى طريق آخر دون الطول الذي عجز عنه؛ لقوله: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ ويؤيد ذلك من السنة «قصة الرجل الذي طلب من النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يزوجه الواهبة نفسها للرسول صلى الله عليه وآله وسلم حين قال: زوجنيها. فطلب منه النبي صلى الله عليه وآله وسلم المهر، فقال: ليس عندي شيء، ولا خاتم من حديد.» -ولم يقل: استقرض- «بل سأله: هل معه شيء من القرآن؟ قال نعم. قال: «زَوَجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٠٢٩)، ومسلم (١٤٢٥ / ٧٦) من حديث سهل بن سعد.]]. ويؤيد ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور ٣٣]، ويؤيدها أيضًا قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وُجَاءٌ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٠٦٦)، ومسلم (١٤٠٠ / ١) من حديث عبد الله بن مسعود.]].

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يجوز للحر أن يتزوج الأَمَةَ بالشرطين المذكورين: ألا يجد طولة حرة مؤمنة ﴿الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ فله أن يتزوج الفتيات المؤمنات كما سيذكر إن شاء الله.

* ومن فوائدها: أنه لو قدر على مهر حرة كتابية لا حرة مؤمنة فله أن يتزوج الفتاة المؤمنة، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾؛ فإذا كان الإنسان عنده خمسة آلاف ريال لا تكفي لنكاح الحرة المؤمنة ولكنها تكفي لنكاح الحرة الكتابية أو لنكاح الأمة فهل يعدل إلى نكاح الأمة؟ أو يجب أن يتزوج من الحرة الكتابية؟ الأول؛ يعني له أن يعدل إلى نكاح الأمة المؤمنة دون الحرة الكتابية، هذا ظاهر القرآن.

وقال بعض العلماء: بل الحرة الكتابية أولى من الأمة المؤمنة؛ وذلك لأن أولاد الحرة الكتابية ينشؤون على أنهم أحرار وأولاد الأمة المؤمنة ينشؤون على أنهم أرقاء مملوكين لسيدها، وهذا الثاني هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله، أنه لو قدر على نكاح الأمة أو نكاح كتابية فإنه لا يجوز أن يتزوج الأمة بل يتزوج الكتابية.

ولكن ظاهر القرآن مقدم؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ [البقرة ٢٢١] ولأن الكتابية لا يؤمن أن تضل زوجها لا سيما إذا كانت ذات شهادة عالية وليس عنده مثل هذه الشهادة أو كانت فصيحة اللسان قوية البيان؛ فإنها قد تؤثر على الزوج فيرتد فيكون يهوديًّا أو نصرانيًا لا سيما أيضًا إذا كان عندها مال وهو فقير فإنها تؤثر عليه، وإذا لم تؤثر عليه ربما تؤثر على أولاده؛ ولهذا كان ظاهر القرآن هو الواجب الاتباع أن نقول: إذا قدر على مهر حرة كتابية أو مهر أمة دون حرة مؤمنة فالواجب أن يقدم الأمة؛ لأن الله قال: ﴿الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: نقص مرتبة الرق عن مرتبة الحرية، وهو كذلك فإن الرقيق مملوك يباع ويشترى ولا يملك نفسه، يدبر حتى إنه إذا قتل فإن ديته قيمته وليست دية الحر، فتختلف الديات باختلاف صفات المقتولين ربما يكون عبدًا إذا قتل تكون ديته مليون ريال وعبد آخر تكون ديته عشرة ريالات، أليس كذلك؟ إي نعم، فلهذا لا شك أن مرتبة الحرية أعلى من مرتبة الرق.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا يحل لمن لا يجد طول المؤمنة -الحرة المؤمنة- أن يتزوج أمة كتابية، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ فلا يحل أن يتزوج أمة كتابية إذا عجز عن طول الحرة المؤمنة، إذا لم يعجز عن طول الحرة المؤمنة فهل يتزوج أمة كتابية؟ من باب أولى، وبهذا تبين أن الأمة الكتابية لا يحل للمؤمن تزوجها، ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [المائدة ٥] فالمحصنات هنا الحرائر، ويحتمل أن يكون المراد بها العفيفات عن الزنا لكن هذه الآية تدل على أن المراد الحرائر وأن الإماء من أهل الكتاب لا يحل تزوجهن مطلقًا.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات علم الله عز وجل لما كان غيبًا خفيًّا؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ﴾.

* ومن فوائدها: جواز استعمال صيغة التفضيل في صفات الله عز وجل، فيقال: الله أعلم، الله أكبر، الله أعز، الله أعظم. وما أشبه ذلك خلافًا لمن قال: إن هذا لا يجوز، وإنه يجب أن يفسر اسم التفضيل باسم الفاعل فيقول هذا القائل: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ﴾ أي: عالم بإيمانكم وما علم هذا القائل أن قوله: والله عالم بإيمانكم. أدنى من قوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ﴾؛ لأن عالم اسم فاعل لا تمنع المشاركة في الوصف ولا في الرتبة، لكن (أعلم) اسم تفضيل تمنع المشاركة في الرتبة، وهذا من الأفهام الخاطئة أن نجعل اسم التفضيل بالنسبة لصفات الله بمعنى اسم الفاعل؛ لأن هذا لا شك أن فيه نقصًا عما أراد الله عز وجل.

* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الملك، الملك الذي هو الرق؛ لقوله: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ وهذا الحكم ثابت إلى يوم القيامة لا يمكن أن يرفع بأي حال من الأحوال، متى وجدت أسبابه الشرعية فإنه ثابت، نعم إذا لم توجد مثل أن ينهب الإنسان؛ من بني آدم من ينهب ويأتي بهم إلى أسواق الناس يبيعهم، فهنا لا يمكن أن نثبت الرق بهذا الطريق، لكن إذا ثبت الرق بطريق شرعي فإنه ثابت ولا يمكن رفعه؛ لقوله: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.

وهنا نسأل: هل ملك الإنسان لما يملك من آدمي أو بهيمة أو عقار أو غيرها هل هو ملك تام؟ الجواب: لا، ليس ملكًا تامًا؛ ولذلك لا يتصرف الإنسان فيما يملك كما يحب، بل تصرفه مقيد بالشرع ولكن العلماء رحمهم الله جعلوا من ملك التصرف الذي جُعل له على وجه كامل جعلوه مالكًا، ومن ملكه على وجه مقيد جعلوه مستأجرًا مثلًا أو مستعيرًا أو ما أشبه ذلك.

* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز إطلاق البعض على الكل، من أين تؤخذ؟

* طالب: أعلم بإيمانكم.

* الطلبة: (...).

* الشيخ: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ من ما ملكت أيمانكم، والمراد: مما ملكتم؛ لأن اليد وحدهما لا تملك.

* ومن فوائد الآية الكريمة: استعمال ما يكون سببًا لقبول الحكم وهو ما يمكن أن نعبر عنه بتخفيف الأمر على المحكوم عليه؛ لقوله: ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ وذلك أن العرب كانوا يأنفون أنفة كبيرة بالنسبة للأرقاء ويرون أن من نكح رقيقة شيئًا فاحشًا عظيمًا، يقول: الرقيقة مملوكة والبعير مملوكة، فإذا نكحت الرقيقة فهو؟

* طلبة: كالبعير.

* الشيخ: إي نعم، يرونها كبيرة جدًّا؛ ولهذا أرشد الله إلى هذا الأمر بقوله: ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ لتهوين الأمر على الناس، فيؤخذ من هذا أنه ينبغي للمتكلم أن يخاطب المخاطب بما يهون عليه الحكم.

* ومن فوائد الآية الكريمة: اشتراط إذن الأهل في تزويج الإماء؛ لقوله: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾.

* ويترتب على هذه الفائدة فائدة أخرى وهي: أن المرأة لا تزوج نفسها.

فإن قال قائل: هذا ظاهر فيما إذا كانت أمة أنها لا تزوج نفسها لأنها مملوكة لكن إذا كانت حرة؟ نقول: إذا كانت حرة فهناك أدلة أخرى تدل على أنها لا تزوج نفسها وأنه لا بد من ولي.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الأمة تملك مهرها؛ لقوله: ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ والمراد بها المهور، وإلى هذا ذهب بعض أهل العلم وقال: إن مهر الأمة لها؛ لأنها تحتاج للتزين لزوجها ولإعداد المكان، البيت، المطبخ وغيره للزوج، فلا يكون مهرها لسيدها؛ لأن هذا مما تتعلق به حاجاتها، ولكن جمهور أهل العلم على خلاف ذلك على أن مهر الأمة لسيدها؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ بَاعَ عَبْدًا لَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٣٧٩)، ومسلم (١٥٤٣ / ٨٠) من حديث عبد الله بن عمر.]].

قالوا: وإضافة الأجور إليهن من باب الاختصاص أو من باب مراعاة السبب؛ لأنهن هن السبب في هذا المهر، لولاها ما حصل المهر لسيدها، وهذا أقرب إلى القواعد الشرعية العامة.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الرجوع إلى العرف، من أين تؤخذ؟

* طالب: من قوله ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском