Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:4–5
4:4Page 77
وَءَاتُواْ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَٰتِهِنَّ نِحۡلَةٗۚ فَإِن طِبۡنَ لَكُمۡ عَن شَيۡءٖ مِّنۡهُ نَفۡسٗا فَكُلُوهُ هَنِيٓـٔٗا مَّرِيٓـٔٗا ٤
And give the women [upon marriage] their [bridal] gifts1 graciously. But if they give up willingly to you anything of it, then take it in satisfaction and ease.2
ثم قال الله عز وجل: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ ﴿آتُوا﴾ أي: أعطوا، والفرق بين (أتوا) و(آتوا): أن (آتوا) بمعنى أعطوا، و(أتوا) بمعنى جاؤوا، إذن (آتوا) بمعنى أعطوا، (وأْتوا) بمعنى جيئوا.
﴿آتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ﴾ الخطاب في قوله: ﴿آتُوا﴾ هل هو للأزواج أو للأولياء؟ في الآية قولان؛ القول الأول: أنه للأولياء، فيكون المعنى: أن الله أمر الأولياء أن يعطوا النساء صدقاتهن بدون أن يأخذوا منهن شيئًا؛ لأن العرب في الجاهلية إذا زوج الرجل ابنته أخذ المهر، ولم يعطها إلا ما تلبسه ليلة الزفاف، والباقي يأخذه يسلبه إياها، فأمرهم الله أن يؤتوا النساء صدقاتهن نحلة.
والقول الثاني: أن الخطاب للأزواج، أمرهم الله عز وجل أن يؤتوا النساء صدقاتهن عن طيب نفس بدون مماطلة وبدون تكره، وإذا كانت الآية تحتمل المعنيين بدون تناقض فما الواجب؟ حملها على الوجهين، فنقول: الخطاب للأزواج وللأولياء.
﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ﴾ ﴿النِّسَاءَ﴾ يعني: المتزوجات، بدليل قوله: ﴿صَدُقَاتِهِنَّ﴾، و(صدقات) جمع (صدقة) وهي المهر، وسمي بهذا الاسم؛ لأن بذله دليل على صدق الطالب للمرأة.
وقوله: ﴿نِحْلَةً﴾ أي: عطية طيبة بها نفوسكم، يقال: نحله، أي: أهداه هدية طيبة بها نفسه.
وعلى هذا فزعم بعضهم أنها مفعول مطلق لقوله: ﴿آتُوا النِّسَاءَ﴾ فهي مثل قول القائل: وقفت قيامًا، أو جلست قعودًا؛ لأن (آتى) بمعنى نحل، و(آتوا) بمعنى انحلوا، والنحلة هي العطية عن طيب نفس.
﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ﴾ ﴿إِنْ طِبْنَ﴾ يعني: النساء، وقوله: ﴿نَفْسًا﴾ مصدر محول عن الفاعل، والمصدر المحول تارة يحول عن الفاعل كما في هذه الآية، وتارة يحول عن المفعول به كما في قوله تعالى: ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ [القمر ١٢] يعني: عيون الأرض.
﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ﴾ (مِن) قيل: إنها تبعيضية، وقيل: إنها بيانية، فعلى الأول يكون المعنى: إن طبن لكم عن بعضه، وعلى الثاني يكون المعنى: إن طبن لكم عن كله أو بعضه؛ لأن (مِن) بيان لمحل الحكم بقطع النظر عن كونه كله أو بعضه.
﴿إِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ﴾ عبر بالأكل؛ لأنه أخص وجوه الانتفاع؛ إذ إن الأكل يغذي البدن وينمو به البدن، بخلاف اللباس وبخلاف المساكن وبخلاف المراكب؛ فإن منفعتها خارجية، فاللباس كسوة خارجية، ولكن الأكل كسوة داخلية، صح؟ الأكل كسوة داخلية؟ منفعة، نعم صحيح منفعة لكن هي كسوة أيضًا، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (١١٩)﴾ [طه ١١٨، ١١٩]، التناسب بين الظمأ والضحى اللي هو حرارة الشمس واضح، وبين الجوع والعري واضح؛ لأن الشبع كسوة الباطن، المعدة فاضية ما فيها شيء، عارية، فإذا دخَّلت الطعام فيها غطاها وكساها، فهو كسوة باطنية.
على كل حال ﴿كُلُوهُ هَنِيئًا﴾ أقول: عبر بالأكل؛ لأنه أخص وجوه الانتفاع؛ لأن منفعته للبدن مباشرة ينمو بها البدن، بخلاف اللباس وبخلاف المسكن وبخلاف المركوب فإنها منفعة خارجية.
وقوله: ﴿هَنِيئًا﴾ أي: حين الأكل، ﴿مَرِيئًا﴾ أي: بعد الأكل، فالمريء محمود العاقبة، والهنيء سهل المساغ، وأضرب لكم مثلًا يبين: إذا أعطينا شخصًا من غير أهل جدة سمكة وأراد يأكلها يمكن إذا أكلها (...) عشر مرات قبل أن تصل إلى معدته؛ لأن فيها شوكًا وزعانف وما أشبه ذلك مما يغصصه بها، هل هذا الأكل هنيء ولَّا غير هنيء؟ غير هنيء، لكن تسمع صريخ عظامها بين أسنانه ولا يبالي، وهذا الشيء شاهدته أنا، شاهدته أنا بنفسي، يأخذ الذيل هذا اللي مثل المشط ويجعله بين أسنانه يقرضه كما نقرض التمر اليبيس، هذا يكون هنيئًا له ولَّا لا؟ هذا يكون هنيئًا له؛ لأنه يسيغه بسهولة، لكن لمن لم يعتده ليس هنيئًا.
﴿مَرِيئًا﴾ قلنا: محمود العاقبة، ربما يأكل الإنسان أكلًا لينًا لذيذًا في الفم، لكن إذا وصل إلى بطنه جعل يتلوى منه، ماذا يكون؟ مريء ولَّا غير مريء؟ غير مريء، هذا غير مريء.
هل من ذلك ما يفعله بعض الناس، يكون الطعام حارًّا يشوي يده، ثم يشوي فمه، ثم يبتلعه بسرعة، ثم يشوي بطنه؟ هذا ليس محمود العاقبة؛ لأنه يضره، لكن بعض الناس -سبحان الله- ما يهمه هذا الشيء، والذي ينبغي أن يأكل الإنسان أكلًا محمود العاقبة يكون مريئًا.
ولهذا قال بعض الناس كلمة أعجبتني، قال: كلْ ما يلذ لبطنك لا ما يلذ لفمك، صحيح؟ أحيانًا الإنسان يأكل الطعام طعمه طيب وزين وحلو، لكن إذا وصل إلى البطن أوجع البطن؛ إما لكون البطن مملوءًا من قبل أو لسبب ما؛ ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله: إن الطعام يكون حرامًا إذا خاف الإنسان منه الأذى أو التخمة، يكون حرامًا يحرم أن يأكله إذا خاف الأذى أو التخمة، الأذى بأيش؟ الأذى بالأكل، يحمل بطنه وقد ملأه يتعب، حتى إذا جلس يمكن لا يجلس إلا متربعًا لشدة ملء البطن، هذا نقول: يحرم عليك أن تأكل.
أو التُّخمة، أتعرفون التخمة؟ ما هي؟
* طالب: الشبع.
* الشيخ: لا، التغير، نحن نسميها: غِيرة أو غِيَرة كطِيَرة يعني: التغير، والتغير -والحمد لله- الآن لطيب المآكل قليل جدًّا، لكن فيما سبق لما كانت المآكل ليست بذاك الطيبة يجد الإنسان التخمة، يصير إذا تجشأ يظهر منه رائحة خبيثة وربما يصاب بمرض.
على كل حال أنا..، يعني استطردنا كثيرًا، شيخ الإسلام رحمه الله يقول: إن الإنسان إذا خاف من الأكل الأذى أو التُّخمة فإنه يحرم عليه، وما قاله له وجه، لكن مع الأسف إننا الآن نأكل كثيرًا، ثم إذا ملأنا البطون ذهبنا نطلب المهضم، أليس كذلك؟ بل إن بعض الموائد أجد فيها يصفُّون فيها البيبسي وما أشبهها من أجل من يوم يأكل يشرب هذا، نقول: لا تكلف نفسك، كلْ أكلًا معتادًا.
وحدثني إنسان طبيب كان عندي في الأسبوع الماضي طبيب أمريكي أصلًا يقول: أنا أسلمت على حديث واحد وعلى آية واحدة، قلنا: ما هي؟ قال الحديث: «حَسْبُ ابْنِ آدَمَ لُقَيْمَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ وَثُلُثٌ لِنَفَثِهِ»[[أخرجه الترمذي (٢٣٨٠)، وابن ماجه (٣٣٤٩) واللفظ له، من حديث المقدام بن معدي كرب. ]]، يقول: هذا أصول الطب، ولو أن الناس نفذوه ما كاد يمرض أحد، أما الآية فهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة ٦].
يقول: هذه الأعضاء التي هي بارزة ظاهرة تتعرض للغبار وتتعرض للأوساخ، تتعرض لكل شيء، إذا غسلت في اليوم والليلة خمس مرات بقيت نظيفة، إذن الإسلام دين النظافة ودين الحُمية، وهذه أصول الطب، فقلنا له بعد: فيه شيء آخر غير هذا، إن الطهارة هذه تطهر الأذى المعنوي وهو الذنوب؛ لأنه يغفر للإنسان في آخر قطرة من قطراته، لكن هذه لا يعرفها الكفار، الكفار ليس لهم إلا الظاهر.
فأقول: إننا لو جربنا -لو أسبوعًا واحدًا- ألا نأكل كثيرًا، ولكن قد يقول قائلكم: أنا إذا لم آكل كثيرًا جعت قبل أن تأتي الوجبة الأخرى، صح؟ ماذا نقول؟ نقول: كلْ.
وحدثني بعض الناس أن الدول التي تسمي نفسها الدول الراقية يأكلون في اليوم والليلة خمس وجبات، ليش؟ لأنهم ما يكثِّرون، يأكلون، ثم إذا جاعوا أكلوا، ثم إذا جاعوا أكلوا، ولو أنكم تجربون لمدة أسبوع، والليلة الأربعاء، وتخبرونني -إن شاء الله- بالنتيجة ليلة الأربعاء القادم.
* طالب: شيخ، أحسن الله إليك، بمناسبة الشيعة تقول: إنه محمود (...) يكثرون، ولكن هؤلاء أشد الناس عداوة لأهل السنة والجماعة، فتكاتفهم هذا لمحاربة أهل السنة والجماعة فكيف نقول: إنه محمود هذا الشيء؟
* الشيخ: إي نعم، هذا يقول: إن الشيعة معروفون بأنهم أعداء لأهل السنة والجماعة، فكيف يكون فعلهم محمودًا؟ نقول: إن الإنسان قد يحمد على فعله ولا يحمد على دينه، يعني: لا يلزم من حمدنا فعلهم هذا أن نحمدهم على دينهم، بل لا نشك أنهم على دين باطل، وأنهم بعيدون عن الصواب، وأن الواجب عليهم أن يرجعوا إلى طريق أهل السنة.
والعجب أنهم يقولون: هم أهل السنة، يعني يقولون لأهل السنة: أنتم أهل السنة ثم يخالفونهم، إذا كانوا أهل السنة هل أنتم تريدون أن (...) السنة؟!
وهذا الإنسان يحمد على كرمه وهو كافر، وعلى إحسانه وهو كافر، قال النبي صلى الله عليه الصلاة والسلام في أسرى بدر: «لَوْ كَانَ المُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ حَيًّا فَكَلَّمَنِي فِي هَؤُلَاءِ النَّتْنَى لَتَرَكْتُهُمْ لَهُ»[[أخرجه البخاري (٣١٣٩) من حديث جبير بن مطعم.]]، لماذا؟ لأنه كان دخلَ بجواره، الرسول دخل بجوار المطعم، فالواجب، العدل نحن نقول بالعدل أن الفعل المحمود من أي شخص أتى به يحمد.
نعم، لو خفنا من هذا مفسدة بأن يعجب هذا الشخص بنفسه أو يكون في ذلك دعاية لما هو عليه من الباطل فحينئذٍ نسكت، نأخذ بالخير دون أن نحمد من سنه إذا لم يكن أهلًا للحمد.
* طالب: شيخ، حفظكم الله، أنه لا يجب العدل بين الإماء، من أين تؤخذ من هذه الآية؟
* الشيخ: من قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾؛ لأن الله قال: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾، هذا واضح في النكاح، أو إن خفتم ألا تعدلوا فأنتم جامعوا ما ملكت أيمانكم.
* طالب: غير معطوف على ﴿مَا طَابَ﴾؟
* الشيخ: لا، غير معطوف على ﴿مَا طَابَ﴾ يعني: ليس معطوفًا على (واحدة)؛ لأن من نكح ملك اليمين وجب عليه العدل.
* طالب: عندما لا يكفيه؟
* الشيخ: صح، يعني مثلًا لو أن رجلًا تزوج أمتين من سيديهما أو من سيدهما وجب عليه العدل، لكن الله يقول: ﴿مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ يعني: جامعوا أو انكحوا ما ملكت أيمانكم بمعنى الجماع.
* طالب: رجل أراد خطبة امرأة فاشترط عليه أهل المرأة أن لا يراها إلا بعد عقد النكاح؟
* الشيخ: اشترطوا عليه أن لا يراها إلا بعد عقد النكاح، ما ضمنا هذا ما هو يشترط، طلب منهم أن يراها قبل العقد، لا، ما يجبر كيف يجبر؟ صحيح هذا كان الناس بالأول ما يراها أبدًا الخاطب.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء ٥] في الآية قراءتان في ﴿السُّفَهَاءَ﴾ وفي ﴿قِيَامًا﴾.
قال الله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾.
* يستفاد من هذه الآية فوائد؛ فمن فوائدها: وجوب إعطاء النساء مهورهن؛ لقوله: ﴿آتُوا﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: أنه لا يجوز للولي أن يأخذ شيئًا من صداق النساء، لوجهين؛ الوجه الأول: أنه أضاف الصداق إليهن فهو ملكهن، والوجه الثاني: أنه أمرنا بإيتائهن صداقهن ﴿آتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ﴾.
وهذه المسألة اختلف فيها العلماء؛ فمنهم من قال: يجوز للأب خاصة أن يشترط لنفسه من مهر ابنته ما شاء، وقال بعض العلماء: لا يجوز لا للأب ولا لغيره أن يشترط لنفسه شيئًا من المهر.
والذي تؤيده السنة: أنه لا يجوز أن يشترط الولي لنفسه شيئًا من المهر، سواء كان الأب أم غيره، لكن إذا تم العقد وأراد الزوج أن يعطي الأب أو غيره من الأولياء أو الأم أو الخالة أو ما أشبه ذلك شيئًا من الإكرام، فلا بأس به كما دلت على ذلك السنة، أما ما كان قبل العقد فكله للمرأة، ولا يحل لأحد أن يشترط منه شيئًا لنفسه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجب إعطاؤهن الصداق على وجه النحلة، يعني: الهدية التامة، فلا يكون فيه مِنَّة في المستقبل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز إسقاط المرأة شيئًا من المهر أو رده إن كانت قد قبضته؛ لقوله: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾.
* ومن فوائدها: أنه لو أسقطت شيئًا خجلًا أو حياءً فإنه لا يحل قبوله؛ لقوله: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ﴾؛ ولهذا قال العلماء: إذا أهدى إليك شخص هدية وأنت تعلم أنه إنما أهدى حياء وخجلًا، فإنه لا يجوز أن تقبلها منه؛ لأن هذا كالإكراه.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من تملك شيئًا عن طيب نفس فإنه يحل له حاضرًا ومستقبلًا؛ لقوله: ﴿هَنِيئًا مَرِيئًا﴾، ﴿هَنِيئًا﴾ حين الأكل، ﴿مَرِيئًا﴾ بعد الأكل.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا يحل أخذ شيء من مال الغير بغير طيب نفس منه؛ لأن الله اشترط لحل أكله أن يكون عن طيب نفس، وقد جاءت بذلك السنة صريحة: «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ»[[أخرجه أحمد (٢٠٦٩٥)، والدارقطني في السنن (٢٨٨٦) واللفظ له، من حديث عم أبي جرة الرقاشي. ]]، وكذلك جاء في القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء ٢٩].
4:5Page 77
وَلَا تُؤۡتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمۡوَٰلَكُمُ ٱلَّتِي جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمۡ قِيَٰمٗا وَٱرۡزُقُوهُمۡ فِيهَا وَٱكۡسُوهُمۡ وَقُولُواْ لَهُمۡ قَوۡلٗا مَّعۡرُوفٗا ٥
And do not give the weak-minded your property,1 which Allāh has made a means of sustenance for you, but provide for them with it and clothe them and speak to them words of appropriate kindness.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ قال: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ ﴿السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ فيها قراءتان: القراءة الأولى بهمزتين محققتين ﴿السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾، والقراءة الثانية بحذف إحدى الهمزتين ﴿السُّفَهَا أَمْوَالَكُمْ﴾ الأولى على الأصل، والثانية بالتخفيف، وكذلك قوله: ﴿قِيَامًا﴾ فيها قراءتان: ﴿قِيَامًا﴾ و﴿قِيَمًا﴾ والمعنى واحد.
يقول الله عز وجل: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ أي: لا تعطوهم، لا تعطوا السفهاء، والسفهاء جمع سفيه وهو من لا يحسن التصرف؛ إما لقلة في سنِّه، وإما لقصور في عقله ورشده، هذا هو السفيه، والسفه يكون في الأموال ويكون في الأعمال، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة ١٣٠]، فمن رغب عن ملة إبراهيم الحنيفية السمحة فهو سفيه وإن كان من أرشد الناس في تصرفه في ماله.
يقول: ﴿أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ ﴿أَمْوَالَكُمُ﴾ أضاف الأموال إلينا، فاختلف العلماء هل المعنى: لا تؤتوا السفهاء أموالكم الخاصة بكم؛ لأنهم سوف يضيعونها بغير فائدة، فتفوت عليكم وتفوت عليهم، وقال بعض العلماء: بل المراد بذلك أموالهم هم، لكنه أضافه إلينا من أجل الولاية، فكأننا بولايتنا على هذا المال نملك هذا المال، والآية صالحة للوجهين، ومن قواعد التفسير: أن الآية إذا كانت صالحة لوجهين لا يتنافيان فإنها تحمل عليهما.
وقوله: ﴿الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ ﴿جَعَلَ﴾ بمعنى صيَّر، يعني: جعلها الله لنا قيامًا، الأموال تقوم بها مصالح ديننا ومصالح دنيانا، فكم من أسير فك بالمال، وكم من ضرورة أزيلت بالمال، وكم من يتيم جبر قلبه بالمال، فالأموال في الحقيقة قيام للناس في أمور دينهم ودنياهم، حتى إن الله سبحانه وتعالى يقدم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس؛ لأن ضرورة الجهاد للمال أكثر من ضرورتها للنفس، حتى الذي يجاهد بنفسه محتاج للمال، ما الذي يوصله إلى ميدان القتال إلا الأموال؛ ولهذا نجد الله سبحانه وتعالى يقدم ذكر الأموال في الجهاد على ذكر النفوس.
﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا﴾ (ارزقوهم) يعني: أعطوهم رزقًا، والرزق هو العطاء، وقوله: ﴿فِيهَا﴾ أي: في الأموال، ولم يقل: (منها) إشارة إلى أنه لا بد أن يكتسب الولي بمال هؤلاء السفهاء حتى يكون الرزق فيها لا منها، وفرق بين الرزق فيها والرزق منها؛ لأنه لو لم يتجر فيها ويكتسب صار العطاء أيش؟ منها، إذا قدرنا أنها مئة فأعطاهم نفقة عشرة ريالات نقصت، كلما أعطاهم نقصت، لكن إذا قال: فيها، فالمعنى أن الرزق يكون فيها، فيكون المال أوسع من الرزق المعطى، وهذا يتضمن أن يتجر فيها ثم يعطيهم من الربح.
﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا﴾ أعطوهم، أعطوهم أيش؟ أعطوهم طعامًا، شرابًا، أما الكسوة فقال: ﴿وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ ﴿اكْسُوهُمْ﴾ ما يحتاجون إليه من السراويلات والقمص وغيرها، بقي عندنا الفرش والسكن يدخل في قوله: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا﴾.
﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ أي: حين إعطائكم إياهم وكسوتكم إياهم قولوا لهم قولًا معروفًا، أي: قولًا يكون لينًا هينًا، ولا تشمخوا بآنافكم عليهم وتمنوا عليهم؛ لأن ذلك خلاف الولاية الحقيقية، فمثلًا إذا جاء السفيه يقول: أعطني اكسني، لا تقل له قولًا غليظًا، لا تقل: ما عندك قط ثوبك ما عندك (...) طعامك، وما أشبه ذلك من الكلمات النابية؛ لأن المال مالهم، وإن كان مالكم فإنه لا ينبغي لكم أن تمنوا بما أعطيتم.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تحريم إعطاء السفهاء الأموال سواء لهم أو لنا على الوجهين؛ لقوله: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ﴾، والنهي للتحريم لا سيما إذا قرن النهي بما يفيد العلة وهي السفهاء، كأنه قال: لا تعطوهم لسفههم؛ لأنهم إذا أعطيتموهم وهم سفهاء أضاعوا المال.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: ذم السفه، وأنه سبب للحيلولة بين الإنسان وبين ماله.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن السفه موجب للحجر على الإنسان في ماله.
وقد قسم العلماء رحمهم الله الحجر إلى قسمين: قسم لحظ الغير، وقسم لحظ النفس.
أما الأول فمثل أن تستغرق ديون الإنسان ماله، ففي هذه الحال يحجر عليه، لماذا؟ لحظ الغير، فإذا كان الإنسان عليه ديون أكثر من ماله وطلب الغرماء أن يحجر عليه حجر عليه، وإن لم يطلبوا فإنه يحرم عليه أن يتصرف تصرفًا يضر بالغريم، وإن فعل لم ينفذ التصرف؛ ولهذا لو وقف الإنسان الذي ديونه أكثر من ماله لو وقف شيئًا من ماله لم ينفذ الوقف، لماذا؟ لأنه تعلق به حق الغير، هذا هو القول الراجح في هذه المسألة، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، أما المشهور من المذهب فإن تصرفه نافذ ما لم يطلب الغرماء أو بعضهم الحجر عليه، فإن طلبوا الحجر عليه حجر عليه ومنع من التصرف في ماله.
القسم الثاني من الحجر: الحجر لحظ النفس، وهو ما كان سببه السفه أو الصغر أو الجنون، فالمجنون يحجر عليه في ماله، والصغير يحجر عليه في ماله، والسفيه يحجر عليه في ماله الذي لا يحسن التصرف، هذا الحجر لحظ المحجور عليه وليس لحظ الغير.
فإذا قال المحجور عليه: هذا مالي، دعوني أتصرف فيه بما شئت، قلنا: لا يمكن؛ لأنك سفيه، وإذا لم نحجر عليك فسوف تفسد المال.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا (...) الفساد، أي: بتسليطنا إياه، فلو أن أحدًا أعطى مجنونًا عصًا قلنا: هذا حرام عليك؛ لأنك إذا أعطيته عصًا فسوف يخرج يضرب به الناس، وإذا كان السفيه ينهى عن إعطائه المال فكيف بالمجنون؟
فإذا قال قائل: ما ضابط السفه الذي يحصل به الحجر؟ فالجواب: أن أهل العلم قالوا: إن السفيه هو الذي يبذل ماله في الحرام أو في غير فائدة، فالأول كالذي يبذل ماله في الخمر والمخدرات وما أشبهها، هذا سفيه يحجر عليه، أو في غير فائدة كالذي يصرف ماله في المفرقعات أو في الفقاعات أو ما أشبه ذلك، أو يشتري زيتًا أو بنزينًا ويولع فيه النار ويتفرج عليه فقط، هذا سفيه ولَّا رشيد؟ هذا سفيه فيحجر عليه.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: حكمة الله عز وجل في المال الذي أعطاه الله عباده، وهو أنه قيام للناس في مصالح دينهم ودنياهم.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه إذا كان المال قيامًا للناس في مصالح دينهم ودنياهم فإنه يحرم أن يصرف في غير ما فيه قيام دينهم ودنياهم؛ لأن الله جعله قيامًا تقوم به مصالح الدين والدنيا.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يجب على ولي السفيه أن يتصرف في ماله بما يحصل به الفائدة؛ لقوله: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا﴾.
* ومن فوائدها: أنه يجب أن يرزقوا ما يحتاجون إليه من طعام وشراب وغير ذلك؛ لأن الأمر يقتضي الوجوب، لا سيما وأنه متعلق بحق الغير.
* ومن فوائدها أيضًا: أنه يجب على من ولَّاه الله على أحد أن لا يغلظ له القول، بل يقول له القول المعروف، حتى يجمع بين الإحسان القولي والفعلي.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences