Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
غافر
Ghafir
The Forgiver · Meccan · 85 ayahs
40:1–3Page 467
حمٓ ١
Ḥā, Meem.1
تَنزِيلُ ٱلۡكِتَٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡعَلِيمِ ٢
The revelation of the Book [i.e., the Qur’ān] is from Allāh, the Exalted in Might, the Knowing,
غَافِرِ ٱلذَّنۢبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوۡبِ شَدِيدِ ٱلۡعِقَابِ ذِي ٱلطَّوۡلِۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ إِلَيۡهِ ٱلۡمَصِيرُ ٣
The forgiver of sin, acceptor of repentance, severe in punishment, owner of abundance. There is no deity except Him; to Him is the destination.
الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣) مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ﴾ [غافر ١ - ٤].
* الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
قال الله تبارك وتعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ البسملة آية من كتاب الله عز وجل مستقلة، ليست من السورة التي قبلها ولا من السورة التي بعدها، ولكن يؤتى بها في ابتداء السور إلا سورة واحدة وهي سورة براءة، فإنه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه جعل فيها بسملة؛ ولهذا تركها الصحابة رضي الله عنهم بدون بسملة لعدم ثبوت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وأما ما قيل: إنها تُرِكَت بلا بسملة لأنها نزلت بالسيف فإنه قول باطل، ليس هذا هو السبب، والسيف إذا كان رحمة فإنه غنيمة، ومعلوم أن السيف على الكفار رحمة يُقْصَد به إعلاء كلمة الله عز وجل.
ثم البسملة -كما تشاهدون- جملة ليس فيها فعل ولا اسم فاعل، لكنها جار ومجرور، ومضاف ومضاف إليه، وصفة وموصوف.
الجار هو الباء، والمجرور اسم، والمضاف اسم، والمضاف إليه لفظ الجلالة، وموصوف وهو الله، وصفة وهو الرحمن الرحيم. فأين المتعلَّق لأنه لا بد لكل جار ومجرور أو ظرف لا بد له من متعلق كما قال الناظم ناظم الجمل:
لَا بُدَّ لِلْجَارِّ مِنَ التَّــــــعَلُّقِ ∗∗∗ بِفِعْلٍ أَوْ مَعْــــــــــــــــــــــــنَاهُنَحْـــــــــــــوُ مُــــــــــــــرْتَقِ؎وَاسْتَثْنِ كُلَّ زَائِدٍ لَهُ عَمَلْ ∗∗∗ كَالبْا و(مِنْ) وَالْكَافِ أَيْضًاوَ(لَعَلْ)
فأين متعلق البسملة ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾؟ أحسن ما يقال: إن مُتعلَّقها فعل متأخر مناسب لما ابتُدئ بالبسملة من أجله، فنحن الآن نريد أن نقرأ نقول: المتعلق تقديره بسم الله أقرأ، نريد أن نتوضأ نقول: التقدير باسم الله أتوضأ، نريد أن نذبح نقول: التقدير باسم الله أذبح. وإنما قدرناه فعلًا لا اسم فاعل؛ لأن الأصل في العمل هو الفعل، وإنما قدَّرْناه متأخرًا لوجهين:
الوجه الأول: التَّيَمُّن بالبَداءة باسم الله.
والثاني: إفادة الحصر؛ لأنك إذا أخَّرتَ العامل وقدمتَ المعمول كان ذلك دليلًا على الحصر؛ إذ إن القاعدة المعروفة في البلاغة هي أن تقديم ما حقُّه التأخير يفيد الحصر، وإنما قدَّرْناه مناسبًا لما ابتُدِئ به؛ لأنه أدل على المقصود، فمثلًا لو قلت: إن التقدير باسم الله أبتدئ، صح. لكن أبتدئ بأي شيء؟ فإذا قلنا: نقدِّره فعلًا خاصًّا مناسبًا لما ابتدئ به صار ذلك أدل على المقصود، ومعلوم أن ما كان أدل على المقصود كان أبين في المراد، هذا هو إعراب هذه البسملة.
أما معناها فإن (اسم) مفرد مضاف، وكل مفرد مضاف فإنه للعموم، أرأيتم قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل ١٨] فإن نعمة مفرد مضاف، لكن ليست نعمة واحدة؛ لأن النعمة الواحدة تُحْصَى، لكنها نعم كثيرة فتشمل كل ما أنعم الله به على العبد.
إذا كان المفرد المضاف يفيد العموم فما معنى قولنا: بسم الله الرحمن الرحيم؟ معناها بكل اسم من أسماء الله أفعل كذا وكذا، فتكون أنت الآن مستعينًا بكل اسم من أسماء الله على هذا الفعل الذي بَسْمَلْتَ من أجله.
وأما (اسم) فقيل: إنه مشتق من السمو وهو الارتفاع؛ وذلك لأن الاسم يَرفَعُ المُسمَّى ويُبَيِّنُه، وقيل: إنه مشتق من السمة وهي العلامة، قال الله تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ﴾ [الفتح ٢٩] أي: علامتهم في وجوههم، وأيًّا كان فالاسم يُعيِّن مسماه ويميزه من غيره.
وأسماء الله سبحانه وتعالى -كما مر علينا في التوحيد- غير محصورة بعدد كما جاء في الحديث الصحيح: «أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ» »[[أخرجه أحمد (٤٣١٨) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.]]، وأما الله فهو علم على الذات المقدسة العليَّة وهو الله سبحانه وتعالى. قال النحويون: وهو أعرف المعارف. أعرف المعارف هذا العلم، وقد رتبوا المعارف كما تعرفون بأن أَعْرَفها الضمير ثم الأعلام، لكن هذا العلم هو أعرفها؛ إذ لا تحتمل المشاركة فيه، وغيره من المعارف يمكن المشاركة فيه.
وأما قوله: ﴿الرَّحْمَنِ﴾ فهو اسم من أسماء الله دال على الرحمة الواسعة؛ والرحيم اسم من أسماء لله دال على الرحمة التي تقع بالفعل، فالرحمن للوصف، والرحيم للفعل؛ يعني أنه رحمان يرحم، وبذلك تَبَيَّن فائدة الجمع بينهما، فإن فائدة الجمع بينهما هو الدلالة على أن رحمة الله واسعة وذلك في قوله: ﴿الرَّحْمَنِ﴾؛ لأن (فعلان) يدل على الامتلاء والسعة، كما تقول: شبعان وريان، وما أشبهها، وأما ﴿الرَّحِيمِ﴾ فهو باعتبار الفعل؛ أي: إيصال الرحمة إلى مَنْ قَدَّر الله أن يرحمه.
والبسملة لها أحكام؛ منها أنها تكون أحيانًا شرطًا في الحلِّ كالتسمية على الذبيحة، فإن التسمية على الذبيحة شرط لحلها حتى إنه لو تَرَك التسمية ولو نسيانًا لم تحلَّ الذبيحة، وقد تكون واجبة لا شرطًا كما في الوضوء عند بعض العلماء، فإن التسمية في الوضوء واجبة ولكنها ليست شرطًا للصحة؛ إذ لو تركها نسيانًا صح وضوؤه، وقد تكون مستحبة في كل أمر ذي شأن كما جاء في الحديث: «كُلُّ أَمْرٍ ذِي شَأَنٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِبِاسْمِ اللَّهِ فَهُوَ أَبْتَرُ» » أو: «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ»[[أخرجه الخطيب في الجامع (١٢١٠) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] يعني: ذي شأن مهم لا يُبدَأ فيه بباسم الله فهو أبتر، أي منزوع البركة؛ ولهذا كان النبي ﷺ يَبْتَدِئ بها في المكاتَبات إلى الملوك وغيرهم، وكذلك الأنبياء مِنْ قبله كما جاء في القرآن الكريم: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل ٣٠، ٣١].
ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿حم﴾ [غافر ١] هذه كلمة مُكوَّنة من حرفين مهملين هجائيين الحاء والميم؛ ولهذا ننطق بها باسمهما لا بلفظهما، فلا نقول: حم، بل نقول: حاء ميم باسمهما، فهما إذن حرفان مهملان هجائيَّان يتركَّب منهما كلام الناس، فهل لهذين الحرفين معنى؟
يقول المؤلف: (الله أعلم بمراده به) يعني: ما ندري ماذا أراد؛ هل أراد إثبات معنى، أم لم يرد إثبات معنى؟ وهل أراد معنى معينًا أم ماذا؟ المهم أننا نفوِّض، فموقفنا من هذا التفويض كغيره من الحروف الهجائية التي ابْتُدِئت بها بعض السور.
ولكن مقتضى كون القرآن باللسان العربي أن نقول: إنهما حرفان هجائيان مهملان ليس لهما معنى؛ يعني نجزم بأنه لا معنى لهما، لأن القرآن نزل باللغة العربية، واللغة العربية لا تجعل للحروف الهجائية معنى، وهذا مروي عن مجاهد إمام المفسرين في زمنه زمن التابعين، وهو الحق؛ لأن الله تعالى قال: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء ١٩٣ - ١٩٥].
فإن قال قائل: يَرِد على هذا القول أن في القرآن ما ليس له معنى وليس له فائدة، وإنما هو حروف مُقَطَّعة ليس لها فائدة.
قلنا: الجواب عن هذا الإيراد أن الله سبحانه وتعالى تَكَلَّم بذلك لمغزى لا لمعنى؛ أي: لحكمة بالغة وهي أن هذا القرآن الذي أعجزكم أيها البلغاء من العرب لم يكن أتى بشيء جديد من حروف، بل أتى بالحروف التي تُرَكِّبون منها كلامكم ومع ذلك أعجزكم، عَجَزْتُم عن صفِّ الحروف حتى تكون مثل القرآن، فإذا كنتم عجزتم عن ذلك فعجزكم عن معنى هذه الكلمات من باب أولى، وهذا الذي ذكره الزمخشري في تفسيره وارتضاه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وذكره أيضًا إما ابتداء أو تقليدًا، المهم أن هذا هو الصواب عند المحققين؛ وهو أن الله تعالى أنزلها لتمام التحدي لهؤلاء البلغاء الذين عجزوا أن يأتوا بمثل القرآن أو بمثل بعضه، وأَيَّدوا قولهم هذا بأن الله تعالى لم يبتدأ سورة بحروف هجائية إلا ذَكَر بعدها القرآن إلا نادرًا.
ثم قال الله عز وجل: (﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾ [غافر ٢] القرآن) يعني المراد بالكتاب هنا القرآن، مع أن الكتاب اسم جنس يحتمل أن تكون فيه (أل) للجنس فيشمل كل كتاب، ولكن الظاهر ما ذهب إليه المؤلف؛ لأن المقصود بذلك تقرير كون هذا القرآن الذي نزل على المكذبين من عند الله عز وجل.
وقوله: (مبتدأ) يريد قوله: ﴿تَنْزِيلُ﴾ أي أنها مبتدأ، والمبتدأ يحتاج إلى خبر، والخبر قوله: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾؛ ولهذا قال المفسر: (﴿مِنَ اللَّهِ﴾ خبره) تنزيل الكتاب من الله لا من غيره.
﴿الْعَزِيزِ﴾ قال: (في ملكه ﴿الْعَلِيمِ﴾ بخلقه) العزيز ذو العزة، وقد سبق أن عزة الله تنقسم إلى كم؟ ثلاثة أقسام: عزة القدر، وعزة القهر، وعزة الامتناع. وهو كذلك في كل موضع جاء العزيز فهذا هو معناه؛ أي أنه ذو عزة. والعزة ثلاثة أقسام: عزة القدر، وعزة القهر، وعزة الامتناع؛ أما عزة القدر فمعناها أنه ذو شرف وسيادة. وأما عزة القهر فمعناها أنه ذو غلبة وسلطان. وأما عزة الامتناع فمعناه أنه ذو امتناع عن كل نقص وعيب. وقد سبق الاستشهاد على هذه المعاني الثلاثة وبيان اشتقاقها؛ فيكون قول المؤلف: (﴿الْعَزِيزِ﴾ في مُلْكِه) فيه قصور؛ لأنه جعله بمعنى الغالب فقط، والصواب ما ذكرنا لكم.
﴿الْعَلِيمِ﴾ قال: (بخلقه) والعليم أي ذو العلم. وعلم الله سبحانه وتعالى ليس بمحدود لا أولًا ولا آخرًا ولا مقدارًا، علم الله تعالى واسع شامل لكل شيء. علم الله تعالى أَزَلِيٌّ أي: لم يَسْبِقْه جهل، علم الله تعالى أبدي أي: لا يلحقه نسيان، فصار علم الله تعالى واسعًا شاملًا زَمَنًا وكَيْفًا؛ أي: زَمَنًا أي: في المستقبل وفي الماضي، وكيفًا أي أنه شامل لكل ما من شأنه أن يُعْلَم.
(﴿غَافِرِ الذَّنْبِ﴾ [غافر ٣] للمؤمنين ﴿وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ لهم ﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ للكافرين) قوله: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ﴾ الغَفْر هو الستر مع الوقاية، ومنه المِغْفَر ما يوضع على الرأس عند الحرب لاتقاء السهام، وكما ترون أن المِغْفَر ساتر فهو جامع بين السَّتْرِ والوقاية، والذنب المعصية، يقال: أَذْنَب الرجل إذا عَصَى، ومعنى غافر الذنب أي: ساتره المتجاوز عنه، وقول المؤلف: (للمؤمنين) فيه نظر واضح؛ لأن مغفرة الذنب شامل للمؤمنين وغير المؤمنين؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال ٣٨] فهو غافر الذنب لكل من تاب إلى الله وسأل المغفرة.
﴿وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ قابله معناها أن مَنْ تاب إلى الله قَبِل الله توبته، والتوب بمعنى الرجوع إلى الله عز وجل من معصيته إلى طاعته، وقال المؤلف: (لهم) لمن؟ (للمؤمنين) وهذا أيضًا ليس بصحيح، فالتوبة مقبولة من المؤمنين والكافرين، قال الله تبارك وتعالى عن المشركين: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة ١١]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [النساء ١٧، ١٨] قال: ﴿يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ إذن لو تابوا قبل ذلك لقُبِلَت، فتبيَّن بهذا أن ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله من تخصيص ذلك بالمؤمنين يُعْتَبر قصورًا.
قال: (مصدر) أيهما قابل أو التوب؟ (قابل) اسم فاعل، إذن فالمصدر هو التوب.
(﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ للكافرين) المؤلف رحمه الله كأنه خص الغافر والقابل بالمؤمنين؛ لقوله: ﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾؛ لأن شِدَّة العقاب إنما هي للكافرين. ولكن في هذا نظرًا؛ لأن المقصود هنا ذكر صفة الله سبحانه وتعالى أنه جمع بين الفضل والعدل؛ بين الفضل في كونه غافر الذنب وقابل التوب، والعدل في كونه شديد العقاب، لأن شدة العقاب من الله عز وجل لِمَنِ استحقها عدل؛ إذ إن الله أخبرنا وبيَّن لنا أن مَنْ فعل كذا عاقبه بالعقوبة الشديدة، فإذا فعل الإنسان ما تُوُعِّد عليه بالعقوبة الشديدة فهو الذي اختار لنفسه هذا فتكون معاملة الله له به تكون عدلًا.
وقوله: (أي: مُشَدِّدِه) انتبهوا لهذا التفسير (أي: مُشَدِّدِه)، لماذا عَدَل عن ظاهر الآية التي تُفيد أنه نفسه شديد العقاب؟ نعم، لأنهم ينفون الصفات؛ الأشاعرة، والتشديد فعل بائن عن الله عز وجل. فلننظر الآن؛ على كلام المؤلف تكون شديد بمعنى مشدِّد، ولنا أن نطالب فنقول: هل (فعيل) تأتي بمعنى (مفعل)؟
الجواب: نعم، تأتي (فعيل) بمعنى (مفعل) كقول الشاعر:
أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ ∗∗∗ يُؤَرِّقُنِي وَأَصْحَابِي هُجُوعُ
السميع هنا بمعنى المسمع، الداعي الذي يسمعني يؤرقني فلا أنام وأصحابي هجوع نائمون، فمن حيث اللفظ لا اعتراض على المؤلف أي من حيث جعله (فعيل) بمعنى (مفعل) لا اعتراض عليه؛ لأن ذلك وارد في اللغة العربية، لكن من حيث المعنى فيه نظر؛ لأن ظاهر قوله: ﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ أنه هو نفسه عقابه شديد وهو كذلك، فإذا كان العقاب شديدًا لزم أن يكون الألم -ألم من عوقب- شديدًا أيضًا.
والعقاب مأخوذ من المعاقبة وهي المجازاة؛ وسميت المجازاة عقابًا لأنها تَعْقُب العمل، لكنها تُذْكَر غالبًا فيما يسوء لا فيما يسر.
﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ (ذي) بمعنى صاحب، وهي مجرورة بالياء نيابة عن الكسرة؛ لأنها من الأسماء الخمسة، و﴿الطَّوْلِ﴾ يقول: (أي: الإنعام الواسع) هذا الطول؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء ٢٥] إلى آخره، فالطَّوْل هو الغنى الواسع، ومن تمام الغنى أن يكون مُنْعِمًا، والله سبحانه وتعالى مُنعِم واسع الغنى ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾.
قال: (وهو موصوف على الدوام بكلٍّ من هذه الصفات، فإضافة المشتق منها للتعريف كالأخيرة) عندنا فيه عدة صفات ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ﴾ كم هذه؟ هذه أربعة، الأخيرة غير مشتق فإن ﴿ذِي﴾ بمعنى صاحب غير مشتقة لكنها مؤولة بمشتق، أما ما قبلها شديد العقاب قابل التوب غافر الذنب فهي مشتقة، وجعل المؤلف رحمه الله هذه الصفات لا يُراد بها إثبات المعنى المشتق منه، ولكنها للتعريف فقط، ولا يخفى ما في هذا الكلام من القصور التام، كيف نجعل المشتق لمجرد التعريف؟ كيف نقول: غافر الذنب المراد بذلك التعريف بالله عز وجل لا أنه غافر ولا أن قابل ولا أنه شديد العقاب؟ فهو قاصر جدًّا، ولا يصح أن نُفَسِّر كلام الله تعالى بهذا الكلام، بل نقول: غافر مشتق من الغَفْر وهو صفة مقصودة، ليس المقصود بها التعريف، وكذلك نقول في قابل التوب، وفي شديد العقاب.
وقول المؤلف: (موصوف على الدوام بكل من هذه الصفات) قال ذلك هربًا من إثبات صفات الأفعال، لأنك إذا قلت: غافر بمعنى يغفر صارت صفة فِعْلٍ يتعلق بالمشيئة.
وعند الأشاعرة وغيرهم من المتكلمين يمتنع أن يوصف اللهُ تعالى بوصف هو فِعْل، لا يمكن، لماذا؟ قالوا: لأن الفعل يدل على الحدوث، والحدوث لا يكون في القديم، لا يكون الحدوث إلا بحادث، وقد سبق لنا بيان بطلان هذا القول، فالصواب إِذَن أن غافر وقابل صفتان من صفات الأفعال، وأما (شديد العقاب) فهي أيضًا صفة من صفات الأفعال لأن التقدير عقابه شديد، فهو من باب إضافة الصفة إلى الموصوف أي أن عقابه شديد فتكون كما سبق من الصفات الفعلية.
وأما ذي الطول فإذا قلنا: إن معناه ذي الغنى الواسع فهي من صفات الذات، وإذا قلنا: إنها بمعنى الإنعام الواسع فهي من صفات الأفعال.
(﴿إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ المرجع) الجملة خبرية مكونة من مبتدأ وخبر، والخبر فيها مُقَدَّم أو مؤخر؟ مقدم، وإذا قُدِّمَ الخبر أفاد التخصيص والحصر.
﴿إِلَيْهِ﴾ أي: إلى الله وحده ﴿الْمَصِيرُ﴾ المرجع، وهل المراد بقوله: ﴿إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ أي المرجع في كل شيء، أو إليه المصير بعد الموت؟ الجواب إليه المصير في كل شيء، فإليه المرجع في الحُكْم بين الناس، إليه المرجع في تدبير الأمور، إليه المرجع بعد الموت، إليه المرجع في كل شيء ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد ٣].
* طالب: ذكرنا أن (شديد) صفة فعل.
* الشيخ: كيف صفة فعل؟
* الطالب: لأن المؤلف هرب من (...).
* الشيخ: لا هي صفةٌ لفعله، ما هي صفة فعل، صفة لفعل الله؛ يعني: نفس العقاب شديد، وهو جعلها مشدِّد شيئًا منفصلًا عن الله عز وجل.
* طالب: شيخ، بارك الله فيك، ما نقول: إن الحروف المقطعة هذه في أوائل السور تدخل فيما قاله ابن عباس: إن القرآن أربعة أقسام، القسم الرابع أنه ما لا يعلمه إلا الله؟
* الشيخ: لا، هذه تدخل على رأي المؤلف، أما على القول الذي رجحنا فإنه معلوم أنه ليس لها معنى، يعني مما يدخل تحت علمنا أنه ليس لها معنى.
* طالب: قول المؤلف: مشدِّد (...).
* الشيخ: لا؛ لأن مشدد أي: جاعله شديدًا، فهي مثل القادر يعني تعود الصفة على مذهب الأشاعرة إلى القدرة وتعود على مذهب الماتريدية إلى الخلق، لأن الماتريدية يثبتون الخلق والتكوين بخلاف الأشاعرة.
* طالب: بالنسبة يا شيخ قوله: ﴿قَابِلِ التَّوْبِ﴾ (...).
* الشيخ: لا، هذه أوصاف، و﴿غَافِرِ الذَّنْبِ﴾ وصف، ولهذا جاءت باسم الفاعل، وجاء الغفور الذي هو اسمه على صيغة المبالغة.
* الطالب: (...).
* الشيخ: سمعتم السؤال؟ يقول: كيف نجمع بين القول بأن أسماء الله تعالى لا تُحْصى وبين قول النبي ﷺ: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٧٣٦)، ومسلم (٢٦٧٧ / ٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]؟
والجواب عن ذلك أن نقول.. الجواب عن ذلك ولَّا على ذلك؟ إذا كان السائل مستفهِمًا فقل: الجواب على ذلك. وإذا كان مُورِدًا أي مناقضًا فقل: الجواب عن ذلك؛ ولهذا يكون الجواب عن ذلك في مقام الرد على مَنْ اعترض عليك، والجواب على ذلك في جواب مَنِ استرشد، فالآن هل نقول بالنسبة لسؤال الأخ الجواب على ذلك أو عن ذلك؟ على ذلك إحسانًا للظن، وإلَّا لو جاء واحد يبغي يعترض قلنا: الجواب عن ذلك، أما الآن فنقول: الجواب على ذلك أن كلام النبي ﷺ ككلام الله لا يتناقض أبدًا، فإذا كان قد ثبت عنه أنه قال: «أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ» » علمنا أن مِنْ أسماء الله ما لا يمكن الوصول إليه، ولا يمكن إدراكه؛ لأن ما استأثر الله به لا يمكن أن نعلمه، فحينئذ يتعين أن نقول: إن معنى قوله: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ» » أي: من أسمائه تسعة وتسعين مَنْ أحصاها دخل الجنة، فتكون جملة «مَنْ أَحْصَاهَا» » وصفًا لكلمة «اسْمًا» » وليست جملة مستقلة مستأنفة، تكون معنى «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا» » موصوفة بأن مَنْ أحصاها دخل الجنة، وله أسماء أخرى لكن اختر منها تسعة وتسعين فإذا أحصيتها دخلتَ الجنة، وما معنى إحصائها هل معناها أن تقرأها لفظًا؟ لا، إحصاؤها هو معرفتها لفظًا ومعنى، والتعبد لله بمقتضاها، أي معرفة لفظها ومعناها والتعبد لله تعالى بمقتضاها.
* طالب: شيخ، عقاب الله منه النار وكأنها هي التي وُصِفَت بالشدة، فكيف وصفنا بها الله سبحانه وتعالى؟
* الشيخ: هو نفسه شديد العقاب، أنا مثلًا إذا قلت: فلان قوي الضرب، يعني ضربه هو الواقع منه قوي، العقاب الواقع منه شديد.
* الطالب: (...) الموصوف العقاب؟
* الشيخ: الموصوف الله عز وجل شدة عقابه هو، أما المعاقَب به فهذا شيء آخر، عندنا عقاب ومعاقَب به ومعاقب وارد عليه العقاب، فإذا عاقبتَ شخصًا بالضرب فهذا الضرب معاقَب به، وأما ضرب الضارب فهو وصفه الذي هو عقابه.
* * *
* الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣) مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ (٤) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (٥) وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر ١ - ٦].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿حم﴾ إلى آخره البسملة جار ومجرور، ومضاف ومضاف إليه، وصفة وموصوف فأين مُتعلَّقه؟ يعني بأي شيء تعلقت.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، من جهة الإعراب؟
* طالب: (...).
* الشيخ: متعلقة بفعل محذوف مؤخَّر مناسب للمقام، طيب الآن إذا كنتُ أريد أن أقرأ فكيف تقدر هذا المحذوف؟
* طالب: باسم الله أقرأ.
* الشيخ: باسم الله أقرأ، أحسنت، في القرآن الكريم: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق ١]، فأتى بـ(اقرأ)، الذين قدروا (أبتدئ) هل تقديرهم صحيح أو مرجوح؟
* الطالب: لا.
* الشيخ: لماذا؟
* الطالب: لأن الفعل المقدر لا بد أن يكون مناسبًا للمقام.
* الشيخ: ما هو لا بد، ما هو هذا.
* طالب: ليكون أنسب.
* الشيخ: ليكون أنسب بمعنى مناسب للمقام.
* طالب: تقديرهم صحيح، لكن الأولى أن يكون تقديرهم أدل.
* الشيخ: تمام، تقديرهم صحيح، لكن كون الفعل مناسبًا أدل على المقصود؛ لأنك إذا قلت: أبتدئ، بأي شيء؟ لكن إذا قدرتَه: أقرأ، أتوضأ، أغتسل، وما أشبه ذلك صار أدل على المقصود.
فيه أيضًا وجه آخر تبيَّن لنا، وهو أنك إذا قلت: باسم الله أبتدئ صارت البسملة على الابتداء فقط، إذا قلت: باسم الله أقرأ صارت البسملة على كل الفعل، وهذه فائدة أكبر بكثير من مناسبة التعيين، إذا قلت: باسم الله أبتدئ صارت البسملة على الابتداء فقط، إذا قلت: باسم الله أقرأ صارت البسملة على كل الفعل، وكذلك: إذا قلت: باسم الله أتوضأ صارت البسملة على كل الفعل من أوله إلى آخره، بخلاف ما إذا قلت: باسم الله أبتدئ فإن البسملة تكون على الابتداء فقط.
هل سورة غافر مكيَّة أو مدنية؟
* طالب: مكيَّة نستدل من سياق السورة نفسها (...).
* الشيخ: هي مكية، وكل السور المُبتدَأَة بحروف الهجاء مكيَّة إلا البقرة وآل عمران.
فما هو المكي والمدني؟
* طالب: المكي ما نزل بمكة.
* الشيخ: إذن ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة ٣] مكية وهي نزلت يوم عرفة؟
* طالب: (...) نزل قبل الهجرة.
* الشيخ: ما نزل قبل الهجرة فهو مكي وما نزل بعدها فهو مدني، هذا هو أرجح الأقوال؛ أن ما نزل قبل الهجرة فهو مكي وما نزل بعدها مدني حتى وإن نزل بمكة.
ما هو القول الراجح في الحروف الهجائية التي تُبْتَدَأ بها السور؟ ﴿حم﴾ ويش القول الراجح فيها؟
* طالب: قال المؤلف: (الله أعلم بمراده).
.. تمام قال المؤلف: (الله أعلم بمراده بها)، لكن ما قلنا نحن: إنه أرجح؟
* طالب: مقتضى اللغة أنهما حرفان هجائيان.
* الشيخ: وليس لهما معنى في حَدِّ ذاتهما.
ما وجه ترجيحنا لهذا القول؛ أن القرآن عربي نزل باللغة العربية، مقتضي الكلام العربي أن هذه الحروف بهذه السياق ليس لها معنى دلالي؛ أن القرآن نزل بلغة العرب، ولغة العرب تقتضي أن هذه الحروف ليس لها معنى؟ لكن ذكرنا أن لها مغزى، ما هو؟
* طالب: هو تحدي العرب بأن القرآن نزل وأُلِّف بنفس الحروف التي تتكلمون بها، ومع ذلك عجزوا عن الإتيان بمثله مما يدل على أنه من عند الله سبحانه وتعالى.
* الشيخ: تمام؛ ولهذا نجد أن كل سورة ابتُدِئت بهذه الحروف يُؤْتَى بعدها بذكر القرآن، تمام.
ما معنى قوله تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [غافر ٢]؟
* الطالب: هذا الكتاب القرآن نزل من عند الله عز وجل.
* الشيخ: إي نعم، تنزيله من الله لا من غيره.
اختيار لفظ ﴿الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ أو اختيار هذين الاسمين على غيرهما من الأسماء في هذه السورة، يعني في سورة فُصِّلَت قال: ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [فصلت ٢]، هنا قال: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾.
* طالب: (...).
* الشيخ: وفصلت مَكِّيَّة.
* طالب: لأن هذا مناسب من باب التغيير في القوة أحيانًا والرحمة أحيانًا.
* الشيخ: نخليها في الفوائد أحسن.
ما معنى قوله: ﴿ذِي الطَّوْل﴾؟
* طالب: ﴿ذِي الطَّوْل﴾ ذي بمعنى صاحب الغنى الواسع.
* الشيخ: الغنى الواسع، ويترتب عليه الإفضال والإحسان.
قوله: ﴿إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ أي مصير هو؟
* طالب: (...).
* الشيخ: مصير كل شيء، طيب، هل هناك شاهد لكون المصير هنا مصير كل شيء؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا.
* طالب: أن الله سبحانه وتعالى..
* الشيخ: لا، أنا ما أريد تعليلًا، أنا أريد شاهدا للآية على أن مصير كل شيء إلى الله.
* طالب: وإليه تصير الأمور.
* الشيخ: نفس الشيء.
* طالب: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾.
* الشيخ: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ [هود ١٢٣]، ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [البقرة ٢١٠].
نرجع الآن إلى فوائد هاتين الآيتين؛ يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿حم﴾ [غافر ١].
* من فوائدها: أن القرآن الكريم حروف تكلم الله به بحروف، ففيه الرد على الأشاعرة ومَنْ سلك سبيلهم الذين يقولون: إن كلام الله هو المعنى القائم بالنفس، وإن الله لا يتكلم بحرف وصوت، لكن يخلق حروفًا وأصواتًا تُسْمَع تعبيرًا عما في نفسه، وحقيقة هذا القول نفي الكلام؛ لأن ما في النفس من المعلومات المرتبة ليست كلامًا ولكنها معلومات، علم، وليست كلامًا، مفهوم؟
والرد عليهم معلوم من كتب العقائد؛ منها أن القول إذا أُطْلِق فهو قول اللسان، وإذا أريد به قول النفس حُدِّد مثل: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ [المجادلة ٨] ومثل: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢٦٩)، ومسلم (١٢٧ / ٢٠١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]].
* ومن فوائد الآية الكريمة: علو الله عز وجل؛ يؤخذ من قوله: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ﴾ [غافر ٢] لأن النزول لا يكون إلا من أعلى.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن كلام الله لا كلام غيره؛ لقوله تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ﴾ [غافر ٢] وذلك أن ما ذكر الله أنه نزله ينقسم إلى قسمين: إما أن يكون أعيانًا قائمة بنفسها فهذه مخلوقة، أو تكون أوصافًا لا تقوم إلا بالغير فهذا غير مخلوق، عرفتم؟ مثال الذي أضاف الله إنزاله إلى نفسه وهو عين قائمة بنفسها قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد ٢٥] الحديد مخلوق ولَّا غير مخلوق؟ طيب ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر ٦] أعيان قائمة بنفسها مخلوقة، ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا﴾ [الأعراف ٢٦] مخلوق، إذن فما أضاف الله إنزاله إليه وهو عين قائمة بنفسه فهو مخلوق وإلَّا فهو غير مخلوق، القرآن هل هو عين قائمة بنفسها أو كلام لا يقوم إلا بالغير؟ الثاني، إذن هو غير مخلوق.
* ومن فوائد الآية الكريمة: وصف القرآن الكريم بالكتاب، فلماذا وُصِفَ بالكتاب؟
نقول: أولًا لأنه يُكْتَب فهو مكتوب بالمصاحف التي بأيدينا.
ثانيًا: أنه في صُحُفٍ بأيدي الملائكة: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾ [عبس ١٢، ١٣].
ثالثًا: أنه مكتوب في اللوح المحفوظ: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج ٢١، ٢٢]؛ وعليه فكتاب بمعنى مكتوب، وحينئذ نسأل هل يأتي فعال بمعنى مفعول، نقول كثيرًا؛ كغراس بمعنى مغروس، وبناء بمعنى مبني، وفراش بمعنى مفروش، وما أشبهه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات ثلاثة أسماء من أسماء الله: الله، والعزيز، والعليم؛ ﴿مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [غافر ٢]، وإثبات ما دلت عليه هذه الأسماء من الصفات؛ فالله دلَّ على الألوهية، والعزيز على العزة، والعليم على العلم.
واعلم أن كل اسم من أسماء الله فإنه متضمن لصفة، وليس كل صفة يُشْتَق منها اسم؛ ولهذا قلنا: إن الصفات أوسع من الأسماء.
* ومن فوائد الآية الكريمة: ذِكْر الأسماء المناسبة للمقام؛ يعني أن الله جل وعلا يذكر من أسمائه ما يناسب المقام، فهذه السورة تتحدث عن المكذبين للرسل وما جرى عليهم من الهلاك والانتقام. فما الذي يناسبه من الأسماء؟ العزة التي فيها الغلبة والأخذ؛ فلهذا جاءت هنا العزيز، وجاء العليم ليُفيد أنه لعزته أخذ هؤلاء المكذبين، ولعلمه أنزل الكتب وعلم كيف يأخذ هؤلاء المكذبين.
* ومن فوائد الآية الكريمة التي بعدها الآية الثانية: أن الله جل وعلا يغفر الذنوب جميعًا؛ لقوله: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ﴾ [غافر ٣]، والذنب هنا مفرد محلى بـ(أل) فيكون عامًّا؛ لأن المفرد المحلى بـ(أل) يكون عامًّا؛ مثل: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر ٢] أي: إن كل إنسان.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الحث على فعل ما تكون به المغفرة؛ وجه ذلك أن الله لم يخبرنا بأنه غافر الذنب من أجل أن نعلم أنه غافر فقط، لكن من أجل أن نتعرض لمغفرته. فما هي الأسباب التي تكون بها المغفرة؟
الأسباب كثيرة؛ منها الاستغفار اللهم اغفر لي، ومنها أعمال صالحة يُكَفِّر الله بها الخطايا، ومنها إحسان إلى الخلق حتى أن الله عز وجل غَفَر لامرأة بَغِيٍّ بسقيها كلبًا عطشان، فأسباب المغفرة كثيرة، وغفر لرجل وجد شجرة في الطريق تؤذي الناس فأزالها فغفر الله له، المهم أن نتعرض لأسباب المغفرة؛ لأن ذلك مقتضى قوله: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يقبل التوبة من عباده، ولكن لا يُقْبَل الشيء حتى يكون جاريًا على مقتضى الشريعة؛ لقول النبي ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري بنحوه (٢٦٩٧)، ومسلم واللفظ له (١٧١٨ / ١٨) من حديث عائشة رضي الله عنها.]] فما هي التوبة الجارية على مقتضى الشريعة؟
التوبة الجارية على مقتضى الشريعة ما جمعت خمسة أمور وهي ما يُعْرَف بشروط التوبة:
الأول: الإخلاص لله عز وجل بأن يكون الحامل للإنسان على التوبة هو إخلاصه لله عز وجل، حب التقرب إليه والفرار من عقوبته، فلا يحمله على التوبة مراعاة الخلق ولا حصول الجاه والرئاسة وإنما يحمله الإخلاص لله.
الثاني: الندم على فعل المعصية؛ أن يشعر الإنسان بانفعال ندم وحسرة على ما وقع منه، فلا بد مِنْ نَدَمٍ؛ لأن الندم الذي يتبين به حقيقة رجوع الإنسان إلى الله وأن هذه المعصية أَثَّرت في نفسه فندم على ما جرى منه، لا يقال: إن الندم انفعال، والانفعال يأتي بغير الاختيار؛ كالغضب مثلًا، والحزن من الواقع، يقال: المراد بالندم هنا تحسُّر القلب فهو انفعال يقع من الإنسان ليس كالانفعال الذي يأتي سببه من الخارج هذا ربما لا يستطيع الإنسان أن يُغَيِّر ما وقع.
الشرط الثالث: التخلِّي عن المعصية والانفصال عنها، فإن تاب وهو مُصِرٌّ فإن توبته أشبه ما تكون بالاستهزاء. كيف يقول الذي يأكل لحم الخنزير: أستغفر الله تعالى وأسأل الله أن يجعل طعامي طيبًا؟! أيش هذا؟! يصلح هذا أو ما يصلح؟ وهو يأكل، هو يمضغ اللحمة جيدًا ويقول: أستغفر الله من أكل لحم الخنزير وأسأل الله أن يجعل طعامي طيبًا، هذا أشبه ما يكون بالمستهزئ.
لو أن رجلًا نهاك عن شيء ووجدك تعمل هذا الشيء وأنت تقول: أرجو منك أن تعذرني، وما أشبه ذلك، وهو يأكل، وقال له: لا تأكل. ويأكل. هذا الذي يخاطبه سوف يقول: إنك تستهزئ بي وتسخر بي، فلا توبة مع الإصرار، لا بد أن يتخلى عن الذنب.
إذا كان الذنب لله فالتخلِّي عنه سهل، لكن إذا كان الذنب لغير الله؛ يعني: أذنب في حقِّ غير الله فكيف يتخلى منه؟
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences