Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Ash-Shuraa 42:11
42:11Page 484
فَاطِرُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ جَعَلَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجٗا وَمِنَ ٱلۡأَنۡعَٰمِ أَزۡوَٰجٗا يَذۡرَؤُكُمۡ فِيهِۚ لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ ١١
[He is] Creator of the heavens and the earth. He has made for you from yourselves, mates, and among the cattle, mates; He multiplies you thereby. There is nothing like unto Him,1 and He is the Hearing, the Seeing.2
ثم قال الله تعالى: ﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ﴿فَاطِرُ﴾ خبرُ مبتدأٍ محذوف، والتقدير: هو فاطر، وإنما قلنا هذا لأن اللغة العربية لا يمكن أن يتركب فيها كلام إلا من مبتدأ وخبر، أو فعل وفاعل أو ما ينوب مناب الفعل، ﴿فَاطِرُ﴾ أي: هو فاطر، والفاطر بمعنى الخالق على غير مثال سبَقَ، فهو بمعنى بديع السماوات. والسماوات والأرض معروفتان، السماوات هي هذه السماوات السبع التي أخبرنا الله عنها وبيَّن أنها سبع شداد، وبيَّن أنه سبحانه وتعالى بناها بأيد، فقال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات ٤٧] أي: بقوة، وليس المراد بالأيد في هذه الآية يدَ الله عز وجل؛ لأن الله لم يضفها إلى نفسه لم يقل: بأيدينا، قال: ﴿بِأَيْدٍ﴾ و(أيد) مصدر: آد يئيد؛ إذا قوي، فهو كقوله: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا﴾ [النبأ ١٢]، هذه السبع الشداد إذا كان يوم القيامة فقد قال الله عنها: إنها تكون واهية، ﴿فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾ [الحاقة ١٦] أي: ضعيفة.
أما الأرض فهي أرضنا المعروفة، و(السماوات) مجموعة لأنها سبع، و(الأرض) مفردة يُراد بها الجنس، وقد بيَّن الله عز وجل في سورة الطلاق أنها سبعٌ، فقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢] فقال: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾، ومن المعلوم أن المماثلة هنا ليست مماثلة في الذات؛ إذ إنَّ بين السماوات والأرض بونًا شاسعًا، لكن المراد مثلهن في العدد، ويؤيد ذلك ما جاءت به السنة فقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا طَوَّقَهُ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣١٩٨)، ومسلم واللفظ له (١٦١٠/١٣٧) من حديث عن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل رضي الله عنه ولفظه: «من اقتطع شبرًا من الأرض ظلمًا طوقه الله إياه يوم القيامة من سبع أرضين». ]].
يقول المفسر: (﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ مبدعهما) يريد أن يفسِّر ﴿فَاطِرُ﴾ بمعنى مُبْدعٍ، ولكننا فسرناها بمعنى بديع، وتفسيرنا لا ينافي تفسيره، المعنى واحد، لكن مطابقة اللفظ لما جاء به القرآن أولى، والذي جاء في القرآن بديع ولَّا مبدع؟ بديعٌ.
﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾؛ أي: صيَّرَ لكم من أنفسكم أزواجًا، قال الشارح: (حيث خلق حواء من ضلع آدم) فكأنه يميل رحمه الله إلى أن المراد بالأزواج هنا حواء، ولكن هذا غير صحيح، بل جعل لنا من أنفسنا أزواجًا؛ يعني نساء مشاكلات لنا، لم تكن الأنثى بعيدة عن شكل الرجل؛ لأنها لو كانت بعيدة عن شكل الرجل ما ألِفَها ولا جعل الله بينهم مودة ورحمة.
وقوله إذن: ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: من جنسكم، وليس المراد من نفس الإنسان جعل له زوجة، لا، لو كانت من نفسه لم تكن زوجة؛ لأنها تكون بنته، لكن المراد ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: من جنسكم، كما قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ [الروم ٢١].
وجعل لكم أيضًا ﴿مِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا﴾، الأنعامُ جمع نَعَمٍ كبهيمة الأنعام، ﴿أَزْوَاجًا﴾ أي ذكورًا وإناثًا من أجل الإنتاج والتنمية وغير ذلك من المصالح.
(﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ بالمعجمة يخلقكم) ويش معنى المعجمة؟ هل في القرآن شيء عجميٌّ؟ لا، لكن يعبِّرون عن المنقوط بأنه مُعْجم من باب تسمية الشيء بضده، وإلا فهو مُعْرَب في الواقع؛ لأنه لولا هذه النقط -مثلًا- لأشكل ولم يُفْهَم المعنى، إذا المُعْجَم المنقط، وسُمِّيَ بذلك من باب تسمية الشيء بضده، كما يسمون التعبُّد بالتحنث، كما في حديث بدء الوحي يتحنَّث فيه؛ أي يتعبد[[حديث بدء الوحي متفق عليه؛ البخاري (٣) ومسلم (١٦٠/٢٥٢) من حديث عائشة رضي الله عنها. ]].
طيب، المعجمة ضدها المهملة؛ الشين ضد السين، الذال معجمة ضد الدال. أما الحركات فيسمونها مثلثة أو بالوجهين، أو ما أشبه ذلك. وأحيانًا يقولون: إذا كانت الكلمتان المشتبهتان كلتاهما معجمة قالوا: بالمثلثة؛ مثل التاء والثاء، لو قالوا: معجمة ما زال الإشكال ولكن يقولون: بالمثلثة. الطاء والظاء يقولون: بالظاء المُشالة يعني اللي فيها ألف، احترازا من الضاد؛ لأنها غير مشالة. المهم اصطلاحات معروفة عند العلماء.
وقوله: (يخلقكم) فسَّر (يذرأ) بيخلق، وهو تفسير ناقصٌ؛ لأن (يذرأ) لها معنًى زائد على الخلق وهو البَثُّ والانتشار، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ [البقرة ١٦٤]، فالذرء أخص من الخلق، فمعنى ﴿يَذْرَؤُكُمْ﴾ إذن: يبثكم وينشركم.
(﴿فِيهِ﴾ أي: الجعل المذكور) ثم قال: (أي يُكثِّركم بسببه). شوف فسَّر أولًا ﴿يَذْرَؤُكُمْ﴾ بيخلقكم ثم قال: (أي يُكثِّركم)، والتفسير الثاني هو الأصح؛ التكثير والبث والنشر بالتوالد، قال: (والضمير للأناسي والأنعام للتغليب) ﴿يَذْرَؤُكُمْ﴾ يقول: (إن الضمير) وهو الكاف والميم (للأناسي والأنعام)، الأناسي يعني البشر، والأنعام البهائم، (للتغليب) كيف للتغليب؟ لأن الضمير هنا جاء ضمير العاقل، والأنعام لا يأتي لها ضمير العاقل؛ لأنها غير عاقلة، لكن جاء ذلك للتغليب، لما كان الذرء للإنسان والبهائم قال: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ ولم يقل: يذرؤكنَّ.
إذن -يا إخوان- انتبهوا أن التغليب قد يكون بتغيير الاسم، قد يكون بالضمير، وما أشبه ذلك. القمران للشمس والقمر؛ تغليب بتغيير الاسم؛ لأن القمران لو فكيتها عن التثنية لكانت (قمر وقمر) وليس كذلك، المراد قمر وشمس، فهنا بتغيير الاسم.
الضمير في قوله: ﴿يَذْرَؤُكُمْ﴾ يعود على ما سبق ذكره من بهائم وأَناسي على سبيل التغليب، لولا التغليب لوجب أن يكون الضمير ضمير المؤنث للبهائم، وضمير مذكر للأَناسي.
قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (﴿السَّمِيعُ﴾ لما يقال، ﴿الْبَصِيرُ﴾ لما يُفْعَل) جل وعلا، قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ﴾ الكاف زائدة؛ لأنه تعالى لا مثل له، وزيادة الكاف ليس غريبًا، تأتي دائمًا زائدة، ولهذا قال ابن مالك رحمه الله في الألفية التي ينبغي لطالب النحو ألَّا يترك حفظها: (شبِّه بكاف) هذا تشبيه، (وبها التعليل قد يُعْنَى) أي: قد يُراد بها التعليل، (وزائدًا لتوكيدٍ ورد) يعني: وقد تأتي زائدة.
في هذه الآية الكاف زائدة، بمعنى أنها لو حُذِفَت لاستقام الكلام، لو قيل: (ليس مثله شيء) يستقيم الكلام أو لا؟ يستقيم الكلام لا شك، لكن لماذا جاءت الكاف؟ جاءت الكاف للتوكيد، كأنه نفى المثْلَ مرتين: ليس كهو، ليس مثله، فالزيادة هنا فيها زيادة معنًى، وهو كأنه نفى المثلية مرَّتين؛ مرة عن طريق الكاف، ومرة عن طريق (مثل).
وبعضهم يقول: إن الزائد (مثل) وإن التقدير: ليس كهو شيء. لكن هذا قول ضعيف؛ لأنه إذا دار الأمر بين أن تكون الزيادة حرفًا أو اسمًا فالواجب أن تكون الزيادة حرفًا؛ لأنه لم يأت في اللغة العربية زيادة الأسماء، ولأن الحرف معناه في غيره فمجيئه زائدًا ليس بغريب، والاسم يدل على معنًى في نفسه فإتيانه زائدًا بعيد.
إذن عندنا قولان: الأول: أن الكاف زائدة. وهذا سهل، وجرى في اللغة العربية مثله، وتكون الزيادة هنا للتوكيد. وبعضهم قال: الزاد (مثل)، وهو قول ضعيف.
بعضهم يقول: إن المثل هنا بمعنى الصفة؛ يعني: ليس كصفته شيء، و(المِثل) تأتي بمعنى الصفة، مثل قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ [الرعد ٣٥]؛ أي: صفتها.
وهذا أيضًا ضعيف؛ لأننا نقول: إن الله ليس مثله شيء؛ لا في ذاته، ولا في صفاته.
بعضهم يقول: إن هذا على سبيل المبالغة؛ يعني إذا لم يكن لمثله مِثلٌ لو فُرِضَ أن له مِثْلًا، فمن باب أَوْلى ألَّا يكون له هو مثل، وأن هذا مما جرى على لسان العرب للمبالغة في الوصف، وأنشدوا على ذلك:
لَيْسَ كَمِثْلِ الْفَتَى زُهَيْرِ ∗∗∗ .......................
من المبالغة؛ يعني هذا لا نظير له إطلاقًا.
وهذا الأخير والأول هما أقرب الأقوال في إعراب هذه الجملة، لكن من حيث المعنى والاعتقاد نؤمن بأن الله تعالى ليس كمثله شيء؛ لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، ليس كمثله شيء في كل شيء، يجب علينا أن نؤمن بهذا، فذاته مخالفة لجميع الذوات، نحن نرى الذوات مختلفة؛ الإنسان مركب من عظمٍ ولحمٍ وعصبٍ ودمٍ، هناك أشياء مركبةٌ من جواهر أخرى، الرب عز وجل مباين لكل شيء موجود في الكون في ذاته، لا تقل مثلًا: إنه مثل الذهب، مثل الفضة، وما أشبه ذلك، لا، ولهذا لما قال المشركون للرسول: يا محمد، هل ربك من ذهب أو من فضة أو من كذا أو من كذا؟ أنزل الله قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص ١ - ٤][[ذكر البغوي في تفسيره (٥/٣٢٩) عن ابن عباس أن عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة أتيا النبي ﷺ فقال عامر: إلام تدعونا يا محمد؟ قال: «إلى الله»، قال: صفه لنا أمن ذهب هو، أم من فضة، أم من حديد، أم من خشب؟ فنزلت هذه السورة. فأهلك الله أربد بالصاعقة وعامر بن الطفيل بالطاعون.]]. فلا تتصور ذات الرب عز وجل أبدًا؛ لأنك مهما تصورت على أي شيء تتصوره؟ لا مثيل له ولا نظير له.
كذلك في صفاته ليس له مثيل، ليس له نظير في أي صفة من صفاته.
ولنأخذ العلم؛ العلم من صفات الله عز وجل، هل له نظير في هذه الصفة؟ لا نظير له في هذه الصفة أبدًا، علم كل ذي علمٍ محدود، أعلَمُ الناس علمُه محدود، أليس كذلك؟ قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ﴾ [لقمان ٣٤]، أنت بنفسك لا تدري ما تكسب غدًا، قد تقدِّر أنك ستعمل كذا وكذا ولكن لا تعمل؛ إما لصرف الهمة، أو لمانعٍ خارجي.
كلنا نقدِّر أن غدًا سنفعل كذا وكذا لكن ما نفعل، ولا ندري ما يكون، قد يصرف الله همَّتنا عن هذا الفعل، أو توجد موانع خارجية من مرض أو سفر أو حيلولة بيننا وبين مرادنا، ما ندري عنه.
أيضًا علمك محدود بالمشاهدة، الغائب لا تفكر أن عندك علمًا منه حتى في المشاهد علمُك ناقص، الإنسان لا يعلم ماذا يفعل ولده في بيته ولا أهله في بيته.
بل أشد من هذا وأضعف في العلم أنك لا تعلم عن نفسك، سبحان الله! روحُك التي بها حياتك وهي في جسمك ما تدري عنها، لما سألوا النبي ﷺ عن الروح أنزل الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء ٨٥]، ثم وبَّخهم على هذا السؤال فقال: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء ٨٥]، كأنه يقول سبحانه وتعالى: تسألون عن الروح وأنتم ما أحطتم بالأشياء، ما علمتم عن الأشياء إلا قليلًا، ما بقي عليكم إلا علم الروح حتى تسألوا عنها؟! فإذا كان الإنسان لا يعلم روحه التي بين جنبيه وبها حياته فهو دليل على نقصان العلم.
علم الله عز وجل، اسمع ماذا يقول: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق ١٦]، كل إنسان كل حيوان فالله عز وجل يعلم ما في نفسه، هل علم المخلوق مثل هذا؟
في القدرة، القدرة ليس أحد، بل لو اجتمع الخلق كلهم بقدرهم ما ساووا شيئًا من قدرة الله؛ فإن الله عز وجل على كل شيء قدير، اسمع قال الله عز وجل: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [يس ٥٣] يعني: البعث صيحة واحدة يصيح الله بهم، ﴿فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ كلهم في أقطار الدنيا، ولو في الغابات والكهوف وأعماق البحار كلهم يأتون في آن واحد، ﴿فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾. هذه القدرة هل يمكن أن يشابهها أو يماثلها قدرة؟ لا يمكن أبدًا، لذلك نقول: إن الله ليس كمثله شيء.
واعلم أن هذه الآية استدلَّ بها المعطِّلة والممثِّلة وأهل السنة، كل الثلاثة؛ الممثلة قالوا: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ إثبات يدل على المماثلة؛ لأن الله سبحانه وتعالى -هذه شبهتهم- خاطبنا بالقرآن، والقرآن جعله الله بلسان عربي من أجل أن نعقل ونفهم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف ٣]، قالوا: فإذا خاطبنا الله بشيء مما وصف به نفسه وجب أن نحمله على ما نفهم، ونحن لا نفهم إلا ما نحس به، فيجب أن تُحْمَلُ كل صفة لله على ما كان معلومًا، ولذلك قالوا: إن الله تعالى مثل خلقه. نسأل الله العافية، والله لو كان مثلنا ما عبدناه، ولا يمكن أن يعبد الإنسان مثله، لكن هم بعقولهم الضالة قالوا: يلزم مما أخبر الله به عن نفسه من الصفات أن تكون مثل صفاتنا، والشبهة أن الله خاطبنا بما نفهم ونعقل، ونحن لا نفهم إلا ما نشاهد، فإذا خاطبنا عن شيء غائب وجب أن نحمله على المعلوم عندنا.
المعطِّلة استدلوا بقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، وقالوا: كل صفة أثبتها الله لنفسه فإنها تدل على التمثيل، فيجب أن تكون منفيةً، واللي فتح لهم الباب هم الممثلة يقولون: كل صفة أثبتها الله لنفسه فإنها تستلزم التمثل، والتمثيل ممتنع، إذن يجب أن تمتنع كل صفة.
مثال ذلك يقولون: إن الله عز وجل لم يستوِ على العرش الاستواء الحقيقي؛ لأنه لو استوى على العرش لكان جسمًا، فيكون مماثلًا للمخلوق، فتصوروا الآن، هم تصوروا أن استواء الله على عرشه كاستواء الإنسان على الأنعام، فلمَّا فهموا هذا الفَهم أنكروا الاستواء، الإنسان يستوي على البعير كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ [الزخرف ١٢، ١٣]، هم فهموا أن استواء الله على العرش كاستواء الإنسان على البعير؛ على الأنعام، وقالوا: هذا تمثيل، والتمثيل مستحيل على الله، فيجب إنكاره.
وهذا قول المعتزلة والجهمية ومن ضاهاهم، نفوا كل صفةٍ للهِ، وقالوا: لا يمكن أن نصف الله بشيء، الحُجَّة أن الإثبات يستلزم التمثيل، والله عز وجل قد نفى أن يكون له مِثْلٌ، وأيضًا المماثلة مستحيلة عقلًا، فيكون دل العقل على زعمهم، دل العقل والشرع على أن الله ليس له مثيل، فيجب أن ننفي جميع الصفات، فهؤلاء حقيقة أمرهم أنهم مثَّلوا أولًا ثم عطلوا ثانيًا؛ مثَّلوا أولًا حيث اعتقدوا أن الأدلة تدل على التمثيل، وهذا اعتقاد فاسد، ثم بعد ذلك عطَّلوا وأنكروا.
ولكن هذه الشبهة دفعها يسير، نقول لهم: هل تثبتون لله وجودًا؟ إما أن يقولوا: لا، وإما أن يقولوا: نعم، أليس كذلك؟ ما يمكن يحيصون، إما أن يقولوا: نعم، أو يقولوا: لا. فإذا أثبتوا لله وجودًا، نقول: هل هو وجود حقيقي أو وهمي؟ إن قالوا: وهمي، كفروا ما فيه إشكال، وإن قالوا: حقيقي، قلنا: طيب هل تثبتون لأنفسكم وجودًا؟ إما أن يقولوا: نعم، أو يقولوا: لا. إن قالوا: لا، قلنا: لا نخاطب أشباحًا بلا شيء، لكن لن يقولوا: لا، يقولون: نعم نثبت لأنفسنا وجودًا، نقول: إذن يلزمكم التمثيل؛ لأنكم أثبتم لله تعالى صفة هي ثابتة للمخلوق، فيلزمكم التمثيل. شوف الباطل لا بد أن يندحر.
لكن انفك قوم عن هذا الإلزام من الغلاة قالوا: لا نقول: إن الله موجود، أعوذ بالله تعبدون من؟ قالوا: لا نقول: إن الله موجود، قلنا: معدوم، إذا قلتم: غير موجود لزم أن تقولوا: إنه معدوم، إن قلتم: إنه معدوم مثَّلتم؛ لأن الموجود من الخلق يكون معدومًا قبل وجوده وبعد وجوده؛ قال الله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان ١]، وهذا حقيقة، الواحد منا قبل ولادته بسنتين ليس بشيء معدوم، فإن قلتم: إن الله معدوم شبَّهتم ومثَّلتم على قاعدتكم، قالوا: إذن نقول: لا موجود ولا معدوم، أعوذ بالله! لا موجود ولا معدوم، نقول: الله أكبر، هل يمكن أن يكون الشيء لا موجودًا ولا معدومًا؟ كل شيء فهو إما موجود أو معدوم؛ لأن تقابل الوجود والعدم تقابل تناقض، والمتناقضان لا بد من وجود أحدهما، لا يمكن أن يجتمعا ولا أن يمتنعا. فإذا قالوا: لا موجود ولا معدوم، نقول: شبهتموه الآن بالمستحيلات والممتنعات، فأهل الباطل لا مفرَّ لهم من لوازمه الباطلة.
تكايس قوم وقالوا: نحن لا نقول: إنه لا يتصف بصفةٍ لكننا نصفه بما نحكم به عليه ولا يحكم به على نفسه، انتبهْ، قالوا: لا ننكر الصفات، لكن نصفه بما نحكم به عليه لا بما يحكم به على نفسه، وهؤلاء المتكايسون هم الأشعرية، أثبتوا من الصفات سبعًا وأنكروا الباقي؛ فأثبتوا الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والإرادة والكلام، وأنكروا الباقي، قالوا: لا نثبت من الصفات على وجه الحقيقة إلا هذه الصفات السبع، فهذه ثابتة حقيقة، على اختلاف بينهم وبين أهل السنة في بعضها، الكلام عندهم غير الكلام عند أهل السنة، والباقي لا نثبته. أيش تعملون به؟ قالوا لنا: فيه طريقان: إما التفويض بأن نقول: لا ندري ما معناه، وإما التأويل الذي يسمونه تأويلًا وهو في الحقيقة تحريف. والأشاعرة هم أكثر الناس انتشارًا في البلاد الإسلامية، ولهذا يجب أن نعرف مذهبهم تمامًا، ونعرف الرد عليهم حتى يتقلص هذا المدُّ أو يزول بالكلية. ونسأل الله تعالى أن يزيله إلى الحق، نسأل الله تعالى أن يشملنا وإياكم برحمته، وأن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى.
والأشاعرة هم أكثر الناس انتشارًا في البلاد الإسلامية، ولهذا يجب أن نعرف مذهبهم تمامًا، ونعرف الرد عليهم، حتى يتقلص هذا المد أو يزول بالكلية، ونسأل الله تعالى أن يزيله إلى الحق.
يقولون: نثبت هذه الصفات السبع، وغيرها لا، ولذلك يقولون في استعمالهم للنصوص: ما سوى هذا إما أن نُفَوِّضه ونقول: لا ندري معناه، وإما أن نؤوله، ونحن نسمي تأويلهم تحريفًا؛ لأن التأويل الذي لا دليل عليه تحريف، وفي ذلك يقول ناظم عقيدتهم:
وَكُلُّ نَصٍّ أَوْهَمَ التَّشْبِيهَا ∗∗∗ أَوِّلْهُ أَوْ فَوِّضْ تَرُمْ تَنْزِيهَا
والله عجيب! إن فَوَّضْنَاه أو أَوَّلْنَاه بمعنى التحريف فإننا لم نَرُم التنزيه، بل وقعنا في العيب، وجهه لأنا إذا قلنا: لا نعلم هذا المعنى، فهذا يعني أن الله أنزل علينا كتابًا مجهولًا لا يُدْرَى ويش معناه، وليته لا يدرى ويش معناه في أمور تتعلق بفعل العبد كالصلاة والطهارة، في العقيدة، وإن حَرَّفْنَاه وقعنا أيضًا في بلاء، في اتهام الله عز وجل أنه لم يُبَيِّن لعباده إلا ما كان خلاف الحق، وكلاهما شيء كبير، حتى إن شيخ الإسلام -رحمه الله- يقول: إن قول أهل التفويض من شر أقوال أهل البدع والإلحاد، وأنه هو الذي فتح للفلاسفة القَدْح في الدين، وقالوا: إذا كنتم لا تعرفون المعنى وأنتم عجم بالنسبة للقرآن العربي نحن اللي نعرف، وصاروا يخبطون خبط عشواء.
الآن نعود إلى مذهب الأشاعرة يُثْبِتُون لله سبع صفات: الحياة والعلم والإرادة والقدرة والسمع والبصر والكلام، ومع ذلك إثباتهم لها ليس كإثبات أهل السنة والجماعة، نضرب مثلًا بالكلام، الكلام يقولون: إن الله عز وجل ما هو بيتكلم، ما يتكلم بصوت مسموع أبدًا، وإنما كلامه هو المعنى القائم بنفسه، وما يسمعه العباد فإنما هو عبارة عن الكلام مخلوق، فلما قال الله لنبيه ﷺ: «إِنِّي فَرَضْتُ عَلَيْكَ خَمْسِينَ صَلَاةً»[[هو بمعناه، ولفظه أخرجه النسائي (٤٥٠) عن أنس بن مالك رضي الله عنه: «فرضتُ عليك وعلى أمتك خمسين صلاة..» الحديث.]]، بهذا اللفظ أو معناه، الله ما قاله؛ لأن الكلام هو المعنى القائم بنفسه، لكن خلق أصواتًا سمعها النبي ﷺ تعبر عما في نفسه، سبحان الله!
الآن لو تَفَكَّرْنَا لوجدنا قولهم هذا أخبث من قول الجهمية، سمعتم؟ ليش؟ الجهمية عندهم صراحة، قالوا: كلام الله مخلوق ومسموع، لكنه مخلوق، هؤلاء قالوا: كلام الله غير مخلوق لكنه غير مسموع، هو المعنى القائم بنفسه، ويخلق أصواتًا تُسْمَع تعبر عما في نفسه، أيهم أصرح؟ الجهمية، ما بين أيدينا القرآن هذا، الجهمية يقولون: هذا كلام الله حقيقة لكنه مخلوق، الأشاعرة يقولون: لا، هذا ما هو كلام الله حقيقة، هذا عبارة عن كلام الله، وكلام الله هو المعنى القائم بالنفس، أيهم أحسن؟ الأول، وكلاهما غير حسن، لكن إحنا نقول: أحسن كما قال عز وجل: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ [الفرقان ٢٤]، مع أنه ما فيه خير مستقر أهل النار.
على كل حال الأشعرية أثبتوا سبع صفات، قيل لهم: ما هو الدليل على إثبات الصفات السبع ونفي ما سواها؟ قالوا: الدليل العقل، العقل دَلَّ على إثبات هذه الصفات، ولم يدل على إثبات غيرها، إذن حَكَّمُوا العقل فيما يُثْبِتُون لله، ولم يُحَكِّمُوا الله فيما يُثْبِتُ لنفسه، وهذا عدوان، عدوان في حق الله عز وجل، مَن الذي يحكم على نفسه لنفسه؟ الله عز وجل، أنتم تحكمون على الله؟ قالوا: الله خَاطَبَنَا ولنا عقول، لا بد أن نُعْمِل العقول. قلنا: طيب، ادونا دليلًا عقليًّا على هذه الصفات السبع، قالوا: نعم، نعطيكم أدلة عقلية، الإيجاد يدل على أيش؟ على القدرة؛ لأن العاجز ما يُوجِد شيئًا، ومعلوم أننا نرى المخلوقات تتواجد شيئًا فشيئًا، قالوا: إيجادها يدل على القدرة.
طيب المخلوقات الكائنة بعضها إنسان، وبعضها حصان، وبعضها جمل، وبعضها شمس، وبعضها قمر، وبعضها سماء، وبعضها أرض، هذا التخصيص يدل على أيش؟ يدل على الإرادة، لولا الإرادة ما صار هذا كذا وهذا كذا، إذن أثبتنا الإرادة والقدرة، هذه المخلوقات مُحْكَمَة مُتْقَنَة ما فيها تناقض ولا تصادم، لم نَرَ الشمس يومًا من الأيام اصطدمت بالأرض، أو بالقمر، أو بالنجوم، مُحْكَم مُتْقَن يدل على العلم، إذن ثَبَتَ ثلاث صفات عن طريق العقل، وهي: العلم، والإرادة، والقدرة، قالوا: وهذه الصفات لا يمكن أن تقوم إلا بِحَيٍّ، فثبتت بذلك صفة الحياة، قالوا: والحي إما أن يكون سميعًا بصيرًا متكلمًا، أو أصم أعمى أخرس، والأول كمال، والثاني نقص، والله تعالى مُنَزَّهٌ عن النقص، فوجب أن يكون سميعًا بصيرًا متكلمًا.
ونحن قد نوافقهم على هذا، ونقول: العقل دَلَّ على ذلك، لكن ما سوى هذه دَلَّ عليها الشرع، ونحن نتنزل معهم إلى آخر شيء، نقول: ما سوى ذلك دَلَّ عليه الشرع، ومن المعلوم أن انتفاء الدليل الْمُعَيَّن لا يستلزم انتفاء المدلول؛ لأن الأدلة قد تتعدد على مدلول واحد، فإذا قَدَّرْنَا أن العقل لم يدل على الصفات التي أثبتها الله لنفسه سوى السبع فقد دل عليها الشرع، والشرع يَثْبُت بدليل واحد، وبدليلين، وبثلاثة، المهم أن يكون له دليل، هذه واحدة، هذا جواب.
جواب آخر: أن نمنع مِن كَوْن العقل لم يدل على بقية الصفات، ونقول: بقية الصفات منها ما دل عليه العقل، ومنها ما دَلَّ عليه السمع فقط، فمثلًا إنزال المطر، إنبات النبات، رَفْع الوباء، بَسْط الرزق، ممن هذا؟ من الله عز وجل، ماذا يدل عليه هذا؟ يدل على الرحمة دلالة واضحة أقوى من دلالة التخصيص على الإرادة؛ لأن دلالة التخصيص على الإرادة لا يفهمه إلا ذاك عن ذَيَّاك، إلا طالب العلم المختص، حتى طلبة: العلم أحيانًا ننشب إحنا وإياهم، نقول: كيف دَلَّت التخصيص على الإرادة؟ لكن كَوْن هذه الأمور النافعة؛ حصول النعم، واندفاع النِّقَم، تدل على الرحمة، هل هو خفي أو واضح؟ واضح، حتى العامي، العامي يخرج من بيته في الصباح وقد جاء المطر في الليل، فيقول: مُطِرْنَا بفضل الله ورحمته، وهو عامي، فنقول لهم الآن: ما نفيتموه زاعمين أن العقل لا يدل عليه فلنا عنه جوابان:
الجواب الأول: أننا لا نُسَلِّمُ أن العقل لا يدل عليه، بل نقول: إن العقل يدل عليه، وإن كان لا يدل على كل صفة لكن في جملة.
ثانيًا: أن نقول: هَبْ أن العقل لا يدل عليه، لكن دل عليه السمع؛ القرآن والسنة، ولا يلزم من انتفاء دلالة العقل أن لا يثبت الشيء بدليل آخر؛ لأن انتفاء الدليل الْمُعَيَّن لا يستلزم انتفاء المدلول، وهذه قاعدة مفيدة، وأضرب لكم ذلك بشيء محسوس، مكة كم لها من طريق؟ طرق متعددة، فإذا قُدِّرَ أن هذا الطريق يمتنع السير معه لوجود قُطَّاع طريق، أو وجود أمطار أفسدته، أو ما أشبه ذلك، ألا يمكن أن نصل إلى مكة من طريق آخر؟ بلى، هكذا المعاني، إذا انتفى دليل من الأدلة لكن وجدنا دليلًا آخر هل ننكر هذا المدلول لأن أحد الأدلة غير قائم؟ لا، نقول: ما دام هذا الدليل غير قائم هناك دليل آخر.
ولذلك هدى الله أهل السنة والجماعة إلى القول الوسط؛ لا تمثيل، ولا تعطيل، قالوا: نُثْبِتُ لله عز وجل جميع ما وصف به نفسه في القرآن، أو فيما صَحَّت به السنة، لاحظوا، لازم من القيد بالنسبة للسنة، فيما صحت به السنة؛ لأن من الأحاديث ما هو ضعيف أو موضوع، القرآن لا تقل: ما صَحَّ في القرآن؛ ليش؟ كله صحيح، في السنة لا بد أن تقيد، أو ما صحت به السنة، نثبت كل صفة، ولا نتحاشى ولا نَتَهَيَّب، إذا كان الله عز وجل أثبت لنفسه يدًا وقال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة ٦٤]، هل علينا أن نَتَهَيَّب من إثبات اليد؟ بل هل لنا أن نَتَهَيَّب؟ لا يجوز أبدًا، بل الهيبة أن نخالف، أَثْبِت اليد ولا تبالِ، أثبت ربك لنفسه وجهًا، تتهيب من إثبات الوجه؟ لا، التهيب حقيقة مِن نَفْيِ الوجه، أما ما أثبته الله فيجب أن نثبته، لكن على هذه القاعدة ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى ١١]، فنقول: لله وجه وليس كوجه المخلوق، يقينًا أنه ليس كأوجه المخلوقين.
فإن قال قائل: ما دليلك؟ لماذا لا تحمل الوجه على الوجه المعروف؟ دليله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾.
أثبت الله سبحانه وتعالى أنه يأتي يوم القيامة: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر ٢٢]، أتتهيَّب أن تصف الله بالمجيء؟ لا، ما نتهيب، نقول: نصف الله بالمجيء، لكن هل هو كمجيء الْمَلِك على فرس، أو سيارة، أو ما أشبه ذلك؟ لا، يقينًا ليس كذلك، لكنه مجيء يليق بجلاله، أثبت الله لنفسه أنه استوى على العرش في عدة مواضع من القرآن تبلغ سبعة بهذا اللفظ: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف ٥٤]، هل تتهيب أن تثبت ذلك لله؟ لا، بل هو مُسْتَوٍ حقيقةً، أتهيَّب أن أقول: ﴿اسْتَوَى﴾ بمعنى: استولى؛ لأن استوى بمعنى استولى تحريف للكَلِم على مواضعه، لكنني أؤمن إيمانًا لا شك فيه أن هذا الاستواء لا يماثل استواء المخلوقين بأي حال من الأحوال، استوائي على الفُلْك أو على البعير لو أُزِيلَ ما استويت عليه لسقطت لا شك، لكن استواء الله على العرش ليس كذلك، ليس استواء احتياج إلى العرش؛ لأن الله غَنِيٌّ عن العرش وعن غيره، لكنه استواء عظمة وسلطان، أفهمتم يا جماعة؟
حَقِّقُوا العقيدة، لا تغركم الأوهام، وما ذنب الإنسان إذا قال: أنا أؤمن بكل ما أثبته لنفسه؟ ليس ذنبًا، بل هذا حقيقة الانقياد والاستسلام لله عز وجل، لكن يجب شيء واحد، وهو أن تؤمن بأنه لا مثيل له؛ لأن الله قال: ﴿لَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [النحل ٧٤]، وقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ [البقرة ٢٢]، وأشبه ذلك، وأنت لا تعلم الغيب، الله عز وجل هو الذي يعلم، وهو أخبرك عن نفسه بكذا فقل: آمنا وصَدَّقْنَا.
وقد ذكر شيخ الإسلام -رحمه الله- أن الْمُعَطِّلَة أقسام: قسم عَطَّلُوا البعض، وقسم عَطَّلُوا الصفة دون الاسم، وقسم عَطَّلُوا الصفة والاسم نفيًا لا إثباتًا، يعني بمعنى قالوا: لا نصف الله بشيء ثابت، لكن نصفه بالنفي، وقسم قالوا: لا نصفه لا بالنفي ولا بالإثبات، إن وصفناه بثابت شَبَّهْنَاه بالموجودات، وإن وصفناه بِمَنْفِيٍّ شَبَّهْنَاه بالمعدومات.
قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ نرى في بعض الكتب: (إن الله لا شبيه له)، فهل هذا التعبير يماثل قولنا: إن الله لا مَثِيلَ له؟ لا، ولهذا التعبير بقولنا: نؤمن بإثبات ذلك بلا تمثيل، خير من التعبير بقولنا: نثبت ذلك بلا تشبيه، مع أننا نرى أكثر الكتب التي بأيدينا أنهم يقولون: بلا تشبيه، لكن هذا نقص، التعبير بلا تمثيل أولى؛ أولًا: لأنه تعبير القرآن، وكلما أمكنك أن تعبر بالقرآن أو السنة عن المعاني التي تريد فهو أولى.
ثانيًا: أن التشبيه عند قوم يعنون به إثبات الصفات، ويقولون: كل مَن أثبت لله صفة فهو مُشَبِّه، فإذا قلت أنت: بلا تشبيه، وكان هذا المخاطب لا يفهم من التشبيه إلا الإثبات، فَهِمَ منك أنك لا تثبت شيئًا، ثم إن التشبيه أيضًا له احتمالات؛ إن نفيت التشبيه من كل وجه فهذا لا يمكن؛ لأنه لا بد أن يشترك الخالق والمخلوق في أصل الصفة، فالحياة -مثلًا- عندنا حياة، والله تعالى حي، أصل الحياة موجود، لكن المنفي هو أن تكون حياتنا مماثلة لحياة الله، السمع موجود فينا والا غير موجود؟ موجود نعم، وموجود عند الله عز وجل، فإن الله تعالى سميع، فلا بد من اشتراكٍ في الأصل، وجودنا نحن موجودون، والرب عز وجل كذلك واجب الوجود، وهَلُمَّ جَرّا، فصار التعبير بنفي التمثيل أولى من التعبير بنفي التشبيه.
قال تعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى ١١] هذا رد على مَن؟ الْمُعَطِّلَة، والجملة الأولى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ على الْمُمَثِّلَة، ﴿السَّمِيعُ﴾ أي: ذو السمع، وسَمْع الله عز وجل له معنيان؛ المعنى الأول: الاستجابة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم ٣٩]، معنى سميع أي: مستجيب، وليس المراد أنه يَسْمَعُه فقط؛ لأن مجرد كونه يسمعه ولا يستجيب قليل الفائدة، لكن: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ أي: مُسْتَجِيبُه، واستجابته إياه تستلزم سماعه لا شك، ومن ذلك أيضًا –أي: من كَوْن السماع بمعنى الاستجابة- قول المصلي: سمع الله لمن حمده، ويش معنى سمع؟ يعني أنه سمع صوته، أو استجاب له؟ استجاب له؛ لأنه كما قلت لكم: مجرد سماع الصوت لا يفيد شيئًا بالنسبة للداعي، ولهذا لو قال لك إنسان: يا فلان أرجو أن تساعدني، تقول: أسمع، يعني: أسمع بأذني، هل يستفيد من هذا ولَّا ما يستفيد؟ ما يستفيد؛ لأنه سيقول لك: إذا كنت تسمع أعطني، فصار كل ما أُضِيفَ للدعاء من السمع فمعناه أيش؟ الاستجابة.
النوع الثاني من السمع: إدراك المسموعات، بمعنى أنه لا يخفى على الله أي صوت، قَرُب أم بَعُد، خَفِي أم بَانَ، فإن الله يسمع كل شيء، أرأيتم قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ [المجادلة ١]، أين الله؟ في السماء على العرش، وأين المكان الذي كانت هذه تشتكي فيه؟ في الأرض، تقول عائشة رضي الله عنها: الحمد لله الذي وَسِعَ سَمْعُهُ الأصواتَ، لقد كانت تجادل الرسول عليه الصلاة والسلام وإني لفي الحجرة يخفى عَلَيَّ بعض حديثها[[أخرج النسائي (٣٤٦٠) وابن ماجه (١٨٨) عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: الحمدُ للهِ الذي وسِعَ سمعُه الأصواتَ، لقد جاءتْ خولة إلى رسول الله ﷺ تشكو زوجَها، فكان يَخفَى عليَّ كلامُها، فأنزل الله عزَّ وجلَّ ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ [المجادلة: ١] الآيةَ.]]، والله عز وجل لم يَخْفَ عليه شيء، سمع المجادلة وسمع التحاور، وأنزل حل المشكلة.
إذن السمع بمعنى سَمْع الإدراك شامل لكل صوت، ثم هذا السمع إما أن يكون للتأييد، أو للتهديد، أو للإحاطة، كم؟ ثلاثة أقسام: إما أن يكون للتأييد، أو للتهديد، أو للإحاطة؛ التأييد مثل قوله تبارك وتعالى لموسى وهارون: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه ٤٦]، لماذا قال الله عز وجل: ﴿أَسْمَعُ وَأَرَى﴾؟ تأييدًا لهما، يعني: أسمع ما تقولان وما يُقَالُ لكما، والأمر أَمْرُه عز وجل، هذا سماع يراد به التأييد.
الثاني: ما يراد به التهديد، مثل قول الله تبارك وتعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف ٨٠]، ما المراد بهذه الآية؟ ليس المراد مجرد أن الله يُخْبِرُ أنه يسمع سِرَّهم ونجواهم، المراد بذلك التهديد، ونظير هذا قوله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران ١٨١]، بس مجرد سمع، أو هذا تهديد؟ هذا تهديد، بدليل قوله: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾ [آل عمران ١٨١]، فهذا تهديد.
الإحاطة: أن يُخْبِر مثل: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، هذه إخبار بأنه تعالى محيط بكل شيء سمعًا، وكما في قصة المجادلة، فإن الله تعالى أخبر بذلك ليُعْلِمَنَا أنه محيط بها.
أعود مرة ثانية في السمع، ينقسم إلى سَمْع بمعنى الاستجابة، وسَمْع بمعنى إدراك المسموع؛ الأول مثاله قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾، وقول المصلي: سمع الله لمن حمده.
والثاني ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: ما يراد به التأييد.
والثاني: ما يراد به التهديد.
والثالث: ما يراد به الإحاطة، وعرفتم الأمثلة.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences