Ibn 'UthayminAz‑Zukhruf · 43:15–18

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Az-Zukhruf 43:15–18

43:15–16Page 490

وَجَعَلُواْ لَهُۥ مِنۡ عِبَادِهِۦ جُزۡءًاۚ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَكَفُورٞ مُّبِينٌ ١٥

But they have attributed to Him from His servants a portion.1 Indeed, man is clearly ungrateful.

أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخۡلُقُ بَنَاتٖ وَأَصۡفَىٰكُم بِٱلۡبَنِينَ ١٦

Or has He taken, out of what He has created, daughters and chosen you for [having] sons?

ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ [الزخرف ١٥]، ﴿وَجَعَلُوا﴾ الضمير يعود على مشركي قريش؛ أي: صيَّروا، ﴿لَهُ﴾ أي: لله، ﴿مِنْ عِبَادِهِ﴾ أي: من مخلوقاته، وجميع المخلوقات عِبادٌ لله عز وجل، والمراد بالعباد هنا الملائكة، ﴿جُزْءًا﴾ أي: بعضًا منه؛ حيث قالوا: الملائكة بنات الله، اليهود قالوا: عزيرٌ ابن الله، النصارى قالوا: المسيح ابن الله.

وقوله: ﴿جُزْءًا﴾؛ لأن الولد جزء من أبيه، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في ابنته فاطمة: «إِنَّهَا بَضْعَةٌ مِنِّي»[[أخرج البخاري (٣٧١٤) ومسلم (٢٤٤٩/٩٤) بسنده عن المسور بن مخرمة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ، قال: «فاطمة بضعة مني، فمَن أغضبها أغضبني».]].

هؤلاء المشركون -والعياذ بالله- جعلوا لله من عباده جزءًا، وتأمل قوله: ﴿مِنْ عِبَادِهِ﴾ يتبين لك أن كونهم عبادًا لله يمنع غاية المنع أن يكونوا جزءًا من الله عز وجل؛ لأن المعبود غير العابد، فلا يمكن أن يكون العابد جزءًا من المعبود.

﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ المراد الجنس؛ يعني: إن جنس الإنسان لكفور بَيَّنُ الكفر. فلا يَرِد على هذا أن يقال: من الإنسان ما هو مؤمن كامل الإيمان؛ لأننا نقول: إنه قد يراد به الجنس، كقوله: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب ٧٢]، والمؤمن ليس ظلومًا جهولًا، لكن جنس الإنسان ظلوم جهول.

فإذا قال قائل: هل كل ما جاء بمثل هذا التعبير نحملها على الجنس؟

فالجواب: لا، لا نحمله على الجنس إلا إذا قام الدليل على هذا، وإلَّا فالأصل العموم، كقوله: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٢٨]، هذه المراد الجنس ولَّا كل إنسان؟ المراد كل إنسان، لكن إذا تعذَّر أن نحملها على العموم جعلناها للجنس.

وأضرب لكم مثلًا ليتبين به المقال: الرجل خير من المرأة، المراد الجنس، وليس المعنى: كل واحد من الرجال خير من كل امرأة من النساء؛ لأن من النساء مَن هي خير من كثير من الرجال، لكن المراد الجنس؛ يعني: هذا الجنس خير من هذا الجنس.

* طالب: بارك الله فيكم يا شيخ، بدأ الله عز وجل في هذه السورة بقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾..

جعلناها للجنس.

وأضرب لكم مثلًا ليتبين المقال: الرجل خير من المرأة، المراد؟

* طلبة: الجنس.

* الشيخ: الجنس، وليس المعنى: كل واحد من الرجال خير من كل ما امرأة من النساء؛ لأن من النساء من هو خير من كثير من الرجال، لكن المراد الجنس؛ يعني هذا الجنس خير من هذا الجنس.

* طالب: بارك الله فيكم يا شيخ، بدأ الله عز وجل في هذه السورة بقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف ٣]، ثم بعد ذلك قال: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾ [الزخرف ١٠]، ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ﴾ [الزخرف ١٢]؛ جعَلَ، جعَلَ، جعَلَ، ثم جاء بعدها: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾ [الزخرف ١٥]، فهل فيه ترابط بينها..؟

* الشيخ: تناسق.

* الطالب: تناسق نعم.

* الشيخ: قد يقال: إن هذا تناسق لفظي؛ لأنه أحيانًا يكون الكلام إذا كان على نسق واحد أبلغ، فيكون هذا من باب التناسق اللفظي.

* طالب: دعاء نزول المكان: «أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ»[[أخرجه مسلم (٢٧٠٨ / ٥٤) من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه.]]، هل هو خاص بالسفر أو عام؟

* الشيخ: لا، عام، حتى إذا نزلت بينًا تقول: أعوذ بكلمات الله التامات، وعند النوم تقول: أعوذ بكلمات الله التامات، وفي أطراف الليل والنهار: أعوذ بكلمات الله التامات.

* الطالب: المسجد؟

* الشيخ: المسجد له ذكر خاص، والمسجدُ الإنسانُ ما هو نازل فيه، إنما هو مقيم لطاعة معيَّنةٍ ويمشي.

* طالب: يا شيخ حفظكم الله، المصعد الكهربائي يشرع فيه هذا الدعاء: سبحان الذي سخر لنا هذا؟

* الشيخ: هذا محل نظر؛ لأن هذا المصعد الكهربائي بمنزلة الدرجة وليس بمنزلة الراكب اللي يسير، هذا يصعد إلى فوق، ففي كونه من باب المركوبات نظرٌ.

* طالب: تفسير ﴿جَعَلْنَاهُ﴾؟

* الشيخ: بمعنى: صيَّرناه، أحيانًا (جعل) تكون بمعنى صيَّرَ، وأحيانًا بمعنى خلَقَ، حسب السياق؛ إذا نصبت المفعولين فهي بمعنى صيَّر، وإن نصبت مفعولًا واحدًا فهي بمعنى خلَقَ، مثل قولِه تعالى ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام ١] هذه بمعنى خلَقَ؛ لأنها لم تنصب إلا مفعولًا واحدًا، أما إذا نصبت مفعولين فهي بمعنى صيَّر.

* طالب: يا شيخ، قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الزخرف ١٠]، المقصود بالهداية هداية الطرق، كما ذكرتم فضيلتكم،

هل يمكن أن يُحْمل على هداية الاعتبار بالآية؟

* الشيخ: لا، أصل هذا يمنع هذا.

* طالب: يا شيخ، في قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾، فيه بعض الكلمات في القرآن أصلها جديد (...)؟

* الشيخ: هذا يسأل يقول: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ مع أن فيه بعض كلمات القرآن ما أصله غير عربي، نقول: إنه لما تكلمت به العرب صار عربيًّا بالاستعمال وإن كان أصله غير عربي.

* * *

* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (١٥) أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ (١٦) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (١٧) أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ (١٨) وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف ١٥ - ١٩].

* الشيخ: الحمد لله رب العالمين، وصلى اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد، فإن تفسير القرآن العظيم من أهم واجبات المسلمين أن يعرفوا معنى كلام الله سبحانه وتعالى؛ لأن الكلام إذا لم يُفْهَم معناه لا يُنْتَفَع به، والذي يقرأ ولا يفهم بمنزلة الأمي الذي لا يقرأ، كما قال الله عز وجل: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة ٧٨]؛ أي: إلا قراءة، فسمَّاهم الله أمِّيين.

والقرآن يُفَسَّر بالقرآن، فإن لم يكن فبالسنة، فإن لم يكن فبأقوال الصحابة ولا سيما المشهورون منهم بعلم التفسير، فإن لم يكن فبما قاله كبار التابعين من أهل التفسير، هذه هي القاعدة التي مشى عليها أهل السنة والجماعة.

وأما التفسير بالرأي فمنهم المخطئ ومنهم المصيب، ولكن لا يجوز للإنسان أن يفسِّر القرآن برأيه، بمعنى أن يحول القرآن إلى رأيه، فإن من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار.

مثال ذلك: الذين يفسِّرون قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة ٦٤] بأنهما النعمة، هؤلاء قالوا في القرآن برأيهم؛ لأن هذا المعنى غير المراد قطعًا، وكذلك الذين يقولون ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف ٥٤]؛ يعني: استولى على العرش، فإن هذا مُنْكرٌ من القول، وتفسير الآية به من القول على الله بلا علم؛ من الافتراء على الله سبحانه وتعالى.

هؤلاء نقول: إنهم قالوا في القرآن برأيهم؛ أي: حولوا القرآن إلى رأيهم، وأما من فسَّر القرآن بمقتضى الحقائق الشرعية واللغوية -إذا لم تكن حقيقة شرعية- فإنه لم يقُلْ في القرآن برأيه.

وقد سبقت هذه القاعدة أول ما بدأنا في علم التفسير، فلتكن مرجعًا لكم، يُفَسَّر القرآن أولًا؟

* طلبة: بالقرآن.

* الشيخ: ثم؟

* طلبة: بالسنة.

* الشيخ: ثم؟

* طلبة: بأقوال الصحابة.

* الشيخ: ثم؟

* الطلبة: كبار التابعين.

* الشيخ: كبار التابعين الذين اعتنوا بالتفسير؛ كمجاهد بن جبر رحمه الله الذي أخذ التفسير عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه.

سبق لنا في التفسير أن الله تعالى قاس الغائب على الحاضر، فما هو؟

* طالب: قوله تعالى ﴿كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الزخرف ١١].

* الشيخ: نعم.

* الطالب: قاس الحاضر وهو إحياء..

* الشيخ: لا، ما هو الحاضر، قاس الغائب -وهو إحياء الموتى- على الحاضر الذي يشاهدونه؛ أنزل من السماء ماء، فأنبت به من كل الثمرات، فقاس المستقبل على الحاضر، وهذا من طرق التعليم والتفهيم.

قوله: ﴿مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [الزخرف ١١]، ما المراد بالسماء؟

* طالب: السماء هي السقف الذي فوق الأرض.

* الشيخ: إذن المطر ينزل من السماء الدنيا.

* الطالب: من السماء الدنيا.

* الشيخ: أكذلك تعتقد؟

* الطالب: نعم.

* الشيخ: أخطأت تفسيرًا واعتقادًا.

* طالب: السماء -بارك الله فيكم- هي العلو.

* الشيخ: المراد بها العلو؛ لأن من المعلوم أن المطر لا ينزل من السماء الدنيا إنما ينزل من السحاب المسخَّر بين السماء والأرض.

هل هناك حكمة أن الله تعالى أنزله -أي المطر- من فوق ولا..؟

* طالب: لو كان المطر من الأرض لغرقت الأرض ولم يصل إلى قمم الجبال.

* الشيخ: إي، يعني له حكمة؛ لأجل أن يروي الأرض عُلويها وسُفليها، تمام.

هل هناك من حكمة أن الله جعله نقطًا؟

* طالب: حتى لا تغرق الأرض.

* الشيخ: لا، هي تغرق وإن كان نقطًا.

* طالب: حتى لا يتهدم البنيان.

* الشيخ: نعم، حتى لا تفسد الأرض ويتهدم البنيان، لو كان ينزل كأفواه القِرب لفسدت الأرض، لكن من حكمة الله أنه أنزله نقطًا.

قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾ [الزخرف ١٥] ﴿جَعَلُوا﴾ الضمير يعود على المشركين وعلى اليهود وعلى النصارى، ﴿لَهُ﴾ أي: لله، ﴿مِنْ عِبَادِهِ﴾ أي: مخلوقاته، ﴿جُزْءًا﴾ أي بعضًا؛ وذلك لقول المشركين: إن الملائكة بنات الله، وقول اليهود: إن عُزيرًا ابن الله، وقول النصارى: إن المسيح ابن الله.

ووجه كونه جزءًا أن الولد جزءٌ من أبيه، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في ابنته فاطمة رضي الله عنها: «إِنَّهَا بَضْعَةٌ مِنِّي، يَرِيبُهَا مَا رَابَنِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢٣٠) ومسلم (٢٤٤٩ / ٩٣) بلفظ: «فإنما ابنتي بضعة مني، يريبني ما رابها، ويؤذيني ما آذاها».]]، حينما تحدَّث الناس أن علي بن أبي طالب يريد أن يتزوج عليها بنت أبي جهل، فأنكر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذلك، وقال: لا يمكن أن تكون بنت نبي الله مع ابنة عدو الله[[أخرج البخاري (٣٧٢٩) عن المسور بن مخرمة قال: إن عليًّا خطب بنت أبي جهل، فسمعت بذلك، فاطمة فأتت رسول الله ﷺ، فقالت: يزعم قومك أنك لا تغضب لبناتك، وهذا علي ناكح بنت أبي جهل، فقام رسول الله ﷺ، فسمعته حين تشهد، يقول: «أما بعد، أنكحت أبا العاص بن الربيع، فحدثني وصدقني، وإن فاطمة بضعة مني، وإني أكره أن يسوءها، والله لا تجتمع بنت رسول الله ﷺ وبنت عدو الله عند رجل واحد».]].

إذن الجزء: البعض، والقائل ثلاثة أصناف من الناس: المشركون، واليهود، والنصارى.

﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ﴾ المراد الجنس، ﴿لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ أي: بيِّنُ الكفر؛ وذلك أن (بان) بمعنى (ظهَرَ) تكون بالهمز وتكون بغير الهمز، بمعنى أنه يجوز لغةً أن تقول: بان الفجرُ، وأبان الفجرُ، وعليه فيكون معنى ﴿مُبِينٌ﴾ أي: واضح الكفر، ولا شك أن الذي يقول: الملائكة بنات الله، أو عيسى ابن الله، أو عزير ابن الله، لا شك أنه كفَرَ كُفْرًا بيِّنًا. وتُسْتَعمل (أبان) بالهمز مُتعدِّيةً، يقال: أبان الشيءَ؛ بمعنى: أظهره.

ومنه قوله تعالى: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [الزخرف ١، ٢] الذي سبق في أول السورة؛ أي: المظهِر للحقائق، المبيِّن لها.

ثم قال الله عز وجل: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ [الزخرف ١٦] (أمْ) هنا منقطعة بمعنى: بل والهمزة.

واعلم أن (أمْ) تأتي متصلة إذا كانت بين شيئين متساويين، ومنقطعة إذا كان ما بعدها منقطع عما قبلها، ففي قوله تعالى: ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [يس ١٠] هذه؟

* طالب: متصلة.

* الشيخ: متصلة، وفي مثل هذه الآية (أم) منقطعة، المنقطعة يُقَدِّرها النحويون بـ(بل والهمزة)؛ (بل أَتَّخَذ).

* طالب: (أمْ: بمعنى همزة الإنكار، والقول مقدر؛ أي: أتقولون ﴿اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾ لنفسه، ﴿وَأَصْفَاكُمْ﴾ أخلصكم، ﴿بِالْبَنِينَ﴾ اللازم من قولكم السابق، فهو من جملة المنكَرِ).

* الشيخ: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾ قدَّره المؤلف بمعنى: (بل أيقولون)، ولا حاجة لهذا التقدير، بل هو كلام من عند الله أنكره على هؤلاء؛ يعني بل على قولكم اتَّخذ مما يخلق بنات؛ لأنهم قالوا الملائكة بنات الله.

﴿وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ يعني: وأخلصكم بالبنين وخصَّكم بها؛ لأنهم يقولون: البنات لله، والبنون لنا. فهل هذا عدل؟ هل هذا حق؟ هذا منكر وجور، على الأقل لو قالوا: إنهم سواء، لكان أهون مع أنه منكر، لكن يجعلون لله البنات ولهم ما يشتهون، هذا غاية ما يكون من الجور والظلم.

﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾ وهم الملائكة الذين زعموا أنهم بنات الله، ﴿وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ فالهمزة إذن المقدَّرة للإنكار.

* في هذه الآيتين فوائد؛ منها: أن الولد جزء من والده؛ لقوله ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾، ولذلك كان الولد في التعصيب في باب الميراث مُقَدَّمًا على الوالد؛ بمعنى أنه لو مات ميتٌ عن أبيه وابنه؛ فلأبيه السدس فرضًا، والباقي للابن تعصيبًا، فسهمُ الابن الآن خمسةٌ من ستة، وسهمُ الأبِ واحد من ستة. لماذا؟

لأن الابن جزء من أبيه، فقُدِّمَ.

* ومن الفوائد: أنه يجوز للأب أن يتملك من مال ولده؛ لأن ولده جزؤه، وإذا كان جزءًا منه صار كسائر جسده، ولهذا جاء في الحديث: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ»[[أخرجه ابن ماجه (٢٢٩١) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.]]، فللأب أن يتملَّك من مال ولده ما شاء، بشرط ألَّا يكون الولد محتاجًا إليه أو تتعلَّق به نفسه.

فمثلًا: إذا كان عند الابن أمَةٌ قد تسرَّاها وتعلَّقت بها نفسه، فإنه لا يجوز للأب أن يتملَّكها، مع أنه لا يمكن أن يطأها؛ لأنها حليلة ابنه، لكن حتى ولا التملُّك. لماذا؟ لأن حاجته متعلقة بها.

كذلك لو تعلَّقت بماله ضرورة؛ كابن عنده مال أعدَّه للمهر حين يتزوج، فليس للأب أن يأخذ منه شيئًا، كذلك لو كان عنده سيارة أعدَّها لحاجته وضرورته، فليس للأب أن يتملكها، إنما يتملك الفضل فقط، دليل هذا قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ»[[أخرجه ابن ماجه (٢٣٤٠) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.]].

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان عتو المشركين واليهود والنصارى، حيث جعلوا الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، جعلوه والدًا.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإنسان بطبيعته كفور مبين، هذا إذا جعلنا (الإنسان) للجنس، أما إذا جعلنا (الإنسان) يعود على ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾ فإنه يكون خاصًّا، لكن معنى الأول هو ظاهر قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب ٧٢]، فأصل الإنسان الظلم والجهل، إلا أن يَمُنَّ الله عليه بالعلم والإيمان.

* ومن فوائد الآية الثانية: الإنكار على هؤلاء الذين جعلوا لله ولدًا؛ لقوله: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾.

* ومن فوائده: أنه كيف يكون المخلوق ولدًا للخالق، ولهذا قال: ﴿مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾، وهذا لا يمكن؛ لأن المخلوق منفصل بائن عن الخالق، فلا يصح أن يكون ولدًا له.

* ومن فوائد هذه الآية: الإشارة إلى جور أولئك القائلين بأن الملائكة بنات الله؛ لقوله: ﴿وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ يعني: أيُعْقَلُ أن يكون هكذا؟!

﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ﴾ يعني بذلك قريشًا وأشباههم ممن يكرهون البنات ويَئِدُونهم، ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ﴾؛ أي: أُخْبِرَ بأن وُلِدَ له بنت ظلَّ وجهه مُسْودًّا.

وقوله هنا: ﴿بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾ ولم يقل كما قال في الآية الثانية: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى﴾ [النحل ٥٨]؛ لأنه سبقها ذكر قول هؤلاء: إن الملائكة بنات الله، فضربوها مثلًا لله عز وجل، إذا بُشِّرَ أحدهم بهذا الذي ضربوه مثلًا للرحمن، ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ أي: صار وجهه مُسودًّا، و(ظلَّ) هنا بالظاء المشالة؛ لأنها بمعنى صار، أما (ضلَّ) التي هي بالصاد فهي بمعنى: تاه وضاع، تقول: ضل الطريق بمعنى: تاه وأضاعه، أما ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ فهي بمعنى: صار وجهه مُسْودًّا؛ أي: بعد أن كان أبيض. وقوله: ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ أي: مملوءٌ غيظًا وحزنًا.

اقرأ التفسير.

43:17Page 490

وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحۡمَٰنِ مَثَلٗا ظَلَّ وَجۡهُهُۥ مُسۡوَدّٗا وَهُوَ كَظِيمٌ ١٧

And when one of them is given good tidings of that which he attributes to the Most Merciful in comparison [i.e., a daughter], his face becomes dark, and he suppresses grief.

طالب: (﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾ جعل له شَبَهًا بنسبة البنات إليه؛ لأن الولد يُشْبِه الوالد، المعنى: إذا أُخْبِر أحدُهم بالبنت تُولَدُ له، ﴿ظلَّ﴾ صار، ﴿وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ مُتغيِّرًا تغيُّرَ مُغْتَمٍّ، ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ ممتلئ غمًّا، فكيف يُنْسَبُ البنات إليه؟! تعالى عن ذلك).

* الشيخ: هذا معنى ما تكلمنا به.

* من فوائد هذه الآية: ذكر حال هؤلاء عندما يُبَشَّرون بالبنات؛ أن الواحد منهم يتغيَّر ظاهره وباطنه؛ ظاهره باسوداد وجهه، وباطنه امتلائه غمًّا.

* ومنها: التنديد التام بهؤلاء؛ حيث إنهم إذا بُشِّروا بالأنثى صارت لهم هذه الحال وهم يدَّعونها للخالق عزَّ وجل.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات اسم الرحمن لله عز وجل، والرحمن؛ يعني: ذو الرحمة الواسعة. وهذا الاسم الكريم تُنْكِرُه قريش؛ ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان ٦٠]، «ولما أراد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يكتب كتاب الصلح في الحديبية وقال للكاتب: «اكْتُبْ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ». أَبَى رسول قريش وقال: إننا لا نعرف الرحمن، ولكن اكتب: باسمك اللهم، فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «اكْتُبْ: بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ»[[حديث صلح الحديبية الطويل أخرجه البخاري (٢٧٣١) من حديث المسور بن مخرمة رضي الله عنه.]].

وليس هذا من باب التنزُّل، ولكن من باب التأليف وإمضاء المعاهدة.

قلنا: إن الرحمن؛ يعني: ذو الرحمة الواسعة، فهل رحمة الله عز وجل تشمل الكافرين؟

فالجواب: نعم، لولا رحمة الله ما بقي الكافر لحظة واحدة، فالكافر مرحوم، والمؤمن مرحوم، لكن الفرق أن المؤمن مرحوم في الدنيا والآخرة، والكافر مرحوم في الدنيا، قد أغدَقَ اللهُ عليه النعم، وعجَّل له الطيبات، لكنه في الآخرة يُعامل بالعدل ويُجَازى بما يستحق.

إذن نقول: الرحمة العامة تشمل المؤمن والكافر، والخاصة تختصُّ بالمؤمنين.

* ومن فوائد هذه الآية: تغيُّر البشَرَة بما يسُرُّ أو يسوءُ؛ إذا بُشِّرَ الإنسان بما يسُرَّ فإنه وجهه يبرق من السرور، وتحس بأنه مسرور به، والعكس بالعكس.

* ويتفرع على هذه الفائدة: أن الجسم تَبَعٌ للقلب؛ إذا استنار القلب وفرح فكذلك الجسم، والعكس بالعكس.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المشركين لا يرضون بتقدير الله، فإنهم يتغيَّرون ظاهرًا وباطنًا؛ ظاهرًا باسْوِداد الوجوه، وباطنًا بالامتلاء غمًّا.

43:18Page 490

أَوَمَن يُنَشَّؤُاْ فِي ٱلۡحِلۡيَةِ وَهُوَ فِي ٱلۡخِصَامِ غَيۡرُ مُبِينٖ ١٨

So is one brought up in ornaments while being during conflict unevident1 [attributed to Allāh]?

ثم قال عز وجل: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف ١٨] الهمزة للاستفهام، والواو حرف عطف، و(من) اسم موصول؛ يعني: أو الذي، ﴿يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ﴾ أي: يُرَبَّى فيها ويحتاج إليها، ﴿وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ أي: غير مظهرٍ لما في نفسه؛ يعني: كمن ليس كذلك، والإشارة في هذا الوصف إلى الأنثى؛ لأن الأنثى تُنَشَّأُ في الحلية، وتُحَلَّى لتتجمل، فتحتاج إلى ما يكمِّلها، وهي أيضًا ليست ذات خصومة، بل هي في الخصام غير مبين، كمن ليس كذلك؟

* طالب: يا شيخ حفظكم الله، هل يجوز تفسير القرآن بما يُعْرف بالإعجاز العلمي من القرآن والسنة؟

* الشيخ: الإعجاز العلمي نوعان:

نوع دلَّ عليه القرآن وأشار إليه، فهذا لا بأس به، وهو من تفسير القرآن.

ونوع لا يدلُّ عليه القرآن، وإنما يؤخذ منه بتكلُّف، وربما لا يدل عليه أصلًا، فهذا لا يجوز تفسير القرآن به.

مثال ذلك: قال الله عز وجل: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن ٣٣]، فسَّره بعضهم بالعلم، وطبَّق هذا على الوصول إلى القمر، هذا لا يحِلُّ؛ لأن الآية لا تدل على ذلك، الآية فيها بيان حال يوم القيامة، ولهذا قال: ﴿مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، ومعلوم أن هؤلاء لم ينفذوا من أقطار السماوات. فالإعجاز العلمي الذي ليس به تكلُّف لا بأس به؛ لأن القرآن واسعٌ.

ومما يُنْكَر أيضًا -مما يُقال: الإعجاز العلمي- ما يسمونه بالإعجاز العددي المبني على تسعة عشر، هذا أيضًا باطل، ولا يجوز أن يقال: إن القرآن معجز من هذه الناحية.

أولًا: لأن القراءات مختلفة، وهم يقولون مثلًا: التاء تكررت كذا وكذا مرَّة، إذا قسمتها على تسعة عشر انقسمت، اللام تكررت كذا وكذا مرة، إذا قسمتها على تسعة عشر انقسمت بلا كسر.

هكذا يزعمون، وهذا لا شك أنه باطل، حتى قال لي بعضهم: إن الله تعالى قال: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران ٩٦]، وقال في سورة الفتح: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ [الفتح ٢٤]، قال: إن الله ذكر (بكَّة) من أجل أن تتم الباء العدد الذي ينقسم على تسعة عشر، وهذا لا شك أنه كذب.

الدليل: مثلًا في القرآن كلمات فيها قراءات ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات ٦] فيها قراءة ﴿﴿فَتَثَبَّتُوا﴾ ﴾، إذن اختل العدد؛ صار بدل النون ثاء وبدل الياء باء.

كذلك ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة ٤]، وفيه قراءة: ﴿﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴾ بحذف الألف، فنقصت الألف.

فالقصد أن هذا لا شك أنه كذب، ولا يجوز أن يُفسَّر القرآن بالإعجاز العددي؛ لأنه أولًا: ليس فيه إعجاز كما قالوا، وثانيًا: القرآن ما نزل على أنه تمرين حسابي، نزل على أنه موعظة وشفاء لما في الصدور.

* طالب: شيخنا حفظكم الله، الذي أطلق هذه البدعة رجل كان ينكر القسم الثاني من الشهادة، ويقول: إن الشهادة فقط تقتصر على لا إله إلا الله.

* الشيخ: على كل حال، ما نعرف من حاله إلا ما ذكرت أنت الآن، وهو رجل أظن يسمى رشادًا، ونشره فيما سبق قبل سنوات، ولكنه قُتِلَ، قتله بعض الناس؛ لأنه ابتدع في دين الله ما ليس منه، ولكن هذه الأيام الأخيرة وجدت إنسانًا معه ورقة صفحة من هذا النوع، يريد أن يطبعها على حسابه الخاص ويوزعها بين الناس، فقلت له: هذا لا يجوز، ومزقت الورقة اللي أعطاني، وقلت: يجب أن تعلم أن القرآن إنما نزل لإصلاح الخلق، لا لامتحان عقولهم بالعدد وما أشبه ذلك. ثم -كما سمعتم الآن- فيه آيات مختلفة تمنع هذا التركيب الذي ذكره.

* طالب: شيخ أحسن الله إليك، ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ هذه في الدنيا والآخرة أم في الدنيا؟

* الشيخ: في الدنيا.

* طالب: شيخ حفظكم الله، الآن فيه أوراق، مثلًا يقول: عدد حروف المصحف كذا وكذا، فإذا قرأت المصحف كاملًا يضربها في عشرة، يقول: يكون لك عدد الحسنات كذا وإذا قرأت..؟

* الشيخ: هذا كذب، مَرَّ ابن مسعود رضي الله عنه بقوم يسبِّحون ويعدُّون بالحصا، فقال لهم: إنكم لن تحصوا أعمالكم، أعمالكم الصالحة مُحصاةٌ لكم مكتوبة، لكن أحصوا أعمالكم السيئة؛ من أجل أن تتوبوا إلى الله منها، وهذا حق، فكل هذه الأشياء الذي ذكرته أنا والذي ذكرتها أنت كلها هذه محدثة، والله عز وجل لا يضيع أجر أحد، يعلم عدد حروف القرآن، ويعلم ما يترتب عليه من الثواب، ولن يضيع.

* * *

* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٢٠) أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (٢١) بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف ٢٠ - ٢٣].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، سبق أن الله سبحانه وتعالى أنكر على أولئك الذين جعلوا لله البنات وجعلوا لهم البنين، وقال: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ [الزخرف ١٥]. فما هو الجزء؟

* طالب: أي: ولد.

* الشيخ: ويش معنى كون الولد جزءًا؟ ما هو الدليل؟

* الطالب: الدليل قول النبي ﷺ لفاطمة: هذه جزءٌ منِّي.

* الشيخ: جزءٌ منِّي، هكذا؟

* الطالب: «بَضْعَةٌ مِنِّي».

* الشيخ: «بَضْعَةٌ مِنِّي»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٧١٤)، ومسلم (٢٤٤٩/٩٤) عن المسور بن مخرمة رضي الله عنه.]]، نعم.

قوله: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾، ما هو الذي ضرب للرحمن مثلًا؟

* طالب: قالوا: إن الرحمن اتخذ من الملائكة بناتٍ.

* الشيخ: ﴿بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾؛ أي: جعلهم.

* الطالب: أي: جعل لنفسه البناتِ، ولهم البنين.

* الشيخ: شبيهًا له؛ حيث ادَّعوا أن الملائكة بنات الله.

(كظيم) معناها؟

* طالب: كظيم: مليءٌ غيظًا.

* الشيخ: ممتلئٌ غيظًا، إذن يتغيَّر ظاهره؟

* الطالب: وباطنه.

* الشيخ: ظاهره بماذا؟

* الطالب: بتغيُّر البشرة.

* الشيخ: إي، يظل وجهه مسودًا. وباطنه؟

* الطالب: بالغم.

* الشيخ: قال: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف ١٨]، ﴿أَوَمَنْ﴾ الهمزة للاستفهام، والواو حرف عطف، و(مَن) بمعنى الذي، والمعنى: أو الذي يُنَشَّأ، ومعنى ﴿يُنَشَّأُ﴾ أي: يُرَبَّى، و﴿فِي الْحِلْيَةِ﴾ قال المفسر: (أي الزينة)، ﴿وَهُوَ فِي الْخِصَامِ﴾ عند الخصومة، (﴿غَيْرُ مُبِينٍ﴾ غير مُظْهِرٌ للحُجَّة؛ لضعفه عنها بالأنوثة) التفسير.

﴿أَوَمَنْ﴾ يقول: (همزة الإنكار، واو العطف بجملة أي: أَوَيجعلونَ للهِ مَن يُنَشَّأُ) يعني أن العطف هنا على تقدير: يجعلون. بقي عندنا أين المعادل؟ المعادِلُ: كمن ليس كذلك.

﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ يعني: المرأة ليست جميلة بذاتها ولكنها محتاجة إلى ما يجمِّلها، ولهذا تجد عند النساء من الموضات، ليس لها هم إلا الموضات والتجمل والتحسين، وما أشبه ذلك. لماذا؟ لأنها بنفسها قاصرة.

كذلك أيضًا بقولها قاصرة ﴿وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ عند المخاصمة تكون مغلوبة لا تُظْهِرُ الحُجَّة؛ لأنها ضعيفة بالأنوثة. باقٍ ما هو المقابل؟ ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ﴾ لا بد من مقابل أيش؟ أجيبوا يا جماعة.

* طلبة: كمن ليس كذلك.

* الشيخ: كمن ليس كذلك؛ كمن لا يحتاج إلى أن يُنَشَّأُ في الحلية، وكمن هو في الخصام مُبِينٌ، وهو الذَّكَر، المعنى: أن الله يُضِيفُ لَومًا إلى لَوم على هؤلاء، حيث يجعلون لله القاصر في مقاله وفعاله، ويجعلون لهم الكامل.

* في هذه الآية فوائد؛ منها: قصور المرأة، وأنه لا يمكن أن تساوي الرجل في عقلها ودَلِّها؛ لقوله: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ﴾ إلى آخره.

* ومنها: أن المرأة ليس لها همٌّ إلا التجميل والعناية بمظهرها.

* ومنها: أن المرأة ليست ذات خصام بل هي ضعيفة لا تستطيع أن تخاصم، ولا تُبَيِّن ما في قلبها من الحجة، ولهذا لما تولت بنت كسرى على الفرس، وبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً»[[أخرجه البخاري (٤٤٢٥) عن أبي بكرة رضي الله عنه.]]. واختلف الناس في معنى قوله: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً» هل هذا خاص بهذه القضية المعينة، بمعنى أن هؤلاء لن يفلحوا؛ لأنهم ولَّوا أمرهم امرأة، أو أن هذا عام لكل من ولَّى أمره امرأة؟

فإن نظرنا إلى العموم «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً» قلنا: هذا عام في كل قوم ولَّوا أمرهم امرأة، وإن نظرنا إلى القضية المعينة قلنا: إنه خاص.

وإذا نظرنا إلى الواقع فهل المرأة التي تتولى أمور الرجال هل تُفْلِح؟

الجواب: إن أفلحت فذلك بمعونة الرجال أو فلاحٌ نسبي، يعني مثلًا امرأة تكون رئيسة وزراء لن تفلح، لن يفلح قومها إلا بمساندة الرجال لها، هذه واحدة.

أو يُقال: هو فلاح نسبيٌّ، لو تولَّى غيرُها -رجلًا- لكان ذلك أفلَحَ لهم.

وكذلك أيضًا لن يُفْلحوا إذا ولَّوا أمرهم في غير الرئاسة؛ كالوزارة مثلًا لن يفلحوا.

ومَن عَرَفَ النساء وكثرة خصومهن ومشاكلهن إذا تولوا حتى إدارة المدرسة عَرَفَ أن المرأة لا تصلح إطلاقًا للولاية، اللهم إلا على بني جنسها، فهذا ربما؛ لأن الضعيفَ للضعيف.

* ومن فوائد هذه الآية: الثناء على الرجال؛ لأنه إذا كانت النساء لا تكمل بذاتها؛ لا بالفعال ولا بالمقال، فهذا يعني أن الرجال كُمَّلٌ. وانظر إلى قول الله تعالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم ١٢] ولَّا من القانتات؟

* طالب: ﴿مِنَ الْقَانِتِينَ﴾.

* الشيخ: ﴿مِنَ الْقَانِتِينَ﴾، يتبين لك أن القنوت والعبادة في الرجال أكثر، ولهذا جاء في الحديث: «كَمُلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا أَرْبَعٌ: آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ. وَفَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ»[[أخرجه البخاري (٣٧٦٩)، ومسلم (٢٤٣١ / ٧٠) من حديث عن أبي موسى، بلفظ: «كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء غير مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون. وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام».وأخرجه الثعلبي في تفسيره ٩/٣٥٣ عن أبي موسى بلفظ: «كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلَّا أربع: آسية بنت مزاحم امرأة فرعون، ومريم ابنة عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد. وفضل عائشة على النّساء كفضل الثريد على سائر الطعام».]].

كل هذا نريد أن يبقى في أذهاننا أن المرأة قاصرة، وأن من يحاولون أن يجعلوها كالرجال فإنهم مخالفون للفطرة والطبيعة كما أنهم مخالفون للشريعة.

خطب النبي ﷺ النساء في يوم عيد يوم الفرح والسرور وبيَّنَ حالَهنَّ، فقال: «مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ»[[أخرجه البخاري (٣٠٤) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.]]، مع أنه يوم فرح ويوم سرور، كان من المتوقع أن يُدْخِل النبي ﷺ السرور لكن لا بد أن يبيِّن حالهم.

الآن أولئك القوم من الكفَّار وغيرهم الذين ساووا النساء بالرجال في أكثر الأشياء أحوالهم غير مستقيمة وغير تامة، مع أنهم لن يستطيعوا أن يُلْحِقوا النساء بالرجال من كل وجه، أبدًا، هذا مستحيل.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском