Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Az-Zukhruf 43:19–24
43:19Page 490
وَجَعَلُواْ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمۡ عِبَٰدُ ٱلرَّحۡمَٰنِ إِنَٰثًاۚ أَشَهِدُواْ خَلۡقَهُمۡۚ سَتُكۡتَبُ شَهَٰدَتُهُمۡ وَيُسۡـَٔلُونَ ١٩
And they described the angels, who are servants of the Most Merciful, as females. Did they witness their creation? Their testimony will be recorded, and they will be questioned.
قال: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف ١٩]، (جعلوا) الضمير يعود على المشركين، ومعنى (جعلوا)؛ أي: صيروا، ولذلك نصبت مفعولين، ﴿الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ الذين أتموا العبودية على الوجه الأكمل، حيث وصفهم الله عز وجل بأنهم عباد مُكْرَمونَ لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون، ﴿إِنَاثًا﴾ وذلك بقولهم: إن الملائكة بنات الله. انظروا هذا الافتراء؛ أولًا: افتروا بأنهم بنات الله. ثانيًا: افتروا بأنهم بنات، وما يدريهم أن الملائكة بنات، لكن لما كان وصف الأنوثة وصفًا رديئًا قالوا: هم إناث. والبنون لمن؟ البنون لهم.
قال الله عز وجل مُنْكِرًا عليهم: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾؛ يعني: أحضروا خلقهم وعرفوا أنهم إناث، والاستفهام هنا للإنكار أو للتحدي؛ يعني أن الله أنكَرَ عليهم أو تحدَّاهم هل حضروا أو لا، وهذا كقوله تعالى: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ [الكهف ٥١].
قال تعالى: ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ﴾ بأنهم إناث، ﴿سَتُكْتَبُ﴾ تُكْتَبُ على أنها فريةٌ وشهادةُ زورٍ ويُعاقَبون عليها، والسين هنا للتقريب والتحقيق، و(تُكْتَبُ) لم يُبَيِّن الفاعل فاعلَ الكتابةِ، فالله أعلم: هل يكتبها الله أو الملائكة؟ والظاهر أنهم الملائكة؛ لأن الملائكة مُوَكَّلون بعمل بني آدم يكتبونه، ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق ١٨].
(﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ﴾ بأنهم إناث، ﴿وَيُسْأَلُونَ﴾ عنها في الآخرة، فيترتب عليها العقاب).
* من فوائد هذه الآية الكريمة: بيان افتراء هؤلاء المشركين، من وجهين؛ الوجه الأول؟
* طالب: أنهم جعلوا الملائكة إناثًا.
* الشيخ: الوجه الأول: أنهم الملائكة جعلوا الملائكة إناثًا، وما يدريهم؟!
الوجه الثاني؟
* طالب: قالوا: إن الملائكة هم بنات الله.
* الشيخ: نعم، أنهم نسبوهم إلى الله عز وجل.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: تحدي هؤلاء المفترين، تحدي هؤلاء المفترين بأيش؟
* طالب: لما ذكروا الملائكة أنهم إناث.
* الشيخ: كيف؟ بأي لفظة نعرف أنه مُتَحدِّيهم؟ أين الكلمة التي تدلُّ على التحدي؟
* الطالب: ﴿عِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾.
* طالب آخر: قال تعالى: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾.
* الشيخ: في قوله تعالى: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾، والجواب: لا.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: تهديد أولئك المفترين بأن شهادتهم ستُكْتَبُ ويُعاقَبون عليها؛ لقوله: ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ﴾.
* ومن فوائد الآية: إثبات الحساب في قوله: ﴿وَيُسْأَلُونَ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية: أن أقوال الإنسان تُكْتَبُ عليه كأفعاله؛ لأن الشهادة هنا بالقول.
43:20Page 490
وَقَالُواْ لَوۡ شَآءَ ٱلرَّحۡمَٰنُ مَا عَبَدۡنَٰهُمۗ مَّا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنۡ عِلۡمٍۖ إِنۡ هُمۡ إِلَّا يَخۡرُصُونَ ٢٠
And they said, "If the Most Merciful had willed, we would not have worshipped them." They have of that no knowledge. They are not but misjudging.
ثم قال عز وجل: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف ٢٠]، (﴿مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ أي: الملائكة، فعبادتنا إياهم بمشيئته، فهو راضٍ بها، قال الله تعالى) إلى آخره.
﴿وَقَالُوا﴾ أي: المشركون، ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ (لو) هذه حرف امتناع لامتناعٍ، (لو شاء الله ما عبدناهم) لكنا عبدناهم لمشيئة الله.
والعجب أنهم قالوا: ﴿مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ فإن كانوا يريدون الملائكة فقد تناقضوا، وإن كانوا يريدون الأصنام فهذا له كلام آخر؛ إذا كانوا يريدون الملائكة فهم قالوا: ﴿مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ مع أنهم جعلوا الملائكة إناثًا، وكان مقتضى ذلك أن يقولوا: ما عبدناهن، فيرجع الضمير إلى الملائكة؛ ضمير المؤنث، أما إذا كانوا مرادهم ﴿مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ أي: ما عبدنا آلهتنا، فلا إشكال.
المفسِّر ذهَبَ إلى أي شيء؟
الإشكال قوله: ﴿مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ ووجه الإشكال فيها؟
* طالب: وجه الإشكال إن كان المراد الملائكة فهم ناقضوا.
* الشيخ: إذا كانوا يعنون الملائكة فقد ناقضوا.
* الطالب: أي: أنهم جعلوهم إناثًا، والضمير (هم) وهو للملائكة.
* الشيخ: وهو للملائكة، أحسنت. وإن كان للأصنام؟
* الطالب: فلا إشكال.
* الشيخ: فلا إشكال.
قال الله عز وجل: ﴿مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ (﴿مَا لَهُمْ بِذَلِكَ﴾ القول مِن الرضا بعبادتها، ﴿مِنْ عِلْمٍ﴾، ﴿إِنْ هُمْ﴾ أي: ما هم، ﴿إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ يكذبون، فيترتَّب عليهم العقاب به).
قال الله عز وجل: ﴿مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ (من) هنا تُعْرَبُ: زائدة إعرابًا، لكنها في المعنى مفيدة تفيد التوكيد، وسياق الكلام لولا القرآن لكان السياق: ما لهم بذلك علم، لكن تُزَاد الحروف للتوكيد؛ لتوكيد النفي في هذه الآية؛ يعني أن قولهم: ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ قول مَبْنِيٌّ على الخرْص والظن والمحاجة بالباطل، وإلا فهم عملوا وعبدوا بدون أن يعلموا أنه مكتوب عليهم؛ لأنه لا يُعْلَمُ المكتوب إلا إذا وقع.
* في هذه الآية فوائد؛ منها: أن هؤلاء احتجوا بالقدر فقالوا: لو شاء الرحمن ما عبدناهم.
* ومنها: بطلان الاحتجاج بالقدر؛ لقوله: ﴿مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾.
وهنا سؤالٌ هل قولهم: ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ هل هو صحيح؟
* طلبة: صحيح.
* الشيخ: صحيح، لكن الاحتجاج به غير صحيح، لو شاء الرحمن ما عبدوهم، كقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا﴾ [البقرة ٢٥٣]، فهذا القول صحيح لكن الاحتجاج به؟
* طلبة: غير صحيح.
* الشيخ: غير صحيح، وإنما قلنا: إنه صحيح؛ لأن الله تعالى يشاء كل شيء، كل شيء فهو واقع بمشيئة الله، ولكن لا حُجَّة بشيء لا تعلمه أنت؛ إذ إنك لا تعلم أن هذا مُقدَّرٌ عليك إلا أيش؟
* طلبة: إذا وقع.
* الشيخ: إلا إذا وقع، فالقدر سرٌّ مكتوم لا يُعْلَمُ إلا إذا وقع المقدور.
* ومن فوائد هذه الآية: الرد على القدرية الذين ينكرون أن الله تعالى يشاء أفعال العباد، فالقدرية -وهم المعتزلة- يقولون: إن الإنسان خالقٌ عملَه، مُريدٌ له، مُستقلٌّ به، وإن الله عز وجل لا إرادة له به، سبحان الله!
أيقول الله عز وجل: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر ٤٩]، وتقولون أنتم: لا؟!
قابلهم قوم آخرون -وهم الجبرية- وقالوا: كل شيء واقع فهو بمشيئة الله، والإنسان مُجْبَرٌ على العمل وليس مختارًا.
وهذا أيضًا قول باطل، كلٌّ يعرف الفرق بين الفعل الاختياري وبين الفعل الاضطراري، كلٌّ يعرف الفرق بين أن ينزل الإنسان من السطح على الدرج شيئًا فشيئًا وبين أن يتدحرج بدون اختيار منه، هم يقولون: إن الكل -أعني الجبرية- يقولون: الكل سواء، ينزل باختيار أو يتدحرج بدون اختيار، الكل سواء، ما حركة الإنسان إلا كحركة السَّعفة في الريح.
وهذا أيضًا قول باطل، ولا يمكن أن تقوم به أمة، ولا أن تقوم به ملة، ولا أن تقوم به دنيا ولا أخرى، وإلا لقلنا: كل إنسان يتسلَّط على آخر، ثم يقول: واللهِ هذا بقضاء الله وقدره، ما أملك. هل يرضى هؤلاء أن يأتي شخص، ويرضُّهم رضًّا، ثم يقول: هذا بقدر الله؟
* طالب: لا.
* الشيخ: الجواب: لا، لا أحد يرضى بذلك.
ولمَّا أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن تقطع يد السارق، قال: مهلًا يا أمير المؤمنين، والله ما سرقت إلا بقدر الله. قال: ونحن لا نقطع يديك إلا بقدَرِ الله. فكل إنسان يعرف أن الإنسان مختارٌ، وله إرادة تامة بها يفعل.
لو أننا قلنا بقول الجبرية لكانت عقوبة الله للمجرمين ظلمًا؛ لأنهم سيقولون: يا ربنا، فعلنا هذا بغير اختيار، والذين يقولون: إن الله لا علاقة له بفعل العبد، أيضًا هم مخطئون، ولهذا يُسَمَّى هؤلاء القدرية مجوسَ هذه الأمة. لماذا؟ لأنهم جعلوا للحوادث خالقَينِ: حوادث بشرية مِن خلْقِ البشر، وحوادث إلهية من خلْقِ الله عز وجل، فسمُّوا مجوس هذه الأمة؛ لأن المجوس يقولون: إن الحوادث لها خالقان؛ الشر تخلقه الظلمة، والنور يخلق الخير، هذه عقيدة المجوس، وفي ذلك يقول المتنبي في ممدوحه:
وَكَمْ لِظَلَامِ اللَّيْلِ عِنْدَكَ مِنْ يَدٍ ∗∗∗ تُخَــــبِّرُ أَنَّ الْمَـــانَـــــوِيَّةَتَكْــــذِبُ
ظلام الليل ظلمة، وأنت أيها الممدوح لك الكرمُ في الليل والنهار.
على كل حال يا إخوان، نرجع إلى الآية، هل قولهم: ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ صحيح أو لا؟
* طلبة: صحيح.
* الشيخ: صحيح، لكن هل هو حجة؟ لا، ولهذا قال عزَّ وجلَّ: ﴿مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن المحتجَّ بالقدر لا علم عنده.
كيف لا يكون عنده علم وهو يعلم أنه ما وقع إلا بمشيئة الله؟ فالجواب: هو إنما علم بعد الوقوع، لكن قبل الوقوع يعلم أو لا يعلم؟
* طلبة: لا يعلم.
* الشيخ: لا يعلم، إذن لا حُجَّة له؛ لأن الحجة دليل، والدليل لا بد أن يسبق المدلول، فعلْمُهم لاحقٌ وليس بسابقٍ.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن قولهم هذا مبنيٌّ على الكذبِ؛ لقوله: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾؛ أي: يكذبون.
ولنا أن نقول: ﴿يَخْرُصُونَ﴾ بمعنى يظنون، كما قال عز وجل في آية أخرى: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية ٢٤].
43:21Page 490
أَمۡ ءَاتَيۡنَٰهُمۡ كِتَٰبٗا مِّن قَبۡلِهِۦ فَهُم بِهِۦ مُسۡتَمۡسِكُونَ ٢١
Or have We given them a book before it [i.e., the Qur’ān] to which they are adhering?
ثم قال الله عز وجل: (﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي: القرآن بعبادة غير الله ﴿فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ ) ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ﴾ (أم) بمعنى (بل) وهمزة الاستفهام، والمعنى: بل هل نحن آتيناهم كتابًا من قبلِ القرآنِ فهُم به مستمسكون؟ ما الجواب؟
* طلبة: لا.
* الشيخ: لا، لم يقع ذلك، فأولُ كتابٍ نزل على العرب هو القرآن، وهو آخر كتاب؛ لأنه لم يُبْعَثْ من العرب رسولٌ إلا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما قال عزَّ وجل في دعاء إبراهيم وإسماعيل: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة ١٢٩].
ولهذا لو قال قائل: هل في العرب رسول سوى محمد ﷺ؟ لقلنا: لا، ما فيه إلا واحد. ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾؟ الجواب: لا.
* في هذه الآية من الفوائد: تكرار الحُجج بقدر إنكار الخَصم، وكلَّما تكررت الحُجج ازداد الأمر قوة.
* ومن فوائدها: أنك إذا أتيت بدليل مُقنِعٍ فلا لوم عليك إذا أتيت بدليل آخر وثالثٍ، ما دام المقام يقتضي ذلك.
انظروا إلى الذين يجادلون أهل الباطل، وبالأخص شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، كيف يأتون بالأدلة متتابعة متكاثرة مع أن المدلول يمكن أن يثبت بدليل واحد؛ من أجل التقوية، شيخ الإسلام له كتاب اسمه التسعينية في الرد على الأشعرية الذين قالوا: إن الكلام هو المعنى القائم بالنفس، أبطل رحمه الله هذا القول من تسعين وجهًا، ويكفي في إبطاله وجه واحد؛ لأنه كلما تكررت الأدلة قويت الحُجة.
أرأيتم الآن في الأمور المحسوسة، لو أن شخصًا أتى وأخبركم بخبر وهو ثقة عندكم صدقتموه، فإذا جاء آخر ازدادت الثقة، وإذا جاء ثالث ازدادت الثقة، ولهذا قال العلماء: إن المتواتر يُفيد القطع؛ لكثرة من رووه. المتواتر يعني الحديث الذي يأتي من طرق كثيرة، يُفيد القطع لكثرة الرواة.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لم ينزل على العرب كتاب سوى القرآن؛ لقوله: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية: مِنَّةُ الله عزَّ وجل على العرب، حيث أنزل عليهم كتابًا واحدًا هداية للخلق أجمعين إلى يوم القيامة، بينما الرسل الآخرون تنزل عليهم الكتب هداية لأقوامهم، فهي -أي الكتب- هداية في قوم معينين وفي وقت معينٍ، لكن هذا الكتاب -جعلنا الله وإياكم من المتمسكين به- هذا نازل صالح لكل زمانٍ ومكانٍ وأمَّةٍ.
43:22Page 490
بَلۡ قَالُوٓاْ إِنَّا وَجَدۡنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰٓ أُمَّةٖ وَإِنَّا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم مُّهۡتَدُونَ ٢٢
Rather, they say, "Indeed, we found our fathers upon a religion, and we are in their footsteps [rightly] guided."
ثم قال عزَّ وجل: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف ٢٢]، (بل) هذه للإضراب؛ إضراب انتقال؛ يعني انتقلوا إلى شيء آخر، (﴿قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ أي: على ملة، و﴿إِنَّا﴾ ماشون ﴿عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ بهم، وكانوا يعبدون غير الله) هذه حُجة من حُججهم. احتجوا بالأول بأيش؟
* طالب: بالقدر.
* الشيخ: بالقدر الآن احتجوا بالقدوة ﴿قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾.
والآية فيها فوائد، لكن نتكلم على معنى (أُمَّة) يقول: (مِلَّة)، وقد ذكرنا قريبًا أن (أمة) في القرآن تدل على عدة معانٍ، واحد؟
* طالب: بمعنى إمام.
* الشيخ: تكون بمعنى (إمام)، مثِّل.
* طالب: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ﴾ [النحل ١٢٠].
* الشيخ: وتكون بمعنى؟
* طالب: تكون بمعنى (وقت).
* الشيخ: تكون بمعنى (وقت).
* الطالب: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف ٤٥].
* الشيخ: لقوله تعالى: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾، هذه اثنان.
* طالب: تكون بمعنى طائفة من الناس.
* الشيخ: تكون بمعنى طائفة من الناس.
* الطالب: كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ [النحل ٣٦].
* الشيخ: كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾.
* طالب: بمعنى الدين.
* الشيخ: بمعنى الدين. مثالُه؟
* الطالب: هذه الآية.
* الشيخ: ويش الآية؟
* الطالب: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾.
* الشيخ: كقوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾؛ أي: على مِلَّة.
إذا قال قائل: هذه الكلمات التي تأتي لعدة معانٍ، ما الذي يُعيِّن المعنى؟
* طلبة: السياق.
* الشيخ: السياق وقرائن الأحوال؛ إذا قلت لرجل غني: الْبَس العباءة، ولرجل فقير: الْبَس العباءة. هل تختلف العباءتان؟ الأول الغني: الْبَس عباءة غني، والثاني: الْبَس عَباءةَ فقيرٍ، شوف اختلف المعنى لحال المخاطَب. فالمهم أن الذي يعين المعني هو السياق.
ومن ثَمَّ قلنا: إنه لا مجاز في اللغة العربية إطلاقًا ولا في القرآن أيضًا، والمسألة هذه لها أقوال ثلاثة:
القول الأول: إن المجاز واقع في اللغة العربية والقرآن. وهذا الذي عليه جمهور العلماء.
والثاني: أنه واقع في اللغة غير واقع في القرآن. اختاره طائفة، منهم الشيخ محمد الأمين الشنقيطي صاحب أضواء البيان.
ومنهم من قال: لا مجاز في القرآن ولا في اللغة. وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وتلميذه ابن القيم، وهذا هو الحق؛ لأن الكلمة ليس لها معنى ذاتي، الكلمة في ضمن جملة، فإذا دلت الكلمة في موقع ما على معنى من المعاني فهو الحقيقة، لو قلت: رأيت أسدًا يحمل الحقيبة إلى المسجد ليقرأ، هل يمكن أن يتبادر إلى ذهن واحد من الناس أن المراد بالأسد السبع المعروف؟ لا، بل لو ادَّعى هذا مدعٍ لَردَّ عليه كل أحد. ما الذي منع هذا؟
* طالب: السياق.
* الشيخ: السياق، إذن (الأسد) هنا حقيقة في موضعها، وهي تدل على الشجاعة، بدل ما أقول: رأيت رجلًا شجاعًا يحمل الحقيبة، أقول: رأيت أسدًا، انتبهوا لهذا ففيه فائدة عظيمة.
وكثيرًا ما يحتج الناس يقولون: كيف لا يكون في القرآن مجاز والله يقول: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف ٧٧]؛ أي مائلًا، الجدار ما له إرادة؟
فنقول: أولًا: نمنع قولك: الجدار ليس له إرادة بل له إرادة بلا شك، قال الله عز وجل: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء ٤٤]، فهذه المخلوقات تسبح بإرادة ولَّا بغير إرادة؟
* طلبة: بإرادة.
* الشيخ: بإرادة بلا شكٍّ، وإلا لم يكن في هذا ثناء على الله.
ثانيًا: نقول: ما الذي يمنع الإرادة في الجماد، والنبي ﷺ ثبت عنه أنه قال في أُحُدٍ -وهو جبل حصى-: «جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ»[[متفق عليه؛ البخاري واللفظ له (١٤٨١)، ومسلم (١٣٩٢ / ٥٠٣) من حديث أبي حميد الساعدي رضي الله عنه.]]، فأثبت المحبة لهذا الجبل، والمحبة أخص من الإرادة.
ثالثًا: نقول: إرادة كل شيء بحسبه، فميل الجدار يعني أنه يريد أن يسقط، كميل الإنسان نعرف أنه يريد أن يركع مثلًا، ولا مانع.
قالوا: طيب، تخلصت من هذا، ما تقولون في قوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء ٢٤]؟ المعنى: تواضع لهما رحمةً بهما، فيقولون: الذل له جناح؟ نقول: أما الذل فهو أمرٌ معنوي، والإنسان إذا لم يذل ترفَّع وعلا بنفسه، فقال: اخفض جناح الذل، بدل: جناح الترفع، وذكر الجناح لأنه هو الذي يطير به الطير إلى السماء، فالآية واضحة أن المعنى: تتطامَنْ للوالدين وتذلَّلْ لهما واخفض لهما الجناح، وهذا غاية ما يكون من التذلل لهما.
* طالب: شيخ بارك الله فيك، ما المحذور الشرعي في إثبات المجاز إذا قلنا بالمجاز؟
* الشيخ: أول محذور أن المجاز -باتفاق القائلين به- يصح نفيه، وهذا يعني يصح تكذيب القرآن، فيقول مثلًا: ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾، الجدار ما له إرادة. وهل هذا يصح؟
* الطالب: لا يصح.
* الشيخ: ما يصح، ولهذا اعتمد الشنقيطي رحمه الله هذه الحجة اعتمادًا قويًّا، قال: أبرز علامات المجاز أنه يصح نفيه، وما في القرآن شيء يصح نفيه. هذه واحدة.
ثانيًا: أن هذا المجاز الذي سماه ابن القيم طاغوتًا توصلوا به إلى إنكار الصفات، وقالوا: اليد مجاز على النعمة، الاستواء مجاز عن الاستيلاء، العين مجاز عن الإحاطة، وهلم جرًّا.
ومن قال: إن شيخ الإسلام وابن القيم أنكرا ذلك وشدَّدا في الإنكار لأن أهل التعطيل توصلوا بالمجاز إلى إنكار الصفات، فهذا كذب عليهما؛ على شيخ الإسلام وابن القيم، بل هما أنكراه مطلقًا حتى في أبسط الأشياء.
* طالب: شيخ أثابكم الله، على قراءة نافع: ﴿﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِنْدَ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ ﴾.
* الشيخ: ﴿عِبَادُ﴾.
* الطالب: لا، على قراءة نافع (...)؟
* الشيخ: ﴿عِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ كما جاء في القرآن.
* طالب: شيخ جزاكم الله خيرًا، ما الرد على القائلين بأن المجاز في القرآن يدل على فصاحة وإعجاز القرآن الكريم؟
* الشيخ: غلط، كيف يدل على فصاحته وهو يصح أن يُنْفَى ويُكَذَّب؟!
* طالب: أقول: في كتاب فتح رب البرية، كأنه يُفْهَم من الكلام إثبات أصل المجاز، لأنكم قلتم: المعنى المجازي لا يُقْبَلُ إلا بثلاثة شروط، ومن حجج الذين يثبتون المجاز يقول: القرآن جاء على أساليب اللغة، فاللغة فيها مجاز، يعني من أعجاز القرآن أنه ما خرج عن أساليب..
* الشيخ: نعم، لكن نحن نقول: اللغة ليس فيها مجاز أصلًا؛ يعني ننكر الأصل، وما كتبناه أولًا أصول الفقه الأصول حيث ذكرنا المجاز فإننا ماشون على خطة رُسِمَت لنا من قبل المعاهد، وليس عن اعتقاد منَّا، وقد نبهناهم بأنه يجب أن تكتبوا حاشية على هذا، فتقولوا: هذا على القول بالمجاز، وأننا لا نرى ذلك، ما أعلم هل كتبوها أو لا.
* * *
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلَّم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
قبل أن نبدأ درس اليوم أودُّ أن أنبهكم على المقصود من التعلم، المقصود من العلم اتِّباع ما علِمْتم، ومن ذلك التحلي بمكارم الأخلاق وأعالي الآداب، ولقد رأينا منكم جفاءً عظيمًا أشدَّ من جفاء البدو، وعدَمَ مبالاة بالآداب الإسلامية والأخلاق، أقل شيء وأهون شيء إفشاء السلام، إفشاء السلام من أسباب دخول الجنة؛ لقول النبي ﷺ: «وَاللَّهِ لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَفَلَا أُخْبِرُكُمْ بِشَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ»[[أخرجه مسلم (٥٤ / ٩٣)، وأبو داود واللفظ له (٥١٩٣) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، وهذا معدوم في كثير منكم، أنا لا أدري لماذا تتعلموا! لا أدري إلى متى لا تتحلون بالأخلاق الفاضلة! يمر الإنسان بإخوانه لا يُسَلِّم عليهم، أهذا من آداب الإسلام؟ أجيبوا.
* طلبة: لا.
* الشيخ: أهذا من آداب طالب العلم؟
* طلبة: لا.
* الشيخ: أهذا من آداب صاحب المروءة؟
* طلبة: لا.
* الشيخ: سبحان الله! أنا لا أدري كيف أبذر، ثم يخرج زرعٌ لا ثمرة فيه، فما الفائدة؟ إذا لم يكن هناك ثمرة ملموسة فإن الإنسان قد يأخذه اليأس، ويقول: هؤلاء القوم إنما جاؤوا لمجرَّد المعرفة النظرية دون التطبيقية، هذا مع أن الإنسان إذا سلَّم على أخيه يحصل على عشر حسنات، تنفعه يوم القيامة إذا لم يكن عنده درهم ولا دينار.
أرجو الانتباه، أرجو الأدب، أرجو العمل بما علِمْتم، وإلا فلا فائدة.
أقول هذا من قلبي، وأرجو أن يحِلَّ في قلوبكم، سبحان الله! سبحان الله! سبحان الله! يمرُّ الرجل بزميله جنبًا إلى جنب لا يسلِّم، ولا أخلاق باديةٌ.
دعنا من الأشياء الأخرى، قد يكون هناك أشياء أيضًا تخل بالمروءة والآداب الإسلامية، لكن هذا أبْيَنُ ما يكون وأوضح ما يكون، فأرجو ألَّا أجد أحدًا منكم يتحلَّى بهذا الخلق الذميم، وهو عدم إفشاء السلام، سلِّم يا أخي، ويش يضرك؟! قد يقول له الشيطان: لا تسلم على هذا؛ لأنه واقف مع زميله، قد يكون بينهما أحاديث سرِّية، أنت سلِّم، وإن ردوا فهذا مطلوب، وإن لم يردوا؛ فإن كان لهم عذر فهم معذورون، وإن لم يكن لهم عذر فهم آثمون. أرجو ألَّا أعود إلى مثل هذا بناءً على أنكم استقمتم، والله الموفِّق.
* * *
* الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [الزخرف ٢٤].
* الشيخ: بس ليش تقول: ﴿قَالُوا﴾ ﴿قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ﴾.
* الطالب: تكرار يا شيخ.
* الشيخ: قِفْ على قوله: ﴿بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾، قفْ، ولا (...) ﴿قَالُوا﴾، ثم تعود وتقول: ﴿قَالُوا﴾، هذه عادة عند كثير من القراء الذين يدَّعون أنهم جوَّدوا القرآن، تجده يقف على غير موقف، ثم يعيد الكلمة، أو ربما الجملة، يا أخي قفْ بالأول على الموقف السليم، ثم اقرأ، ولو أراد أن يقول: أعادها ليكون الكلام متتابعًا، قلنا: أَعِدِ الجملة اللي قبلها أيضًا؛ حتى يكمل أول الآية.
ثم إني أقول: إذا انقطع النفس فابدأ بما انقطع النفس عليه مُطلَقًا؛ لأن هذا الوقوف لعذر، ما حاجة تكرر الكلمة، ألم تعلم قول الله عز وجل: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون ٤] آيةٌ يُوقَفُ عليها، ثم يبدأ فيقول: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون ٥]، فالوقوف على الآيات ولو تعلَّقت الثانية بالأولى، والوقوف للعذر ولو تعلق الثانية بالأولى، يبدأ من حيث وقَفَ.
43:23Page 491
وَكَذَٰلِكَ مَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ فِي قَرۡيَةٖ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتۡرَفُوهَآ إِنَّا وَجَدۡنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰٓ أُمَّةٖ وَإِنَّا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم مُّقۡتَدُونَ ٢٣
And similarly, We did not send before you any warner into a city except that its affluent said, "Indeed, we found our fathers upon a religion, and we are, in their footsteps, following."
الطالب: ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٢٤) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٢٥) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨) بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ﴾ [الزخرف ٢٤ - ٢٩].
* الشيخ: قال الله عز وجل: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف ٢٣] يعني يمثل هذا الذي قِيلَ لك قِيلَ لمن قبلك.
﴿مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف ٢٣]، والحكمة من هذا تسلية النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من وجه، وإنذار هؤلاء المكذبين له من وجه آخر، وأنه سيصيبهم ما أصاب غيرهم مما أصروا على تقليد آبائهم الباطلة.
وقوله: ﴿مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ﴾. اقرأ التفسير.
* طالب: (﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا﴾ أي: مُتنعِّموها مثْل قول قومك).
* الشيخ: لا، مُتنعِّموها ولا مُنعَّموها؟
* الطالب: مُتنعِّموها.
* الشيخ: بالتاء؟
* الطالب: نعم، عندي بالتاء.
* الشيخ: لا، غلط، (مُنعَّموها) هو الصواب.
* الطالب: (مُنعَّموها مثْلَ قولِ قومِك: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ مِلَّةٍ، ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ مُتَّبِعون).
* الشيخ: هذا الحكمة منه هو تسلية النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وإنذار هؤلاء المكذبين، أن جميع الأمم السابقة يقولون لأقوامهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾؛ أي: على مِلَّة، ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ﴾؛ أي: ما يسيرون عليه من الدين، ﴿مُقْتَدُونَ﴾؛ أي: مُتَّبِعون مُقلِّدون.
* ففي هذه الآية الكريمة فوائد؛ منها: تسلية النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأن هذا الذي قيل له قد قيل لمن قبله، كقوله تعالى: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [فصلت ٤٣].
* ومنها: اتفاق أهل الباطل على هدف واحد، ألا هو تكذيب الرسل واتباع آبائهم.
* ومنها: تحريم التقليد بالباطل، وأما التقليد بالحق فلا بأس به، فإذا كان رجل لا يعرف حكم المسألة في دين الله وليس عنده قدرة على الاجتهاد، فإن فرضَه التقليد؛ لقول الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل ٤٣]، ولقول الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦]، ولقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن ١٦].
وأما من حرَّمَ التقليد مطلقًا فقوله باطلٌ مخالفٌ لظاهر القرآن، وأما من ألزم به مطلقًا فقوله باطلٌ مخالِفٌ لما يجب الإيمان به من اتباع الرسل.
فالصواب أن التقليد للضرورة جائز، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية: التقليد بمنزلة أكل الميتة؛ إن اضطر إنسانٌ إليه فهو جائز، وإلا فلا.
ولكن هل يمكن أن نقول للعامي صاحب السوق: اجتهد في هذه المسألة حتى تعرف حكم الله؟ لا يمكن، ولو بقي يجتهد لخبَّط، لكن فرضه أن يسأل.
وهل يحوز التقليد في أصول الدين أو في فروع الدين فقط؟
فالجواب أولًا: تقسيم الدين إلى أصول وفروع حادث لم يكن معروفًا بعهد الصحابة، ويدل على بُطلانه أنه يجعلون الصلاة والزكاة والصيام والحج، يجعلونهم من فروع الدين مع أنهم أركان الإسلام، فالصواب أن الشرع لا ينقسم إلى أصول وفروع، وأن هذا اصطلاح حادث، لكنه ينقسم إلى أصول علمية وأصول عملية؛ فالأصول العلمية هي الاعتقادات، والعملية هي العبادات المكلَّف بها، هذا هو الذي يدل عليه النص.
إذن نقول: قولنا: هل يجوز التقليد في أصول الدين وفروعه أو فروعه فقط؟ أصل التقسيم حادثٌ مبتدَعٌ وإن كان عليه أكثر العلماء الآن، وهو أيضًا غير صحيح، وجه بطلانه؟
* طالب: أنهم جعلوا الصلاة..
* الشيخ: أنهم جعلوا الصلاة والزكاة والصيام والحج من فروع الدين، وهي أصل من أصول الدين؛ أركان الإسلام.
ثم نقول: التقليد فيما تسميه أصل الدين وفروعه جائز، قال الله عز وجل: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل ٤٣]، والرسالة على تقسيم هؤلاء إلى أصول وفروع من الأصول ولَّا من الفروع؟
* طالب: من الأصول.
* الشيخ: الرسالة من الأصول؛ عقيدة، ومع هذا يقول عز وجل: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾، اسألوا هل أرسلنا رجالًا أو أرسلنا ملائكة إن كنتم لا تعلمون، والقاعدة أن كل من عجز أن يدرك الحق بنفسه وجب عليه التقليد، سواء بالنسبة للأمور العلمية أو العملية لا فرق.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء القوم المكذبين للرسل ليس عندهم حجة إلا مجرد ما كان عليه الآباء، وهذا ليس بحجة.
وعلى هذا فلا يجوز الاحتجاج بعمل الناس كما يفعله بعض القوم، فإذا نهيته عن شيء قال: كل الناس يفعلونه، هذا ليس بحجة، ولا يمكن أن تقابل الله بهذه الحجة؛ كل الناس يفعلون هذا، هذا لا يمكن أن ينفعك عند الله، قل: هذا دلَّ الكتاب على جوازه أو السنة على جوازه، قلنا: نعم، على العين والرأس، أما كل الناس يفعلونه فلا.
43:24Page 491
۞ قَٰلَ أَوَلَوۡ جِئۡتُكُم بِأَهۡدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمۡ عَلَيۡهِ ءَابَآءَكُمۡۖ قَالُوٓاْ إِنَّا بِمَآ أُرۡسِلۡتُم بِهِۦ كَٰفِرُونَ ٢٤
[Each warner] said, "Even if I brought you better guidance than that [religion] upon which you found your fathers?" They said, "Indeed we, in that with which you were sent, are disbelievers."
طالب: (﴿قَالَ﴾ أي: لهم، ﴿أَوَلَوْ﴾ تتبعون ذلك، ﴿جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ أنت ومن قبلك ﴿كَافِرُونَ﴾ ).
* الشيخ: ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ﴾ ﴿قَالَ﴾ أي: الرسول الذي يرسله الله عز وجل، ويقابل بأنهم وجدوا آباءهم على أمة، قال لهم: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾؛ يعني: أتردُّون قولي وتتَّبعون ما كان عليه آباؤكم ولو جئتكم بأهدى منه؟! والاستفهام هنا واضح أنه للإنكار والتوبيخ؛ يعني كيف تتَّبعون ما عليه آباؤكم وأنا قد جئتكم بأهدى؟!
يعني: أتردُّون قولي، وتتَّبِعون ما كان عليه آباؤكم ولو جئتكم بأهدى منه؟ والاستفهام هنا واضح أنه للإنكار والتوبيخ، يعني: كيف تتبعون ما عليه آباؤكم وأنا قد جئتكم بأهدى؟! ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾ [الزخرف ٢٤]، وهو شرع الله عز وجل، ومع هذا الرد واحد، ﴿قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [الزخرف ٢٤]، وهذا غاية ما يكون من العناد، يعني حتى ولو جئتنا بأهدى مما وجدنا عليه آباءنا فإنا كافرون، ولا نقول كما قلنا أولًا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف ٢٣]، بل نقول: ﴿كَافِرُونَ﴾ مطلقًا، وهذا أبلغ ما يكون في العناد -نسأل الله العافية- وهذا كقول الذين استكبروا من قوم صالح، ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [الأعراف ٧٦].
* في هذه الآية: بيان معالجة الرسل عليهم الصلاة والسلام للمكذِّبين أنهم يُدْلُون عليهم بالحجج الْمُقْنِعَة، ولكن الكافرين يعاندون.
* ومنها: جواز التفضيل بين شيئين قد لا يكون في الطرف الآخر شيء من المعنى؛ لقوله: ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾، (أهدى) اسم تفضيل، ومع ذلك فإننا نقول: ما وجدوا عليه آباءهم ليس به هدى، لكن التَّنَزُّل مع الخصم لا بأس به وإن لم يكن في الطرف الآخر شيء، انظر إلى قول الله تعالى: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل ٥٩]، هذه الأصنام، هل في الأصنام خير؟
* طلبة: لا.
* الشيخ: لا، لكن من أجل مجادلة الخصم نقول له: هل الله خير أم آلهتك؟ وإنا نعلم أن هذا ليس فيه خير، هنا قال: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾، مع العلم أن ما كان عليه آباؤهم ليس فيه هدى، بل هو ضلال، ولكن المخاطِب مَن يرى أنه هدى، فنخاطبه على قدر ما عنده من الفهم، ومن ذلك ما يستعمله شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من العلماء في مجادلة أهل الكلام، حيث يتمشى فيما يجادلهم به على حسب اصطلاحهم، وإن كان ينكر أصل ما هم عليه، لكن المجادلة مع الخصم لا بأس أن ينزل الإنسان على حسب فهم الخصم، حتى يكون ذلك أبلغ في الاحتجاج عليه.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن أولئك المعانِدِين الذين يتبعون ما وجدوا عليه آباءهم ليس عندهم نية أن يؤمنوا؛ لأنهم لما غُلِبُوا في الحجة ماذا قالوا؟ ﴿قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾، يعني: لن يؤمن، مهما أتيتم من الحجة فلن نؤمن، وهذا غاية ما يكون من الاستكبار عن الحق.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences