Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Az-Zukhruf 43:5–9
43:5Page 489
أَفَنَضۡرِبُ عَنكُمُ ٱلذِّكۡرَ صَفۡحًا أَن كُنتُمۡ قَوۡمٗا مُّسۡرِفِينَ ٥
Then should We turn the message away, disregarding you, because you are a transgressing people?
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ (٥) وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (٦) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٧) فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ (٨) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف ٥ - ٩].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ [الزخرف ٥] الهمزة هنا للاستفهام المراد به النفي، بدليل أن المفسِّر قدَّر بعد ذلك قوله: (لا)؛ يعني: لن نضرب عنكم الذكر صفحًا، المعنى أننا لا يمكن أن نترككم بدون إنذار لكونكم قومًا مسرفين، بل لا بد من الإنذار، كما تقول: ضربت عن هذا صفحًا؛ يعني: أعرضت عنه ولم ترفع به رأسًا. والمراد بهذا -كما قلت- النفي توبيخًا لهؤلاء القوم الذين أعرضوا عما جاء به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
والضمير في قوله: (نضرب) يعود إلى الله عز وجل، وأتى بالضمير الدالِّ على الجميع تعظيمًا لله تعالى وليس للتعدد؛ لأن الله عز وجل واحد لا شريك له.
والضمير في قوله: ﴿عَنْكُمُ﴾ يعود إلى كفار قريش الذين كذَّبوا محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وقوله: ﴿صَفْحًا﴾ مصدر معنوي لكلمة (نضرب)؛ لأن معناه: إعراضًا.
أظنكم الآن عرفتم المعنى الإجمالي، المعنى: أن أعرضوا عن تذكيركم وإنذاركم، هذا معنى الآية.
وهذا الذي سمعتم يفعله العرب في كلامهم، يقول: أعرضت عنك صفحًا؛ يعني: لم أبالِ بك، ولم أتلفت إليك.
﴿أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ (أن) و(ما) دخلت عليه في تأويل مصدر مفعول لأجله؛ أي: لأجل أن كنتم قومًا مسرفين، فهي تعليلية.
والإسراف: مجاوزة الحد.
* يستفاد من هذه الآية: أن الله تبارك وتعالى لم يترك عباده هملًا، بل بيَّن لهم الحق ودعاهم إليه، وخوَّفهم من مخالفته، فلم يبق لأحد عذر.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإنسان معذور بالجهل إذا لم تبلغه الرسالة.
وهذا له أدلة؛ منها قول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء ١٦٣] إلى قوله: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء ١٦٥]، ومنها قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء ١٥]، ومنها قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص ٥٩]، والأدلة على هذا كثيرة.
وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِمَا جِئْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ»[[أخرجه مسلم (١٥٣ / ٢٤٠) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، فقال: «لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ».
فإن قال قائل: وهل يُشتَرَط مع بلوغ الرسالة أن يفهمها المخاطب؟
فالجواب: نعم، يُشترَط هذا؛ لقول الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم ٤]، أي فائدة في رسول يأتي إلى قوم لا يعرفون لغته وهو لا يعرف لغتهم؟ أي فائدة تحصل؟ لا فائدة، والله عز وجل أرحم، وأحكم من أن يُعذِّب قومًا بدون أن يفهموا ما جاءت به الرسل.
يبقى النظر: إذا كان الإنسان مسلمًا، ولكنه يقوم بأعمال شركيَّة لا يظن أنها شرك، فهل يُحْكَم بشركه؟
فالجواب: لا، حتى تقوم عليه الحجة، فإذا قامت عليه الحجة فحينئذٍ نحكم بشركه.
وإذا قال قائل: رجل في الغابات بعيدٌ عن المدن، بعيد عن الحضارات، لكنه ينتمي إلى دين كفر، فهل هذا معذور؟
فالجواب: أما في أحكام الدنيا فليس بمعذور؛ يعني: أننا نعامله معاملة الكافر؛ لأنه لا ينتمي إلى دين الإسلام بخلاف الأول، نعامله في الدنيا معاملة الكافر، أما في الآخرة فأمرُه إلى الله عز وجل لا ندري ماذا يكون، وقد جاء في الحديث أن أهل الفترة يُرسِل الله إليهم رسلًا يوم القيامة يمتحنهم؛ من أطاع دخل الجنة، ومن عصى دخل النار[[أخرج أحمد (١٦٣٠١) وابن حبان -واللفظ له- (٧٣٥٧) عن الأسود بن سريع رضي الله عنه عن رسول الله ﷺ قال: «أربعة يحتجون يوم القيامة: رجل أصم، ورجل أحمق، ورجل هرم، ورجل مات في الفترة؛ فأما الأصم، فيقول: يا رب، لقد جاء الإسلام، وما أسمع شيئًا، وأما الأحمق، فيقول: رب، قد جاء الإسلام والصبيان يحذفونني بالبعر، وأما الهرم، فيقول: رب، لقد جاء الإسلام وما أعقل، وأما الذي مات في الفترة، فيقول: رب، ما أتاني لك رسول، فيأخذ مواثيقهم ليطيعنَّه، فيرسل إليهم رسولًا أن ادخلوا النار، قال: فو الذي نفسي بيده لو دخلوها كانت عليهم بردًا وسلامًا». وأخرجه إسحاق ابن راهويه في مسنده (٥١٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله ﷺ قال: «أربع كلهم يدلي على الله بحجة وعذر: رجل مات في الفترة، ورجل مات هرمًا، ورجل معتوه، ورجل أصمُّ أبكم، فيقول الله لهم: إني أرسل إليكم رسولًا فأطيعوه، فيأتيهم فيتأجج لهم نارًا فيقول: اقتحموها. مَن دخلها كانت عليه بردًا وسلامًا، ومن لم يقتحمْها حقَّت عليه كلمة العذاب».]].
فإن قال قائل: على قولك هذا يلزم أن تكون الآخرةُ دارَ تكليف، إذا قلت: إن الله يرسل رسولًا فينظر؛ لزم أن تكون الآخرة دار تكليف؟
فالجواب: نعم، نلتزم بهذا، وقد دلَّ القرآن على أن الآخرة دار تكليف، فقال عز وجل: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ [القلم ٤٢، ٤٣]، فهنا كُلِّفوا بالسجود، مع أن الآخرة ليست دار تكليف في الأصل، لكن قد يُكَلَّف الناس فيها.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أحكامَ الله عز وجل مُعَلَّلة بعللٍ مناسبة للحكم، وهذا من مقتضى حكمته؛ ألا تجد حكمًا إلا وله حكمة، ولكن هل يلزم من كونه له حكمة أن تكون معلومةً لنا؟
الجواب: لا؛ لأن أفهامنا وعقولنا أدنى من أن تحيط علمًا بحكمة الله عز وجل، لكننا نعلم أنه لا يحكم بشيء قدرًا أو شرعًا إلا وله حكمة، رأيتَ الله عز وجل حكم حكمًا في الكتاب أو السنة فلا تبغ به بديلًا؛ لقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب ٣٦]، ولمَّا سُئلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن الحائض تقتضي الصوم دون الصلاة، قالت: «كان يصيبُنا ذلك فنُؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢١)، ومسلم واللفظ له (٣٣٥/٦٩) من حديث عائشة رضي الله عنها.]].
43:6–7Page 489
وَكَمۡ أَرۡسَلۡنَا مِن نَّبِيّٖ فِي ٱلۡأَوَّلِينَ ٦
And how many a prophet We sent among the former peoples,
وَمَا يَأۡتِيهِم مِّن نَّبِيٍّ إِلَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٧
But there would not come to them a prophet except that they used to ridicule him.
ثم قال عز وجل: ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ﴾ [الزخرف ٦] (كمْ) هذه خبرية تدل على الكثرة، عامِلُها ما بعدها: ﴿أَرْسَلْنَا﴾، والإرسال هو الإيحاء إلى بشر بشريعة ويُؤْمَر بتبليغها.
وقوله: ﴿مِنْ نَبِيٍّ﴾ بيان لـ(كم)، والمراد هنا الرسول؛ لأنه قال: ﴿كَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ﴾، والنبي يُطلق على الرسول كثيرًا في القرآن الكريم؛ ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ [مريم ٤١] وأمثال ذلك، والمراد الرسول.
﴿فِي الْأَوَّلِينَ﴾ أي السابقين على هذه الأمة.
(﴿وَمَا﴾ كان ﴿يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ) (﴿وَمَا﴾ كان ﴿يَأْتِيهِمْ﴾ ﴾) قدَّر المؤلف (كان)؛ لأن الأمر قد مضى، ولو كان على نسقِ الكلام ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ﴾ لكان هذا في المستقبل؛ لذلك قدَّر المفسِّر (كان)، وهذا يدل على عُمق علم المفسِّر.
ولكن خيرًا من ذلك أن نقولَ: لا حاجةَ إلى التقدير؛ لأنه إذا دار الأمر بين أن يكون في الكلام مقدَّر أو غير المقدَّر، فالأصل عدم التقدير، فنقول: الآية باقية على ظاهرها، لكنها على حكاية الحال؛ يعني كأن الماضي حاضر الآن، وهذا أبلغ في تخويف قريش من المخالفة.
المؤلف قَدَّر (كان) لماذا؟ لأن القرآن يتحدَّث عن شيء مضى، فلا بد مِن أن نُقَدِّر فعلًا ماضيًا، ونحن نقول: لا حاجة إلى التقدير، وجاءت الآية في سياق الفعل المضارع الدال على الاستقبال؛ حكايةً للحال، كأن الأمر واقع الآن، فيكون هذا أبلغَ في إنذار قريش وتحذيرهم.
﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ﴾ (من) هذه زائدة إعرابًا، لكنها مفيدة معنى، زائدة إعرابًا بمعنى أنها لو نُزِعَت من السياق لتمَّ بدونها؛ لو كان لفظ الآية الكريمة: وما يأتيهم نبيٌّ، يستقيم الكلام ولَّا لا؟
* طالب: يستقيم.
* الشيخ: لكن جاءت (من) زيادة في الفائدة، فما هي الفائدة؟
الفائدة يقول علماء البلاغة وعلماء النحو: إن زيادة الكلمة -يعني الحرف- في الجملة تدلُّ على التوكيد، فعليه: كل كلمة زائدة في القرآن من حيث الإعراب فهي مفيدة لمعنى.
﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الزخرف ٧] شوف -والعياذ بالله- ما يأتيهم إلا استهزؤوا، ﴿إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ هذه حالهم لا يقبلونه ولا يسكتون بل يستهزئون. والاستهزاء السخرية؛ بمعنى أنهم يسخرون بهم ويحتقرونهم؛ ليحذِّروا الناس منهم.
فانظر إلى رحمة الله عز وجل كيف يرسل الرسل وهو يعلم أن هؤلاء المزعومين سيقابلونهم بالاستهزاء، ولكن إقامة للحجة.
* من فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى أرسلَ عددًا كثيرًا من الأنبياء في السابقين، وقد جاء في بعضِ الأحاديث أنهم مئة وأربعة وعشرون ألفًا[[أخرج أحمد (٢٢٢٨٨) بسنده عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، كم وَفَّى عدة الأنبياء؟ قال: «مئة ألف وأربعة وعشرون ألفًا، الرسل من ذلك ثلاث مئة وخمسة عشر جمًّا غفيرًا..» ]]، فالله أعلم؛ لأنَّ هذا يحتاج إلى دليل صحيح صريح، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر ٧٨]، ومعلوم أنَّ مَن لم يُقْصَصْ علينا فلن نستطيع أن نعرف عددهم.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى أقام الحجة على جميع الخلق، ويؤيِّد هذا قولُه: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤].
* ومن فوائد هذه الآية: تسلية النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لقوله: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾؛ فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا علم أنَّ الرسل من قبله يُسْتَهزأ بهم فإنه يتسلى، ولا شكَّ، وأنت تجد هذا من نفسك؛ إذا أصبت بمصيبة وأصيب غيرك بمثلها أو أشد ألست تتسلى بهذا وتهون عليك المصيبة؟
* طلبة: بلى.
* الشيخ: طيب صحيح، وفي هذا يقول الله عز وجل: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف ٣٩]؛ يعني أن اشتراكهم في العذاب لا يخفِّف العذاب عنكم ولا يحصل لكم به تسلٍّ؛ لأن كل واحد من أهل النار -أعاذنا الله وإياكم منها- لا يرى أن أحدًا منه أخف عذابًا، ولذلك يشتد حزنه -والعياذ بالله- إذا رأى أنه هو أشد الناس عذابًا وهو أهونهم.
* ومن فوائد هذه الآية: أن الاستهزاء بالرسل تكليف لهم وزيادة؛ لقوله: ﴿إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾.
واعلم أن الاستهزاء بالرسل كفر، والاستهزاء بالكتب كفر، والاستهزاء بالله كفر؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة ٦٥، ٦٦].
واختلف العلماء رحمهم الله فيمن استهزأ بالله أو آياته أو رسوله، أو سبَّ الله أو كتابه أو رسوله، هل تُقبل توبته أو لا تقبل؟ على قولين.
والصحيح: التفصيل في هذا؛ وهو أنه إن وُجِد ما يدل على استقامته وصحة توبته فإنها تُقبل، وإلَّا فلا.
وذلك أن لهذا المستهزئ أو الساخر أو الساب ثلاث حالات:
الحال الأولى: أن يستمرَّ في ذلك، فهذا لا توبةَ له، ويقتل ردةً.
الثانية: أن نعلم أنه تاب توبة نصوحًا؛ لأنه استقام وصلحت حاله، فهذا تقبل توبته بلا إشكال.
والثالثة: أن نتردد؛ هل هو صادق في توبته أو غير صادق؟ فهذا يُقْتَل، ويكون أمره إلى الله عز وجل، نقتله لظاهر حاله؛ لأننا لم نتيقنْ أن هذه الحال قد تغيَّرت إلى ما يمنع قتله فنقتله، أما في الآخرة فأمره إلى الله.
فإن قال قائل: الاستهزاء بالله وسبِّ الله عز وجل ذنبٌ عظيم لا يتحمَّل أن تقبل توبة فاعله؟
فالجواب: أن نقرأَ قول الله عز وجل في نفس الآية: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً﴾ [التوبة ٦٦]؛ يعني: إن عفونا عن طائفة بتوبتهم عذبنا الطائفة الأخرى التي لم تَتُبْ، واقرأ قول الله عز وجل: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر ٥٣].
43:8Page 489
فَأَهۡلَكۡنَآ أَشَدَّ مِنۡهُم بَطۡشٗا وَمَضَىٰ مَثَلُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٨
And We destroyed greater than them1 in [striking] power, and the example of the former peoples has preceded.
قال الله تعالى: ﴿فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا﴾ [الزخرف ٨]. ﴿أَهْلَكْنَا﴾ يعني: بالموت، ﴿أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا﴾ ﴿أَشَدَّ مِنْهُمْ﴾ أي: من كفار قريش، ﴿بَطْشًا﴾ أي: قوة.
(﴿وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: سبق في آيات ﴿مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾ ) ﴿أَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا﴾ يعني: قوةً كقوم هود وقوم صالح ومن أشبههم، أهلكهم اللهُ وهم أشد من هؤلاء الذين كذَّبوا محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلَّم أشد بطشًا وأكثر أموالًا وأولادًا، ومع ذلك ما أغنتهم شيئًا.
* وفي هذه الآية: بيان شِدَّة صبر الرسل عليهم الصلاة والسلام؛ حيث إنهم يُستهزأ بهم وهم صابرون حتى يأتي أمر الله، وإلَّا فمن الذي يطيق أن يدعو الناس وهم يستهزئون به، لولا أن يثبت الله عز وجل الإنسان بالقول الثابت، كما قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ [الإسراء ٧٤، ٧٥].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تحذير قريش لرد دعوة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لأن الله تعالى توعدهم بذكر إهلاك من سبق، وكل إنسان له قلب، إذا ذُكِر له حال الأمم السابقة وأنهم أهلكوا فلا بد أن يتعظ، ولا بد أن يخاف ويخشى.
* ومن فوائد هذه الآية: جوازُ التحويل على شيء سابق؛ لقوله: ﴿وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾؛ أي: حالهم وصفاتهم. والتحويل فيه فائدة؛ وهو أن يتذكَّر الإنسان ما مضى وأن يعود إليه.
وقد عاب قوم على الحافظ ابن حجر رحمه الله بكثرة حَوالاته في فتح الباري، والحقيقة أن لا عيب، ولا يَرِد على هذا أنه أحيانًا يُحيلُ ولا نجد ما أحال إليه، أحيانًا يقول: يأتي في باب كذا ولا تجده؛ لأنه قد يكون معذورًا بنسيان، أو ألحقه بنسخة لم تصل إلينا، أو ما أشبه ذلك.
المهم فائدة الإحالات تذكيرُ الإنسان ما سبق واهتمامُه بالكتاب ورواج الكتاب كله؛ لأنه إذا كان هناك إحالات فلازم هذا أن يكون عندك كل الكتاب؛ لأنه سيُحال عليه، فلا بد أن يكون عندك.
43:9Page 489
وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡعَلِيمُ ٩
And if you should ask them, "Who has created the heavens and the earth?" they would surely say, "They were created by the Exalted in Might, the Knowing,"
ثم قال عز وجل: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف ٩].
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ الخطاب للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، الجملة هذه فيها شرط وفيها قسم؛ فيها شرط وهي (إن)، وفيها قسم دلَّت عليه اللام؛ لأن اللام موطئة للقسم.
القسَم يحتاج إلى جواب، والشرط يحتاج إلى جواب، أليس كذلك؟ القسَم يحتاج إلى جواب؛ وهو ذكر المقسم عليه، والشرط يحتاج إلى جواب؛ وهو جواب الشرط. إذا اجتمعا، ماذا نقدم؟ يقول ابن مالك رحمه الله في الألفية:
وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ ∗∗∗ جَــــــوَابَ مَـــا أَخَّـــــرْتَ فَهْـــــوُمُـــلْتَـــــزَمْ
الآية الكريمة معنا، ما هو المؤخر؛ القسم أو الشرط؟
* طلبة: الشرط.
* الشيخ: الشرط، إذن احذف جواب الشرط، واكتفِ بجواب القسم عنه.
ولذلك نجد أن الآية قُرِن بالجواب اللام وهو ﴿لَيَقُولُنَّ﴾، ولو كان هذا جوابًا للشرط لم نحتجْ إلى اللام.
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ﴾ حُذِف منه نون الرفع؛ لتوالي النونات، وواو الضمير؛ لالتقاء الساكنين ﴿لَيَقُولُنَّ﴾، أصلها قبل الحذف: لَيَقُولُونَنَّ، كم عندنا من النون؟ ثلاثة، احذف الأولى؛ لأن حذفها معتاد؛ أي: حذف نون الرفع من المضارع كثير، ولأن نون التوكيد جاءت لغرضٍ، لو حذفناها لفات الغرض وهو التوكيد، إذن فنحذف نون الرفع؛ وهي النون الأولى لتوالي النونات.
ثم يأتي دور الضمير (لَيَقُولُونَنَّ)، الواو لماذا حذفناها؟ حذفناها لالتقاءِ الساكنين؛ الساكنان هما: الواو ساكنة، والنون المشددة الحرف الأول منها ساكن، فتُحذف الواو. هذا التعليل هو من النحويين لا شكَّ، وإلا فالرجل العربي حينما يتكلَّم بهذه الكلمات هل يخطُر على باله أنه حذف نون الرفع ثم حذف واو الضمير، وما أشبه ذلك؟ لا، لكن علماء النحو رحمهم الله يلتمسون التوجيهات لكلام العرب، فوجدوا هذا التوجيه.
لو قلت لهم: من خلق السماوات والأرض؟ ﴿لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف ٩]، شوف الجواب؛ جواب صحيح مئة بالمئة.
﴿خَلَقَهُنَّ﴾ أي: السماوات والأرض، ﴿الْعَزِيزُ﴾ ذو العزة، والعزة أبرزُ معانيها الغَلَبة، يقال: عَزَّ فلانٌ فغَلَب، ولها معنى آخر وهي القَدْر يعني: الشرف والرفعة، ولها معنى ثالث وهو الشدة والصلابة، ومنه قولهم: أرض عَزَاز؛ أي: شديدة صلبة.
إذا أردنا أن نطبق هذه المعاني على الوصف الذي اتصف الله به مِن العزة، فنقول: عزيز من العزِّ، وهو الغلبة، عزيز من عزة القَدْر، ومعلوم أن الله عز وجل أعظم قدرًا من كل شيء.
الثالث: عزة الشدة والصلابة والامتناع؛ وذلك أن الله تعالى ممتنع أن يتصف بأي سوء وأي عيب.
﴿الْعَلِيمُ﴾ أي: ذو العلم التام، وتأمل كيف جاؤوا بهذه العبارة ﴿الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ إشارةً إلى أنهم مُقِرُّون بأنهم أذلاء أمام الله عز وجل، وأن جميع ما في السماوات والأرض فإنه صادر عن علم ﴿الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾، هذا الإقرار يلزمه أن يُقرِّوا بأنه لا إله إلا الله، لكنهم لم يفعلوا.
* في هذه الآية الكريمة: دليل على أن المشركين يُقِرُّون بتوحيد الربوبية؛ لقولهم في الجواب: ﴿خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾، والأمر كذلك. وإقرارهم بتوحيد الربوبية يُلْزِمهم أن يقروا بتوحيد الألوهية، فيقال: إذا أقررتم بأنه لا خالق إلا الله، فأقروا بأنه لا معبود حقًّا إلا الله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن السماوات عدد؛ لقوله: ﴿السَّمَوَاتِ﴾، وقد جاء في القرآنِ الكريم وفي السنة النبوية أن عدد السماوات سبع، قال الله تبارك وتعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ﴾ [الطلاق ١٢].
أما الأرضُ فلم يأت في القرآن تصريح بأنها سبع، لكن ظاهر القرآن كذلك؛ مثل قوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢]، فإن المماثلةَ هنا لا يمكن أن تكون بالحجم ولا بالقوة؛ لأن السماوات أوسع وأعظم من الأرض وأقوى، فلم يبقَ إلا العدد.
وقد جاءت السُّنَّة صريحةً في ذلك فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا طُوِّقَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣١٩٨) مسلم واللفظ له (١٦١٠) من حديث سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل رضي الله عنه، ولفظه: «من اقتطع شبرًا من الأرض ظلمًا، طوِّقه الله إياه يوم القيامة من سبع أرضين».]].
السماوات طِباق؛ واحد فوق الآخر، وإذا كان واحد فوق الآخر لزم أن تكون السماء الثانية أوسع من الأولى، أليس كذلك؟ نعم؛ لأنها دائرة، الثالثة أوسع من الثانية، وهلُمَّ جرًّا؛ ولهذا قال عز وجل: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات ٤٧]، كلما ارتفعت في السماوات اتَّسعت السماوات، وهي طباق بلا شك كما في القرآن الكريم، وكما جاء ذلك صريحًا في حديث المعراج.
أمَّا الأرض فهي طباق أيضًا؛ بدليل أنَّ مَن اقتطع شبرًا من الأرض التي نحن عليها طوقه من سبع أرضين، ولولا أنَّ الأرض الثانية تحت، والثالثة تحتها وهكذا، لم يُطَوَّق الإنسانُ بسبعِ أرضين؛ لأنه ما غصب إلا ظاهر الأرض، فتكون الأرضون طباقًا.
أما كيف هذه الطباق؟ فإلى الآن لم نصلْ إلى علمٍ بها، وعلماءُ الجيولوجيا الذين يحفرون أعماق الأرض لا يطلعون على هذا، فهو مجهولٌ لنا، لكن الحديث: «طُوِّقَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» يدل على أن أيش؟
* طالب: على أنها طباق.
* الشيخ: على أنها طباق.
* ومن فوائد هذه الآية: إثبات هذين الاسمين لله عز وجل؛ وهما: ﴿الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾.
واعلم أخي، اعلم أن كل اسم من أسماء الله فهو متضمن لصفة؛ العزيز متضمن لصفة العزة، والعليم متضمن لصفة العلم، وليس كل صفة يُشتَقُّ منها اسم؛ ولهذا نقول: إن باب الصفات أوسع من باب الأسماء؛ لأنه يوجد صفات ليس لله منها أسماء، لكن لا يوجد اسم إلا ومنه صفة، والله أعلم.
* طالب: (...) تقبل توبته؟
* الشيخ: الصحيح أنها تُقبَل إذا أقام الدليل على أنه صادق، أما إذا كان يلعب بنا يقول: إنه تائب، ولكنه على ما هو عليه فلا نقبله.
* طالب: يقتل؟
* الشيخ: يقتل، نعم، بقتل ما لم نعلم أنه تاب.
* طالب: جزاكَ الله خيرًا يا شيخ، ذكرنا أن هذه الأعمال الشركية للمسلمين لا نحكم عليه بشركه حتى تقام الحجة عليه، كذلك الذين يفعلون البدع؟
* الشيخ: إي نعم، لكن المبتدِع أشد؛ لأن المبتدع والعياذ بالله يَضل به أناس كثيرون.
* طالب: الشرك؟
* الشيخ: لا يضر إلا صاحبه، اللَّهم إلا أن يكون هذا المشرك له طاعة في قومه، (...) سيد في قومه يتبعونه (...)، أما إذا كان عاميًّا فإنه لا يُؤَثِّر إلا على نفسه، ولهذا قال بعض العلماء: المبتدع لا توبة له؛ لأنه وإن تاب بنفسه لم يسْلَمْ من ضلال الذين اتبعوه.
* طالب: أحسن الله إليك، ما معنى قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف ٤٠]؟
* الشيخ: المعنى أن هذا تعليقٌ على مستحيل ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾، الجَمَل البهيمة المعروفة، وأما قول بعضهم: إنه حبل غليظ فهذا قول باطل؛ لأنَّ الله لم يقُل: حتى يُدْخَلَ الجمل، قال: حتى يَدْخُل الجمل، وهل الحبل له إرادة يدخل ويخرج؟ أجبني.
* الطالب: لا.
* الشيخ: ما الذي يدخل ويخرج؟
* طالب: الجمل؛ البعير.
* الشيخ: الجمل البهيمة، فالصواب أن المراد هو الجمل الحقيقي، والمعنى: أنه لا يمكن أن يدخل الجنة، كما أنه لا يمكن أن الجمل يدخل في سَمِّ الخياط؛ جب الإبرة، وهذا كقول الشاعر:
إِذَا شَابَ الْغُرَابُ أَتَيْتُ أَهْلِي ∗∗∗ وَصَــــارَ الْقَــارُ كَاللَّبَنِالْحَلِيبِ
هل يمكن هذا؟ الغراب ما يمكن يصير أبيض، والقار لا يمكن أن يكون كاللبن.
* طالب: أحسن الله إليكم، إذا كان رجل من المشركين آتاه رجل مسلم لكنه صوفي، فأتاه الإسلام على وجه الصوفية وآثار المبتدعة، فصار يعمل بهذا، ويعتقد أن هذا هو الإسلام، هل يؤاخذ عليه؟
* الشيخ: لا، هو (...) من الله عز وجل لا من غيره، لا يمكن أن يعذب أحدٌ على باطل إلا إذا كان يعلم أنه باطل، الله عز وجل أرحم وأحكم من أن يعذب شخصًا وهو لا يدري، لكن فيه أناس معاندون يُذْكَر لهم الحق يقول: لا، أنا أبغي أتبع شيخي، حتى لو كان الذي ذكر له الحق عالمًا معروفًا، يقول: لا، أبغي أتبع مشايخي، هذا ما يُعذَر، لكنه لو أن عاميًّا أعلمه؛ يا الله، هذا العمل هذا لا يجوز، هذا شرك، ومشايخه كلهم يقولون: هذا حسن، هل هو هذا معذور أو غير معذور؟
* طالب: غير معذور إذا عرف الحق.
* طالب آخر: معذور.
* الشيخ: ما عرف الحق، عنده مشايخ يرى أنهم مشايخ حقًّا، وجاء إنسان عامي في السوق قال: هذا شرك، يُعْذر أو لا يُعْذر؟
* طالب: يُعْذر.
* الشيخ: يُعْذر؛ لأنه ما يثق، لم يأته الحق على وجه يثق به، الآن نحن علماؤنا، لو جاءنا إنسانٌ على عكس ما يقول علماؤنا ونحن لا نعرف عنه ما اتبعناه، لكن قد يقال: كونه أُعْلِم بأنه على باطل وأن الحق خلافه يُلزِمه بأن يبحث ويسأل، فقد يؤاخَذ من هنا؛ أي: من التقصير في طلب الحق.
* طالب: شيخ -أحسن الله إليك- بعض الصوفيين يعطون الأذكار للمريدين على شريطة أنهم لو تركوا شيئًا كفروا؟
* الشيخ: هذه مشكلة، ودول عوام المسلمين؟
* الطالب: إي نعم، يقولون: إذا تركنا شيئًا كفرنا.
* الشيخ: لا، وأيضًا هؤلاء يغترُّون بظاهر حال الصوفي، ظاهر حال الصوفي أنه تقي؛ تجده دائمًا في خشوع، وربما تجده يبكي، ثم يأتي بالأذكار على وجه يهيِّج الإنسان، هذا بلاء، والعياذ بالله.
* طالب: شيخ -حفظكم الله- ما حكم المستهزئ بأهل الدين؟
* الشيخ: اللي يستهزئ بأهل الدين؛ إذا استهزئ بهم لدينهم فهو مستهزئ بالدين، وإن استهزَأ بهم لشكل فلا؛ ولذلك الآن لو وجدوا أحدًا رفع ثوبه إلى نصف الساق من العلماء المعتبرين المطاعين لا تجد أحدًا يستهزئ بهم، لكن لو جاء إنسان عامي عادي استهزؤوا به، فهنا نقول: الاستهزاء ليس استهزاءً بالدين، ولكنه استهزاء بهذا الرجل، فيجب التفريق بين هذا وهذا.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠) وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الزخرف ٩ - ١١].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ﴾ [الزخرف ٦]، ﴿كَمْ﴾ هذه؟
* طالب: تكثيريَّة.
* الشيخ: تكثيرية، وتُسَمَّى؟
* طالب: للعدد.
* طالب آخر: تُسَمى خبرية.
* الشيخ: تُسَمى خبرية. إذن ما معنى ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾؟
* طالب: ما أكثر ما أهلكنا.
* الشيخ: نعم، أي: كثيرًا أهلكنا من قبلك، وكثيرًا أرسلنا من الأنبياء.
هل كل أمة أُرْسِل إليها رسول؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: نعم، ما الدليل؟
* الطالب: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ﴾ [الرعد ٣٨].
* الشيخ: لا.
* طالب: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤]
* الشيخ: نعم ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾، والعقل يقتضي هذا؛ يعني نقلي، وعقلي.
طيب، ما حال الأمم السابقة بالنسبة للرسل؟
* طالب: يستهزئون.
* الشيخ: الاستهزاء بهم، الدليل؟
* طالب: قوله تعالى: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الحجر ١١].
* الشيخ: نعم، ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾.
طيب، ﴿أَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ﴾ الضمير يعود على مَن؟
* طالب: ﴿أَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ﴾ قريش.
* الشيخ: قريش، أحسنت. ومعنى ﴿بَطْشًا﴾؟
* طالب: قوة.
* الشيخ: قوة. مثال لذلك؟
* طالب: عادٌ.
* الشيخ: عادٌ، فإنهم كانوا من أشد الناس قوة حتى إنهم قالوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت ١٥]، فأهلكهم الله.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences