Ibn 'UthayminAl‑Ma'idah · 5:21–26

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Al-Ma'idah 5:21–26

5:21–26Page 111

يَٰقَوۡمِ ٱدۡخُلُواْ ٱلۡأَرۡضَ ٱلۡمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمۡ وَلَا تَرۡتَدُّواْ عَلَىٰٓ أَدۡبَارِكُمۡ فَتَنقَلِبُواْ خَٰسِرِينَ ٢١

O my people, enter the blessed land [i.e., Palestine] which Allāh has assigned to you and do not turn back [from fighting in Allāh's cause] and [thus] become losers."

قَالُواْ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّ فِيهَا قَوۡمٗا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدۡخُلَهَا حَتَّىٰ يَخۡرُجُواْ مِنۡهَا فَإِن يَخۡرُجُواْ مِنۡهَا فَإِنَّا دَٰخِلُونَ ٢٢

They said, "O Moses, indeed within it is a people of tyrannical strength, and indeed, we will never enter it until they leave it; but if they leave it, then we will enter."

قَالَ رَجُلَانِ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمَا ٱدۡخُلُواْ عَلَيۡهِمُ ٱلۡبَابَ فَإِذَا دَخَلۡتُمُوهُ فَإِنَّكُمۡ غَٰلِبُونَۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوٓاْ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٢٣

Said two men from those who feared [to disobey] upon whom Allāh had bestowed favor, "Enter upon them through the gate, for when you have entered it, you will be predominant.1 And upon Allāh rely, if you should be believers."

قَالُواْ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّا لَن نَّدۡخُلَهَآ أَبَدٗا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَٱذۡهَبۡ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَٰتِلَآ إِنَّا هَٰهُنَا قَٰعِدُونَ ٢٤

They said, "O Moses, indeed we will not enter it, ever, as long as they are within it; so go, you and your Lord, and fight. Indeed, we are remaining right here."

قَالَ رَبِّ إِنِّي لَآ أَمۡلِكُ إِلَّا نَفۡسِي وَأَخِيۖ فَٱفۡرُقۡ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡفَٰسِقِينَ ٢٥

[Moses] said, "My Lord, indeed I do not possess [i.e., control] except myself and my brother, so part us1 from the defiantly disobedient people."

قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيۡهِمۡۛ أَرۡبَعِينَ سَنَةٗۛ يَتِيهُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ فَلَا تَأۡسَ عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡفَٰسِقِينَ ٢٦

[Allāh] said, "Then indeed, it is forbidden to them for forty years [in which] they will wander throughout the land. So do not grieve over the defiantly disobedient people."

طالب: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (٢١) قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (٢٢) قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣) قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤) قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٥) قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة ٢٠-٢٦].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾.

قال الله تعالى: ﴿يَا قَوْمِ﴾ عن موسى عليه الصلاة والسلام.

﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾، والنداء هنا ﴿يَا قَوْمِ﴾ يتضمن شيئين: الشيء الأول أن فيه شيئًا من استبلاههم، وأنهم لن يتفطنوا، ولن يستمعوا إلى الخطاب إلا إذا ورد بالنداء وبلفظ القومية، والثاني أيضًا: أنه قال: ﴿يَا قَوْمِ﴾ استعطافًا لهم؛ لأنه فرق بين أن يكون المخاطب من قومك أو من غير قومك.

﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ كلمة ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ﴾ لم يقل: قاتلوا حتى تدخلوا، قال: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ﴾.

ثم قوله: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أيضًا فيها بشارة بأنهم سوف يَغلبون، ففي هاتين الجملتين بشارتان:

الأولى: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ﴾.

والثانية: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾، والكتابة هنا هي الكتابة القدرية؛ لأن الكتابة تتنوع إلى نوعين: كتابة شرعية، مثل قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة ١٨٣]، وكتابة قدرية، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء ١٠٥].

وقوله: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ قلت: إن الكتابة هنا كتابة قدرية لا شرعية، لو كانت شرعية لتعدّت بـ(على): كتب عليكم، ولا يستقيم المعنى.

﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾ أي: لا ترجعوا بعد أن كنتم مُقبلين على القتال على أدباركم؛ لأن النكوص على الدُّبر والرجوع هزيمة وذُل؛ ولهذا نُهي نهيًا شديدًا عن التولّي يوم الزحف.

﴿فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ لا ترتدوا فتنقلبوا، والانقلاب يشعر بخيبة الأمل؛ ولهذا قال: ﴿تَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ و﴿خَاسِرِينَ﴾ حال من الواو في قوله: ﴿تَنْقَلِبُوا﴾.

فماذا كان الجواب؟ كان الجواب -كما تسمعون الآن-: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾.

انظر للخطاب ﴿يَا مُوسَى﴾، ولم يقولوا: يا نبي الله، ولا يا رسول الله، قالوا: ﴿يَا مُوسَى﴾، وهذا لا شك أنه جفاء في المخاطبة، أن يخاطبوا نبيهم باسمه؛ ولهذا نهى الله هذه الأمة أن يخاطبوا الرسول ﷺ باسمه في قوله: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور ٦٣] على أحد التفسيرين في قوله: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾؛ لأن بعض العلماء يقول: المعنى لا تدعوه باسمه كما يدعو بعضكم بعضًا، وإن كان الآية تشمل هذا المعنى، وتشمل المعنى الثاني، وهو: أنه إذا دعاكم لا تجعلوا دعاءه كدعاء بعضكم بعضًا؛ إن شئتم أجبتم، وإن شئتم لم تجيبوا، بل يجب عليكم أن تجيبوا، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال ٢٤].

هنا قالوا: ﴿يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾، فذكروا عِلّة تدل على جُبنهم وخورهم وضعف عزيمتهم، بل عدم عزيمتهم.

﴿إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾ والجبار هو: العاتي، الكبير الجسم، الطويل، مأخوذ من قولهم في اللغة العربية: نخلةٌ جَبَّارة، والنخلة الجبارة هي النخلة القوية العالية، وإلى الآن هذا المعنى موجود يقال: فلان عنده بستان جبارٌ نخلُهُ؛ يعني: قويًّا عاليًا لا يتناول الإنسان ثمره بيده.

إذن ﴿جَبَّارِينَ﴾ عتاة الأخلاق، أقوياء الأجساد، هذا المعنى، يعني يدور على هذا المعنى: عتاة الأخلاق، والثاني: أقوياء الأجساد، لا نستطيع أن نقاتلهم.

﴿وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا﴾ سبحان الله! هذا قول صبيان!

﴿لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا﴾ من يقاتلون إذا لم يكن فيها أحد؟! لا شيء، وهذا مما يدل على سفاهة بني إسرائيل، لن يدخلوها حتى يخرجوا منها، وأيضًا أكدوا هذا المعنى بقولهم: ﴿فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾.

وتأمل قولهم: ﴿إِنْ يَخْرُجُوا﴾ لم يقولوا: فإذا خرجوا، كأنهم يستبعدون خروجهم؛ لأن (إنْ) الشرطية تتميز عن (إذا) بأن (إنْ) يكون فعل الشرط فيها حاصلًا وغير حاصل، بل قد يكون من الأشياء المستحيلة، لكن (إذا) تدل على وقوع الشرط، لكن الموقَّت حصول الشرط، انتبه، أنت إذا قلت: إن قامَ زيدٌ قمتُ، تجد الفرق بينها وبين قولك: إذا قامَ زيدٌ قمتُ، أليس كذلك؟ (إذا قام) يعني معناه: أنه سيقوم، لكن لا أقوم إلا إذا قام، فهو شرط للتوقيت؛ توقيت القيام، لكن (إن قامَ زيدٌ قمتُ) شرط لحصول القيام، وقد يحصل، وقد لا يحصل، وقد يكون من المستحيل أن يحصل، كما في قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف ٨١]، هذا في حق الله، في حق الرسول: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر ٦٥]، وكلا الأمرين ممتنعان غاية الامتناع، لا الأول، وهو: أن يكون للرحمن ولد، ولا الثاني، وهو: أن يشرك رسول الله ﷺ الداعي إلى الإخلاص والتوحيد.

إذن هم يقولون: ﴿فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ يعني: كأنهم مستبعِدين غاية الاستبعاد أن يخرجوا منها؛ ولذلك ابتُلوا بالتّيه -كما سيأتي إن شاء الله- وهو الضياع وعدم الاهتداء إلى هذا المكان.

وتأمل أيضًا قولهم: ﴿فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ يعني: يؤكدون دخولهم إذا خرج هؤلاء، وإذا خرج هؤلاء هل يحتاج إلى أن يؤكَّد الدخول؟ ما يحتاج، لكن -سبحان الله- إذا تأمل حال هذه الأمة الغضبية وجد أنهم في غاية السفاهة في العقول، كما أنهم في غاية الضلال في الدين.

ومن رأى مزيد بيان في هذا الأمر فليرجع إلى كتاب ابن القيم رحمه الله إغاثة اللهفان؛ فإنه تكلم عن خصائص الملل بما لا مزيد عليه.

﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾.

أولًا: نسأل عن تركيب هذه الآية الكريمة: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ ﴿رَجُلَانِ﴾ معروف أنها نكرة، أو معرفة؟

* طالب: نكرة.

* الشيخ: تأمل؟ ﴿قَالَ رَجُلَانِ﴾؟

* الطلبة: نكرة.

* الشيخ: بالإجماع؟ ما فيه مخالف؟ نعم، ﴿رَجُلَانِ﴾ نكرة.

﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ يجب أن تكون (مِن) صفة لـ﴿رَجُلَانِ﴾.

لا الأول؛ وهو أن يكون للرحمن ولد، ولا الثاني؛ وهو أن يشرك رسول الله ﷺ الداعي إلى الإخلاص والتوحيد، إذن هم يقولون: ﴿فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ [المائدة ٢٢]، يعني كأنهم مستبعِدين غاية الاستبعاد أن يخرجوا منها، ولذلك ابتُلُوا بالتِّيه -كما سيأتي إن شاء الله- وهو الضياع، وعدم الاهتداء إلى هذا المكان.

وتأمل أيضًا قولهم: ﴿فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ يعني يؤكدون دخولهم إذا خرج هؤلاء، وإذا خرج هؤلاء هل يحتاج إلى أن يؤكد الدخول؟ ما يحتاج، لكن سبحان الله إذا تأمل حال هذه الأمة الغضبية وجد أنهم في غاية السفاهة في العقول، كما أنهم في غاية الضلال في الدين، ومن رأى مزيد بيان في هذا الأمر فليرجع إلى كتاب ابن القيم رحمه الله إغاثة اللهفان، فإنه تكلم عن خصائص الملل بما لا مزيد عليه.

﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ [المائدة ٢٣]. أولًا: نسأل عن تركيب هذه الآية الكريمة: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾، ﴿رَجُلَانِ﴾ معروف أنها نكرة، أو معرفة؟

* طالب: نكرة.

* الشيخ: تأمّل ﴿قَالَ رَجُلَانِ﴾.

* الطلبة: نكرة.

* الشيخ: بالإجماع، ما فيه مخالف؟ نعم، (رجلان) نكرة.

﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ يجب أن تكون صفة لـ(رجلان)، يجب أن تكون صفة لـ(رجلان)؛ لأن النكرة ما يأتي بعدها من الجملة وشبهها يكون صفة لها.

و﴿يَخَافُونَ﴾ هذه صلة الموصول، ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ صلة الموصول.

﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ هل ﴿أَنْعَمَ﴾ هنا مفعول ﴿يَخَافُونَ﴾، ولَّا منصوبة بفعل محذوف، ولَّا إيه؟ أنا أسأل عن ﴿أَنْعَمَ﴾ ما أسأل عن إعرابها، أقول: هل هي مفعول ﴿يَخَافُونَ﴾ أو لا؟

* الطلبة: فعل.

* الشيخ: نعم، ﴿أَنْعَمَ﴾ هذه فعل ليست مفعولًا، مفعول ﴿يَخَافُونَ﴾ محذوف نقدّره إن شاء الله بعد. ﴿أَنْعَمَ﴾ هذه فعل، ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ ﴿أَنْعَمَ﴾ فعل، جملة فعلية، محلها من الإعراب صفة لـ(رجلان)، ويجوز أن تكون حالًا منها؛ لأنها نكرة خُصِّصت، والنكرة إذا خُصِّصت جاز وقوع الحال منها، عرفتم؟

لكن قد يقول قائل: أليس الأنسب في التركيب أن يقال: قال رجلان أنعم الله عليهما من الذين يخافون؟

الجواب: لا؛ لأن ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ إن قُدِّر أنها حال فالوصف التابع أولى بالموالاة، إن قُدِّر أنها حال فالوصف التابع لموصوفه إعرابًا أولى بالموالاة؛ لأن الحال تابعة لموصوفها معنًى مفارقة له إعرابًا بخلاف الصفة التي هي النعت، فنقول: هذه إن جعلناها حالًا فإنها تكون متأخرة عن الوصف المباشر.

ثانيًا: أن ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ شبه جملة، فهي في حكم المفرد، و﴿أَنْعَمَ﴾ جملة، والنعت بالمفرد أولى بالموالاة من النعت بالجملة؛ لأن إما النعت أن يكون مفردًا أو شبه جملة أو جملة، فلهذا كانت الفصاحة تقتضي تقديم ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾.

﴿قَالَ رَجُلَانِ﴾ إن الله سبحانه وتعالى لم يبيِّن من هذان الرجلان، وليس لنا في معرفة عينهما ضرورة، ليس لنا ضرورة، المهم ماذا قالا؟ أما أن نعرف من هما فلو كان هذا من الأمر الذي تنبني عليه العقيدة لكان الله تعالى بيّنه إما في القرآن أو على لسان الرسول ﷺ.

وقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ يخافون من؟ يخافون الله، ولهذا نقول: إن مفعول ﴿يَخَافُونَ﴾ محذوف، تقديره: الله.

وقوله: ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ بماذا أنعم؟ أنعم الله عليهما بأمور:

أولًا: خوف الله عز وجل، فإن خوف الله من أكبر النعم؛ لأن خوف الله يستلزم اجتناب محارم الله والقيام بطاعته.

ثانيًا: أنعم الله عليهما بالقوة، بقوة النفْس؛ لأنهما الآن يقابلان من؟ يقابلان أمة، قوم موسى كلهم قالوا له: ﴿لَنْ نَدْخُلَهَا﴾، هذان الرجلان قابلا الأمة كلها مما يدل على الشجاعة والعزيمة الصادقة، وهذه لا شك أنها نعمة إذا وفَّق الله العبد قوة وشجاعة وعدم مبالاة بالكثرة؛ لأن الكثرة ليست بشيء أمام الحق.

أنعم الله عليهما أيضًا بحصافة الرأي، حصافة الرأي؛ لأن كل من قرأ البشائر التي ذكر موسى عليه الصلاة والسلام لا شك أنه سوف يُقدم، ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ [المائدة ٢١]، والثاني: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة ٢١]، نعم، إذن أنعم الله عليهم من هذه الوجوه الثلاثة وقد يكون أكثر من هذا، يقول: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾.

أولًا: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾. ما معنى المقدسة؟

قال العلماء: معناها المطهّرة؛ المطهّرة من الشرك؛ لأن هذه الأرض كانت أرض الأنبياء، (...).

ثم ما هي هذه الأرض؟ ما المراد بها؟

قال العلماء: هي أرض الشام، أرض الشام التي تشمل ما يسمى في العصر الحاضر سوريا وفلسطين وجميع المنطقة الأردن وغيرها؛ أرض الشام كلها، هذه هي الأرض المقدسة؛ لأنها كانت أرض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

* طالب: قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ [يونس ٩٢] بعضهم يحمل هذه الآية على وجود بعض الأجسام الموتى لآل فرعون كالموجودة في مصر وغيرها، بل بعضهم يقول: إن بعضها فرعون، يعني يدّعون إن في بعضها فرعون، فهل هذا المعنى صحيح؟

* الشيخ: أنت تعلم أن المدة طويلة، وأن الناس يخلقون من لا شيء شيئًا، ألم تعلم أن رأس الحسين في النجف وفي سوريا وفي مصر؟! صار له ثلاثة رؤوس! تعالى الله! رجل في حياته ليس له إلا رأس، ولما مات صار له ثلاثة رؤوس، ما نصدق بهذه الأشياء. والظاهر لنا أن فرعون لما طفا على ظهر الماء ورآه بنو إسرائيل انتهى أمره، وأكلته الحيتان أو ما ندري عنه، أما أن نقول: إن الذي يوجد الآن في الأهرام هو فرعون فهذا لا نصدّق ولا نكذّب.

* الطالب: (...) ﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾؟

* الشيخ: نعم، لمن خلفه، من الذي خلفه؟

* الطالب: يقولون: كل الناس.

* الشيخ: أبدًا، إحنا ما يهمنا، نحن نصدق بكلام الله سواء رأينا الجسم أم لم نره، آيتنا نحن كلام الله عز وجل، لكن آية على أنك هلكت بني إسرائيل الذي كان مرهبها.

* طالب: قلنا: (...) هي أرض الشام، طبعًا بنو إسرائيل يحتجون بإقرارنا بأن هذه الأرض كان فيها بنو إسرائيل على أنها أرضهم أصلًا، فما الرد على هذه الشبهة؟

* الشيخ: نرد على هذه الشبهة بأنها نعم، هي مكتوبة لهم في زمنهم؛ لأنهم هم عباد الله الصالحون، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء ١٠٥]، أما بعد أن كفروا وصار الإيمان بأمة محمد فهي مكتوبة لمن؟ لأمة محمد، كلام الله يصدق بعضه بعضًا.

﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾، وهم بعد أن كفروا بمحمد ليسوا صالحين، نقول: إن موسى يخاطب قومًا في عهده آمنوا به وصدّقوا رسالته، ولذلك لما تخلف الصلاح، وأقولها بمرارة: لما تخلف الصلاح في هذه الأمة صار هذا التسليط تسليط اليهود على هذا الجزء من الأرض.

* طالب: وقع البعض في تحجيم قضية الصراع مع اليهود على أنها صراع على الأرض وليس صراعًا عقديًّا من هذا الباب؟

* الشيخ: نعم، هذا من فوات الصلاح؛ لأن الواجب علينا نحن أن نقاتل اليهود وغير اليهود ممن هم كفروا بالله لا على أساس الأرض، ولكن على أساس العقيدة، ولهذا صاروا هم أقوى، فيجب تعديل النية وإصلاح العمل قبل كل شيء، إذا عدلت النية وأصلح العمل حصل خير كثير.

* * *

* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٥١) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٢) وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٥٣) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٥٤) وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦) وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة ٥١-٥٧].

* الشيخ: قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾ يعني: اذكر، أو: اذكروا يا بني إسرائيل ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾.

قوله: ﴿إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ الأصل في الظلم أنه النقص، ومنه قوله تبارك وتعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف ٣٣] أي: لم تنقص منه شيئًا، وأطلق على العدوان والتقصير، العدوان في اقتحام المحارم والتقصير في الواجبات.

هنا يقول: ﴿ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾ أي: باتخاذكم العجل إلهًا، ولهذا نقول: إن ﴿الْعِجْلَ﴾ مفعول أول، والمفعول الثاني محذوف، التقدير: باتخاذكم العجل إلهًا، وسبق أن هذا العجل هو تمثال من الذهب الذي أخذوه من آل فرعون، ثم صنعوه تمثالًا على صورة العجل الذي له خوار. قال المفسرون: وهذا الخوار إنما هو بواسطة الريح، جعلوا دُبُره مفتوحًا وتتعرج الريح في هذا الجوف، ثم تخرج من الفم، فيكون له صوت كخوار الثور، قالوا بعضهم لبعض: إن موسى عليه الصلاة والسلام ذهب إلى إلهه يطلبه، وأنه تأخر يبحث عنه؛ لأنه كان ذهب على أنه سيغيب ثلاثين يومًا، لكنه زاده الله عز وجل عشرًا ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف ١٤٢]، وهذا حكمة من الله عز وجل وابتلاء وامتحان، قالوا: إن موسى ذهب يطلب إلهه، وهذا هو إلهه، يقولون: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾ [طه ٨٨]، قال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ [طه ٨٩]، هم اتخذوا العجل ظالمين بذلك أنفسهم؛ لأن النفس أمانة عندك يجب أن ترعاها حق رعايتها، ولهذا قال الله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾، فجعلَنا أمناء على أنفسنا، ونهانا أن نقتل النفس، وقال: ﴿لَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة ٣٦] فنهانا أن نظلم أنفسنا، مما يدل على أن أنفسنا أمانة عندنا، وأنه لا يجوز التفريط في هذه الأمانة، ولهذا قال لهم: ﴿إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾، وفي قراءة: ﴿إِلَى بَارِيكُمْ﴾ .

(توبوا) أي: ارجعوا ﴿إِلَى بَارِئِكُمْ﴾، فتابوا، لكن كيف توبتهم؟

قال: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ اقتلوا أنفسكم هذه طريق توبتهم، قالوا: إن الله ألقى عليهم ظلمة وحُشِروا في مكان وأُعطي كل واحد منهم خنجرًا، وقيل له: اقتل من أمامك، فقتلوا أنفسهم، وليس المعنى أنه دعاهم إلى الانتحار؛ أن كل واحد يقتل نفسه، لا، كل واحد يقتل أخاه، وتعلمون أن القبيلة الواحدة تعتبر نفسًا واحدة. ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾، ففعلوا.

قال موسى عليه الصلاة والسلام: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾، ﴿ذَلِكُمْ﴾ المشار إليه التوبة بهذه الطريقة، ﴿خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾ أي: عند خالقكم وهو الله عز وجل.

﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ يعني: لما تبتم تاب عليكم، مع أن ذنبهم عظيم، لكن الله تعالى يتوب على من تاب، ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ أي: رفع عنكم الإثم والعقوبة.

﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ الجملة هنا تعليل للحكم السابق لها، وهو قوله: ﴿تَابَ عَلَيْكُمْ﴾، والتواب جمع (تائب)، وتوبة الله تعالى على العبد تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: توفيقه للتوبة، والقسم الثاني: قبوله للتوبة؛ أما الأول؛ وهو توفيقه للتوبة فهو قوله تبارك وتعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة ١١٨]، أي: وفّقهم للتوبة ليتوبوا، وأما الثاني؛ وهو قبول التوبة ففي قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [الشورى ٢٥]، فتوبة الله سبحانه وتعالى نوعان كما سمعتم.

﴿الرَّحِيمُ﴾ أي: ذو الرحمة، ورحمة الله تبارك وتعالى واسعة تشمل المؤمن والكافر، وهذه الرحمة العامة، أما الخاصة فهي للمؤمنين، كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب ٤٣]، وقد جاءت (الرحيم) بهذه الصيغة وبصيغة (الرحمن) الدالّ على السعة والعظمة، وبصورة الفعل كما قال تعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [العنكبوت ٢١].

* في هذه الآية فوائد؛ منها: بيان نصيحة موسى عليه الصلاة والسلام لقومه، حيث بيّن لهم الذنب وحثّهم على أن يتوبوا منه، فقال: ﴿إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾، وقال: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾.

* ومنها: أن معصية الإنسان ظلم لنفسه، وعلى هذا فيكون في ذلك إبطال لقول المعتزلة القدرية؛ لأنهم إذا قالوا: إن الإنسان مستقلّ بعمله نقول: إذن الإنسان يكون ظالِمًا لنفسه حيث يعمل المعاصي.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يجب على الإنسان أن يعامل نفسه بالعدل كما يعامل غيره بالعدل؛ لقوله: ﴿ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾، فكما أننا منهيُّون عن ظلم الناس فنحن منهيّون عن ظلم أنفسنا.

وهل يمكن أن نستدل بها على أنه لا يجوز للإنسان أن يتبرع بشيء من أعضائه لغيره؟ نعم، يمكن؛ لأنه إذا تبرع بشيء من أعضائه فهو ظالم لنفسه، إن كان بعد موته فهذا انتهاك لحرمته بعد الموت، وقد قال النبي ﷺ: «كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِهِ حَيًّا»[[أخرجه أبو داود (٣٢٠٧)، وابن ماجه (١٦١٦) من حديث عائشة.]]، وإن كان في حياته فهو ظلم لنفسه بفقد هذا العضو الذي تبرع به، ولنقل: إنها إحدى الكليتين، في هذا ظلم لنفسه بلا شك؛ لأن الله لم يخلقهما عبثًا، بل هما متعاونتان على تصفية الغذاء الذي يتخلل العروق والبدن، فإذا فُقِدت إحداهما صار العمل على واحدة منهما، وما أقرب أن تكل وتملّ وتعطب، لا يقال: إنها تقوم مقام ثنتين كما أن العين تقوم مقام العينين؛ لأن هناك فرقًا بين عملية الكلى وعملية العينين، ولهذا قال العلماء رحمهم الله: لو أن شخصًا جنى على عين الأعور فتلفت فعليه دية كاملة؛ لأنه أذهب بذهابها البصر، بخلاف الكلية.

* فيمكن أن نأخذ من هذه الآية الكريمة: أنه يحرم على الإنسان أن يتبرع بشيء من أعضائه؛ لأنه سوف يبقى العضو الباقي في تعب شديد، ثم نقول: هب أنه قام بالوظيفة، لكن لو طرأ عليه المرض معناه ليس هناك ما يقوم مقامه فيهلك، وأما مسألة أن هذا من باب المساعدة والعطف وما أشبه ذلك، يعني العطف على المريض، فيقال: لكن نفسك أبدى، ابدأ بنفسك، ثم بمن تعول، وهنا لا مجال لغيرك.

* من فوائد الآية الكريمة: وجوب التوبة؛ لقوله: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾، والتوبة هي رجوع الإنسان من معصية الله إلى طاعة الله، ولها شروط:

الشرط الأول: الإخلاص لله عز وجل.

والثاني: الندم على ما وقع من الذنب.

والثالث: الإقلاع عنه في الحال.

والرابع: العزم على أن لا يعود.

والخامس: أن تكون التوبة في وقت قبول التوبة.

هذه شروط خمسة:

أولًا: الإخلاص، ودليله قول الله تبارك وتعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر ٢]، والتوبة من العبادة، وقوله في الحديث القدسي: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة.]].

الشرط الثاني: الندم على ما حصل، وأن يتمنى بكل قلبه أنه لم يقع؛ لأنه إذا لم يندم لم يمكن أن تتحقق التوبة؛ يعني إذا كان عنده سواء أن فعل أم لم يفعل فأين التوبة؟ فلا بد من الندم، قد يقول قائل: الندم انفعال نفسي، كيف يصطنع الإنسان الانفعال؟ نقول: يصطنع بأن يحزن ويتمنى أنه لم يفعل.

والثالث: الإقلاع عن الذنب في الحال؛ لأنه كيف يتوب الإنسان؟ يعني هذا دليل عقلي، كيف يتوب الإنسان من شيء هو متلبّس به؟ هذا امتناعه عقلًا، امتناعه شرعًا قال الله تعالى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران ١٣٥]، ومن ذلك أنه إذا كانت المظلِمة في حق آدمي فلا بد من التخلص من هذا الحق، إما بإيصاله إليه وإما بالتحلل منه، فمثلًا إذا سرق الإنسان مالًا من شخص وتاب إلى الله، فماذا يصنع؟ لا تتم توبته حتى يرد المسروق إلى مالكه، لا بد، وإلا فهو كاذب، فإن لم يجد مالكه وأَيِس من وجوده أو وجود ورثته فليتصدق به عنه، والله تعالى يعلم ذلك.

الشرط الرابع: العزم على ألا يعود، يعني يعزم بنفسه أنه لن يعود أبدًا إلى هذا الذنب؛ لأنه إذا تاب وهو يحدِّث نفسه أنه قد يعود إليه فليس بتائب، والشرط هنا العزم على أن لا يعود، أو الشرط أن لا يعود؟ العزم على أن لا يعود، وبناءً على ذلك نقول: لو عاد بعد أن عزم أن لا يعود فهل تنتقض التوبة؟ لا، التوبة الأولى لا تنتقض، لكن عليه أن يجدّد توبة للذنب الجديد.

الخامس: أن تكون في وقت تُقبل فيه التوبة، فإن كانت التوبة في وقت لا تقبل فيه التوبة لم تنفعه، وهذا وقتان: وقت خاص ووقت عام؛ الوقت الخاص هو حضور الأجل، فإذا حضر أجل الإنسان لم تنفعه التوبة؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء ١٨]، هؤلاء ليس لهم توبة، وقد بيّن الله تعالى وقوع ذلك تطبيقًا في قصة فرعون: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس ٩٠] فقيل له: ﴿آلْآنَ﴾ [يونس ٩١]، يعني: آلآن تتوب؟ ﴿وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس ٩١]، أما الوقت العام فهو خروج الشمس من مغربها؛ لأن الشمس تسير كما تعلمون من مشرقها إلى مغربها، إذا أذن الله تعالى بفناء العالم عادت الشمس من مغربها، فإذا رآها الناس آمنوا أجمعون، ولكن حينئذٍ ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام ١٥٨]، وإذا كانت هذه هي الشروط دلّ ذلك على وجوب المبادرة بالتوبة؛ لأن الإنسان لا يدري متى يفجؤه الموت، فبادر بالتوبة إلى الله في حق الله، وبادر بالتوبة في حق العباد بأداء الحقوق إلى أهلها، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٢٨٧)، ومسلم (١٥٦٤ / ٣٣) من حديث أبي هريرة.]].

* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن التوبة مقبولة حتى من الشرك؛ لقوله: ﴿تُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾، وهو كذلك، يقبل الله التوبة حتى من الشرك.

* ومن فوائدها: أن الإنسان قد يكون بعد التوبة خيرًا منه قبلها؛ لقوله: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات مقتضيات الأسماء؛ أسماء الله عز وجل، وهو الذي يسمى في اصطلاح العلماء: (الحكم أو الأثر المترتب على الاسم)، من قوله: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾.

إذن فتوبته عليهم من مقتضى اسمه التواب، ومن المعلوم أن أسماء الله الحسنى لا يتم الإيمان بها إلا بثلاثة شروط فيما يتعدى، وشرطين فيما لا يتعدى؛ فالحي من أسماء الله لا يتم الإيمان به إلا إذا آمنت بأن الله هو الحي، وآمنت بأن له حياة، وأما إذا كان الاسم متعديًا فلا بد من إثبات الاسم، وإثبات الصفة، وإثبات ما يتعدى إليه هذا الاسم، وهو الأثر أو الحكم. (الرحيم) متعدي ولّا لازم؟ متعدي، لأنك تقول: رحم الله فلانًا، فلا بد أن تؤمن بالرحيم اسمًا من أسماء الله، وبما دل عليه من الرحمة. والثالث: وأنه تعالى يرحم بهذه الرحمة من يشاء، وهذه القواعد معروفة عند أهل العلم خلافًا لأهل البدع الذين قالوا: إن أسماء الله يجوز أن تتخلف عنها الصفات، فيقولون: إنه سميع بلا سمع، وعليم بلا علم، هل هذا معقول؟! جميع لغات العالم لا يمكن إلا أن يكون المشتق دالًّا على أصل اشتقاقه، لا بد، لا يمكن أن تصف الأعمى بالبصير، ولا الأصم بالسميع، ولا الأخرس بالمتكلم، هذا ممتنع في جميع لغات العالم.

* * *

* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (٢٢) قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣) قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤) قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٥) قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٦)﴾ [المائدة ٢٢ - ٢٦].

* الشيخ: قال الله تبارك وتعالى: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ إلى آخره، في هذه الآية الكريمة أن الله تعالى قد يُنعم على بعض القوم، ويفتح عليه بما لم يفتح على أحد غيره.

﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾، أبهم الله تعالى الرجلين، وذلك لأن تعيين الرجلين باسمهما لا يتوقف عليه فَهم القضية وفهم الواقع، ولذلك تأتي آيات كثيرة وأحاديث كثيرة ليس فيها تعيين الإنسان بعينه؛ لأن المقصود هو فهم القضية.

وقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ ذكرنا أن مفعول ﴿يَخَافُونَ﴾ محذوف، والتقدير: يخافون الله، وذكرنا أن ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ صفة لـ(رجلان)، وتصح أن تكون حالًا، فإن كانت حالًا قلنا: لا إشكال؛ لأن الحال وإن كانت وصفًا لصاحبها إلا أنها تخالفه في الإعراب، بخلاف النعت فإنه وصف وتابع في الإعراب، ولهذا قُدِّم ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ على قوله: ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾، وإن جُعِلت نعتًا آخر فقد أُخِّرت عن قوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾؛ لأن النعت بشبه الجملة ألصق بالمنعوت من الجملة؛ لأن لدينا ثلاثة أشياء: إما أن يُنعت الموصوف بما يطابقه في الإفراد، وإما أن يُنعت بشبه الجملة، وإما أن ينعت بالجملة، وأيها أقرب شبه الجملة أو الجملة؟ شبه الجملة.

وقوله: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ أي: سيروا إليهم ولا تُشعروهم بأنكم سائرون، ائتوهم بغتة.

﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ بدون أن يكون هناك سابق علم؛ لأنه ما من قوم قُوتِلوا في ديارهم إلا ذلّوا، ولهذا سأل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ربه حين أراد أن يجاهد أهل مكة وفتح مكة، سأل الله تعالى أن يُعَمِّي الأخبار عنهم حتى يبغتها في دارهم[[أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٩ / ٢٣٣) من حديث المسور بن مخرمة. ]]، أفهمتم؟ ولهذا قالوا: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ أي: لا تنذروهم ولا تخبروهم أنكم قادمون عليهم.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском