Ibn 'UthayminAl‑Ma'idah · 5:33–35

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Al-Ma'idah 5:33–35

5:33–34Page 113

إِنَّمَا جَزَٰٓؤُاْ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَسۡعَوۡنَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوٓاْ أَوۡ يُصَلَّبُوٓاْ أَوۡ تُقَطَّعَ أَيۡدِيهِمۡ وَأَرۡجُلُهُم مِّنۡ خِلَٰفٍ أَوۡ يُنفَوۡاْ مِنَ ٱلۡأَرۡضِۚ ذَٰلِكَ لَهُمۡ خِزۡيٞ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ٣٣

Indeed, the penalty1 for those who wage war2 against Allāh and His Messenger and strive upon earth [to cause] corruption is none but that they be killed or crucified or that their hands and feet be cut off from opposite sides or that they be exiled from the land. That is for them a disgrace in this world; and for them in the Hereafter is a great punishment,

إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبۡلِ أَن تَقۡدِرُواْ عَلَيۡهِمۡۖ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٣٤

Except for those who return [repenting] before you overcome [i.e., apprehend] them. And know that Allāh is Forgiving and Merciful.

ثم قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا﴾: (إنما) أداة حصر، والحصر يفيد إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما سواه، فإذا قلت: لا قائم إلا زيد، أثبت القيام لزيد ونفيته عما سواه، إذا قلت: إنما القائم زيد، أثبت القيام لزيد ونفيته عما سواه.

واعلم أن (إنما) يليها المحصور، يعني لا يليها إلا المحصور، كلما جاءت فإن الذي يليها هو الحّصور، إذا قلت: إنما القائم زيد، حصرت القيام في زيد، إنما زيد شجاع، حصرت زيدًا في الشجاعة لأنها أبرز أخلاقه.

﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: ﴿يُحَارِبُونَ﴾ فعل يدل على المشاركة؛ لأن (فاعَل) تدل دائمًا على المشاركة، وقد لا تدل عليه، قول القائل: سافر زيد، هذه ما فيها مسافرة، يعني: سفر من جانبين، لكن (قاتل) و(شاتم) و(ضارب) وما أشبهها كلها تدل على المشاركة، فالغالب في هذا الفعل أنه دال على المشاركة، فمعنى ﴿يُحَارِبُونَ اللَّهَ﴾ أي يتصدون لحرب الله عز وجل، وبماذا؟ هل المعنى أنهم يحملون السلاح على الله؟ كلا، المعنى أنهم يضادون الله في أمره، فيفعلون ما نهى عنه، ويتركون ما أمر به على وجه الاستكبار والعناد، وهذه محاربة، يحاربون الله ويحاربون الرسول، يحاربون الرسول قد نقول: إنه يمكن أن تشمل الحرب بالسلاح والحرب بالرفض لما دعا إليه، لكن بالنسبة لله عز وجل لا تشمل الحرب بالسلاح؛ لأن هذا غير واقع ولا يمكن أن يقع.

﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ أي يفسدون في الأرض على وجه الإسراع؛ لقوله: ﴿وَيَسْعَوْنَ﴾، والسعي بمعنى الإسراع، أي أنهم يسرعون إلى الفساد في الأرض، وذلك بزعزعة الأمن والتسلط على الناس وأخذ الأموال وقتل النفوس، ولهذا قال العلماء: إن هذه الآية نزلت في المحاربين الذين هم قطاع الطريق. قطاع الطريق قوم يعرضون للناس في الصحراء على الطرقات، فإذا مر بهم أحد قتلوه وأخذوا ماله أو أخذوا ماله وتركوه أو أخافوه وروعوه، المهم أن جناياتهم تختلف، لكنهم يعرضون للناس ويغصبونهم المال وربما يقتلونهم، وهذا يوجد كثيرًا في البلاد التي تزعزع أمنها.

ومن ذلك أيضًا، من الإفساد في الأرض: السطو على البيوت الآمنة وقتل أهلها أو السرقة منها، أو ما أشبه ذلك مما يكون فيه تحزبات واجتماعات وفرق تؤذي الناس، بخلاف السارق الواحد، هذا له حكم خاص، لكن هؤلاء الذين يتحزبون ويكونون فئات وجماعات مروعة تسطو على الناس في البنيان أو في الصحراء.

﴿أَنْ يُقَتَّلُوا﴾ هذه ﴿أَنْ﴾ وما دخلت عليها خبر أيش؟ خبر ﴿جَزَاءُ﴾، أي جزاءهم التقتيل، وهنا قال: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا﴾ بالتشديد، ولم يقل: أن يقتَلوا، كأنه -والله أعلم- إشارة إلى شناعة قتلهم وإلى تعددهم أيضًا؛ لأنه إذا تعدد المحل أو تعدد الفعل صح أن تأتي الصيغة بما يدل على الكثرة، وهنا إذا قلنا: المراد ﴿يُقَتَّلُوا﴾ إذا كانوا جماعة كثيرة صار هذا لتعدد أيش؟ المحل، يعني: يقتل زيد وعمرو وبكر وخالد، إلى آخره، وإذا قلنا: لشناعة القتل معناه أننا نقتله قتلًا ذريعًا ينزجر به غيره، هذه واحدة.

﴿أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ يعني يصلبون، وهل المراد الصلب بعد القتل فيكون جمعًا بين الأمرين؟ أو هو صلب فقط دون قتل؟ ظاهر الآية الكريمة الثاني؛ أن يصلب حتى يفتضح بجنايته ثم بعد ذلك ينظر ولي الأمر فيه بما يراه مناسبًا، لكن المعروف أن الصلب يكون بعد القتل.

﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ تقطع الأيدي والأرجل من خلاف، فسرها العلماء بأن تقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى، يكون القطع في اليد من مفصل الكف من الذراع ويكون القطع في الرجل من مفصل القدم من العقب؛ لأن الرجل لها قدم ولها عقب، العقب الذي يسمى العرقوب، العرقوب لا يقطع إنما يقطع من مفصل القدم من العرقوب.

﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ هذا الرابع، ﴿يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ أي يطردوا منها ويبعدوا عنها. وأل في ﴿الْأَرْضِ﴾ للعهد، أي الأرض التي سعوا فيها فسادًا حتى يكون ذلك أبعد لهم عن مواطن الفساد وأنكأ لهم.

قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ أي ما ذكر من هذه العقوبة الصارمة ﴿لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا﴾ يعني: ذل وعار ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾. ﴿لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ فيُجْمَع لهم بين عقوبة الدنيا وعقوبة الآخرة، وذلك لعظم جرمهم وشناعته وبشاعته وعدوانهم على عباد الله.

ثم قال عز وجل: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾: ﴿إِلَّا الَّذِينَ﴾ مستثنى مما سبق، وقوله: ﴿تَابُوا﴾ أي رجعوا إلى الله وكفوا عن سعيهم في الأرض فسادًا وعن محاربة الله ورسوله، وهنا لا بد من أن يمضي مدة نعرف بها صحة توبتهم؛ بأن يضعوا السلاح ويكفوا عن الإيذاء، وأن تظهر عليهم علامة التوبة والصدق.

وقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ يعني تابوا من ذات أنفسهم فوضعوا السلاح وكفوا عن قطع الطريق.

قال الله تعالى: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي فاغفروا لهم وارحموهم؛ لأن الله سبحانه وتعالى بمغفرته ورحمته يرفع عنهم العقوبة.

* في هذه الآية الكريمة: بيان عقوبة المحاربين لله ورسوله الساعين في الأرض فسادًا، وقلنا: إن المفسرين قالوا: إنه يراد بذلك من؟ قُطَّاع الطريق الذين يعرضون للناس بالسلاح في الصحراء أو في البنيان.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: شدة محاربة الله ورسوله، وأن الإنسان إذا حارب الله ورسوله فإنه يُخشى عليه، وذلك لعظم العقوبة؛ فإن عظم العقوبة يدل على عظم الجريمة. ومن المحاربين لله ورسوله أَكَلة الربا، كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة ٢٧٨- ٢٧٩].

* ومن فوائد الآية الكريمة: عظم محاربة الرسول عليه الصلاة والسلام، سواء كان بالسلاح الحسي أو بالسلاح المعنوي، وهو رد دعوته والاستكبار عنه.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى يريد من عباده أن تطهر الأرض من الفساد، ولذلك عاقب الذين يسعون في الأرض فسادًا بهذه العقوبة العظيمة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف ٥٦] قال أهل العلم: الفساد في الأرض بعد إصلاحها يعني المعاصي؛ لقوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم ٤١]، ولكن كما قلنا في الآية التي قبلها: من الفساد في الأرض ما لا يؤدي إلى هذه العقوبة على حسب النصوص.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن عقوبة هؤلاء متنوعة: قتل، صلب، تقطيع الأيدي والأرجل من خلاف، الرابع نفي من الأرض. و(أو) في هذه الآية هل هي للتنويع أو للتخيير؟ في هذا قولان للعلماء؛ منهم من قال: إنها للتخيير وإن للإمام أن يقتل ويصلب، وله أن يعدل إلى تقطيع الأيدي والأرجل من خلاف، وله أن يعدل إلى النفي في الأرض، لكن يجب عليه أن ينظر ما هو أيش؟ ما هو الأصلح؛ لأن كل من خير لمصلحة غيره وجب عليه اتباع الأصلح، وكل من خير لمصلحة نفسه والتيسير عليه فله أن يختار الأيسر، انتبهوا! فعندنا الآن تخيير مصلحة وتخيير تيسير، من خير لمصلحة الغير فهذا أيش؟ تخيير مصلحة، فولي اليتيم مثلًا إذا قيل له: لك أن تبيع ملكه أو تشتري له ملكًا أو ما أشبه ذلك، فهذا التخيير يعتبر تخيير مصلحة لا تشهٍّ وتيسير.

وقوله تعالى في اليمين: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة ٨٩] هذا تخيير تيسير وتشهٍّ.

فمن العلماء من قال: إن (أو) هنا للتخيير، وإن الإمام مخير بين هذه العقوبات الأربع، ولكن يجب عليه أن يفعل الأصلح، فإذا كان الأصلح أن يقتلوا أو يصلبوا لأن ذلك أعظم هيبة في قلوب المجرمين؛ وجب عليه أن يقتل ويصلب، وإذا كان المجرمون يرتدعون بدون ذلك فإنه لا يعدل إلى الأعلى في العقوبة؛ لأن هذا كدفع الصائل.

ومنهم من قال: إن (أو) للتنويع وليست للتخيير، وإن هذه العقوبات تختلف بحسب الجرائم، ووزعوها كما يلي: قالوا: من قتل وأخذ المال فإنه يقتل ويصلب، إذا جمع بين الأمرين: قتل الناس وأخذ أموالهم فإنه يقتل ويصلب؛ لأنه فعل جريمتين، فضوعفت عليه العقوبة، ومن قتل ولم يأخذ مالًا فإنه يقتل ولا يصلب، ومن أخذ مالًا ولم يقتل انتقل به إلى العقوبة الثانية، هي الثالثة حسب سياق الآية لكنها الثانية حسب ترتيب العلماء، وهي أن تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، حتى وإن سرقوا -عند بعض العلماء- وإن سرقوا ما لا يبلغ النصاب، أي نصاب السرقة، مثل أن يكون مع الرجل أقل من نصاب السرقة وخرج عليه هؤلاء القطاع ومعهم السلاح وقالوا: أعطنا ما معك، فأخذوه منه قهرًا وهو لا يبلغ ربع دينار، فإنه تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف.

وقال بعض العلماء: إنها لا تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف إلا إذا أخذوا ما يقطع بمثله السارق، وهو ربع دينار.

بقي علينا النفي من الأرض، النفي من الأرض أن الإمام ينفيه من بقعته التي هو فيها إلى أرض أخرى؛ لأنه إذا تغير عليه المكان والجو ربما يستقيم ويتوب، وقيل: معنى النفي: النفي من الأرض أن يحبس حتى لا يتجول في الأرض التي كان يتجول فيها؛ لأنه إذا حبس في بيت أو في حجرة صدق عليه أنه نفي أيش؟ من الأرض التي كان بالأمس يسير فيها في الهواء الطلق لا يخاف أحدًا.

والصحيح أن المراد بالنفي من الأرض طرده من الأرض، إلا إذا كنا نخشى إن طردناه من أرضه أن يرتكب الجريمة في الأرض الأخرى، فحينئذ ليس له إلا أيش؟ إلا الحبس، ولكن هذا قال العلماء الذين يجعلون (أو) للتنويع، قالوا: هذا فيمن أخاف الطريق ولم يأخذ المال ولم يقتل النفس؛ لأننا إذا نفيناه كفينا الناس شره، وإذا حبسناه على القول الثاني كفينا الناس شره.

أي القولين أولى؟ الثاني أضبط؛ لأن الخيانة مأمونة فيه، والأول أنسب؛ لأن المقصود من الحدود التقويم، تقويم الناس، فإذا كانوا يمكن أن يقوّموا بدون القتل والصلب قُوِّموا، لكن هذا لا تؤمن فيه الخيانة، خيانة من؟ خيانة الإمام، ولي الأمر، فيقول: هذا يستحق القتل والصلب، وتأتيه القضية نفسها في وقت آخر فيقول: هذا لا يستحق القتل والصلب؛ لأن الثاني شريف والأول وضيع، فمن قال بالتحديد وأن هذا لا بد منه بحسب الجريمة فقوله أقرب إلى الصواب من جهة الضبط وأنه لا يمكن أن يتعدى ما حد له، ومن قال بأن (أو) للتخيير وأن الإمام مخير فقوله أولى من حيث إن الحدود أيش؟ لتقويم الخلق، فإذا أمكن التقويم بما هو أقل وجب الاقتصار عليه.

فإن قال قائل: هل وقع مثل هذا في عهد الرسول؟

فالجواب: نعم وقع، قدم أناس من جهينة أو عرينة أو عكل أو من هؤلاء وهؤلاء، قدموا المدينة فاستوخموها وأصيبوا بشيء من حماها، فأمرهم النبي ﷺ أن يلحقوا بإبل الصدقة ويشربوا من أبوالها وألبانها، ففعلوا فشربوا من أبوال الإبل وألبانها وزالت عنهم الحمى وصحوا، فبدلوا نعمة الرسول عليه الصلاة والسلام كفرًا، سملوا عيني الراعي، وسملها أن يحمى حديدة مثل المخيط وتكحل بها العين، والعياذ بالله، وهذا تعذيب شنيع، نسأل الله العافية، ثم قتلوا الراعي واستاقوا الإبل، فأرسل النبي ﷺ في إثرهم وجيء بهم بعد أن ارتفع النهار، فأمر بهم ﷺ أن تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وأن تسمل أعينهم بالمسامير؛ لأنهم فعلوا ذلك في الراعي، والقصاص قصاص واجب، وألقاهم في الحرة يستغيثون ولا يغاثون، حتى إن الواحد منهم يأكل الثرى من العطش، ولكن الرسول عليه الصلاة والسلام تركهم ولم يحسمهم، يعني ما حسم الدماء حتى لا يحصل النزيف، تركوا يرفسون بدمائهم ويستغيثون ولا يغاثون؛ لأن الرحمة تقتضي هكذا، الرحمة بمن؟ بالناس عمومًا، تقتضي هكذا أن نعامل المجرم بما يمنع الإجرام.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن قطاع الطريق يجمع لهم بين العقوبة في الدنيا والآخرة، من أين تؤخذ؟

* طالب: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.

* الشيخ: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ مع أنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن من أصيب بشيء من القاذورات، يعني القبائح، وحُد عليها، فإن الحد يكون كفارة، يكون كفارة لذلك الذنب[[متفق عليه؛ البخاري (٣٨٩٢)، ومسلم (١٧٠٩ / ٤١) من حديث عبادة بن الصامت.]]، لكن لعظم جرم هؤلاء لم يكن الحد كفارة لهم، بل كان لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم.

ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات عذاب الآخرة؛ لقوله: ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. وهل يؤخذ منها أن عذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا؟ ربما يؤخذ من قوله: ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، ولهذا قال النبي صلى الله عليه على آله وسلم في المتلاعنين؛ قال: «إِنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ»[[أخرجه مسلم (١٤٩٣ / ٤) من حديث عبد الله بن عمر.]].

ثم قال الله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾.

* يستفاد منها: أن هؤلاء المجرمين مع عظم جرمهم إذا تابوا قبل القدرة سقط عنهم الحد، ويؤخذ سقوط الحد من قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، يعني فإذا علمتم ذلك فاغفروا لهم. وهل هذا على إطلاقه؟ بمعنى أنه يعفى عنهم حتى فيما يتعلق بحقوق الآدميين من نفس أو جرح أو عضو أو مال، أو هو خاص بحقوق الله؟ الثاني هو المتعين؛ لأن حقوق الآدميين لا بد من وفائها، وعلى هذا فإذا كان هؤلاء الذين تابوا ووضعوا السلاح وظهر صدقهم قد قتلوا أحدًا هل نقتلهم أو لا؟

الجواب: إذا طلب أولياء المقتول أن يقتلوا قتلوا؛ لأن حق الآدمي لا يسقط، لكن لو لم يتوبوا وأتينا بهم ثم قال أولياء المقتولين: نحن قد عفونا هل يسقط؟

لا؛ لأنه حد، فالقتل حتم إذا كانوا لم يتوبوا؛ لأنه حد، أما إذا تابوا انتقل الحد إلى حق آدمي، إذا عفوا فلا بأس.

وهل يلحق بذلك سائر الحدود؛ كحد الزنا والسرقة وما أشبه ذلك؟

الجواب: نعم يلحق به؛ لأن التوبة إذا أسقطت هذا الحد العظيم في الجرم العظيم؛ فما دونه من باب أولى، فالسارق مثلًا إذا تاب إلى الله وأتى بالمال المسروق ورده إلى صاحبه فإننا لا نقطع يده؛ لأنه تاب إلى الله قبل أن نقدر عليه.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أنهم إذا تابوا بعد القدرة فإنها لا تقبل توبته، واضح؟ لا تقبل توبته.

وهنا يرد علينا إشكال، وهو ما جرى في قصة أسامة بن زيد رضي الله عنه حين لحق المشرك، فلما أدركه قال: لا إله إلا الله، فقتله أسامة، والذي يظهر أن هذا المشرك قال: لا إله إلا الله تعوذًا من القتل، فلما جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام وأخبره الخبر قال: «قَتَلْتَهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٢٦٩)، ومسلم (٩٦ / ١٥٩) من حديث أسامة بن زيد.]]. قال: نعم يا رسول الله قتلته، لكنه قالها تعوذًا، خاف من القتل؛ لأنه لو كان صادقًا لأسلم قبل أن يهدد بقتل، فجعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم يردد: «أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟ فَمَاذَا تَصْنَعُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟»[[أخرجه مسلم (٩٧ / ١٥٩) من حديث جندب بن عبد الله.]]. حتى تمنى أسامة أنه لم يكن أسلم من قبل؛ لأنه إذا فعل هذا وهو مشرك ثم تاب تاب الله عليه ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال ٣٨]، فكيف نقول في هؤلاء إذا تابوا: إنه يسقط عنهم الحد؟

* طالب: لا يسقط.

* الشيخ: نعم، إذا تابوا بعد القدرة فإنه لا يسقط، نقول: لأن هذا حد وليس قتلًا للردة، والحد قد فعلوا ما يوجبه، والردة الذي يوجبها هو الشرك، وقد زال بالإسلام، فلا يرد على هذا لا في المحاربين ولا في غيرهم من ذوي الحدود.

* طالب: شيخ، أحسن الله إليك، بعض البلاد التي يتم فيها الشغب يقوم النظام والحاكم بإنشاء بعض القوانين حتى يرجعوا أولئك المحاربون؛ بأن يكون مثلا قانون العفو العام؛ أن يكون حتى من قتلوا وسرقوا ونهبوا كل ما يفعلونه فإنه يعفى عنهم إذا وضعوا السلاح، فهل (...) الحد أن يكف شرهم؟

* الشيخ: هذا إنما نجوزه إذا دعت الحاجة إليه؛ بأن كنا لا نقدر عليهم فيكون جائزًا.

* طالب: ذكرنا يا شيخ في أول القصة أن من الفوائد أن كل الميت عورة، فإذا قال قائل: إنما يلزمكم من هذا أن تقولوا: إن المغسل لا يرى شيئا من الميت (...)؟

* الشيخ: هذه حاجة، ولذلك نقول: إن الأفضل ألا يمس سائره إلا بخرقة، لكن في العورة المغلظة لا بد أن تكون مستورة.

* الطالب: الرؤية؟

* الشيخ: الرؤية كما قلت حاجة، كما قلنا، مع أن أنا قلت: العورة بالنسبة إلى وجوب تعميم الكفن له، أفهمت؟ ليس بالنسبة للنظر، ولهذا قبّل أبو بكر النبي ﷺ بعد موته[[أخرجه البخاري (١٢٤١) من حديث عائشة. ]]، مع أنه لا حاجة لذلك، إنما هو شوقًا إليه.

* طالب: (...) الإنسان تاب قبل القدرة عليه (...).

* الشيخ: إذا تاب قبل القدرة عليه، كل الحدود، فإننا نرفع عنه الحد.

* طالب: شيخ، أحسن الله إليك، لما كنا نتعلم بعض اللغات غير العربية أنكر علينا بعض الإخوان وقال: الكفاية قائمة وأنتم على ثغر أكبر، الكفاية قائمة هذا الأمر يعني سده هذا الثغر مسدود، فما هو توجيهكم لطالب العلم هل يقتطع من وقته جزءًا يتعلم فيه باقي اللغات هذه؟

* الشيخ: هذا إذا كان الإنسان داعية يعرف من نفسه أنه ذو دعوة قوية وعنده بيان، عنده إقناع، أما أي واحد يقول: ربما أكون، فهذه لا يشتغل بها عما هو أهم، لكن مع ذلك أنا أتمنى أني أعرف اللغة الانجليزية لأنها فات الأوان.

* الطالب: معنا من الإخوان ما شاء الله من يجيد ست لغات وسبعا.

* الشيخ: أنت؟

* الطالب: معنا موجود هنا في الحلقة.

* * *

* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٣٦) يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [المائدة ٣٥ - ٣٧].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، هذه الآية لم نمر على فوائدها، أليس كذلك؟

* طالب: مررنا.

* الشيخ: مررنا كلها؟

* الطالب: نعم

* طلبة: (...).

* طالب: بل كلها يا شيخ، أخذنا فوائد الآية (...) ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ أخذنا فائدتين.

* الشيخ: ذكرنا الخلاف في قوله: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ إلى آخره؟

* طلبة: نعم.

* الشيخ: ذكرنا القول بأنه إذا كانت للتنويع؟ نعم.

* طلبة: نعم.

* الشيخ: إذا كانت للتنويع ماذا ذكرنا فيها؟

* طالب: أن عقوبة هؤلاء متنوعة، و(أو) في هذه الآية هل هي للتنويع أم للتخيير؟ قولان، فعلى القول بالتخيير فللإمام أن يقتل أو يصلب، ولكن لا بد أن يتبع الأصلح.

* الشيخ: أو يصلب إلى آخره.

* الطالب: إلى آخره، ومنهم من قال: إنها للتنويع، وإن العقوبة تختلف بحسب الجرائم، فمن قتل وأخذ المال قتل وصلب، ومن قتل ولم يأخذ مالًا يقتل ولا يصلب ومن أخذ مالًا ولم يقتل تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، حتى إن بعض علمائنا قال: حتى لو نهبوا قهرًا أقل من النصاب.

* طالب: مستوفاة.

* الشيخ: استوفيتها كلها، لكن هل ذكرنا متى يكون الصلب هل هو قبل القتل ولّا بعده؟

* طلبة: ذكرناه.

* الشيخ: ذكرناها.

* طالب: لم نذكر الخلاف.

* الشيخ: المهم أننا ذكرنا أنهم يصلبون بعد القتل أو قبل؟

* طلبة: بعد.

* الشيخ: بعد القتل. فيه رأي ثانٍ يصلبون قبل القتل، وفيه رأي ثالث أيضًا أن الصلب عقوبة منفردة، قتل، صلب، تقطيع، نفي، يعني ليست مركبة مع القتل، وهذا القول هو ظاهر الآية ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾، فيكون الصلب غير القتل، لكنهم أوردوا على هذا الرأي أنه كيف يبدأ بالأشد ثم بالأخف، فيقال: هذا لا مانع منه، القتل أشد، ثم الصلب بدون قتل، ثم تقطيع اليد والرجل، والذين قالوا: إنه يصلب قالوا: يترك حتى يموت، وبعضهم قال: بل يطعن بالحربة حتى يموت، ويكون الأول قتل بلا صلب. المهم الآن انتهينا من فوائدها؟ طيب. هل ذكرنا أنه يلحق بها بقية الحدود؟ يقاس عليها بقية الحدود؟

* طلبة: نعم.

5:35Page 113

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱبۡتَغُوٓاْ إِلَيۡهِ ٱلۡوَسِيلَةَ وَجَٰهِدُواْ فِي سَبِيلِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ٣٥

O you who have believed, fear Allāh and seek the means [of nearness] to Him and strive in His cause that you may succeed.

الشيخ: قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. هذه الآية فيها نداء، وفيها ثلاثة أوامر، وفيها علة وغاية؛ أما النداء ففي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾. وقد روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: «إذا سمعت الله يقول: » ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ «فأرعها سمعك »[[أخرجه سعيد بن منصور في التفسير (٥٠).]]، وذكرنا من قبل أن تصدير الخطاب بالنداء يدل على أهميته، ثم توجيه النداء إلى المؤمنين يدل على أيش؟ على أن امتثال هذا من الإيمان، وأن مخالفته نقص في الإيمان، وأنه ينبغي إغراء الشخص المخاطب بما يحمله على الامتثال، يعني في الخطاب ينبغي أن تغري الشخص بما يحمله على الامتثال، فتقول مثلًا: يا أيها الكريم، أكرم الضيف، إذا ناديته: يا أيها الكريم فسوف يكون ذلك دافعًا له على إكرام الضيف.

إذن نقول: أولًا تصدير الخطاب بالنداء يدل على أهميته، توجيهه إلى الذين آمنوا فيه فوائد: أولًا: أن الامتثال أيش؟ من مقتضيات الإيمان. وثانيًا: أن المخالفة نقص في الإيمان. وثالثًا: إغراء المخاطب بهذا الوصف على الفعل؛ لأن وصف الإنسان بالشيء الذي يحمله على الفعل والامتثال لا شك أنه يغريه ويزيده نشاطًا.

وقوله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ تأتي هكذا مطلقة في كثير من الآيات، فآمنوا بمن؟ نقول: الإيمان فسره النبي عليه الصلاة والسلام أبين تفسير، حيث سأله جبريل عن الإيمان فقال: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ»[[أخرجه مسلم (٨ / ١) من حديث عبد الله بن عمر.]]، وعلى هذا فيكون ﴿آمَنُوا﴾ أي بما يجب الإيمان به، وهي أركان الإيمان الستة.

﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ اتخِذُوا وقاية من عذابه، وذلك بفعل الأوامر واجتناب النواهي على علم؛ لأن الإنسان قد يفعل شيئًا مأمورًا به لكن على غير علم، أو يترك شيئًا منهيًّا عنه على غير علم، لكن لا بد من العلم ليكون ذلك من خشية الله؛ كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر ٢٨].

ولهذا فسر بعض العلماء التقوى بأنها أن تعمل بطاعة الله على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك ما نهى الله على نور من الله، تخشى عقاب الله، والنور هو العلم، ولهذا نقول: أجمع ما قيل في تعريفها أنها: امتثال أمر الله واجتناب نواهيه على علم حتى يحصل له الخشية؛ لأنه ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾.

﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ هل نقول: اتقوا الله نفسه؟ أو اتقوا عذاب الله؟

* طالب: كلاهما.

* الشيخ: كلاهما صحيح؛ لأن الله قال: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران ٢٨]، فحذرنا الله تعالى من نفسه عز وجل، وإنما حذرنا منها لأنه قال لنا: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة ٩٨]، وهذا خبر أخبرنا به هو عز وجل، وقال لنبيه: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر ٤٩، ٥٠]، فإذن يحذرنا الله نفسه أن يعاقبنا على مخالفته.

﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ اطلبوا إليه، ﴿الْوَسِيلَةَ﴾ مفعول (ابتغوا)، يعني اطلبوا الوسيلة إليه، والوسيلة هي التقرب إلى الله كما فسرها كثير من المفسرين بأن معناها: ابتغوا القربة إليه، يعني اطلبوا ما يقربكم إليه، فإذا كان الله أمرنا أن نطلب ما يقربنا إليه فالذي يقربنا إليه هو امتثال أمره واجتناب نهيه طلبًا للقرب منه.

﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ وليست الوسيلة ما هو معروف عند المتأخرين بأن يتخذ الإنسان وسائل في دعائه أو نحو ذلك، لا، المراد: ابتغوا التقرب إليه، لكن بعض المنحرفين قال: المراد بالوسيلة الولي أو النبي أو جاه النبي أو جاه الولي، وهذا لا يعرف، وإنما الوسيلة الشيء الموصل إلى الله وإلى التقرب لله عز وجل، مثال ذلك الصلاة تقرب إلى الله، وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، ولا يوجد هذا الوصف وهو القرب من الله على هذا الوجه إلا في الصلاة، الإنسان يتصدق يتقرب إلى الله بالصدقة، يصوم يتقرب إلى الله بالصيام، يحج يتقرب إلى الله بالحج، لكن لا يوجد مثل الصلاة: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ»[[أخرجه مسلم (٤٨٢ / ٢١٥) من حديث أبي هريرة.]]، فهو أقرب إلى الله ممن وقف بعرفة أو على الصفا أو على المروة أو يطوف بالبيت.

﴿ابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ﴾ أي ابذلوا الجهد في إعلاء كلمته؛ لأن الجهاد في سبيل الله أن يقاتل الإنسان لتكون كلمة الله هي العليا، والمراد بسبيله هنا دينه؛ لأنه هو الطريق الموصل إليه تبارك وتعالى.

وقوله: ﴿جَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ﴾ هذا أمر، ويأتينا -إن شاء الله- في استنباط الفوائد أنه أمر مشروط بالقدرة كغيره من الأوامر.

﴿وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (لعل) هنا للتعليل؛ أي لأجل أن تفلحوا، والفلاح كلمة جامعة لحصول المطلوب وانتفاء المكروه، فهي من أجمع الكلمات، الفلاح حصول المطلوب وأيش؟ وانتفاء المكروه.

* في هذه الآية الكريمة: بلاغة القرآن الكريم، حيث تتنوع فيه العبارات بالنداء تارة، والأمر تارة، النهي تارة، والحض والعرض، تختلف.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من البلاغة أن نستعمل ما يكون به التنبيه في الأمور الهامة، وجهه أن الله صدر هذه الأوامر الثلاثة المهمة بالنداء.

* ومن فوائدها: أن الإيمان يحمل على امتثال أمر الله واجتناب نهيه؛ وذلك لأنه وجه النداء إلى المؤمنين ولاشك أن الإيمان يحمل الإنسان على فعل الأوامر واجتناب النواهي، وكلما كان الإنسان أقوى إيماًنا كان أشد امتثالًا للأمر وأبعد عن النهي، وهذا شيء مجرب، حتى الإنسان بنفسه أحيانًا يجد من قلبه قوة إيمان فتجده يرغب في الطاعة ويحب أن يستمر فيها، وأحيانًا يفتر ويكسل فتجد الطاعات تثقل عليه، فكلما كان الإنسان أقوى إيمانًا كان أشد امتثالًا للأمر والنهي.

* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب تقوى الله؛ لقول الله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾، نعم، التقوى واجبة، وقد ذكرت في القرآن الكريم في مواضع كثيرة أمرًا بها وثناء على أهلها وبيانًا لجزائهم؛ وربما نلقي عليكم أن تجمعوا لنا الآيات التي فيها التقوى أمرًا وثناء وجزاء في القرآن الكريم من أوله إلى آخره.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب طلب القرب إلى الله؛ ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ أي اطلبوا الوسيلة إليه.

* ومن فوائدها: وجوب التعلم؛ تعلم الدين؛ لأنه بأي وسيلة نطلب القرب إليه؟ بالعلم، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه كلما كانت العبادة تقرب إلى الله أكثر؛ كان الاهتمام بها أكثر؛ لأن الحكم يدور مع علته، فإذا قيل: اسلك الطريق المقرب إلى الله فإن من المعلوم أن ما يكون أقرب أو أشد تقريبًا فهو أولى.

ومنه نأخذ أن الأعمال تتفاضل بعضها أفضل من بعض، وهذا أمر قررته الشريعة، فجنس الواجب أفضل من جنس التطوع، يعني الصلاة المفروضة أفضل من النافلة، الزكاة أفضل من صدقة التطوع، الصوم الواجب أفضل من النفل، الحج الواجب أفضل من النفل، هذا باعتبار الجنس يتفاضل باعتبار نوعه، كذلك أيضًا الجنس يتفاضل باعتبار الأجناس، فمثلًا الصلاة على وقتها أحب الأعمال إلى الله كما سأل ابن مسعود رضي الله عنه النبي ﷺ: «أَيُّ الْأَعْمَال أحبُّ إلى الله؟ قال: «الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا». قلت: ثم أيٌّ؟ قال: «بِرُّ الْوَالِدَيْنِ». قلتُ: ثم أيٌّ؟ قال: «الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢٧)، ومسلم (٨٥ / ١٣٩) من حديث عبد الله بن مسعود.]].

فالأعمال فيما بينها تتفاضل، فالأجناس تتفاضل وأنواع الجنس أيش؟ تتفاضل. وما هو مناط معرفة الفاضل؟ هو الكتاب والسنة.

وهنا مسألة: من هو الأفضل: أرجل يفعل العبادة بانقياد وانشراح صدر وقبول، وآخر يفعلها بمشقة شديدة ويجاهد نفسه عليها؟

الأول أفضل مقامًا وأعلى منزلة، والثاني يؤجر على مشقة المجاهدة أكثر من ذلك، لكنه لا يمكن أن ينال درجة الأول ومقام الأول، ويشبه هذا من بعض الوجوه أن الرسول عليه الصلاة والسلام أخبر الصحابة «أن من ورائهم أيامًا الصبر للعامل فيهن أجر خمسين من الصحابة»[[أخرجه أبو داود (٤٣٤١)، وابن ماجه (٤٠١٤) من حديث أبي ثعلبة الخشني. ]]، لكن هل هو بهذا الأجر الذي كان من أجل مشقة العبادة عليه هل ينال مرتبة الصحابة؟ الجواب: لا، وهذه نكت في العلم ينبغي لطالب العلم أن يتفطن لها، وإلا فقد تخفى على كثير من الناس.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب الجهاد في سبيل الله؛ لقوله: ﴿وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ﴾ ولكن هذا العمل -أعني الجهاد في سبيل الله- كغيره من الواجبات لا بد أن يكون له شروط، من أهمها: القدرة، أن يكون الإنسان مكافئًا للعدو في العدد والعدة، وإلا فمن المعلوم أنه من السفه والهلع أن يتقدم الإنسان ليقاتل عددًا أكثر منه وقوة أكبر من قوته، ولهذا لم يوجب الله عز وجل الجهاد إلا حين قويت الأمة الإسلامية، ولم يوجب المصابرة إلا أيش؟ إلا في الضِّعْف فقط، فإن زادوا على الضِّعْف مع تكافؤ العُدَد فإنه لا يجب مصابرتهم، فلا بد من القدرة على الجهاد.

وهل يُشترط أن يكون للمجاهدين إمام يأتمون به ويأتمرون بأمره، أو نقول: لا بأس أن يتكتل طوائف وطوائف وطوائف وتجاهد كل واحدة من جهة؟ الأول، لا بد من إمام يكونون تحت إمرته حتى لا يكونوا أحزابًا يقتل بعضهم بعضًا عند النصر، أو يقاتل بعضهم بعضًا عند النصر، وكيف يمكن أن يقوم جهاد مع تفرق الأحزاب؟! هذا لا يمكن.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الإشارة إلى الإخلاص؛ لقوله: ﴿فِي سَبِيلِهِ﴾ أضافه إلى نفسه عز وجل؛ إشارة إلى أنه يجب على الإنسان أن يكون جهاده في سبيل الله، ومتى يكون؟ سئل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن ذلك، سئل عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء - وفي رواية: لِيُرَى مَكَانُه- أيُّ ذلك في سبيل الله؟ فعدل عن هذا، عدل عن الجواب عن الثلاثة كلهم وقال: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٢٣)، ومسلم (١٩٠٤ / ١٥٠) من حديث أبي موسى الأشعري.]]، وقضى على هذه الثلاثة:

الذي يقاتل شجاعة ليس في سبيل الله، ومعنى شجاعة أنه رجل شجاع يحب القتال؛ لأن الرجل الشجاع يحب أن يقاتل؛ لأن هذا يوافق طبيعته وغريزته.

الثاني: يقاتل حمية لقومه وعصبيته، ومن هؤلاء عربنا مع الأسف، يقاتلون اليهود باسم أيش؟ باسم العروبة، ولو قاتلوا باسم الإسلام لأبادوهم، إذا قاتلوا باسم الإسلام خرج من بينهم الرجس، وهم النصارى، ودخل فيهم أمم لا تحصى من المسلمين من العجم وغيرهم، وأريد بالعجم من سوى العرب من الروم والفرس وغيرهم والبربر والهنود، وغيرهم أمم لا يحصيها إلا الله، وحصل بذلك النصر بإذن الله إذا قام هؤلاء المقاتلون المسلمون بما يلزمهم من طاعة الله عز وجل وعدم الإعجاب بالنفس.

الثالث الذي سئل عنه الرسول عليه الصلاة والسلام من؟ المقاتل رياء، والعياذ بالله، هذا أخسرهم، يقاتل لأجل أن يقال: فلان جريء وشجاع أو يقاتل من أجل أن يقال: فلان يجاهد في سبيل الله، وكلاهما باطل، والذي يقاتل ليقال: فلان جريء هو من أول من تسعر بهم النار[[أخرجه مسلم (١٩٠٥ / ١٥٢) من حديث أبي هريرة. ]]، أعاذنا الله وإياكم منها، نسأل الله العافية.

إذن لا بد أن تكون النية خالصة، يقاتل الإنسان لتكون كلمة الله هي العليا، وإني أسألكم: الذي يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا هل يمكن أن يفرط فيما أوجب الله عليه؟ لا؛ لأنه يريد هذا، يريد من غيره أن يقوم بطاعة الله، فلا يمكن أن يفرط بطاعة الله.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском