Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Al-Ma'idah 5:6
5:6Page 108
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا قُمۡتُمۡ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغۡسِلُواْ وُجُوهَكُمۡ وَأَيۡدِيَكُمۡ إِلَى ٱلۡمَرَافِقِ وَٱمۡسَحُواْ بِرُءُوسِكُمۡ وَأَرۡجُلَكُمۡ إِلَى ٱلۡكَعۡبَيۡنِۚ وَإِن كُنتُمۡ جُنُبٗا فَٱطَّهَّرُواْۚ وَإِن كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوۡ جَآءَ أَحَدٞ مِّنكُم مِّنَ ٱلۡغَآئِطِ أَوۡ لَٰمَسۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمۡ تَجِدُواْ مَآءٗ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدٗا طَيِّبٗا فَٱمۡسَحُواْ بِوُجُوهِكُمۡ وَأَيۡدِيكُم مِّنۡهُۚ مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجۡعَلَ عَلَيۡكُم مِّنۡ حَرَجٖ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمۡ وَلِيُتِمَّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٦
O you who have believed, when you rise to [perform] prayer, wash your faces and your forearms to the elbows and wipe over your heads and wash your feet to the ankles. And if you are in a state of janābah,1 then purify yourselves. But if you are ill or on a journey or one of you comes from the place of relieving himself or you have contacted women2 and do not find water, then seek clean earth and wipe over your faces and hands with it. Allāh does not intend to make difficulty for you, but He intends to purify you and complete His favor upon you that you may be grateful.
ثم قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ [المائدة ٦]، الخطاب بـ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ سبق لنا الكلام عليه عدة مرات فلا حاجة إلى إعادته هنا.
وقوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ أي: إذا أردتم الصلاة، ولا يُشترط أن يقوم الإنسان على قدميه، بل متى أراد وإن كان قاعدًا فإنه يلزمه ما أمر الله به.
وقوله: ﴿إِلَى الصَّلاةِ﴾ الصلاة عبادة معلومة مُفتَتَحة بالتكبير مُختَتَمة بالتسليم، هكذا قال العلماء في تعريفها: أنها عبادة معلومة -ولم يذكروا كيفيتها؛ لأنها يعلمها الخاص والعام- مفتَتَحة بالتكبير مختَتَمة بالتسليم.
فقولهم: مفتتحة بالتكبير، هذا فصل يُخرج ما عدا الصلاة؛ لأن جميع العبادات التي سوى الصلاة ما فيها افتتاح بالتكبير، ومختَتَمة بالتسليم أيضًا تُخرج ما يُبتدأ بالتكبير ولا يُختَم بالتسليم، كالطواف بالبيت، على أن ابتداء الطواف بالتكبير ليس بركن، لكنه من المندوبات، لكنه يَخرج بقولنا أيش؟ مختَتَمة بالتسليم، فإن الطواف لا يُختَتَم بالتسليم، وهذا مما يدل على أن الحديث المروي مرفوعًا إلى الرسول عليه الصلاة والسلام «أَنَّ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ»[[أخرجه الترمذي (٩٦٠)، والدارمي (١٨٨٩) من حديث عبد الله بن عباس مرفوعًا، وأخرجه النسائي في السنن الكبرى (٣٩٣١) عن ابن عباس موقوفًا، وقال الترمذي (٩٦٠): وقد روي هذا الحديث عن ابن طاوس وغيره عن طاوس عن ابن عباس موقوفًا، ولا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث عطاء بن السائب.. ]]، لا يصح مرفوعًا، إنما هو عن ابن عباس رضي الله عنهما، وهو لا يصح طردًا ولا عكسًا، ولهذا كان القول الراجح: أن الطواف لا تُشترط له الطهارة؛ لأنه لا يدخل في الصلاة، ولا يمكن أن يُدخل في هذه الآية؛ لأنه ليس بصلاة، وإذا تبين أن الحديث المرفوع الذي هو في الحقيقة موقوف، إذا تبين أنه لا يصح طردًا ولا عكسًا تبين أنه لا يُشترط له الطهارة، ونتكلم على هذا إن شاء الله في الفوائد.
﴿إِلَى الصَّلاةِ﴾ ألا يقول قائل: الصلاة في اللغة الدعاء؟ ويكون المراد: إذا قمتم إلى الدعاء؟ قلنا: لا، ما ثبت أنه نُقِلَ عن معناه اللغوي إلى معنى شرعي فإنه إذا ورد في لسان الشارع يُحمَل على الحقيقة الشرعية، يعني: على المعنى الشرعي؛ ولهذا يقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٩٥٤)، ومسلم (٢٢٥ / ٢) من حديث أبي هريرة. ]]، هل نقول: المعنى لا يقبل الله دعاء أحدكم؟ لا أحد يقول بذلك، مع أن الصلاة في اللغة الدعاء، لكن نقول: الحقائق اللغوية إذا نُقلت إلى حقائق شرعية وجب أن تُحمل على الحقائق الشرعية في لسان مَنْ؟ في لسان الشارع.
﴿فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ﴾ الغَسْل معروف: هو إمرار الماء جريًا على العضو، أن يُمِرَّ الماء عليه جريًا، يعني يجري عليه، احترازا من المسح على العضو.
والوجوه جمع وجه، وإنما سُمي وجهًا؛ لأنه تحصل به المواجهة، وهو وجه أيضًا من وجه آخر؛ أنه وجه القلب، فالإنسان يُعْرَف ما في قلبه مما في وجهه، ولهذا إذا سُرَّ الإنسان استنار وجهه، وإذا غُمّ انقبض وجهه، فهو تحصل به المواجهة الحسية، وهو وجه للقلب حقيقة؛ لأنه ينبئ عما في القلب.
فما هو الوجه؟ يعني قلنا: ما تحصل به المواجهة، وحَدَّه العلماء: بأنه عرضًا من الأذن إلى الأذن، فالبياض الذي يكون بين العارض والأذن يعتبر من الوجه، وأما طولًا فإنه من منحنى الجبهة إلى أسفل اللحية، وهذا الضابط من منحنى الجبهة أقرب من قول بعضهم: من منابت شعر الرأس؛ لأنك إذا قلت: من منابت شعر الرأس، لزم أن تقول: المعتاد؛ ليخرج الأفرع والأنزع؛ لأن بعض الناس تنزل منابت شعره إلى الجبهة، وبعض الناس ترتفع في الناصية، لكن إذا جعلنا الضابط هو منحنى الجبهة صار هذا أدق من وجه، وأيضًا هو المطابق للواقع؛ لأن الذي يواجه الناس عند اللقاء هو ما دون المنحنى، أما ما وراءه فهو مواجه للسماء لفوق.
مسترسل اللحية هل يكون من الوجه أو لا؟ من أهل العلم من قال: إنه من الوجه، وعلى هذا فإذا كان للإنسان لحية طويلة فإنه داخل في الوجه، وقال بعض العلماء: إن المسترسل من اللحية ليس من الوجه، وذلك لأنه في حكم المنفصل؛ لأن لدينا ثلاثة أشياء في جسد الإنسان في حكم المنفصل: الشعر، والظفر، والسنّ، هذه في حكم المنفصل، فيقول: ما دام ذلك في حكم المنفصل فإنه لا يدخل في حد الوجه، ولكن الصحيح أنه يدخل في حد الوجه؛ لأنه تحصل به المواجهة، ولأنه قد رُوي عن النبي ﷺ في حديث إسناده حسن «أنه كان يخلل لحيته في الوضوء»[[أخرجه أبو داود (١٤٥)، وابن ماجه (٤٣١) من حديث أنس بن مالك. ]].
فإذا قال قائل: هذا فعل، والفعل لا يدل على الوجوب؟ قلنا: هو لا يدل على الوجوب في الأصل، لكن إذا وقع مبيِّنًا لمنطوق صار له حكم ذلك المنطوق.
﴿وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ أيدي جمع يد.
﴿أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ انتبه، هنا قيَّد اليد بأنها إلى المرافق، فيجب أن تغسل اليد من أطراف الأصابع إلى المرفق، والمرفق هو مفصل العضد من الذراع، وسُمي مرفقًا؛ لأن الإنسان يرتفق به، أي: يتكئ عليه.
وقوله: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ قال العلماء: (إلى) هنا بمعنى (مع)، وإنما أَوَّلُوها إلى (مع)؛ لأن النبي ﷺ ثبت عنه أنه إذا توضأ غسل مرفقيه[[متفق عليه؛ البخاري (١٥٩)، ومسلم (٢٢٦ / ٤) من حديث عثمان بن عفان، وفيه :«ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ثَلَاثًا».]]، فتكون السنة مبيِّنة للقرآن، ثم استدلوا بأن لهذا نظيرًا في القرآن، مثل قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء٢] يعني: أموال اليتامى، ﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾، ولكن الاستشهاد بهذا الشاهد فيه نظر، المهم الذي بيَّن أن منتهى الغاية هنا داخل هي السنة.
قال: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ ﴿امْسَحُواْ بِرُءُوسِكُمْ﴾، المسح هو إمرار اليد على الممسوح، لكن من المعلوم أن المراد امسحوها بالماء، امسحوا الرؤوس بالماء؛ ولهذا زعم بعض العلماء أن في الآية قلبًا، وأن المعنى: امسحوا رؤوسكم بالماء. ونحن نقول: إن الباء هنا ليست لتعدية الفعل بالباء، ولكنها مفيدة لمعنى زائد على المسح وهو الإلصاق والاستيعاب أيضًا، وإن كانت دلالة المسح على الإلصاق واضحة، لكن الاستيعاب؛ لأن الباء تدل على الاستيعاب، ولهذا قلنا: إن قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيق﴾ [الحج٢٩] تدل على وجوب استيعاب البيت بالطواف؛ لأن الباء للاستيعاب.
وقوله: ﴿بِرُءُوسِكُمْ﴾ ما حد الرأس؟ الرأس ما تَرَأَّس.
وما هو العضو المترئِّس على البدن كله؟ هو ما بين مفصِل المخ والرقبة، وعلى هذا فالرقبة لا تدخل في الرأس؛ لأنها عضو مستقل، ثم إذا أخرجت من الرأس –إذا قلنا: الرأس ما ترأَّس- إذا أخرجت منه الوجه بقي ما سوى الوجه مما ترأَّس.
وهل يدخل في ذلك الأذنان؟ الجواب: نعم، يدخل في ذلك الأذنان؛ أولًا: لأن الاشتقاق يدل على دخولهما، وثانيًا: أنه ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يمسح بأذنيه[[أخرجه أبو داود (١٣٥)، والنسائي (١٤٠) من حديث عبد الله بن عمرو. ]].
قال: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾، في ﴿أَرْجُلَكُمْ﴾ قراءتان سبعيتان صحيحتان، الأولى: ﴿أَرْجُلَكُمْ﴾، والثانية: ﴿أَرْجُلِكُمْ﴾ بالكسر، فعلى القراءة الأولى تكون معطوفة على قوله: ﴿وُجُوهَكُمْ﴾ ولَّا على ﴿أَيْدِيَكُمْ﴾؟
* الطلبة: ﴿وُجُوهَكُمْ﴾.
* الشيخ: ليش؟ لأنه إذا تعددت المعطوفات فالمعطوف عليه ما يلي العامل، وهو الأول، وأما على قراءة الجر ففيها إشكال عند بعض العلماء، منهم من قال: إنها جُرَّت على سبيل المجاورة، أيش المجاورة؟ قالوا: لأنه قد تتبع الكلمة ما جاورها في الإعراب، ومثَّلوا لذلك بقول العرب: هذا جُحر ضَبٍّ خَرِبٌ، ولّا خَرِبٍ؟ خربٍ، طيب خرب ما تصلح نعتًا للضب؛ لأن الخرب هو الجحر، لكن قالوا: إنه جُرَّ على سبيل المجاورة، ولكن هذا التعليل عليل، إلا أنه دأب كثير من النحويين إذا عجزوا عن توجيه الإعراب ذكروا علة قد تكون مستكرَهة؛ ولهذا يقولون: إن علل النحويين كجحور اليرابيع، تعرف جحور اليرابيع، ما تعرفها؟ تعرف اليربوع؟ ما تعرف اليربوع؟!
اليربوع دويبة أكبر من الفأر، والفأر ما يحتاج، كلنا عارفه، لكن رجليها طويلة ويديها قصيرة جدًّا، ولها ذنب طويل، وهي ذات حِيَل، تحفر الجحر لها في الصحراء وتجعل له بابًا واضحًا، ولكنها تستمر في حفره وتحفر صاعدة في أقصاه، حتى إذا لم يبق عليها أن تخرقه إلا قشرة رقيقة توقفت من أجل إذا حَجَرها أحد من فم الجحر خرجت من الباب المغلق إلى حين الحاجة إليه، ولهذا تُسمَّى هذه نافقاء اليربوع، أعرفتم؟
طيب، نحن نقول: إن القول بأنها مبنية على سبيل المجاورة فيه نظر، لكن ذهب شيخ الإسلام رحمه الله إلى مذهب جيد، قال: إن الله قال: ﴿أَرْجُلَكُمْ﴾ و﴿أَرْجُلِكُمْ﴾ ؛ لأن للرجل حالين: حالًا تكون فيها مكشوفة ففَرْضها الغسل، وحالًا تكون فيها مستورة ففَرْضها المسح.
وقوله عز وجل: ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ ما هما الكعبان؟ الكعبان هما العظمان الناتئان في أسفل الساق وهما معروفان.
﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ يعني انتهى الكلام على الوضوء الذي سببه الحدث الأصغر.
قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾، في الآية إشكال من جهة أن المخاطَب جماعة والخبر بصيغة الإفراد، لم يقل: إن كنتم جنبين مثلًا، بل قال: ﴿جُنُبًا﴾؟ جوابه سهل؛ لأن كلمة (جُنُب) في اللغة الفصحى يستوي فيها المفرد والجماعة، والاثنان والواحد، وإن كان قد ورد في لغة ضعيفة جمعها على (جُنُوبِين) لكن اللغة المشهورة الفصحى أن كلمة (جُنُب) تطلق على الواحد والجماعة.
فمن هو الجُنُب؟ الجنب من أنزل منيًّا فهو جُنب، وألحقت السُّنة به من جامع وإن لم يُنْزِل؛ لقول النبي ﷺ: «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعَةِ ثُمَّ جَهَدَهَا فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ، وَإِنْ لَمْ يُنْزِل»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٩١)، ومسلم (٣٤٨ / ٨٧) من حديث أبي هريرة. ]].
وقوله: ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾ أصلها بالتاء، لكن قُلِبت التاء طاء، ولم يبين جل وعلا كيف نتطهر، لكن الصيغة تدل على التعميم، لم يقل: طهِّروا جزءًا من أبدانكم أو عضوًا من أعضائكم، بل قال: اطَّهَّروا، وهو شامل لكل البدن، وله صفتان كما سيأتي إن شاء الله تعالى في الفوائد.
وبهذا انتهى الكلام على مُوجَب الحدث الأكبر، موجَب الحدث الأكبر في كلمتين، وموجَب الحدث الأصغر في كلمات متعددة، ووجه ذلك أن الأعضاء في موجَب الحدث الأصغر متعددة، وأما في الحدث الأكبر فالعضو واحد فقط وهو البدن، البدن كله، ولهذا ليس فيه ترتيب كما سنذكر إن شاء الله.
﴿إِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ انتهى الكلام الآن على الطهارتين الصغرى والكبرى بالماء أو بغير الماء؟ بالماء.
ثم قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ إلى آخره، من هنا انتقل الكلام إلى الطهارة الأخرى، وهي الطهارة بالتراب، وأول الآية الطهارة بالماء.
﴿إِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ كلمة (مرضى) جمع (مريض)، والمريض هو من اعتَلَّت صحته، والمراد: إن كنتم مرضى وتضررتم بالماء.
فإذا قال إنسان: لماذا قيَّدْتَ والله أطلق؟ قلنا: لأن الحكمة تقتضي ذلك؛ لأن المريض الذي لا يتضرر بالماء وربما يكون الماء صحة له ينشط به ليس به حاجة إلى أن يعدل عن الماء إلى التراب.
﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾، ﴿عَلَى سَفَرٍ﴾ أي: في سفر، والسفر كل ما خرج به الإنسان عن محل إقامته، كل ما خرج به الإنسان عن محل إقامته فهو سفر، ولذلك سمي سفرًا؛ لأن الإنسان يُسْفر ويخرج من القيد أو من الحد الذي هو بلده إلى مكان آخر، وهل هو محدود أو غير محدود؟ سنتكلم عليه إن شاء الله في الفوائد.
﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾، (أو) هنا بمعنى الواو، أي: وجاء أحد منكم من الغائط، ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾.
فإذا قال قائل: هل لما ادعيتم دليل، أي: إتيان (أو) بمعنى الواو؟ قلنا: نعم، ومنه حديث ابن مسعود رضي الله عنه في دعاء الهم والغم: «أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ»[[أخرجه أحمد (٣٧١٢).]]. (أو) هنا بمعنى؟ بمعنى الواو، ليش؟ ليش بمعنى الواو يا إخوان؟ «سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ»؛ لأن ما أنزله في كتابه قد سَمَّى به نفسه؛ ولهذا سميت به نفسك، و(أو) بمعنى الواو، أي: وأنزلته في كتابك، «أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ»، ولا يستقيم المعنى إلا بهذا، أي: بجعل (أو) بمعنى الواو، أي أحد ذكر أو أنثى صغير أو كبير ممن يقوم للصلاة.
وقوله: ﴿مِنَ الْغَائِطِ﴾ الغائط هو المكان المطمئن من الأرض، وكانوا -أي العرب- ينتابون هذا المكان أي: الهابط من الأرض، ينتابونه لقضاء الحاجة ليستتروا به عن الناس، ليس في البيوت كُنُف ولا حمامات ولا مراحيض، فإذا أراد الإنسان يقضي حاجته يخرج إلى المكان الهابط يقضي حاجته فيه ليستتر بذلك عن الناس.
وعلى هذا يكون الغائط هنا شاملًا لمن قضى حاجته من البول أو من العذرة، ولا يختص هذا بمن قضى حاجته من العذرة، ما دمنا فسرنا الغائط هو المكان المنخفض من الأرض.
﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ وفي قراءة: ﴿أَوْ لَمَسْتُمْ النِّسَاءَ﴾ ﴿لَامَسْتُمُ﴾ فعل مبني للمفاعلة، بحيث يكون الفعل واقعًا ممن؟ من الطرفين، الرجل والمرأة، ولا يصدق هذا إلا بالجماع، ولهذا اختلف العلماء رحمهم الله: هل المراد بالملامسة هنا الجس باليد أو المراد الجماع؟ فقال ابن عباس رضي الله عنهما: «المراد به الجماع»[[أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١٧٧٨)، وعبد الرزاق في المصنف (٥٠٦). ]] وليس الجس باليد.
فإن قال قائل: إن فيه قراءة صحيحة سبعية ﴿أَوْ لَمَسْتُمْ﴾ ، واللمس دون الملامسة، وهو ظاهر في أن المراد به الجس باليد، فلماذا لا تقولون: إن المراد به مسّ المرأة؟ قلنا: لا نقول به؛ لأن القراءة الثانية تشير إلى أن المراد به الجماع ﴿لَامَسْتُمُ﴾، وهذا من جهة اللفظ، من جهة المعنى لو حملناها على أن المراد بذلك المسّ باليد لكان الله تعالى ذكر موجِبَين للطهارة من جنس واحد، مع أنه في طهارة الماء ذكر موجِبَين من جنسين، فإذا قلنا: إنَّ ﴿لَمَسْتُمْ﴾ بمعنى لمس اليد، يكون في الآية ذكر موجِبَين من جنس واحد وإهمال أيش؟ إهمال آخر لا بد منه، وهذا ترجيح من حيث المعنى.
وقوله: ﴿النِّسَاءَ﴾ النساء هن الإناث، ولكن هل يقال: إنه كل امرأة؟ الجواب: لا، ما نقول: كل امرأة؛ كل امرأة تُجامَع، وأما من لا تجامَع فإنها ليست محل شهوة، لكن لو فرض أن أحدًا سُلِّطَ على بنت صغيرة وجامعها فإنه يدخل في الآية.
وقوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ هذه معطوفة على: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ إلى آخره.
﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾.
* طالب: شيخ -رضي الله عنك- ما فهمت بالنسبة لقراءة ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ﴾ وقراءة: ﴿لَمَسْتُمْ﴾ ذكر موجِبين لجنس واحد، ما فهمت؟
* الشيخ: إي نعم، إذا قلنا: لمستم باليد، اللمس باليد ماذا يوجب؟ إذا فسرنا اللمس باليد لا يوجب إلا الوضوء، ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾، إذن ذكر موجبين، وأهمل موجب الغسل اللي هو الجنابة.
* طالب: بارك الله فيك، قولنا: إن الصلاة المفتتحة بالتكبير والمختتمة بالتسليم، قولنا: مختتمة بالتسليم أخرج ما ليس بصلاة ألا يبطل القول بهذا القول بأن سجود التلاوة ليس بصلاة، لا سيما أننا إذا قلنا: أنه صلاة، لزمنا أن نقول: إن الإمام يتقدم المأمومين وأنهم لا يسبقونه إلى القيام في السجود -ويعني- التزامات..؟
* الشيخ: سجود التلاوة إن كان في الصلاة فله حكم سجود الصلاة، يعني يكبَّر له عند السجود وعند الرفع، إن كان خارج الصلاة؛ فإن من العلماء من قال: لا يكبَّر له لا عند السجود، ولا عند النهوض من السجود، ولا يُسَلَّم له، ومن العلماء من قال: يُكبَّر للسجود، ولا يكبر للرفع، ولا يسلَّم، وهذا ظاهر صنيع ابن القيم رحمه الله، أما شيخه فيرى أنه ليس بصلاة، وأنه يجوز على غير طهارة وإلى غير القبلة، المهم لا يجعله صلاة، والله أنا أميل إلى أنه صلاة من وجه إنه لا يجوز للإنسان يسجد على غير طهارة، وأيضًا لا يسجد إلى غير القبلة، والحمد لله، الأمر ما هو بواجب.
* طالب: يا شيخ إذا قرأ من يخطب القارئ والناس يستمعون ثم سجد، يسجدون هم أداروا خلفه يقولون..
* الشيخ: على القول بأنه ليس بصلاة.
* الطالب: من يقول يا شيخ: إنه صلاة.
* الشيخ: إذا كان صلاة لا بد يكون وراءه.
* الطالب: يقوموا ويصفوا وراء.
* الشيخ: إي نعم.
* طالب: يا شيخنا السنة تفسر القرآن، يقال: إن لمس اليد ، الرسول ﷺ قيل: إنه يُقَبِّل يروح يصلّي[[أخرجه أبو داود (١٧٩)، والترمذي (٨٦) من حديث عائشة. ]]..
* الشيخ: إيه، هذه تجينا إن شاء الله في الفوائد، سنتكلم عن هذا بكلام أوسع في الفوائد.
* طالب: قلنا: قاعدة في تعريف العبادة (...).
* الشيخ: نعم، صدقت.
* الطالب: (...) الصلاة.
* الشيخ: ما ذكرنا بالصلاة؟ ما ذكرناها يا جماعة؟
* طلبة: قلنا: هي عبادة.
* الشيخ: ما قلنا: هي عبادة؟
* طالب: إي، ما قلنا هو التعبد لله..
* الشيخ: أنت ظاهري متأخر، إذا قلنا: عبادة يعني: نتعبد لله بها، لكن المشهور عند العلماء، شوف المشهور عند العلماء ما هو؟ يقولون: هي أقوال، هكذا يقولون: هي أقوال وأفعال معلومة مبتدأة بالتكبير مختَتَمة بالتسليم، نحن نقول: لا، هي عبادة.
* طالب: يعني تعريفها يا شيخ نقول..
* الشيخ: لو قلنا: التعبد لله بعبادة صارت إطالة.
* طالب: قول الرسول ﷺ: «أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ» (...) (أو) هنا بمعنى الواو، ما ضرورة ذلك في الآية؟
* الشيخ: أي لأنك إذا قلت: (أو جاء) صارت قسيمة للسفر والمرض، يعني هذا أو هذا، وليس كذلك، الآية تقول: إذا حصل سفر أو مرض وحصل حد، وجاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء.
* طالب: الأُذُن والعارض لا تحصل بهم المواجهة، كيف (...)؟
* الشيخ: ما تحصل به إذا كان الإنسان عارضه وشعره كثيف، أما إذا كان شابًّا أو الشعر خفيف تحصل به، ثم إنه لا يلزم من أصل الاشتقاق أن يكون مطابقًا تمامًا، أليست مزدلفة تسمى جَمْعًا؟ ومِنى سميت جَمْعًا؛ لأن الناس يجمعون فيها، لكن مِنَى ما يجتمعون؟
* طالب: يجتمعون.
* الشيخ: عرفة؟ ما هو بلازم.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة ٦].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، انتهينا إلى قول الله تبارك وتعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾.
قال الله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ أي: ماء تتطهرون به طهارة صغرى وطهارة كبرى.
﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا﴾ (تيمموا) أي: اقصدوا، فالتيمم في اللغة: القصد، ومنه قول الشاعر:
تَيَمَّمْتُهَا مِنْ أَذْرِعَاتٍ وَأَهْلُهَا ∗∗∗ بِيَثْرِبَ أَدْنَى دَارِهَا نَظَرٌ عَالِ
فمعنى (تيممتُها) أي: قصدتها، (من أذرعات) وهي بلدة في الشام، (وأهلها بيثرب) أي: بالمدينة، (أدنى دارها نظر عالِ).
وقوله: ﴿صَعِيدًا﴾ الصعيد: كل ما تصاعد على وجه الأرض من رمل أو جبل أو أودية أو غير ذلك.
﴿طَيِّبًا﴾ أي: طاهرًا؛ لأن طِيب كل شيء بحسبه، فالطيِّب من الحيوان ما حَلَّ أكله، والطيب من الأعمال ما كان مرضيًّا عند الله عز وجل، وكل موضع يُفسَّر الطيب بما يناسبه، فقوله هنا: ﴿طَيِّبًا﴾ أي طاهرًا.
﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ (امسحوا بوجوهكم) يعني: من هذا الصعيد، والمسح: الإمرار باليد على الوجه، والمسح باليد: إمرار إحدى اليدين على الأخرى.
وقوله: ﴿مِنْهُ﴾ قيل: إن (مِن) للتبعيض، وعلى هذا فلا بد أن يعلق باليد شيء من هذا التراب، وقيل: إن (مِن) للابتداء، أي: مسحًا يكون ابتداؤه من هذا الصعيد.
وقوله: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾، ﴿مَا﴾ نافية، و﴿يُرِيدُ﴾ هنا إرادة شرعية، أي: ما يحب الله عز وجل.
وقوله: ﴿لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ اللام هنا زائدة؛ لأن التقدير: ما يريد الله أن يجعل عليكم من حرج، ويمكن أن نقول: إن اللام هنا على أصلها ليست زائدة، ونقدِّر الكلام: ما يريد الله لأن يجعل عليكم، أي: ما يريد الله لذلك.
وقوله: ﴿لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ﴾ أي: ليصير عليكم من حرج.
و﴿مِنْ﴾ في قوله: ﴿مِنْ حَرَجٍ﴾ زائدة إعرابًا، لكنها لها معنى؛ وهي تأكيد النفي وعمومه، والحرج هو الضيق، أي: إن الله تعالى لم يرد أن يجعل علينا بما فرض علينا من الوضوء والغسل والتيمم شيئًا يضيِّق علينا، ولكن -وهذا استدراك- ولكن يريد ليطهركم، ونقول في ﴿يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ كما قلنا في ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ﴾.
وقوله: ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ أي: طهارة حسية ظاهرة وطهارة معنوية، أما الوضوء والغسل بالماء فالطهارة فيهما حسية ومعنوية؛ أما الحسية فإنها ظاهرة لكون الإنسان يغسل هذه الأعضاء أو يغسل البدن كله فينظفه، وأما المعنوية فلأن في الوضوء تكفير السيئات ومحو الخطيئات، وأما التيمم فإنه طهارة معنوية؛ وذلك لأن فيه كمال التعبد لله عز وجل؛ حيث إن الإنسان يتيمم هذا الصعيد ويمسح به وجهه ويديه.
وقوله هنا: ﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ﴾ يعني: ويريد أيضًا يتم نعمته عليكم، أي بما شرعه لكم من العبادات؛ إذ لولا أن الله شرع لنا هذه العبادات لكان فعلنا لها بدعة تبعدنا عن الله عز وجل، ولكنه شرعها لتكون عبادة له نتقرب بها إلى الله ونتذلل بها عند الله عز وجل.
﴿لَعَلَّكُمْ﴾ (لعل) هنا لأيش؟ للتعليل وليست للترجي؛ لأن الرجاء طلب ما فيه عسر، والله عز وجل لا يتأتَّى في حقه ذلك؛ لأن كل شيء سهل عليه، فتكون هنا للتعليل وهي كثيرة في القرآن بهذا.
﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي: تشكرون الله عز وجل على نعمه، والشكر يكون في القلب، ويكون في اللسان، ويكون في الجوارح.
وعلى هذا قال الشاعر:
أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ مِنِّي ثَلَاثَةً ∗∗∗ يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَالْمُحَجَّبَا
* طالب: (...).
* الشيخ: ما معنى البيت؟ معنى البيت أن نعماءكم عليَّ ملكتم بها يدي ولساني والضمير المحجبَ، فنعماؤكم أفادتكم هذه الثلاثة ملكتموها.
الشكر بالقلب أن يعترف الإنسان بقلبه بأن هذه النعمة من الله عز وجل، ويحب الله عز وجل لذلك، أي: لكونه أنعم، ولهذا جاء في الحديث: «أَحِبُّوا اللَّهَ لِمَا يَغْذُوكُمْ بِهِ مِنَ النِّعَمْ»[[أخرجه الترمذي (٣٧٨٩) من حديث عبد الله بن عباس. ]].
الشكر باللسان: الثناء على الله بها، كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى ١١]، ومن ذلك –أي: من الشكر باللسان- القيام بكل قول يقرِّب إلى الله عز وجل.
أما الثالث فهو الجوارح: أن يقوم الإنسان بما يلزمه نحو هذه النعمة، فمثلًا إذا كانت مالًا فقيامه بشكرها أن يؤدي زكاتها إلى أهلها، وكذلك أيضًا إذا كانت عملًا آخر يحتاج إلى حركة بالجوارح فلا بد من أن يقوم بهذه الحركة، فالشكر إذن محله القلب واللسان والجوارح.
فإذا قال قائل: أيهما أعم الحمد أو الشكر؟
قلنا: بينهما عموم وخصوص وجهيٌّ، ومعنى وجهي أي أن أحدهما أعم من الآخر من وجه وأخص من الآخر، فباعتبار السبب الأخص الشكر؛ لأن سببه النعمة، وأما الحمد فسببه النعمة وكمال للمحمود حتى وإن لم يُنْعِم، ولهذا نحن إذا حمدنا الله عز وجل فإننا نحمده على كمال صفاته، وعلى كماله إنعامه وإحسانه، وأما المتعلَّق فالشكر أعم؛ لأنه يكون بالقلب واللسان والجوارح، والحمد إنما يكون باللسان فقط.
انتهت الآية الكريمة وانتهينا من الكلام عليها فلنرجع الآن إلى فوائدها.
* فمن فوائد هذه الآية الكريمة: أهمية الوضوء للصلاة، وإن شئت فقل: أهمية الطهارة للصلاة بوضوء أو غُسل أو تيمم، وجه الأهمية: أن الله صدَّر الخطاب بالنداء؛ لأن تصدير الخطاب بالنداء يدل على أهميته، فإنك تجد الفرق بين أن تتحدث حديثًا مرسلًا هكذا وبين أن توجه الخطاب إلى المخاطَب، فتقول: يا فلان افعل كذا، اترك كذا، وما أشبه ذلك.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هذه الطهارة من مقتضيات الإيمان، كأنه قال: يا أيها الذين آمنوا لإيمانكم افعلوا كذا وكذا.
* ومن فوائدها: أن الإيمان يَزيد بها، يزيد بالطهارة؛ وضوءًا كانت أو غسلًا أو تيممًا؛ لأنها إذا كانت من مقتضياته لزم أن يزيد بزيادتها وينقص بنقصانها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإخلال بها منافٍ لكمال الإيمان، يعني: لو صليت بدون وضوء، بدون غسل، وبدون تيمم، فإن ذلك ينقص من إيمانك؛ لأنك خوطبت بصفة الإيمان على أن تقوم بهذا.
لكن هل ينافي أصل الإيمان؟ جمهور العلماء: لا، لا ينافي أصل الإيمان، وأن من صلى محدِثًا لم يكفر، وقال أبو حنيفة رحمه الله: إن من صلَّى مُحدِثًا كفر؛ لأنه مستهزئ بآيات الله عز وجل، وعلى هذا فيكون عدم القيام بها منافيًا لأصل الإيمان.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: مشروعية الوضوء أو الغُسل أو التيمم عند كل صلاة، حتى وإن كنت على طهارة، فمثلًا لو توضأت لصلاة الظهر وجاء وقت العصر وأنت على طهارتك نقول: الأفضل أن تتوضأ؛ لقوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾، و(أل) هذه للعموم، ولم أعلم أحدًا من الناس قال: إنه يُشرع إذا قام لكل صلاة موالية للأخرى، كما لو كان يصلي الليل ركعتين ركعتين، ما علمت أن أحدًا قال: كلما فرغ من ركعتين ذهب وتوضأ، ولكن فيما بين الأوقات نعم، ذهب كثير من العلماء إلى أنه يُشرع للإنسان إذا دخل وقت الصلاة الأخرى أن يجدد الوضوء ولو كان على طهارة.
وذهب بعض أهل العلم إلى وجوب الوضوء لكل صلاة، ولكن هذا ضعيف؛ لأنه ثبت عن النبي ﷺ أنه صلى الصلوات الخمس بطُهور واحد[[أخرجه مسلم (٢٧٧ / ٨٦) من حديث بريدة. ]]، ولأنه أمر المستحاضة أن تتوضأ لكل صلاة[[أخرجه البخاري (٢٢٨) من حديث عائشة. ]]، فدل هذا على أن هذا الحكم خاص بالمستحاضة، أعني وجوب الوضوء لكل صلاة.
* ومن فوائد هذه الآية: أن الطهارة لا تجب إلا للصلاة، وعلى هذا فلا تجب لقراءة القرآن، ولا تجب لمس المصحف، ولا تجب للطواف، ولا تجب للسعي، ولا لغيرها من الأعمال الصالحة، وإلى هذا ذهب قوم من أهل العلم أنه لا وضوء إلا للصلاة، ولهذا لما قيل للنبي ﷺ: أتتوضأ؟ من عمل عمله، قال: «إِنِّي لَمْ أُرِدْ أَنْ أُصْلِّي»[[أخرجه مسلم (٣٧٤ / ١٢١) من حديث عبد الله بن عباس بنحوه.]]، أو كما قال عليه الصلاة والسلام، مما يدل على أنه من المعلوم أنه لا وضوء إلا للصلاة، ولا شك أن هذا هو الأصل، وأن من ادَّعى أن غير الصلاة يجب الوضوء له فإن عليه الدليل، وإلا فالأصل أنه لا يجب إلا للصلاة.
فلننظر نقول: مس المصحف اختلف فيه العلماء، هل تجب له الطهارة أو لا؛ فمنهم من قال: إن الطهارة واجبة لمس المصحف، واستدل بعضهم بقوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة ٧٩]، واستدل آخرون بقول النبي ﷺ في الكتاب الذي كتبه لعمرو بن حزم: «أَنْ لَا يَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ»[[أخرجه مالك في الموطأ (٥٣٤). ]].
فأما استدلال الأوَّلِين بقوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ فإنه لا يستقيم؛ لأن الضمير في قوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ﴾ ضمير المفعول به يعود إلى الكتاب المكنون، واقرأ: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة ٧٧ - ٧٩] الضمير يعود إلى أقرب مذكور، وأقرب مذكور هو الكتاب المكنون، وأيضًا يقول: ﴿الْمُطَهَّرُونَ﴾ ولم يقل: إلا المطَّهِّرون، وفرق بين المطَهَّر والمتطهّر، فمن هم المطهَّرون؟ هم الملائكة.
وأما حديث عمرو بن حزم فإن من لا يستدل بالمرسل لا يراه حجة، والحديث مرسل مشهور، يقول: ما دام مرسلًا فالمرسل من قسم الضعيف، فلا نثبت به حكمًا نُلْزِم به عباد الله، فلا يستقيم الدليل، أو لا يستقيم الاستدلال؟
* طلبة: الدليل.
* الشيخ: الدليل، الآية نقول: لا يستقيم الاستدلال، وهذا نقول: لا يستقيم الدليل.
ومن رأى أن هذا الحديث المرسل بعينه حجة لتلقِّي الأمة له بالقبول في الزكاة والديات وغيرها، قال: إنه يكون حجة، إذا كان حجة فقال بعض العلماء: حتى لو ثبت واحتججنا به فيما جاء فيه من الأحكام فإن قوله: «إِلَّا طَاهِرٌ» يحتمل أن يراد بالطاهر المؤمن، ويحتمل أن يُراد به المتوضئ، ومع الاحتمال يبطل الاستدلال، وعلى هذا فلا تجب الطهارة لمس المصحف.
فنقول في رد هذا: نعم، إذا وُجِد الاحتمال بطل الاستدلال هذا إذا تساوى الاحتمالان، فليس أحدهما بأولى من الآخر، وأما مع رُجْحان أحد الاحتمالين فالواجب الأخذ بالراجح، ولو أننا جعلنا لكل نص يحتمل وجهين جعلنا دلالته ساقطة لضاعت علينا أحكام كثيرة وأدلة كثيرة.
فنقول: أيهما أرجح، أن يراد بالطاهر المؤمن أو أن يراد بالطاهر المتوضئ؟ الثاني أرجح؛ لأننا لم نعهد أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يعبِّر عن المؤمن بالطاهر؛ لأن وصف المؤمن أحب إلى النفوس وأقوى في الثناء من وصف الطاهر.
قد يقول قائل: هذا الظاهر الذي قلتم يعارضه أن الرسول عليه الصلاة والسلام ذكر ذلك في الكتاب الذي كتبه لعمرو بن حزم وقد بعثه إلى اليمن، فهذه قرينة على أن المراد بالطاهر المؤمن؛ لأنه متوجِّه إلى قوم كفار يدعوهم إلى الإسلام، وهذا لا شك أنه مؤثر في الاستدلال، لكن كون الرسول عليه الصلاة والسلام لم يستعمل قط كلمة (طاهر) تعبيرًا عن المؤمن يضعِّف هذا الوجه، فالذي يظهر أن مس المصحف لا يجوز إلا بوضوء، هذا هو الظاهر.
بقي علينا الطواف، إذا قال قائل: أين الدليل على أن الطواف تشترط له الطهارة؟
نقول: الدليل قول عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: «الطواف بالبيت صلاة، إلا أن الله أباح فيه الكلام».
وهذا الحديث رُوِيَ مرفوعًا إلى الرسول عليه الصلاة والسلام[[أخرجه الترمذي (٩٦٠)، والدارمي (١٨٨٩) من حديث عبد الله بن عباس. ]]، ورُوِي موقوفًا عن ابن عباس[[أخرجه النسائي في السنن الكبرى (٣٩٣١) عن ابن عباس موقوفًا، وقال الترمذي (٩٦٠): وقد روي هذا الحديث عن ابن طاوس وغيره عن طاوس عن ابن عباس موقوفًا ولا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث عطاء بن السائب. ]]، فرواية المرفوع ضعيفة، يعني لا نقول: إنه تعارض رفع ووقف فيجب الأخذ بالرفع؛ لأن الرافع معه زيادة علم، ولأنه كثيرًا ما يُعبِّر الراوي عما رواه مرفوعًا بقول من عنده فيظن سامعه أنه موقوف عليه؛ لأننا نقول: كلام الرسول عليه الصلاة والسلام لا يتناقض، ولا يخالف الواقع، وهذا متناقض لا يصح طردًا ولا عكسًا.
فلننظر إذا قلنا: إنه صلاة إلا أن الله أباح فيه الكلام، نقول: يجب التكبير عند الدخول فيه، والتسليم عند الانتهاء منه، وقول: سبحان ربي الأعلى، فيه، وسبحان ربي العظيم، والاتجاه إلى القبلة؛ الكعبة، وأن لا يأكل فيه ولا يشرب، وهلم جرَّا، فنجد أنه يخالف الصلاة في أكثر مما يوافقها، وهل يمكن أن يَرِد عن المعصوم كلام تكون المخالفة فيه أكثر من الموافقة؟ لا يمكن أن يَرِد، ولهذا ليس في هذا دليل على أن الطواف تُشْتَرط له الطهارة.
وهنا النظر في الاستدلال أو في الدليل أو فيهما؟ فيهما جميعًا، النظر فيهما جميعًا؛ لأننا لا نقبل مثل هذا الحكم العام الذي تتوافر الدواعي على نقله، ويحتاج الناس إليه في كل وقت وحين، لا يمكن أن نقبله وهو بهذا الثبوت الهشّ، لا بد أن يكون قد تواتر أو اشتهر على الأقل، وثانيًا: أنه لا يمكن أن يكون مرفوعًا؛ لكونه متناقضًا، إذن لا تشترط له الطهارة.
فلو قال قائل: دعونا من هذا الحديث، أليس الطائف إذا طاف لا بد أن يصلِّي؟ فهل تقولون: إن الطائف يصلي بلا وضوء؟
الجواب: لا، لا نقول ذلك، نقول: يطوف ولا يصلي، وليست الصلاة بعد الطواف شرطًا في صحته، فنقول: إن كان الأمر قريبًا ذهب وتوضأ وصلى، وإن كان لا يجد ماء إلا بعيدًا فإن الصلاة تسقط عنه.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences