Ibn 'UthayminAl‑Ma'idah · 5:6

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Al-Ma'idah 5:6, continued

فإذا قال قائل: إن النبي ﷺ بلا شك طاف متطهِّرًا وصلى ركعتين خلف المقام، وقال: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ»[[أخرجه مسلم (١٢٩٧ / ٣١٠)، والبيهقي في السنن الكبرى (٥ / ١٢٥)، واللفظ له، من حديث جابر بن عبد الله. ]]؟ قلنا: هذا الحديث «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ»، ليس على عمومه بالإجماع، وما أكثر المسائل التي يفعلها الرسول وكانت على سبيل الاستحباب، فنحن نقول: المستحب بلا شك أن يطوف على طهارة ولا إشكال في هذا.

أما أن نقول: إن الطهارة شرط للطواف، وأن من طاف محدِثًا فطوافه غير صحيح، حتى ولو لزم من ذلك مشقة عظيمة، كما لو كان الطواف بغير طهارة طواف الإفاضة، ثم قدِم إلى بلده، وقلنا: إن حجك لم يتم قد يكون فيه مشقة شديدة، ويقع ذلك كثيرًا -أعني عدم الطهارة في هذه الأعصار- لأن الزحام يكون شديدًا ومدة الطواف تكون طويلة، وربما يُحدِث الإنسان في أثناء ذلك، فهل نقول: اخرج وتوضأ؟ وإذا قلنا: اخرج وتوضأ، خرج وتوضأ، ثم رجع أحدث، حصل مثل الأول، هذا فيه مشقة شديدة.

على كل حال الذي نرى في هذه المسألة أنه لا يُشترط للطواف وضوء، وهذا الذي ذكرناه هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ويكفينا أن نستدل بهذه الآية، ونقول: أي عمل تشترط له الطهارة فعليك الدليل.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب الغَسل في الوجه؛ لقوله: ﴿فَاغْسِلُوا﴾، ويتفرع من ذلك أنه لو مسح وجهه مسحًا لم يصح وضوؤه؛ لقوله: ﴿اغْسِلُوا﴾.

* ومن فوائد هذه الآية: وجوب استيعاب الوجه بالغَسل، لا بد يغسل كل الوجه؛ لقوله: ﴿وُجُوهَكُمْ﴾.

* ومن فوائد هذه الآية: أنه لا يجب غسل شيء من الرأس، خلافًا لما ذهب إليه بعض الأصوليين، وقال: يجب أن يغسل جزءًا من الرأس؛ لأنه لا يتحقق أنه غسل جميع الوجه إلا بغسل جزء من الرأس، ويجب أن يمسح بعض الوجه؛ لأنه لا يتحقق أنه مسح الرأس كله إلا بمسح بعض الوجه، فيكون عندنا جزء من البدن تجب فيها طهارتان: مسح وغَسل، وهذا خلاف ظاهر القرآن، وهو في الحقيقة نوع من التنطع، فيقال: حد الوجه معروف، وما زاد عن الوجه فليس بواجب أن يُغسَل.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب غَسل الأيدي من أطراف الأصابع إلى المرافق؛ لقوله: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾.

* ومن فوائدها الآية: أنه إذا أراد غسل اليد بدأ من أطراف الأصابع؛ لأن (إلى) تفيد الغاية، فإذا كان المرفق هو الغاية لزم أن يكون أطراف الأصابع هو البداية، لكن هذا فيه شيء من النظر؛ لأن الذي يقال فيه البداية والنهاية إذا جاءت (من) و(إلى)، وأما إذا حُدِّدَتْ النهاية فقط وسُكِتَ عن البداية فإنه لا يدل على أن الأفضل البداية من الجانب الآخر.

بل نقول: هذا تحديد للنهاية فقط؛ لأنه لا بد أن نحدد النهاية مهما كان؛ بدأنا من الأطراف أو من الوسط، وعليه فلا يظهر أنه من المشروع أن تبدأ بغسل أطراف الأصابع ثم تأتي إلى المرفق، بل يقال: الغسل ينتهي بهذا، والبدء من حيث شئت.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن اليد عند الإطلاق هي الكفُّ فقط، وجه الدلالة أن الله قال: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾، ولو كانت اليد عند الإطلاق إلى المرافق لكان هذا القيد لا فائدة فيه، والأمر كذلك، أعني أن الأمر أن اليد عند الإطلاق إنما هي الكف، ولنا دليل في هذا: يد السارق تُقْطَع من مَفْصِل الكف؛ لقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة ٣٨]، ولا يجوز أن يتجاوز مَفصِل الكف، في التيمم إنما يُطهَّر الكف فقط ولا يُتجاوز إلى المرفق، وهذا أمر واضح.

إذن نستفيد من هذا أن اليد إذا أُطْلِقَت فهي الكف فقط، وإن قُيِّدَت فهي بما قُيِّدَت به.

* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب مسح الرأس، وجوب مسحه؛ لقوله: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾، ووجوب استيعاب الرأس بالمسح؛ لأن الباء للاستيعاب، ولم تأتِ في اللغة العربية للتبعيض إطلاقًا أبدًا، قال ابن البرهان: من ادعى أن الباء للتبعيض فقد قال عن أهل اللغة بما لا يعرفون.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لو غسل الرأس بدلًا عن المسح فإنه لا يجزئ؛ لأن الله أمر بالمسح، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ / ١٨) واللفظ له من حديث عائشة.]]، وعلى هذا فلو أدلى برأسه حتى صب الماء من الماسورة وعمَّ جميع الرأس فإنه لا يجزئه.

وقال بعض العلماء: إنه يجزئ مع الكراهة، مستدلًّا بنظر لا بأثر، النظر يقول: إنما وجب مسح الرأس تخفيفًا على العباد، فإذا أراد الإنسان أن يأخذ بما هو أكمل فلا حرج عليه، كما شُرِع للصائم أن يُفطِر عند غروب الشمس، ولو أراد الوصال فله أن يواصل إلى السحر، وبعض العلماء يقول: له أن يواصل اليومين والثلاثة.

لكن هذا القول فيه نظر -أعني القول بإجزاء الغسل بدل المسح فيه نظر- لأن حديث عائشة: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنا فَهُوَ رَدٌّ» » يقتضي رده؛ أي رد الغسل بدل المسح؛ ولأن هذا من باب التنطع في الدين، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ»[[أخرجه مسلم (٢٦٧٠ / ٧) من حديث عبد الله بن مسعود. ]].

* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب غسل الرِّجْل؛ لقوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾، وهي معطوفة على قوله: ﴿وُجُوهَكُمْ﴾ أي: واغسلوا أرجلكم، هذا على قراءة النصب، أما على قراءة الجر فقد قال بعض العلماء: إنه يجزئ المسح -أي مسح القدم- استدل بهذه الآية على جواز الاقتصار على مسح الرجل أخذًا بالقراءة الثانية: ﴿وَأَرْجُلِكُمْ﴾ ، وقال: إن الإنسان يغسل رجله مرة ويمسحها مرة أخرى، يغسلها بناء على قراءة النصب ويمسحها على قراءة الجر، وهذا لولا السنة لكان له نوعٌ من الوجاهة، يعني لكان وجهة نظر جيدة، لكن السُّنة تأبى ذلك، فإن النبي ﷺ كان يغسل قدميه ولم يرِد حرف عنه ﷺ أنه كان يمسحهما، بل إنه لما رأى بعض أصحابه قد غسل رجليه بما ليس بغَسل نادى بأعلى صوته: «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠)، ومسلم (٢٤١ / ٢٧) من حديث عبد الله بن عمرو.]]، فدل ذلك على وجوب غسل القدم، إذن كيف نُنَزِّل الآية؟ نُنَزِّل الآية إما من جهة الإعراب ننزلها على ما سبق أن بعض أهل العربية قال: إنها مجرورة بالمجاورة، وأن محلها حقيقةً النصب، أو ننزِّلها على أن الرِّجل لها حالان: حال تكون مستورة، وحال تكون مكشوفة؛ فإذا كانت مكشوفة فالفرض الغَسل، وإذا كانت مستورة فالفرض المسح؛ ولهذا لم يأت مثله في اليدين؛ لأن اليدين ما فيهما مسح، حتى «أن الرسول عليه الصلاة والسلام لما كان عليه الجبة الشامية وصعب عليه أن يُخرج يده من الكم أخرج الكم من اليد، وأخرج يده من أسفل الجبة، وغسلها عليه الصلاة والسلام»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٦٣)، ومسلم (٢٧٤ / ٧٧) من حديث المغيرة بن شعبة.]]، كما هو ثابت في الصحيح.

إذن نأخذ من القراءتين وجوب غسل الرِّجل، متى؟ إذا كانت مكشوفة، ومسحها إذا كانت مستورة، فيكون فيها إشارة إلى المسح على الخفين.

وبناء على ذلك هل الأفضل للابس الخفين أن يخلعهما ويغسل القدمين، أو أن يمسحهما؟ الثاني هو الأفضل، ويدل له أن المغيرة بن شعبة لما أراد أن يخلع خُفَّي النبي ﷺ قال: «دَعْهُمَا؛ فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٠٦)، ومسلم (٢٧٤ / ٧٩). ]]، فمسح عليهما.

* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب غَسل الرجل إلى الكعب؛ لقوله: ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾.

فهل نقول: إن الرِّجل أو القدم إذا أُطلِق يكون لما دون الكعبين كما قلنا في اليدين؟ الجواب: نعم؛ وذلك أن الرِّجل عند الإطلاق حَدُّها مفصِل العَقِب، كما تعلمون أن قُطَّاع الطريق الذين تُقْطَع أيديهم وأرجلهم من خلاف يُقطعون من أي مكان في الرِّجل؟ من مَفْصِل العقب، ويبقى العقب غير مقطوع، وهنا إذا قلنا: الرجل إلى الكعبين، دخل العقب؛ لأن الكعبين هما العظمان الناتئان في أسفل الساق.

وذهبت الرافضة إلى أن الكعبين هما العظمان الناتئان على ظهر القدم، قال ابن كثير رحمه الله: وقد خالفوا أهل السنة في تطهير الرِّجل من وجوه ثلاثة؛ الوجه الأول: أنهم جعلوا حد التطهير إلى العظم الناتئ على ظهر القدم، الوجه الثاني: أنهم قالوا: إن الواجب في الرجل هو المسح دون الغَسْل، الوجه الثالث: أنهم أنكروا المسح على الخفين؛ قالوا: لا يجوز المسح على الخفين، والعجب أنهم أنكروا ذلك مع أن من جملة رواة المسح الإمام علي بن أبي طالب إمام الأئمة عندهم، ومع ذلك خالفوه.

على كل حال لسنا الآن في موضع نقاش مع هذا الرأي، ولكن نقول: إن الكعبين هما العظمان الناتئان في أسفل الساق.

* طالب: الطهارة في الطواف؟ كيف الإجابة عن حديث عائشة رضي الله عنها: «افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ حَتَّى تَطْهِرينَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٠٥)، ومسلم (١٢١١ / ١٢٠) من حديث عائشة. ]]؟

* الشيخ: أحسنت بارك الله فيك، هذا جيد؟

* الطالب: وقوله لصفية: «أَحَابِسَتُنَا»[[متفق عليه؛ البخاري (١٧٣٣)، ومسلم (١٢١١ / ٣٨٢) من حديث عائشة. ]].

* الشيخ: نعم، بارك الله فيك، الرسول عليه الصلاة والسلام منع عائشة من الطواف، وكذلك أيضًا صفية، لكن هل هي عائشة وصفية هل عليهما الوضوء؟ ولَّا عليهما الحيض؟ والحائض لا يرخَّص لها في البقاء في المسجد، ولهذا لو اضطرت الحائض إلى أن تطوف قلنا لها: طوفي، ولكن تلجَّمي حتى لا يتلوث المسجد بالدم وطوفي للضرورة.

* طالب: (...) على القول الراجح بعدم إجزاء غسل الرأس بدلًا عن المسح، الذي يغتسل غسل جنابة ولا يتوضأ، فما هي السنة؟ هل نزول الماء من فوق عليه لا يجزئه؟

* الشيخ: هو لما كان عليه جنابة دخل الوضوء في الغُسل، وصار الحكم للغسل، فلا بد في هذه الحال إذا كان لا يريد الوضوء لا بد أن يغسل رأسه؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله.

* طالب: بارك الله فيك، إذا غسل رأسه بيده، ما يتحقق فيها أنه جمع بين الغسل والمسح؟

* الشيخ: كيف إذا؟

* الطالب: إذا غسل رأسه بيده حفن بالماء على رأسه ووضعها تحت..

* الشيخ: هو إذا أمرّ يده عليه صار ماسحًا.

* الطالب: وأجزأه.

* الشيخ: ليس يجزئ، لكنه مكروه؛ لمخالفته الصفة المطلوبة في الوضوء؛ لأنه مَسَح.

* طالب: كيف الجواب على مسألة مس المصحف؛ يقولون:« إن النبي ﷺ كان يذكر الله على كل أحيانه »[[أخرجه مسلم (٣٧٣ / ١١٧) من حديث عائشة. ]]، ويستلزم من ذلك أن يمس المصحف؟

* الشيخ: وهل ذكر الله عز وجل عام ولَّا خاص؟ عام، يذكر الله، يعني عام الذكر ولّا غير عام؟

* الطالب: عام.

* الشيخ: عام، هل يجوز أن يخصَّص العام أو لا؟

* الطالب: يجوز.

* الشيخ: هذا هو، نقول: هذا العموم إن سلَّمنا أن القرآن يدخل في مطلق الذكر، قلنا: هذا العموم دلَّ الدليل على أن القرآن لا بد أن يمسه الإنسان وهو طاهر، ثم إننا نقول: لا؛ لأن ما هي المسألة قراءة القرآن، المسألة مس المصحف، فهو غير داخل في هذا إطلاقًا، والرسول يقرأ القرآن بلا مصحف؛ لذلك يظن بعض الناس أن هذا الحديث يعارض القول بوجوب الوضوء لمس المصحف، وهما مسألتان كل واحدة مستقلة عن الأخرى؛ ولهذا نقول لمن ليس على وضوء: إذا أردت أن تقرأ من المصحف فاجعل بينك وبينه حائلًا واقرأ.

* طالب: (...)؟

* الشيخ: إي نعم، قلنا: إنه مرسل لكن العلماء تلقوه بالقبول، والمرسل إذا تلقته الأمة بالقبول وعملت به دلَّ ذلك على أن له أصلًا، وهذه من الفائدة الحديثية التي تفوت على كثير من الناس، وهذا مشهور عند العلماء، وما أحسن البحث الذي ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مقدمة التفسير حول هذه الأمور.

* طالب: شيخ، بعض العلماء ضعف الحديث، فكيف (...)؟

* الشيخ: صححه غيره، العلماء الذين أخذوا به في الديات وأخذوا به في الزكاة، وأسنان الإبل، قد اعتبروه دليلًا.

* طالب: ما المراد بـ(...)؟

* الشيخ: يعني عملوا به، وأخذوا به، إن كان خبرًا فبالتصديق، وإن كان عملًا فباعتباره حكمًا.

* الطالب: (...) البعض وأراد البعض.

* الشيخ: يكفي عنده، إذا أخذ به الأئمة يكفي.

* طالب: ما تذكر الآية غسل اليدين قبل الوجه، لم يدل على عدم الوجوب، ولكن لو قيل: بأن الوجوب يؤخذ من مداومة النبي ﷺ عليها؟

* الشيخ: لو قيل بهذا رددناه بقوله عليه الصلاة والسلام: «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا»[[متفق عليه؛ البخاري (١٦٢)، ومسلم (٢٧٨ / ٨٧) واللفظ له من حديث أبي هريرة. ]]، فأوجب الغسل فيما إذا كان قد قام من نوم الليل.

* الطالب: ولكن الوجوب للفعل.

* الشيخ: ما يدل على هذا، فما دام عندنا نص من القرآن وظاهر السنة يكفي.

* طالب: استدلوا على الوجوب في بعض الأحكام.

* الشيخ: صحيح في بعض الأحكام، لكن ما فيه معارض، التي استدلنا بالمداومة على الوجوب في بعض الأحيان ليس لها معارض، هنا لها معارض وهو ظاهر الآية.

* طالب: فتح الله عليك يا شيخ، الرسول ﷺ لما (...) الجنابة، قال: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٨٥)، ومسلم (٣٧١) من حديث أبي هريرة. ]] (...).

* الشيخ: إي نعم، هذا يدل على أن الإنسان طاهر حتى لو كان عليه جنابة، فهو طاهر.

* الطالب: وإن استدلوا به يا شيخ، على (...).

* الشيخ: لا، ما يصح هذا، عندنا دليل.

* * *

* الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ إلى آخره.

* من فوائد الآية: وجوب غسل الرجلين إلى الكعبين، والكعبان داخلان في الغَسل كما هو معروف.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب الترتيب بين الأعضاء في الوضوء، ولذلك وجهان؛ الوجه الأول: أن قوله: ﴿فَاغْسِلُوا﴾ جواب للشرط، والجواب للشرط يكون مرتبًا في ذاته كما هو مرتَّب على فعل الشرط: إذا قمتم فاغسلوا، فقوله: ﴿اغْسِلُوا﴾ إلى آخره مرتَّب على ﴿إِذَا قُمْتُمْ﴾، فإذا كان كذلك لزم أن يكون هذا الفعل المرتَّب على شيء هو بنفسه مرتَّبًا، هذا وجه.

الوجه الآخر: أن الله أدخل الممسوح بين المغسولات، ولا نعلم لهذا فائدة إلا الترتيب، وهو أن يكون تطهير الرأس في محله، أي بين غسل اليدين وغسل الرجلين، هذا مأخوذ من الآية نفسها، أما من السُّنَّة فقد قال النبي ﷺ حين أقبل على الصفا بعد الطواف وأراد السعي قال: «أَبَدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ»[[أخرجه مسلم (١٢١٨ / ١٤٧ ) من حديث جابر بن عبد الله.]]، وفي لفظ في غير الصحيح قال: «ابْدَؤُوا»[[أخرجه النسائي (٢٩٦٢)، والدارقطني (٢٥٧٧) واللفظ له. ]] بلفظ الأمر، وهذا يدل على أن ما بدأ الله به فهو أحق بالتقديم، وعلى هذا يكون دليل الترتيب من وجهين في الآية، ومن دليل منفصل من السنة.

* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الموالاة، وجهه أن غسل هذه الأعضاء جاء مرتَّبًا على الشرط، فلا بد أن يكون أجزاء هذا الفعل المرتَّب على الشرط لا بد أن تكون متوالية؛ لأن الشرط يَعقُبه المشروط، هذا وجه الدلالة من الآية، أما من حيث النظر فيقال: إن الوضوء عبادة واحدة، فإذا جَزَّأَهُ لم يظهر كونه عبادة واحدة، يعني لو غسل وجهه في الساعة الواحدة وغسل يديه في الساعة الثانية، ومسح رأسه في الساعة الثالثة، وغسل رجليه في الساعة الرابعة، فإنه لا يتبين أن هذا عبادة واحدة، إذن لا بد من الموالاة، ولكن كيف نحدّ الموالاة؟

من العلماء من قال: إننا لا نحدها بحد، ونقول: ما جرى العرف فيه أنه منفصل فقد فاتت فيه الموالاة، وما لم يجرِ العرف أنه منفصل فهو متصل، وحَدَّه بعض العلماء بحدٍّ آخر قد يكون أكثر انضباطًا، وقال: حد الموالاة أن لا ينشف العضو قبل غسل الذي بعده بزمن معتدل، وهذا هو المشهور من المذهب، وبناء على ذلك لو أنه يَبِسَ العضو قبل أن يغسل الثاني في زمن معتدل لانقطعت الموالاة، وإذا انقطعت الموالاة وجب إعادة الوضوء من الأول.

يتفرع عن هذا والذي قبله لو أنه توضأ مُنَكِّسًا، فبدأ بالرجلين ثم الرأس ثم اليدين ثم الوجه، هل يصح الوضوء أم لا؟

الجواب: إن كان عبثًا فغير صحيح، لا يصح أي عضو من الأعضاء إن كان عبثًا، بل قد يكون خطرًا على دين المرء أن يعبث بشريعة الله، وإن كان نسيانًا أو جهلًا صح غسل الوجه فقط، ثم يُطَهِّر ما بعده، هذا في الترتيب؛ لأنه إذا كان عابثًا فقد عمل عملًا ليس عليه أمر الله ورسوله فيكون مردودًا كله، وإن كان ناسيًا أو جاهلًا فإنه معفوٌّ عنه، وحينئذ نقول: كأنك ابتدأت من الآن فغسلت الوجه فأكمل الباقي.

* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب غسل البدن كاملًا من الجَنَابة؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾.

* ومن فوائدها: أنه لا يشترط في الغُسْلِ ترتيب، وأن الغسل لو بدأ من أسفل بدنه أو من وسط بدنه أو من أعلى بدنه وعَمَّه بالماء كان ذلك مجزئًا؛ لأن الله تعالى قال: ﴿اطَّهَّرُوا﴾ ولم يفصِّل.

وقال بعض الناس: بل يجب الغسل كما اغتسل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقال: إن هذه الآية مجمَلة، بيَّنتها السنة النبوية، وعلى هذا فلا بد أن يكون الاغتسال كاغتسال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قال: وهذا كقوله: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [الأنعام ٧٢]، فبيَّن الرسول عليه الصلاة والسلام كيف إقامتها، وقال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي»[[أخرجه البخاري (٦٣١) من حديث مالك بن الحويرث. ]].

ولكن هذا ضعيف، والصواب أنه لا يُشترط فيه الترتيب، ويدل لذلك أنه ثبت في صحيح البخاري[[(٣٤٤) من حديث عمران بن حصين. ]] في قصة الرجل الذي لم يره النبي ﷺ يصلي بعد أن انتهى من صلاته، «فسأله: «لِمَاذَا لَمْ تُصَلِّ؟»، قال: أصابتني جنابة ولا ماء، يعني ليس عندي ماءٌ أغتسلُ به، فقال: «عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ». وبعد ذلك جِيء بالماء وانتهى الناس من الشرب وسقْيِ إبلهم، ثم قال النبي ﷺ حين بقي بقية قال لهذا الرجل: «خُذْ هَذَا فَأَفْرِغْهُ عَلَى نَفْسِكَ»، فأخذه الرجل واغتسل.

ووجه الدلالة أن النبي ﷺ لم يذكر له كيف يغتسل، قال: «أَفْرِغْهُ عَلَى نَفْسِكَ»، وعلى هذا فيكون هذا الحديث موافقًا لظاهر القرآن؛ وهو أن الواجب في الغُسل أن يعمَّ البدن على أي كيفية كانت، لكن لا شك أن اتباع السنة أولى.

فإن قال قائل: إذا انغمس الرجل في بِرْكَة أو في بحر ناويًا قطع الحدث من الجنابة ثم خرج يكفي؟ نقول: نعم، يكفي، لكن لا بد من المضمضة والاستنشاق.

ثم قال النبي ﷺ حين بقي بقية قال لهذا الرجل: «خُذْ هَذَا فَأَفْرِغْهُ عَلَى نَفْسِكَ»، فأخذه الرجل واغتسل»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٤٨)، ومسلم (٦٨٢ / ٣١٢) من حديث عمران بن حصين الخزاعي. ]]، ووجه الدلالة أن النبي ﷺ لم يذكر له كيف يغتسل، قال: «أَفْرِغْهُ عَلَى نَفْسِكَ»، وعلى هذا فيكون هذا الحديث موافقًا لظاهر القرآن؛ وهو أن الواجب في الغُسل أن يعم البدن على أي كيفية كانت، لكن لا شك أن اتباع السنة أولى.

فإن قال قائل: إذا انغمس الرجل في بِرْكَة أو في بحر ناويًا قطع الحدث من الجنابة ثم خرج يكفي؟

نقول: نعم، يكفي، لكن لا بد من المضمضة والاستنشاق.

* ومن فوائد هذه الآية: أنه لا تشترط الموالاة في الغسل، فيجوز أن يغتسل بعض بدنه في أول النهار وبعض بدنه في آخر النهار؛ لأنه يصدق عليه أنه اطَّهَّر، وليس كالوضوء الذي رُتِّب على شرط فصار لا بد فيه من الموالاة، وهذا هو المشهور من المذهب، ولكن الراجح أنه لا بد من الموالاة، وأنه لو غسل بعض جسده ثم ترك الباقي حتى نشف فإنه لا بد أن يعيد ما غسله أولًا، والتعليل أن هذه عبادة واحدة فلا بد من أن تتوالى أجزاؤها.

* ومن فوائد هذه الآية: أن غسل الجنابة تُسْتَباح به الصلاة، وأنه لا يجب الوضوء معه، وجه الدلالة أن الله قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾، ولم يذكر وضوءًا حتى لو لم ينوِ إلا رفع الحدث الأكبر فإنه يجزئه؛ لعموم الآية، ولا شك أن المغتسل إما أن ينوي رفع الحدثين، أو ينوي رفع الحدث، أو ينوي استباحة الصلاة.

إن نوى رفع الحدثين أجزأه ولا إشكال؛ لقوله ﷺ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لُكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى»[[متفق عليه؛ البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧ / ١٥٥) من حديث عمر بن الخطاب . ]]، وإن نوى استباحة الصلاة أجزأه أيضًا، فلا شك أنه يرتفع الحدث الأصغر والأكبر، وجهه أن الصلاة لا تُستباح إلا بذلك.

وإن نوى رفع الحدث الأكبر فقط فمن العلماء من قال: إنه لا يجزئ عن الحدث الأصغر، ومنهم من قال: إنه يجزئ، وهو الراجح -أنه يجزئ-؛ لأن الله لم يذكر سوى ذلك.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن المرض من أسباب جواز التيمم؛ لقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ يعني: فتيمموا، ولكن الآية الكريمة: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾، فظاهر الآية أن المريض لا يتيمم إلا إذا عدم الماء، فإما أن نأخذ بظاهر الآية ونقول: المريض لا يتيمم إلا إذا عدم الماء، وحينئذ يبقى التقييد بالمرض لا فائدة فيه، لماذا؟ لأن من لم يجد الماء يباح له التيمم، سواء كان مريضًا أو لا.

فيقال في الجواب -والله أعلم-: إن قوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ يدل على أن المراد المريض الذي يلحقه الحرج من استعمال الماء، وأما التقييد بعدم وجود الماء فهو للمسافر؛ لأن المسافر لا يشق عليه استعمال الماء إذا وجده ولا يلحقه حرج به، فيكون تيمم المسافر مشروطًا بأيش؟ بعدم وجود الماء، ويكون تيمم المريض مشروطًا بوجود الحرج؛ لقوله: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الدين يسر، سواء من أصل المشروعات الشرعية، أو إذا طرأ موجِب، سواء كان من أصل المشروعات أو إذا وجد سبب للرخصة؛ لأن المشقة تجلب التيسير، لكنها لا تُسقط الواجب إلا في حدود الشرع.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يجب التطهر بغير الماء، يعني: لو كان مع الإنسان نبيذ أو شاهي مثلًا أو لبن فإنه لا يتطهر به، لا يجب عليه؛ لأن الله جعل آلة الطهارة هي الماء، ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الماء ما دام يطلق عليه الماء أو اسم الماء، فإنه مطهِّر ولو تغير بشيء طاهر؛ لعموم الآية: ﴿تَجِدُوا مَاءً﴾، وكما تعلمون أن (ماء) نكرة في سياق النفي، فما دام اسم الماء باقيًا فإنه يجب التطهر به ولو مع التغير.

* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب طلب الماء؛ لقوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾، قال العلماء: ولا يقال: لم يجد، إلا لمن طلب، فيقول: طلبت فلم أجد، أما إنسان باقٍ قاعدًا ويقول: لم أجد! هذا غير صحيح.

ولكن كيف يكون هذا الطلب؟ هل يجب عليه أن يطلب الماء من مسافات بعيدة، أو بقدر ما لا يكون فيه مشقة؟ الثاني، يعني يجب عليه أن يطلب الماء في الأماكن القريبة منه التي لا يلحقه حرج بطلب الماء فيها.

فإن قال قائل: لو كان في أرض ولا يعلم أن حوله ماء، ثم وجد الماء بعد الصلاة قريبًا منه، أيعيدُ أو لا؟ نقول: إذا كان يعلم أنه لا ماء فيها، وأن الماء حدث من بعد، كأرض مثلًا حُفِر فيها ارتوازي بعد خبرته فهذا لا يعيد؛ لأنه جاهل، أما إذا كان لم يطلب ثم وجد الماء بعد صلاته فهذا عليه الإعادة؛ وذلك لأنه مُفرِّط، حيث لم يطلب، والله عز وجل يقول: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: جواز التيمم على ظهر الأرض أيًّا كان؛ لقوله: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا﴾، سواء كان الصعيد رمليًّا، أو حجريًّا، أو سبخة، أو يابسًا، أو رطبًا -يعني نديًّا- المهم أنه يسمى صعيدًا.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا ينقُض الوضوء إلا الغائط، سواء ببول أو بعَذْرَة؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾، ولم يذكر سوى ذلك؛ ولهذا لم يُجْمِع العلماء على نواقض الوضوء إلا على هذا، أي: ما خرج من السبيلين؛ القبل أو الدبر، وما عدا ذلك ففيه خلاف، كل النواقض ما عدا هذا فيها خلاف.

وعليه فنقول: القرآن دل على ناقض واحد من نواقض الوضوء وهو الخارج من السبيلين؛ من بول أو غائط، والبقيَّة تحتاج إلى دليل، فإن وُجد دليل من السنة أخذنا به، وإن لم يوجد فالأصل بقاء الوضوء؛ لأن الإنسان توضأ بمقتضى دليل شرعي، وارتفع حدثه بمقتضى دليل شرعي، فلا يمكن أن ننقض هذا إلا بدليل شرعي، فلننظر.

من العلماء من قال: في الآية دليل على أن مس المرأة ينقض الوضوء؛ لقوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾، وفي قراءة: ﴿أَوْ لَمَسْتُمْ﴾ ، ولكن سبق في التفسير أن قلنا: إن القول الراجح المتعيِّن أن المراد بالملامسة الجماع، وبيّنَّا وجه ذلك فيما سبق أثرًا ونظرًا، ولعلكم تذكرون إن شاء الله.

ننظر الآن بقية النواقض؛ الخارج من السبيلين عرفنا أنه ناقض بمقتضى الآية الكريمة، الخارج من بقية البدن لا ينقض الوضوء كالدم وما تفرع منه، والقيء، والعرق، والريق، وما أشبه ذلك، كل هذا لا ينقض الوضوء.

فإن ادعى أحد أن شيئًا من هذا ينقض الوضوء قلنا: هات الدليل، الصحابة رضي الله عنهم كانوا يصابون بالجراح وكانوا يقيئون ومع ذلك ولشدة دعاء الحاجة إلى بيانه لم يرد عن النبي ﷺ على وجه يَثْبُت أن ذلك ناقض الوضوء، وعلى هذا فلا نقض.

الثالث: لمس المرأة من تقبيل أو مباشرة، أو غير ذلك سوى الجماع، ليس في السنة ما يدل على أنه ناقض الوضوء، إلا إذا خرج شيء فهذا يكون النقض بالخارج، وعلى هذا فلو أن الإنسان قبَّل زوجته وهو على وضوء ولم يخرج منه شيء فوضوؤه باقٍ بحاله، هذا كم؟ ثلاثة؟ نعم.

الرابع: النوم، النوم أيضًا فيه خلاف، فيه خلاف يبلغ إلى ثمانية أقوال؛ هل ينقض أو لا ينقض، والصحيح أنه ناقض، لكن بشرط أن يكون مَظِنَّة الحدث؛ وهو النوم المستغرِق الذي لو أحدث الإنسان فيه لم يُحِسَّ بنفسه، وأما النوم اليسير الذي يتراءى للإنسان الأحلام، ولكنه صاحٍ لو أحدث لأحس، فهذا لا ينقض الوضوء، وقد كان الصحابة رضي الله عنهم ينتظرون العِشاء الآخرة حتى تَخْفِق رؤوسهم ثم يصلون ولا يتوضؤون، وأمر النبي ﷺ من نعس في صلاته أن ينصرف، قال: «لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي أَيَدْعُو لِنَفْسِهِ أَمْ يَدْعُو عَلَيْهَا» »[[متفق عليه؛ البخاري (٢١٢)، ومسلم (٧٨٦ / ٢٢٢) من حديث عائشة، ولفظه: «إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَرْقُدْ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا صَلَّى وَهُوَ نَاعِسٌ لَعَلَّهُ يَذْهَبُ يَسْتَغْفِرُ فَيَسُبُّ نَفْسَهُ».]]، أو كما قال ﷺ، فدل ذلك على أن النوم اليسير لا ينقض الوضوء.

ولكن ما هو النوم اليسير؟ النوم اليسير هو الذي لو أحدث الإنسان حال نومه لأحس بنفسه، ولا فرق بين أن يكون مضطجعًا، أو متكئًا، أو جالسًا، أو قائمًا، أو راكعًا، وبعد ذلك؟

الخامس: أكل لحم الجزور، أكل لحم الجزور فيه خلاف، والنقض به من مفردات الإمام أحمد رحمه الله تعالى، والأئمة الثلاثة كلهم على خلافه، لكن الرجوع للدليل هو الحاكم، ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «تَوَضَّؤُوا مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ»[[أخرجه مسلم (٣٦٠ / ٩٧) من حديث جابر بن سمرة، وابن ماجه (٤٩٧) واللفظ له، من حديث عبد الله بن عمر.]]، وأنه «سُئِل: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: «نَعَمْ»، وسُئِل عن الوضوء من لحوم الغنم قال: «إِنْ شِئْتَ»، وهذا يدل على وجوب الوضوء من أكل لحم الإبل، والدليل أنه خَيَّر بين الوضوء وتركه في أكل لحم الغنم، وقال في لحم الإبل: نعم، توضأ، فإذا خَيَّرَ في لحم الغنم دلَّ على أن لحم الإبل لا خيار فيه، وأنه لا بد أن يتوضأ منه، ولا فرق بين أن يكون نيئًا أو مطبوخًا.

فإذا قال قائل: إنه قد ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام فيما رواه أهل السنن من حديث جابر رضي الله عنه: «أن آخر الأمرين من رسول الله ﷺ هو ترك الوضوء مما مست النار»[[أخرجه البخاري (٥٤٥٧)، وأبو داود (١٩٢) والنسائي (١٨٥) واللفظ لهما، والترمذي (٨٠)، وابن ماجه (٤٨٩) كلاهما بنحوه.]]، و(ما) اسم الموصول يشمل لحم الإبل وغيرها؟

فالجواب: أن هذا عام، ولحم الإبل خاص، ومعلوم أن الخاص يقضي على العام، وإنما قال جابر ذلك؛ لأن النبي ﷺ أمر أولًا أن يتوضأ الإنسان إذا أكل ما مسته النار، حتى الخبز إذا أكلها يتوضأ منها، ثم بعد ذلك نُسِخَ هذا الأمر، وصار الوضوء مما مست النار ليس بواجب، ما الذي بقي؟

مسّ الفرج، مسّ الذكر أيضًا فيه خلاف بين العلماء، واختلفت فيه الأحاديث؛ ففي بعضها الأمر بالوضوء، وفي بعضها أن لا وضوء منه، وعلل النبي عليه الصلاة والسلام عدم الوضوء منه بأنه بَضْعَة منك، «لما سئل عن رجل يمس ذكره في الصلاة أعليه الوضوء؟ قال: «لَا، إِنَّمَا هُوَ بَضْعَةٌ مِنْكَ»[[أخرجه أبو داود (١٨٢) والترمذي (٨٥) واللفظ له من حديث طلق بن علي. ]]، والبَضْعَة يعني الجزء، ومعلوم أن الإنسان إذا مس جزءًا منه لا ينتقض الوضوء، لو مسّ رأسه، أو مس يده الأخرى، أو مس رجله، أو بطنه، أو ظهره لم ينتقض وضوؤه، فكذلك إذا مسّ ذَكَرَه، كلها أعضاء.

وهذا التعليل تعليل بعلة ثابتة لا يمكن أن تتغير؛ لأنه لا يمكن أن يكون ذَكَرُ الإنسان غير بَضْعَة منه، فهو لا يتغير، وإذا كانت العلة لا يمكن أن تتغير صار الحكم لا يمكن أن يتغير، ثم إن العلة هنا خبر من الرسول عليه الصلاة والسلام؛ عِلَّة منصوصة بلفظ الخبر، والخبر لا يمكن أن يتخلف، وعلى هذا فلا وضوء من مَسِّ الذَّكَرِ.

لكن قد ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام حديث آخر يقابله؛ أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ»[[أخرجه أبو داود (١٨١)، والترمذي (٨٢) من حديث بسرة بنت صفوان.]]، وهذا عام، «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ»، فيقال: هذا الحديث عام، وإن شئت فقل: مطلق، «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ»، (مَسَّ)، وإذا كان كذلك وجب أن يُحْمَل على معنى لا ينافي الحديث الأول، فما هو المعنى الذي لا ينافيه؟

نقول: إذا مس الإنسان ذكره كما يمس بقية أعضائه فإنه لا وضوء عليه؛ لأنه بضعة منه، أما إذا مسّ للمعنى الذي يختص بالذكر وهو الشهوة فعليه الوضوء؛ لأنه في هذه الحال ليس مَسُّه كمسّ بضعة من الإنسان، بل مسّه المسّ الذي يختص بالذكر وهو الشهوة؛ ولأن الشهوة مَظِنَّةُ الحدث؛ لأن الإنسان قد يُمْذِي بدون أن يشعر بذلك، فألحقت المظنة باليقين.

وعليه فيكون الراجح في هذه المسألة أن من مسّ ذكره لشهوة انتقض وضوؤه ووجب عليه الوضوء، ومن مسّه لغير شهوة فلا وضوء عليه، وهذا أعجب الأقوال، وفيه الجمع بين الأقوال أيضًا؛ لأنك إذا قلت: لا وضوء، وافقت قول من يقول: لا وضوء فيه مطلقًا، وإذا قلت: فيه الوضوء، وافقت قول من يقول: إن فيه الوضوء مطلقًا، ويكون هذا التفصيل هو التحصيل.

باقي تغسيل الميت، تغسيل الميت لا دليل عليه، حديثه ضعيف، ولا دليل على أنه ناقض للوضوء، وعلى هذا فلا يكون ناقضًا للوضوء، حتى لو قلنا: إن الميت كله عورة؛ فإنه لا ينتقض وضوء غاسله، بقي..

* الطلبة: حمل الجنازة.

* الشيخ: لا، حمل الجنازة ما ينقض الوضوء، ولا أظن أحدًا قال به.

بقي لنا الردة، الردة في الواقع أنها تُحْبِطُ الأعمال كلها، ولكن الله اشترط لحبوط العمل بها أن يموت الإنسان على الكفر، لكن إذا قلنا بأنه يجب على من أسلم أن يغتسل، صار الوضوء واجبًا من هذه الناحية، ووجوب الاغتسال لمن أسلم فيه خلاف أيضًا، وربما يُذْكَر في مكان آخر.

* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن التيمم جائز في الحدث الأصغر، وفي الحدث الأكبر؛ لأن الآية واضحة: ﴿إِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾، ثم قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾، ذكر الله التيمم بعد الوضوء، وبعد الغسل من الجنابة، فيكون في ذلك دليل على أن من عليه غُسْل الجنابة إذا لم يجد الماء فإنه يتيمم ويصلي، وهذه المسألة صار فيها خلاف قديم، حتى إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنكر على عمار بن ياسر الإفتاء بجواز التيمُّم للجنب، وكان يرى -أي عمر- أن من كان عليه جنابة ينتظر حتى يصل إلى الماء ثم يغتسل، ولكن عمار بن ياسر ذَكَّره، رضي الله عنه ذكَّره «أن النبي ﷺ بعثه هو وعمر في حاجة، وأن عمار بن ياسر أجنب فتمرغ في الصعيد كما تتمرغ الدابة » ظنًّا منه رضي الله عنه أن طهارة التيمم كطهارة الماء، ومعلوم أن الجنب يجب عليه في طهارة الماء أن يَعُم بدنه، فظن أن طهارة التراب كذلك، «فتمرغ في التراب، ثم لما قدم إلى النبي ﷺ أخبره، فأخبره النبي ﷺ أنه يكفيه أن يمسح وجهه ويديه، ثم قال عمار: يا أمير المؤمنين، إن شئت أن لا أُحَدِّث به لما أوجب الله عَلَيَّ من طاعتك فعلتُ، قال: لا، نُوَلِّيكَ ما تَوَلَّيْتَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٨)، ومسلم (٣٦٨ / ١١٢) من حديث عمار بن ياسر، والسياق للنسائي (٢٩٨) من حديث عمار.]]، يعني: فحدِّث به، فجعل يحدث به، ثم إن الأمة أجمعت بعد ذلك على أن التيمم يكون في الجنابة، ويكون في الحدث الأصغر.

* طالب: بارك الله فيكم، عند الذين يقولون بنقض مس الفرج مطلقًا، هل يقولون هذا في الصغير؟

* الشيخ: لا، الصغير يقيدونه بما إذا كان له سبع سنوات، وأظن بعضهم يرى الإطلاق، لكن كما رأيتم أن القول الراجح أنه لا بد من شهوة.

* طالب: المريض إذا أصابته جنابة وتيمم، ثم بعد ذلك أراد أن يصلي وكان يستطيع أن يتوضأ، هل يتوضأ أو يكفيه التيمم للصلاة؟

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском