Ibn 'UthayminAl‑Ma'idah · 5:6–7

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Al-Ma'idah 5:6–7, continued

* الشيخ: هذا سؤال مهم، يقول: إذا كان المريض لا يستطيع أن يغتسل، فهل يلزمه الوضوء؟ وإذا كان أيضًا عادمُ الماء وهو عليه الجنابة لم يجد إلا ماء يكفي لوضوئه فهل يتوضأ؟ الظاهر: نعم؛ لأنه لا شك أن الوضوء يخفف الجنابة؛ ولهذا قال النبي ﷺ في الرجل ينام وهو جُنُب، قال: «نَعَمْ، إِذَا تَوَضَّأَ»، وكان أيضًا الجُنُب إذا أراد الجلوس في المسجد يتوضأ، فإذا كان الوضوء له تأثير في تخفيف الجنابة فليتوضأ.

* طالب: هل يجب على الراجي الماء أن يؤخر الصلاة إلى آخر وقتها؟

* الشيخ: لا يجب عليه ذلك؛ لأنه توجَّه إليه الأمر من أول الصلاة، لكن التأخير أفضل.

* طالب: إذا أجنب رجل ولم يجد الماء وكان جاهلًا بحكم التيمم، ففعل مثل ما فعل عمار، فهل يجزئ هذا عنه أو يتيمم مرة أخرى؟

* الشيخ: ما ظنك بإفتاء الرسول عليه الصلاة والسلام لعمار؟ هل أمره أن يعيد؟ ما أمره.

* الطالب: لكن هذا قد نزل الحكم.

* الشيخ: كيف؟

* الطالب: الحكم لم يكن ثابتًا.

* الشيخ: لا، بس هو جَاهِل به، من يقول: إن الحكم لم ينزل، ثم إذا قدَّرنا أنه لم ينزل فظاهر الحديث أنه نزل قبل سؤال عمار، المهم على كل حال، نقول: إنه ليس عليه شيء، لكنه من الآن يتيمم، أما ما مضى فهو جاهل ولا شيء عليه.

* طالب: شيخ، قلنا: مس الذكر لا بد أنه يكون بشهوة، طيب تقبيل المرأة مظنة الشهوة أكثر من مس الذكر؟

* الشيخ: إي نعم، صحيح، ربما يرد علينا مُورد بهذا، فنقول: إن مس المرأة لم يرد فيه عن الرسول عليه الصلاة والسلام أنه أمر بالوضوء منه، بل كان يقبِّل بعض نسائه ويخرج إلى الصلاة ولا يتوضأ، لو ورد حملناه على هذا.

* طالب: إنسان جاهل بالتيمم ما يدري التيمم، استعمل التيمم كما يفعل في الماء، يغسل أعضاءه؟

* الشيخ: هذا سؤال ذكي، إذا كان لا يعرف إلا هذا فلا شيء عليه.

* طالب: شيخ، بارك الله فيك، عادم الماء إذا كان معه أهله، فهل يقال: الأولى أن لا يقرب أهله فيقع في الجنابة والحرج، أم يقال ما دام..

* الشيخ: نقول له: أجنِب، وإن كنت جُنُبًا فلم تجد ماء فتيمم.

* طالب: الغضب الشديد (...) هل ينقض الوضوء.

* الشيخ: لا، ما ينقُض الوضوء إلا ما ذكرنا لك، أبدًا، ما ينقض الوضوء إلا ما جاءت به السنة: النوم، وأكل لحم الإبل، وما خرج من السبيلين.

* طالب: شيخ، اشتراط المضمضة والاستنشاق في غسل الجنابة؟

* الشيخ: ما هو الله يقول: ﴿اطَّهَّرُوا﴾؟!

* الطالب: (...) ولا تمضمض ؟

* الشيخ: ما صح غسله، والدليل على هذا أنه يجب أن يُطَهَّر الفم والأنف في الحدث الأصغر، ففي الأكبر من باب أولى.

* طالب: بارك الله فيك، إذا وجد الماء وهو أثناء الصلاة؟

* الشيخ: نعم، الصحيح أنه يقطعها؛ لأن وجود الماء يُبطل التيمم، فيكون كالذي أحدث في أثناء الصلاة، يجب عليه أن يعيد الصلاة من جديد.

* طالب: شيخ، المجنب إذا عم جسده، هل يكفيه بالوضوء؟

* الشيخ: إي نعم، يكفي عن الوضوء، إي نعم؛ لأن الله قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.

* من فوائد هذه الآية الكريمة: الإشارة إلى أنه ينبغي لقاضي الحاجة أن يستتر حتى يتوارى عن الناس، وجهه قوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾، فإن هذا هو سُنَّة الصحابة رضي الله عنهم في حياة نبيهم صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فيكون هذا دليلًا على أن من هديهم الاستتار عن الأعين، ولا شك أنه من كمال الأدب، ولكن ليس كونُ الإنسان أمام الناس إذا كان قد ستر عورته ليس هذا من الأمور المذمومة؛ لأنه فعله من هو أشد الناس حياء محمد رسول الله ﷺ «حين أتى سُبَاطَةَ قوم فبال فيها عليه الصلاة والسلام، بال فيها قائمًا وكان حذيفة حوله»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٢٥)، ومسلم (٢٧٣ / ٧٣) من حديث حذيفة بن اليمان. ]].

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: حكمة الشرع في التطهير، حيث كان الاقتصار على أربعة أعضاء في الحدث الأصغر؛ لأن هذه الأعضاء هي غالبًا أدوات العمل وآلات العمل؛ فالبطش باليد، والمشي بالرجل، والبصر والشم والكلام في الوجه، والسمع والتخيل والتفكير في الرأس، فشُرِعَ تطهير هذه الأعضاء الأربعة، أما في الجنابة فشرع أن يُطَهِّر الإنسان جميع بدنه؛ وذلك لأن الجنابة تخلخل البدن كله؛ ولهذا يضعف الإنسان إذا حصلت منه الجنابة، ويؤمر إذا أراد أن يعود أن يغتسل، فإن لم يمكن فليتوضأ، ويدل لهذا -أعني أن الجنابة تؤثر على جميع البدن- أن الرجل إذا زنى وهو محصن فإنه يُرجم بالحجارة حتى يموت، من أجل يذوق جميع بدنه ألم العقوبة كما ذاق لذة الشهوة المحرمة.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: التَّكْنِيَة عما يُستقبَح ذكره؛ لقوله: ﴿مِنَ الْغَائِطِ﴾، وقوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن التيمم جائز لجميع ما على الأرض، سواء كان رملًا، أم ترابًا، أم حجرًا، أم غير ذلك.

فإن قال قائل: ننازع في هذه الفائدة؛ لقوله: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾، و(من) تقتضي التبعيض، ولا يمكن أن يكون شيء يعلق باليد من الأرض إلا إذا كانت تُرَابِيَّة؟

قلنا: هذا الإيراد وارد لا شك، وهو دليل من يقول: إنه لا بد أن يكون التيمم بأرض لها تراب، وأما التيمم على ما لا تراب فيه ولا غبار فيه فإنه لا يصح، لكن الجواب على هذا الإيراد هو أنه قد عُلِمَ للضرورة أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يسافر الأسفار الطويلة في أيام الشتاء وأيام الصيف، وفي أسفاره يمر بالرمال ويمر بالأرض الممطورة، ولم يُنْقَل أنه كان يحمل التراب معه، ولا أنه كان لا يتيمم على مثل هذه الأراضي، وبهذا اندفع هذا الاعتراض، وسبق لنا أن قلنا في التفسير: إن (من) هنا يحتمل أن تكون للتبعيض ويحتمل أن تكون للابتداء.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا بد أن يكون الصعيد الذي يتيمم به طيِّبًا، وهو الطاهر، ضده النجس، ولكن ليس هناك صعيد يكون نجسًا، بل لا بد أن يكون متنجِّسًا، والمتنجِّس كالنجس، وعلى هذا فلا يصح التيمم على أرض مُتَنَجِّسَة؛ لقوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾.

* ومن فوائدها: وجوب استيعاب الوجه بالمسح في التيمم؛ لقوله: ﴿بِوُجُوهِكُمْ﴾، ومن ثَمَّ يجب أن ننبه بعض العامة الذين إذا تيمموا مسح الأنف وما حولها وترك الباقي، فيقال: هذا لا شك أنه لا يجزئ؛ لأن الآية صريحة: ﴿بِوُجُوهِكُمْ﴾ أي كلها.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن اليد عند الإطلاق لا يدخل فيها الذراع؛ لقوله: ﴿وَأَيْدِيكُمْ﴾، وجه الدلالة: أن الله لما أراد تجاوز الكف قَيَّدَه، وذلك في نفس الآية اللي معنا، وذلك في طهارة الوضوء بالماء؛ حيث قال: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب الترتيب في التيمم بين الوجه واليدين، فيبدأ أولًا أيش؟ بالوجه ثم باليدين، وهل هذا الترتيب مطابق لترتيب الوضوء؟ بلى يا إخوان، غسل اليدين قبل غسل الوجه أو بعده؟ بعده، إذن مطابق.

فإن قال قائل: الواو لا تقتضي الترتيب، بل هي لمطلق الجمع؟

قلنا: لكن تقتضيه بالقرينة، القرينة هنا أن الله تعالى بدأ بالوجه، وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ»[[أخرجه مسلم (١٢١٨ / ١٤٧ ) من حديث جابر بن عبد الله.]].

* ومن فوائد الآية الكريمة: انتفاء الحرج في هذا الدين الإسلامي؛ لقوله: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾، أي: من مشقة؛ فالدين الإسلامي -والحمد لله- كله مبني على اليسر، وليس اليسر منوطًا بهوى كل إنسان؛ لأنه لو كان منوطًا بهوى كل إنسان لكان بعض الناس يَشُقُّ عليه أن يقوم يصلي الفجر في الشتاء، ولكن المعنى أن كل ما شرعه الله فهو مُيَسَّر ليس فيه مشقة.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الإرادة لله؛ لقوله: ﴿مَا يُرِيدُ﴾ ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ﴾، فأثبت الله تعالى لنفسه الإرادة بنفي إرادة الحرج وإثبات إرادة التطهير.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أنّا إذا قلنا: إن الحرج منفي، فهل معنى ذلك أن المشروع يرتفع بالكلية، أو يُخفَّف فيه؛ إما بذاته، أو بالانتقال إلى بدله؟

الجواب: تارة ينتفي الحرج برفع المشروع بالكلية، وتارة بتخفيفه، وتارة بفعل بدله، فهذه ثلاثة أقسام؛ إما أن يرتفع التكليف بهذا الشيء الذي فيه الحرج بالكُلِّيَّة، وإما أن يُخفَّف، وإما أن يُجعل له بدل.

فمثلًا في كفارة القتل إذا عجز الإنسان عن صيام شهرين متتابعين ماذا يكون؟ تَسْقُط عنه، تُرْفَع بالكلية، في القيام في الصلاة إذا عجز الإنسان عنه أيش؟ يُخفف فيصلي قاعدًا إذا لم يستطع أن يصلي قائمًا.

الثالث: أن يكون إلى بدل، فالإنسان العاجز عن الصيام عجزًا مستمرًّا لا يلزمه أن يصوم، لكن عليه البدل وهو إطعام مسكين عن كل يوم، فصار الأمر -الحمد لله- واسعًا.

وبناء على هذه القاعدة التي أخذناها من كلام ربنا عز وجل نقول: إن من عجز عن الكفارات أيًّا كانت الكفارة وقت الوجوب فإنها تسقُط عنه.

وأما قول بعض العلماء: إنه لا يسقط من الكفارات عند العجز إلا كفارة الجماع في الحيض، وكفارة الجماع في نهار رمضان، فهذا الحصر لا دليل عليه، والصواب أن جميع الكفارات إذا كان حين وجوبها عاجزًا عنها فإنها تسقط، كما قلنا في الزكاة: إذا كان الإنسان فقيرًا فإنه لا زكاة عليه، ولو اغتنى هل نقول: اقض عن السنوات التي مضت بعد التكليف؟ لا نقول بهذا.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: سِعَةُ رحمه الله عز وجل، حيث نفى الحرج عن عباده، ولكن لو سألنا سائل: أليس يوجد في بني إسرائيل شيء من الحرج في عباداتهم؟ قلنا: بلى، لكن ذلك بسببهم، هم الذين تَسَبَّبُوا لذلك، ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [النساء ١٦٠] إلى آخره.

* من فوائد هذه الآية الكريمة: قوله: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ﴾، هل الإرادة هنا شرعية أو كونية؟ شرعية، الإرادة هنا شرعية.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن التيمم مُطَهِّر وليس بِمُبِيح، كيف الكلام هذا؟ يرى بعض أهل العلم رحمهم الله أن التيمم يبيح ما كان محظورًا بدون الماء، يعني: يبيح الصلاة بدون ماء؛ لأن الأصل أن الصلاة بدون ماء حرام، لكن إذا عُدِم الماء أو خِيفَ الضرر باستعماله وتيمم أبيحت الصلاة.

فيرى بعض العلماء أن طهارة التيمم استباحة لما كان محظورًا، وبناء على هذا لو تيمم لقراءة القرآن لم يصلِّ نافلة؛ لأن النافلة أعلى من قراءة القرآن، وإن شئت فقل: لأن وجوب الطهارة للنافلة أقوى من وجوب الطهارة لقراءة القرآن، بل الوضوء لقراءة القرآن سنة وليس بواجب، ومس المصحف هو الذي تجب له الطهارة.

ولو نوى صلاة نافلة لم يُصَلِّ بذلك فرضًا؛ لأن الفرض أعلى من النفل، ولو خرج الوقت وهو على طهارته بطل تيممه؛ لأن الضرورة تتقدر بقدرها، وهذا الرجل لم يتيمم إلا للصلاة الحاضرة، والصلاة الحاضرة تنتهي بخروج وقتها.

ولكن هذا القول ضعيف، والصواب أن التيمم مُطَهِّر، دلالة ذلك في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أين هي في كتاب الله؟ ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ بعد أن ذكر الوضوء والغسل والتيمم قال: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾، وقال النبي ﷺ: «جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا»، والطَّهور –بالفتح- ما تحصل به الطهارة، وعلى هذا فيكون التيمم مُطَهِّرًا، رافعًا للحدث، فإذا تيمم لقراءة القرآن يصلي به النافلة؟

* الطلبة: لا.

* الشيخ: ليش؟ تطَهَّر، وإذا تيمم للنافلة يصلي به الفريضة، وإذا تيمم للصلاة وخرج وقتها يصلي به الصلاة الأخرى ما دام لم ينتقض وضوؤه، وهلم جرَّا، وإذا تيمم عن الجنابة أول مرة كفاه، فلا يتيمم بعد ذلك إلا عن الحدث الأصغر فقط، لماذا؟ لأنه حين تيمم للجنابة تَطَهَّرَ منها وارتفعت الجنابة، فلا حاجة إلى أن نقول: أعِد التيمم للجنابة كلما دخل وقت الصلاة، نقول: لا، انتهى؛ لأن الله سمى ذلك أيش؟ تطهيرًا، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سمَّى الأرض طَهُورًا.

بقي أن يقال: هل إذا قلنا: إنه مُطَهِّر؟ هل هو مُطَهِّر طهارة مقيَّدة بوجود الماء، أو طهارة مطلقة؟ بمعنى أنه لو وَجَد الماء فهو على طهارته فلا يجب عليه استعمال الماء؟ الأول، وعلى هذا فإذا تيمم لجنابة ثم وجد الماء وجب عليه الغسل، أليس قد طَهُرَ من الجنابة؟ بلى، إذن لماذا توجِبون عليه الغسل وقد طَهُر من جنابته؟

نقول: لنا دليل في هذا، الدليل« قصة الرجل الذي رآه النبي ﷺ بعد صلاة الفجر –أظن- أو إحدى الصلوات، فقال: «مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ»؟ قال: أصابتني جنابة ولا ماء، قال: «عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ؛ فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ» »[[متفق عليه؛ البخاري (٣٤٨)، ومسلم (٦٨٢ / ٣١٢) من حديث عمران بن حصين. ]]،« ثم جاء الماء بعد ذلك فأمره أن يغتسل»، مع أنه تيمم وصلى، فأمره أن يغتسل، هذه واحدة.

الدليل الثاني: «الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وَضُوءُ الْمُسْلِمِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ، فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ فَلْيَتَقِّ اللَّهَ وَلْيُمِسَّهُ بَشْرَتَهُ»[[أخرجه أبو داود (٣٣٢)، والترمذي (١٢٤) والنسائي (٣٢٢) من حديث أبي ذر.]]، إذن عندنا دليلان من السُّنَّة.

وقال شيخ الإسلام رحمه الله: إن الإجماع منعقد على ذلك. يعني: أن العلماء أجمعوا بأن من تيمم لعدم الماء ثم وجد الماء فلا بد أن يتطهر به، حينئذ تكون القاعدة بأنه مُطَهِّر، فيها شيء من الاستثناء، ولكن هذا الاستثناء دلَّ عليه النص والإجماع، ومعلوم أننا لا نقدِّم على النص شيئًا؛ لأننا قلنا: إنه مُطهِّر بالنص، فإذا وجد الماء وقلنا: يلزمك استعماله، فإنما قلنا ذلك بإيش؟ بالنص، ونحن لا محيد لنا عما دلَّ عليه الكتاب والسنة.

رجل تيمَّمَ؛ لعدم الماء لصلاة الفجر، وبَقِي إلى العشاء، أيعيد التيمم عند وقت كل صلاة؟ إن قلتم: لا، أخطأتم، وإن قلتم: نعم، أخطأتم، نقول: ينبني على الخلاف، إذا قلنا: إنه مُطَهِّر فلا يعيده، يصلي بتيمم الفجر صلاة العشاء، وإذا قلنا: إنه غير مُطَهِّر يعيد التيمم، كلما خرج وقت الصلاة بطل التيمم، وعليه فإذا أراد أن يصلي صلاة الضحى بتيمم صلاة الفجر؟ على القول بأنه مُبِيح لا رافع، لا بد أن يتيمم ثانيةً لذلك.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإنسان لو تيمم ولبس خُفَّيْن ثم وجد الماء، فهل يمسح عليهما؟

* طلبة: لا.

* الشيخ: ما أسرع إجابتكم بدون تأمل وبدون تروٍّ، أيش؟ يا إخواني، الآن قلنا: إن القول الراجح أن التيمم مُطَهِّر، توافقون على هذا؟

* الطلبة: نعم.

* الشيخ: طيب، هذا لبس الخفين على الطهارة؟

* طلبة: لا بد يغسل.

* طلبة: لا بد يتوضأ.

* الشيخ: بس هو لا بد يتوضأ، ما يكفي هذا، لا بد يتوضأ، هذا حكم منكم، لكن نقول: التيمم لا يتعلق به طهارة القدم، القدم ما له دخل في التيمم، أليس كذلك؟ وقد قال النبي ﷺ للمغيرة: «دَعْهُمَا؛ فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ»، فدلَّ هذا على أنه لا يُمْسَح على الخف إلا في طهارة تشمل القدمين، وهذا الجواب جوابكم صحيح، لكنه ما أدري عن علم أو عن غير علم، لكن هذا التعليل؛ أن القدم لا تتعلق به طهارة التيمم، وحديث المغيرة يقول: «أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ».

إذن، إذا كان الإنسان في البر وليس عنده ماء، ولبس الخفين على غير طهارة، وجاء وقت الصلاة وتيمم، نقول له: اخلع الخفين؟

* الطلبة: لا.

* الشيخ: ليش؟ لأنه لا تتعلق بها طهارة التيمم، إذن يبقى لابس الخفين لو يبقى عشر سنوات وطهارته تيمم فإنه لا حرج عليه.

* من فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الحكمة في شرع الله، التعليل: ﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾، وهذا الذي دلَّ عليه الكتاب والسنة من وجوه لا تُحْصَى؛ أن الله سبحانه وتعالى حكيم في كل ما يخلق، وفي كل ما يشرع.

* ويتفرع على هذه الفائدة: الاستسلام لقضاء الله الشرعي والكوني، ما دمت تعتقد أن هذا الحكم مبنيٌّ على حكمة سوف تستسلم، وتقول: ما دام لحكمة فإنّا راضون، وكذلك لحكم الله الكوني، إذا أراد الله الجدب، أراد الله الفقر، المرض، كثرة الموت، فإننا نعلم أن هذا لحكمة، ليس عبثًا ولا لمجرد مشيئة، بل هو لحكمة، وحينئذ نستسلم للقضاء الكوني والقضاء الشرعي.

من أهل البدع من نفى الحكمة، وقال: إن الله تعالى لا يفعل لحكمة، ولا يَشْرَع لحكمة، إنما هو مجرد مشيئة، ويأتي بشبهات، منها حديث عائشة: «كنا يصيبنا ذلك -يعني الحيض- فنُؤمَر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة».[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢١)، ومسلم (٣٣٥ / ٦٩) من حديث عائشة.]]، ولكن يقال: إن الأمر الشرعي عند المؤمنين أيش هو؟ حكمة، يعني مجرد أن نعرف أن الله شرعه أنا أؤمن بأنه لحكمة، فعائشة رضي الله عنها فوَّضت الحكمة إلى الله عز وجل بأن هذا هو ما يأمرنا به، وكفى بذلك حكمة.

* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الطهارة بأقسامها الثلاثة: الغُسل، والوضوء، والتيمم، نعمة من الله عز وجل على العباد؛ لقوله: ﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾، ولا شك أنها نعمة، ومن رأى فضائل الوضوء وما يُكَفِّر من الذنوب عَرَف نعمة الله عز وجل بهذا، وكذلك الغُسل من الجنابة، ولا سيما في أيام الشتاء وأيام المشقَّة.

* طالب: شيخ، أحسن الله إليك، الذين يقولون بعدم جواز صلاتين بتيمم واحد، احتجوا بالآية بأن الله قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ اشترط التيمم بعدم وجود الماء قالوا: على المرء يجب أن يبحث عند كل صلاة الماء.

* الشيخ: وهذا ما عنده ماء.

* الطالب: إن لم يجد يتيمم.

* الشيخ: لا، الله أجاز التيمم إذا لم يجد، إذا كنت تعرف أن ما حولي ماء.

* الطالب: نقول: إنه يجب عليه البحث.

* الشيخ: عبث هذا، هل يوجب الله على الإنسان، وقال: ابحث عن الماء، وأنا أعلم ما عندي ماء؟ أبدًا، هذا منافٍ للحكمة، ومنافٍ للشرع أيضًا.

* طالب: يقال: إنه يكفي مسح بعض الرأس في الوضوء هل يقولون ذلك في التيمم؟

* الشيخ: قد يلزمهم ذلك، لكن لا أدري يقولون به أم لا، لكن حقيقة يلزمهم.

* طالب: أحسن الله إليك، الحديث الصحيح أن النبي ﷺ ضرب بالحائط وتيمم حتى يرد السلام على ذلك الصحابي، كيف يوجَّه هذا الحديث؛ لأن بعضهم يقول: أنه يجوز التيمم بأي شيء، التيمم على الجدار، رغم أنه كانت فيه أشياء ما هي من الصعيد؟

* الشيخ: الجدار ما هو بصعيد؟

* طالب: استدلوا بهذا بجواز التيمم بالجدار المونة، حتى لو كان مطليًّا بدهان.

* الشيخ: وقت الرسول ما فيه طلي بدهان، لكن على كل حال نحن نقول: إذا طُلِيَ بدهان وكان فيه غبار يكفي.

* طالب: شيخ، بارك الله فيك، الصعيد هل يلزم أن يكون متصلًا بالأرض، بمعنى أنه لو أخذ حجرًا أو رملًا ونقله إلى مكان آخر، ومثله ما لو أحيانًا يرفع الإنسان السجادة والموكيت فيجد تحته غبار، فهل التيمم بهذا جائز؟

* الشيخ: إي، جائز، ما فيه شك، جائز.

* طالب: الترتيب (...) التيمم غير قطعي؟

* الشيخ: نعم، ما هو قطعي، لكن ظاهر السنة «أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ»[[أخرجه مسلم (١٢١٨ / ١٤٧ ) من حديث جابر بن عبد الله.]] أنه يرتِّب.

* الطالب: لكن، إذا خالف الترتيب.

* الشيخ: الفقهاء إذا خالف الترتيب يقولون: في الجنابة لا بأس، إذا كان التيمم عن جنابة فلا بأس أن يخالف في الترتيب؛ لأن الغسل لا يُشترط فيه الترتيب، والتيمم بدل عن الغسل، وأما في الحدث الأصغر فلا بد من الترتيب، ولكن يقال: إن طهارة التيمم لا يمكن قياسها على طهارة الماء؛ لوجود الفوارق الكثيرة بينهما، وإلحاق الفرع بالأصل لا بد أن يكون بينهما اتفاق يجمعهما.

* طالب: شيخ، بارك الله فيك، من تيمم فوجد الماء بعد أن لبس الخفين يجب أن يغسل؛ لأنه ما أدخلهما طاهرتين؟

* الشيخ: لا، لا، يجب أن يتوضأ وضوءًا كاملًا.

* الطالب: يا شيخ، لو احتجوا علينا قالوا: أنتم الآن تقولون أنه طاهر بهذه الآية لو أدخلهما حال كونهما طاهرتين، وإن حديث المغيرة مُطلَق، لم يقل النبي ﷺ: بعد أن غسلتهما، إنما قال: طاهرتين، فتصدُق عليه هذه الصورة.

* الشيخ: لكن كونه خَصَّ ما قال: أدخلتهما طاهرًا، حتى نقول: إنه يشمل إذا تطهر من التيمم، قال: «أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ»، فدل هذا على أنه إنما يمسح في طهارة تتعلق بالرجلين.

* طالب: شيخ، أحسن الله إليكم، جماعة ذهبوا في برّ، وكان معهم ماء ما يكفي لطهارتهم جميعًا (...) إنه مشاع، فماذا يفعلون إذا قصر الماء عن تطهير الجميع؟

* الشيخ: يقترعون عليه، لا بد من استعمال القُرْعَة؛ لأن فيه هنا، أنتم سمعتم سؤاله؟ يقول: جماعة مشتركين في ماء، والماء لا يكفي أن يتطهر به الجميع، فماذا يصنعون؟ إن آثر أحدهم الآخر، قلنا: الإيثار بالواجب لا يجوز، فلم يبق علينا إلا القرعة.

* طالب: والماء القليل الذي يبقى من طهارتهم بقي ماء يكفي لبعض الطهارة فهل..؟

* الشيخ: يتوضأ به.

* الطالب: (...).

* الشيخ: كيف ما (...)؟

* الطالب: يعني يبقى تقريبًا كنصف قارورة صغيرة، ما يكفي.

* الشيخ: يعني معناه ما يكفي إلا غسل وجهه ويديه مثلًا؟ يستعمله ويتمم عن الباقي.

* طالب: شيخ، قلنا: إنه ما يجمع بين طهارتين، فكيف (...)؟

* الشيخ: ما قلنا هذا، من قال هذا؟ قلنا: ما يجمع بين طهارتين كاملتين، يعني: واحد توضأ وتيمم، أما إذا لم يجد إلا البعض فقد قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن ١٦].

* طالب: إذا قلنا: إنه يتوضأ بالماء الباقي هذا، فهل هذه عبادة؟ الذي يأخذ جزءًا من الماء ويغسل بها وجهه ويديه، ولا تكفيه لبقية الجسم.

* الشيخ: يغسل.

* الطالب: يعني يغسلها، ولكن هل هذه عبادة؟ وهل فيها دليل؟

* الشيخ: إي نعم، عموم قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن ١٦]، وقول النبي ﷺ: «مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ، وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٢٨٨)، ومسلم (١٣٣٧ / ١٣٠) من حديث أبي هريرة. ]]، وقد أمرنا بالوضوء ولم نستطع إلا بعضه.

* طالب: ينشِّف يديه قبل أن يضرب على الصعيد أم يضرب حتى لو..

* الشيخ: إذا قلنا: لا بد من الغبار، فلا بد أن ينشِّف قبل، وإذا قلنا: ليس بشرط، فلا بأس.

5:7Page 108

وَٱذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَمِيثَٰقَهُ ٱلَّذِي وَاثَقَكُم بِهِۦٓ إِذۡ قُلۡتُمۡ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ٧

And remember the favor of Allāh upon you and His covenant with which He bound you when you said, "We hear and we obey"; and fear Allāh. Indeed, Allāh is Knowing of that within the breasts.

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٧) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة ٧، ٨].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾، وبقي علينا فيما سبق فوائد، هل ذكرنا أن في الآية إثبات الحكمة لله؟

* الطلبة: نعم.

* الشيخ: طيب.

هل ذكرنا أن في الآية دليلًا على أن الشكر هو العمل بالصالح؟ نعم، في قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.

إذا قال قائل: ما هو الشكر؟ نقول: إن النبي ﷺ بَيَّنه في قوله: «إِنَّ اللَّهَ أَمَر الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَال تَعَالَى: » ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ «، وَقَالَ: » ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ «»[[أخرجه مسلم (1015 / 65) من حديث أبي هريرة.]].

إذن فالشكر؛ شكر الله هو العمل الصالح، ولا شك أن تفسير كلام الرسول وكلام الله بعضه ببعض أولى من أن نلتمس تفسيرات أخرى، لكن ذكرنا فيما سبق أن الشكر محلُّه القلب، واللسان، والجوارح، ولا يكون إلا في مقابلة نعمة، وأما الحمد فإنه يكون في مقابلة نعمة، أو على كمال صفة محمودة، ويكون بالجوارح واللسان.

قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾، إنما أمر الله تعالى أن نذكر النعمة من أجل أن نعرف فضله علينا حتى يسهُل علينا الانقياد لطاعته؛ لأن أي إنسان فإنه بمقتضى فطرته وطبيعته لا بد أن ينقاد لمن أحسن إليه، فيقول عز وجل: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾: تذكروها.

﴿وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ﴾ يعني العهد الذي عهدكم به، وهو قوله: ﴿إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾، فإن قول المؤمن: سمعنا وأطعنا، يعني التزامه بكل الشريعة، بدون تفريق بين أن يكون مما يهواه قلبه، أو مما لا يهواه.

وقوله: ﴿سَمِعْنَا﴾ أي: ما يقال، ﴿وَأَطَعْنَا﴾ أي: فيما يُؤمَر ويُنهَى، فيتضمن تصديق الخبر، وامتثال الأمر، واجتناب النهي.

﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: اتخذوا وقاية منه جل وعلا، وذلك بفعل أوامره، وترك نواهيه على علم وبصيرة.

﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾، الجملة هذه تعليل تتضمن التهديد، يعني: أنه لا بد أن تكون التقوى مبنية على صلاح القلب، وليست مجرد قول باللسان، بل لا بد أن تكون تقوى الإنسان في قلبه وجوارحه؛ ولهذا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾، أي: بصاحبة الصدور، وما هي صاحبة الصدور؟ هي القلوب.

واعلم أن كلمة (ذات) تُطلَق في اللغة العربية على عدة معانٍ، منها أنها تطلق اسمًا موصولًا في لغة طيء، كما قال ابن مالك:

وَكَالَّتي أَيْضًا لَدَيْهِمْ ذَاتُ ∗∗∗ ....................

فلغة طيء مثلًا يقولون في: جاءت المرأة التي أطاعت الله، يقولون: جاءت المرأة ذاتُ أطاعت الله، فهي عندهم بمعنى (التي).

تطلق على الجهة، مثل قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال ١] أي: الجهة أو الصلة التي بينكم.

وتطلق على (صاحبة)، بمعنى صاحبة، كما في هذه الآية: ﴿بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾، أي: بصاحبة الصدور.

ولا تطلق على النفس إلا في اصطلاح المتكلِّمين؛ فإنهم يُطلِقون الذات على النفس، أي على ما يقابل الصفة، ولهذا تجدون في كلام الذين يتكلمون في العقائد، تجدون كثيرًا ما يقولون: الذات والصفات، يعبِّرون بالذات عن النفس.

فقوله تعالى: ﴿يُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران ٢٨] إذا أردنا أن نفسرها على حسب اصطلاح المتكلمين نقول: نفسه أي: ذاته، وليست نفس الله عز وجل ليست صفة سوى الذات، بل هي الذات نفسها، فقول بعض أهل العقائد: ونُثْبِت لله نفسًا، قد يفهم منها بعض الناس أن النفس صفة زائدة على الذات، وليس كذلك، ولكن يريدون أننا نصف الله بالنفس فقط، ولكنها ليست هي صفة مستقلة بل هي الذات نفسها.

فقوله: ﴿يُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ كقوله تمامًا: يحذركم اللَّهُ اللَّهَ، أي: أن الله عز وجل له نفس.

وقوله: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾، يعني: ما عندك وما عندي، فانتبهوا لهذا؛ لأن بعض الناس إذا قرأ في كتب العقائد: نُثبِت لله نفسًا، يظن أن ذلك صفة زائدة على الذات، وليس كذلك.

* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن من المشروع أن يذكر الإنسان نعمة الله، وهل ذلك واجب أو مستحب؟ في ذلك تفصيل؛ إن أدَّى عدمُ ذكرها إلى نسيان الواجب كان ذكرها واجبًا، مثل أن يرى نفسه قد شطحت وأبعدت عن فعل المأمور وترك المحظور، فليُذَكِّرها نعمة الله، يقول مثلًا: اذكري أيتها النفس نعمة الله عليك بالعافية، بالصحة، بإرسال الرسل، بإنزال الكتب، ببيان الحق، وما أشبه ذلك.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات أن لله تعالى علينا نعمة، وهو أمر لا يحتاج إلى برهان، ولكن هل النعمة تكون للمؤمن والكافر، أو للمؤمن وحده؟

نقول: أما النعمة العامة التي يشترك فيها البهائم والإنسان فهي للمؤمن والكافر، فالكافر يتمتع بنعمة الله كما تتمتع البهيمة، وأما النعمة الخاصة التي هي نعمة الله تعالى على العبد بالإيمان والعلم فهذه خاصة بالمؤمن.

فإذا سألك سائل: هل لله على الكافر نعمة؟ فقل: في ذلك تفصيل؛ أما النعمة العامة فنعم، ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل ٥٣]، وأما الخاصة فإنه لا يدخل فيها الكافر؛ لأنها خاصة بالمؤمنين.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يجب على الإنسان أن يذكر الميثاق الذي واثق الله عليه، وهو العهد بالسمع والطاعة.

فإذا قال قائل: نحن لا نذكر هذا الميثاق؟ قلنا: إن الميثاق يكون عقده بالقول ويكون بالفعل، أما القول فإننا لا نستحضره، حتى لو صح حديث: «أَنَّ اللَّهَ اسْتَخْرَجَ ذُرِّيَّةَ آدَمَ مِنْ ظَهْرِهِ وَأَخَذَ عَلَيْهِمُ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ».[[أخرجه أبو داود في سننه (4703) من حديث عمر بن الخطاب ، وأحمد في مسنده (21232) من حديث أبي بن كعب. ]]

وأما الفعل فنعم وثابت، وذلك بما فطر الله عليه الإنسان من التوحيد، والاعتراف بالله عز وجل، وكذلك أيضًا بما أعطاه من العقل الذي يُميِّز به بين الحق والباطل، والصدق والكذب، وهذا ميثاق نقول: ميثاق بأيش؟ بالفعل، يعني: أنت لا تستحضر أنك عاهدت الله عز وجل بالقول، لكن بما أعطاك من العقل والفطرة صار ذلك عهدًا.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن السمع المجرد لا يُغْنِي شيئًا، لا بد أن يكون سمعًا واستجابة، أما مجرد السمع فلا؛ وذلك لقوله: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾، ويدل لهذا قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال ٢١]، نفى الله عنهم السمع؛ لأنهم لم يأتوا بفائدة السمع، وهي الطاعة، فعلى هذا لا يكفي مجرد السماع، بل السماع حجة على العبد، فعليه عند السماع أن يمتثل.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: فضيلة التقوى، وأنها مَبْنِيَّة على تذكر العهد والميثاق؛ لقول الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾، وقد قلنا: إن أجمع كلمة في معنى التقوى هي أيش؟ اتخاذ وقاية من عذاب الله تعالى بفعل أوامره واجتناب نواهيه على علم وبصيرة.

* ومن فوائد الآية الكريمة: تهديد من خرج عن التقوى بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾.

* ومن فوائدها: أن التقوى محلها القلب؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾، يعني: فاجعلوا مدار التقوى على أيش؟ على القلوب، ولهذا قال النبي ﷺ: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩ / ١٠٧) من حديث النعمان بن بشير. ]]، نسأل الله أن يصلح قلوبنا جميعًا.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: عموم علم الله، وأنه شامل لما ظهر وبطن، وجه الدلالة من الآية؟ عموم العلم؛ لأنه أخبرنا بأنه عليم بذات الصدور، فيقتضي أنه كان عالما بالظاهر والباطن.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском