Ibn 'UthayminAl‑Ma'idah · 5:82–85

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Al-Ma'idah 5:82–85

5:82–85Page 121

۞ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَٰوَةٗ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلۡيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقۡرَبَهُم مَّوَدَّةٗ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّا نَصَٰرَىٰۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنۡهُمۡ قِسِّيسِينَ وَرُهۡبَانٗا وَأَنَّهُمۡ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ ٨٢

You will surely find the most intense of the people in animosity toward the believers [to be] the Jews and those who associate others with Allāh; and you will find the nearest of them in affection to the believers those who say, "We are Christians." That is because among them are priests and monks and because they are not arrogant.

وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىٰٓ أَعۡيُنَهُمۡ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمۡعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلۡحَقِّۖ يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَٱكۡتُبۡنَا مَعَ ٱلشَّٰهِدِينَ ٨٣

And when they hear what has been revealed to the Messenger, you see their eyes overflowing with tears because of what they have recognized of the truth. They say, "Our Lord, we have believed, so register us among the witnesses.

وَمَا لَنَا لَا نُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَمَا جَآءَنَا مِنَ ٱلۡحَقِّ وَنَطۡمَعُ أَن يُدۡخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلصَّٰلِحِينَ ٨٤

And why should we not believe in Allāh and what has come to us of the truth? And we aspire that our Lord will admit us [to Paradise] with the righteous people."

فَأَثَٰبَهُمُ ٱللَّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٨٥

So Allāh rewarded them for what they said1 with gardens [in Paradise] beneath which rivers flow, wherein they abide eternally. And that is the reward of doers of good.

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤) فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٨٥) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [المائدة ٨٢ - ٨٦]

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً﴾ وأظننا فسرنا هذا.

على كل حال، قال الله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ قوله: ﴿لَتَجِدَنَّ﴾ هذه الجملة مؤكدة بمؤكدات ثلاثة: القسم المقدر الذي دلت عليه اللام في قوله: ﴿لَتَجِدَنَّ﴾؛ ولهذا يسمي النحاة هذه اللام موطئة للقسم، وباللام، وبالنون ﴿لَتَجِدَنَّ﴾ والخطاب فيها إما للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وعلى هذا فيكون الحديث عن اليهود والنصارى والمشركين في هذه الآية الذين كانوا في عهد مَن؟ الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وإما أن يكون الخطاب لكل من يتوجه إليه الخطاب فتكون هذه الأوصاف عامة في هؤلاء إلى يوم القيامة، فالآية محتملة، ومع ذلك حتى لو قلنا بالعموم فليست تَعُمُّ كل يهوديٍّ بعينه وكل نصراني بعينه وكل مشرك بعينه، لكن هذا الحكم على سبيل العموم.

والأحكام تأتي دائمًا على سبيل العموم كما تقول: الرجال خير من النساء، يعني هذا الجنس خير من هذا الجنس، ويوجد في النساء مَن هو خير من كثير من الرجال ويوجد في الرجال مَن هو شر من كثير من النساء.

إذن الخطاب يحتمل أن يكون لِمَن؟ للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وعلى هذا فيختصُّ الحكم لهؤلاء الذين بعد الرسول ﷺ، ويحتمل العموم ويكون المراد الجنس ما هو كل فرد، لا الجنس.

﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ﴾ يحتمل في ﴿أَشَدَّ﴾ أن تكون مفعولًا ثانيًا مقدمًا ويحتمل أن تكون هي المفعول الأول، فعلى الأول يكون التقدير: لتجدن اليهود والذين أشركوا أشد الناس عداوة للذين آمنوا، هذا إذا جعلنا ﴿أَشَدَّ﴾ مفعولًا أول، وإذا جعلناها ثانيًا: صارت مقدمة، انتبه ﴿أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ يحتمل أن تكون ﴿أَشَدَّ﴾ هي المفعول الأول ويكون المراد الإخبار عن أشد الناس عداوة، ويحتمل أن يكون أشد مفعولًا ثانيًا، ويكون المراد الإخبار عن هاتين الطائفتين اليهود والنصارى بأنهم أشد الناس عداوة، فأيهما أعظم؟ أن نجعل ﴿أَشَدَّ﴾ هي المفعول الأول و﴿الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ المفعول الثاني؟ أو العكس؟ الأول أشد، يعني لو سألت عن أشد الناس عداوة لوجدتهم مَن؟ اليهود والذين أشركوا.

إذن نقول: ﴿أَشَدَّ﴾ هي المفعول الأول وهي في محل مبتدأ؛ لأن (وجد) تنصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر، فحينئذ يكون معناه الإخبار عن أشد الناس عداوة، إذا جعلنا ﴿أَشَدَّ﴾ مفعولًا ثانيًا مقدمًا صار المعنى الإخبار عن اليهود والذين أشركوا أنهم أشد الناس عداوة، لكن المعنى الأول أشد وأعظم.

﴿أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً﴾ والعداوة ضد الولاية، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت ٣٤] أي: صديق مخلص، إذن العداوة ضد أيش؟ ضد الولاية.

وقوله: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعني بذلك المؤمنين في عهد الرسول ﷺ إذا جعلنا الخطاب لمَن؟ للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، إن جعلنها للعموم فالمراد الذين آمنوا في كل وقت، اليهود هم الذين يَدَّعون أنهم أتباع موسى ويقولون: نحن شعب الله المختار ويحتقرون ما سواهم من الشعوب، وقد عُرِفوا بالاستكبار والتعالي والتعجرف حتى على رسولهم موسى عليه الصلاة والسلام، سُمُّوا يهودًا قيل: إنه مأخوذ من قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هَادُوا﴾ [البقرة ٦٢] وقولهم: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف ١٥٦]، وقيل: إنه اسم لجدهم وأن اسمه يهوذا لكن مع التعريب صارت الذال دالًا.

وأيًّا كان فهم معروفون هم طائفة من بني إسرائيل يَدَّعُون أنهم مُتَّبِعُون لمَن؟ لموسى.

﴿وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ الذين أشركوا من العرب وغيرهم، فهذان الصنفان من بني آدم هم أشد الناس عداوة للمؤمنين، أما اليهود فوجه عداوتهم أنهم حسدوا العرب لكون الرسالة العامة الخالدة فيهم، وكان اليهود مِنْ قَبْل يستفتحون على الذين كفروا ويقولون: سيبعث نبيٌّ ونتبعه وننتصر عليكم، ولما بُعِثَ محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم من العرب حسدوهم وأنكروا ذلك، أما الذين أشركوا فهم المشركون وصاروا أشد الناس عداوة؛ لأنهم ضد التوحيد، والمؤمنون موحدون والمشرك يبغض الموحد ويكرهه ويراه أشد الناس عدوًا له.

قال: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ ﴿لَتَجِدَنَّ﴾ نقول فيها ما قلنا في الأولى.

وهنا قال: ﴿أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً﴾ ولم يقل: أشدهم مودة يعني ما فيه مودة، لكنهم قريبون هو قال في اليهود: ﴿أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً﴾ لكن هؤلاء قال: ﴿أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً﴾ ومعلوم أن القرب ليس هو الوصول، فهم ليس عندهم مودة للمؤمنين -أعني النصارى- لكنهم أقرب من غيرهم مودة، ولو كانت عندهم مودة لقال: أشد الناس مودة، أو ما أشبه ذلك.

﴿مَوَدَّةً﴾ (المودة) من الوُدِّ وهو خالص المحبة ومن أسماء الله تعالى (الودود) بمعنى الوادّ وبمعنى المودود.

﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ نقول في أقرب من حيث الإعراب ما قلنا في ﴿أَشَدَّ﴾.

﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ ولا سيما في عهد النبي ﷺ، فالنصارى في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام قريبون من المؤمنين ولذلك أسلم منهم خلق كثير، وممن أسلم ملك الحبشة رحمه الله فإنه آمن بالرسول عليه الصلاة والسلام وآوى المهاجرين من أصحابه إيواءً يُشْكَر عليه ونسأل الله أن يثيبه عليه أتم الثواب، فهو آمن حتى وصفه النبي عليه الصلاة والسلام بأنه أخ للصحابة وأنه صالح حين توفي قال: «إِنَّهُ تُوِفِّيَ اليَوْمَ أَخٌ لَكُمْ صَالِحٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٨٧٧)، ومسلم (٩٥٢ / ٦٥) من حديث جابر بن عبد الله بنحوه.]] فوصفه بالصلاح والأخوة، رحمه الله.

وكذلك أسلم من النصارى كثير؛ لأن النصارى أقرب عهدًا بالرسالة من اليهود فإنه ليس بين نبيهم عيسى عليه الصلاة والسلام ونبينا محمد ﷺ رسول.

﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ النصارى أي الأنصار، هذا أحسن ما يقال في التفسير؛ لأنه يؤيده قوله في سورة الصف: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ [آل عمران ٥٢] ثم علَّل الله تعالى ذلك بِعِلَل فقال: ﴿ذَلِكَ﴾ المشار إليه كون النصارى أقرب الناس مودة للذين آمنوا ﴿بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ هذه خمسة أشياء.

﴿ذَلِكَ﴾ أي أيش؟ أي: سبب كونهم أقرب الناس مودة للذين آمنوا ﴿بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾ (القسيس) هو العالم الكبير، والعالم عنده معرفة يعرف الحق ويعمل به لا سيما أن التوراة والإنجيل فيهما وصف الرسول ﷺ وصفًا مطابقًا تمامًا، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف ١٥٧] كل هذه الصفات موجودة في التوراة والإنجيل، فهم عندهم علم أعني القسيسين.

الثاني: الرهبان، ومنهم رهبان، الرهبان هم العباد؛ لأن النصارى فرضوا على أنفسهم رهبانية لم تُفْرَض عليهم؛ قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ [الحديد ٢٧] يعني ما فرضناها عليهم لكن هم يبتغون رضوان الله يريدون بذلك رضوان الله وهي غير مكتوبة عليهم، نظيرهم عندنا في الملة الإسلامية الصوفية، عندهم رهبانية ابتدعوها ما فرضها الله عليهم لكن هم يبتغون بذلك رضوان الله ولو رجعوا إلى أنفسهم لعلموا أن رضوان الله إنما يكون في الاتباع لا في الابتداع.

السبب الثاني: ﴿وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ليس عندهم استكبار، المشركون عندهم استكبار؟ نعم، عندهم استكبار، اسمع ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان ٤١] والهمزة هنا للاستفهام الاحتقاري، احتقار، ويقولون: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف ٣١] وهم يعلمون –والله- أن أعظم مَنْ في القريتين ومَنْ في الأرض كلها هو محمد ﷺ لكنه العناد والاستكبار، «ولما جمعهم ودعاهم إلى الله قالوا: تبًا لك، ألهذا جمعتنا؟»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٧٧٠)، ومسلم (٢٠٨ / ٣٥٥) من حديث عبد الله بن عباس.]]. اليهود، حَدِّث ولا حرج في الاستكبار حتى قالوا لنبيهم: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة ٢٤] استكبار واضح، ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ قاعدون على الكراسي، على الأرض، على الفرش وأنتم اذهبوا للقتال، أفبعد هذا الاستكبار شيء؟ لا، فهم مستكبرون إذا كان هذا قولهم لنبيهم فما بالك بنبي بُعِثَ من العرب ﴿وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾.

الثالث: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ هذا، نقل المؤرخون والمفسرون أيضًا أن الذين هاجروا إلى الحبشة لما قرؤوا القرآن على النجاشي ومن حوله جعلوا يبكون تفيض أعينهم من الدمع يعني تمتلئ، من قولهم: فاض الإناء، إذا امتلأ وخرج الماء من حافتيه، أعينهم قامت ترقرق بالدمع وتفيض مما عرفوا من الحق وقالوا: هذا الذي نزل على عيسى، فعرفوا أن هذا هو الحق، كما قال ورقة بن نوفل، قال للرسول عليه الصلاة والسلام حين أخبره بما نزل عليه من الحق قال: «هذا هو النَّامُوسُ الذي نزل على موسى»[[متفق عليه؛ البخاري (٣)، ومسلم (١٦٠ / ٢٥٢) من حديث عائشة رضي الله عنها.]] فهم عرفوا الحق وبكوا. نعم يأتي في الفوائد.

﴿مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ ﴿يَقُولُونَ﴾ أيضا هذا سبب ثالث؟

* طالب: رابع.

* الشيخ: ﴿بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾.

الرابع: أنه ليس عندهم استكبار، يُسَلِّمُون للحق من حين أن عرفوه ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾.

والمفسرون أيضًا أن الذين هاجروا إلى الحبشة لما قرؤوا القرآن على النجاشي ومَن حوله جعلوا يبكون، تفيض أعينهم من الدمع، يعني تمتلئ، من قولهم: فاض الإناء، إذا امتلأ الإناء وخرج الماء من حافتيه، أعينهم قامت ترقرق بالدمع وتفيض، ﴿مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾، وقالوا: هذا الذي نزل على عيسى، فعرفوا أن هذا هو الحق، كما قال ورقة بن نوفل، قال للرسول عليه الصلاة والسلام حين أخبره بما نزل عليه من الحق، قال: «هذا هو الناموس الذي نزل على موسى»[[متفق عليه؛ البخاري (٣)، ومسلم (١٦٠ / ٢٥٢) من حديث عائشة.]]، فهم عرفوا الحق وبكوا، ﴿مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ﴾، أيضًا هذا سبب ثالث.

* طالب: (...).

* الشيخ: ﴿بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة ٨٢ ، ٨٣]

الرابع: أنه ليس عندهم استكبار، يُسَلِّمون للحق من حين أن عرفوه.

﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ إقرار بالربوبية في قولهم: ﴿رَبَّنَا﴾، وبدين الله في قولهم: ﴿آمَنَّا﴾.

﴿فَاكْتُبْنَا﴾ (الفاء) هذه للسببية، أي: فبسبب إقرارنا بالرب عز وجل وإيماننا به اكتبنا مع الشاهدين، والذي يسأل الله أن يكتبه مع الشاهدين هل يمكن أن يستكبر عن دين الشاهدين؟ لا يمكن، هم يسألون هذا، ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ من هم؟

قال العلماء: الشاهدون هم محمد ﷺ وأمته، الحمد لله؛ لأن الله يقول: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة ١٤٣] يعني: عدلًا خيارًا، فلا أحد من الأمم أعدل من هذه الأمة -اللهم اجعلنا منهم- لا أحد أعدل منها.

﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة ١٤٣]، نحن نشهد على الناس، والرسول ﷺ يشهد علينا أنه بلَّغَنا، وأننا أقررنا بتبليغه.

إذن ﴿مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ يعني: مع محمد والمؤمنين، وكانوا شهداء؛ لأنهم هم آخر الأمم، كل الأمم ماضية وسابقة يعرفونها، لكن الأمة الأولى تشهد على من بعدها؟ لا، ما تشهد، ولذلك لو سُئِلْنا: من الأمة الشاهدة؟ لقلنا: أمة محمد ﷺ؛ لأنها آخر الأمم، تعرف ما جرى على الأمم وتشهد به.

﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾، ثم قال: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة ٨٤]، هذا الحديث: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ﴾ يحتمل أنه حديث نفس، بمعنى أن الواحد منهم يقول: كيف ما أؤمن والحق واضح، ويحتمل أنه دفعٌ لِلَوم وُجِّهَ إليهم، يعني قيل لهم: ليش تؤمنون بمحمد؟ فقالوا: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ﴾.

هل يمكن أن يكون لهذا وهذا؟ يمكن أن يكون بعضهم يصارع نفسه، ونفسه تقول له تحدثه: ليش تؤمن، فيقول: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾، عندما يفكرون يرون أنه لا بد أن يؤمنوا؛ لأن الحق واضح.

ويحتمل أنه إذا ألقى إليهم أحد لومًا وقال: كيف تؤمنون؟ يقولون: ﴿وَمَا لَنَا﴾، يعني أي شيء يصدنا، أي شيء يمنعنا، ﴿لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ﴾، وهذا يدل على كمال عقلهم.

قال: ﴿وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾، سبحان الله! تعبير المؤمن: ﴿نَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾، والقوم الصالحون يشمل من كان صالحًا من هذه الأمة، ومن كان صالحًا من غيرها، في الأول قالوا: اكتبنا مع الشاهدين، مع هذه الأمة، في الثاني وهو الطمع بدخول الجنة قالوا: ﴿نَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾؛ لأن الجنة دار لهذه الأمة وللصالحين من غيرها، فلذلك قالوا: ﴿وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾، واضح الفرق بين التعبيرين؛ الأولى: سألوا الله أن يكتبهم مع الشاهدين، والثانية: طمعوا أن يُدخِلهم الله في الصالحين، ﴿أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾ يعني: يدخلنا الجنة؛ لأن الجنة تكون للصالح من هذه الأمة وغيرها.

* طالب: ما يؤيد احتمال وجوه الآية؟

* الشيخ: أي الأوجه؟

* الطالب: أن هذه الآية نزلت مخاطبة للنبي (...) من صاروا نصارى في عهده، قوله: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ مع أن كثيرًا من الآيات تأتي في وصفهم بالنصاري، مما يفيد أن هذه الآية تضمنت وصفهم بهذه الـ..

* الشيخ: ربما تكون هذه تُقَوِّي، لكن كلمة ﴿قَالُوا﴾ قد يعبِّر بالماضي عن المستقبل لحكاية الحال.

* طالب: قوله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ [الحديد ٢٧] هذا ذم، مما ذكر هنا في الآية أنهم يقبلون الحق، وأنهم أقرب مودة للمؤمنين بأن منهم رهبانًا، كيف يتم الجمع؟

* الشيخ: لأن هناك ما أتاهم رسول، عيسى عليه الصلاة والسلام تُوُفِّي وما جاء بعده رسول، فابتدعوا في دين الله ما ليس منه، لكن بعد أن جاء محمد عرفوا الحق.

* الطالب: الرهبانية الآن بقية مما ابتدعوه، يعني هذه بدعة مستمرة معهم؟

* الشيخ: إي نعم، مستمرة، فلما جاء الرسول واتبعوا الحق تركوها، لكن الراهب أقرب إلى قبول الحق؛ لأنه يريد رضا الله.

* طالب: قوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾، هذه الصفات التي ذُكِرَت في الآية تقتضي أنهم يكونون أشدهم مودة؟

* الشيخ: لا، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾، وأنهم ﴿إِذَا سَمِعُوا﴾، الأوصاف هذه لمن آمن منهم، لكن على سبيل العموم، وعلى سبيل الجنس هم الذين قالوا: ﴿إِنَّا نَصَارَى﴾، وأنا ذكرت لكم قبل قليل الفرق بين الجنس وبين الفرد، الآن هل نقول: كل يهودي أشد الناس عداوة للمؤمنين، وكل نصراني أقربهم مودة؟ لا، هذا باعتبار الجنس.

* طالب: بارك الله فيكم، السؤال يا شيخ: هل يؤيد ما ذُكِر في الآية أن أكثر من يُسلِم الآن من النصاري، ثم كيف نرد على الذين يقولون بتقريب الأديان ويقولون: هذه الآية دليل لنا فنحن نقارب النصارى (...).

* الشيخ: هذه سوف تأتي في الفوائد إن شاء الله، السؤال هذا يكون في الفوائد.

* طالب: الحكمة من التعبير بـ(نطمع) في قولهم ﴿وَنَطْمَعُ﴾؟

* الشيخ: إي نعم؛ لأن الإنسان ما يجزم، قال الله عز وجل: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة ١٦]، الإنسان ما يجزم، بل إن الإنسان إذا جزم لنفسه بأنه من أهل الجنة فهذا غلط عظيم، لكن يرجو ويطمع، لو أنه جزم بأنه من أهل الجنة لكان يلزم من هذا أنه زكى نفسه وشهد لها بالجنة، وهذا خطير جدًّا على الإنسان؛ لأن معناه أنه وثِق بأن عمله مقبول، وأنه ليس منه خطأ يمنعه من دخول الجنة.

* طالب: ذكرنا في قواعد التفسير أن من الأفضل للإنسان أن يحاول أن يفسِّر بنفسه، فما هو الحد الأدنى من المعرفة التى تجعل الإنسان يحاول التفسير بنفسه؟

* الشيخ: طالب العلم، إنسان يعرف، طالب علم، نحن ما نقول لعاميّ ما يعرف إلا دكانه: تعال حاول أن تفسر القرآن، ما هو بعالم.

* طالب: معاني الكلمات، هل يقرأ معاني الكلمات؟

* الشيخ: معاني الكلمات ما هي لازمة، المهم المعنى الإجمالي، وما تدور حوله الآية، والإنسان يعرف هذا، كل طالب علم يمكن يحاول ويعرف.

* طالب: المراد بالذين ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ هل هم عموم النصارى، أو القسيسون والرهبان منهم؟

* الشيخ: لا، عموم النصارى، لكن كما قلت لك: المراد الجنس، يعني ليس فيهم استكبار المشركين واليهود، وقد يكون في بعضهم أعظم من استكبار اليهود والمشركين.

* طالب: ما حكم تسمية الكثير من النصارى، أغلب المسلمين يطلقون عليهم المسيحيين، يقول: هذا مسيحي، وهذا..؟

* الشيخ: أتدري متى حدث هذا؟ حدث بعد الاستعمار، وإلا تجد كلام العلماء رحمهم الله إلى أن بدأ الاستعمار وذلَّ المسلمون أمام قوة الاستعمار، تجدهم لا يعبِّرون إلا بالنصارى، انظر كتب العلماء -رحمهم الله- السابقين إلى أن استعمر الغرب الدول الإسلامية، فقال: المسيحيين، والكُتَّاب الذين عاشوا تحت وطأة الاستعمار تابَعوهم؛ لأن الغالب -كما قال ابن خلدون في مقدمته-: الغالب أن الذليل يخضع للعزيز ويتابعه، وإلا فليسوا مسيحيين، إذا نزل المسيح في آخر الزمان ماذا يصنع؟ يكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ولا يقبل إلا الإسلام، حتى الجزية لا تُقبَل في ذلك الوقت[[متفق عليه؛ البخاري (٢٢٢٢)، ومسلم (١٥٥ / ٢٤٢) من حديث أبي هريرة. ]].

* * *

قال الله تبارك تعالى: ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [المائدة ٨٥].

﴿أَثَابَهُمُ﴾ بمعنى: أعطاهم ثوابًا، والثواب مكافأة العامل في عمله، قال الله تعالى: ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المطففين ٣٦].

وقوله: ﴿بِمَا قَالُوا﴾ أي: بسبب قولهم، وهو: ﴿آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ [المائدة ٨٣، ٨٤] إلى آخره.

والباء في قوله: ﴿بِمَا قَالُوا﴾ للسببية، و(ما) يحتمل أن تكون مصدرية، ويحتمل أن تكون موصولة؛ فإن جعلناها مصدرية صار التقدير: أثابهم الله بقولهم، وإذا جعلناها اسمًا موصولًا صار التقدير: أثابهم الله بالذي قالوا، وحينئذ لا بد من عائد يعود إلى الموصول، وهو هنا محذوف، والتقدير: بما قالوه.

وقوله: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾، ﴿جَنَّاتٍ﴾ هنا جمع (جنة)، والله سبحانه وتعالى يعبِّر عنها أحيانًا بالجنة مفردة، وأحيانًا بـ(جنات)، فأما إذا عُبِّر عنها بالجنة مفردة فالمراد بها الجنس، وإذا عُبِّر عنها بالجمع فالمراد بها أنواعها، وأنتم تعلمون أن الله ذكر في سورة الرحمن أربعة أنواع: جنتان، وجنتان، وفي الحديث: «جَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٧٨)، ومسلم (١٨٠ / ٢٩٦) من حديث أبي موسى الأشعري.]].

وقوله: ﴿جَنَّاتٍ﴾، إن أردنا أن نردها إلى المعنى اللغوي قلنا: الجنات هي البساتين الكثيرة الأشجار، وسُمِّيَت بذلك لأن أشجارها تُجِنُّ أرضها، أي: تسترها؛ لكثرتها وانتشارها، لكن هذا التفسير لو فُسِّر للعامة لهبطت قيمة الجنة عندهم، وتصوَّروا أنها من جنس بساتين الدنيا، ولهذا نقول في تفسيرها: إنها الدار التي أعدَّها الله عز وجل لأوليائه، وفيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، حتى يعرف الإنسان أن هذه الجنة ليس لها نظير.

وقوله: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ أي: من تحت قصورها وأشجارها، وليس المراد من تحت أرضها؛ لأن من تحت أرضها لا يُستفاد منه، لكن من تحت أشجارها وقصورها، والأنهار جمع نهر، وهي أربعة ذُكِرَت في سورة محمد، في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد ١٥]، هذه الأنهار خلقها الله عز وجل من غير ما خلقها في الأرض، الماء في الأرض يخرج بحفر الآبار، أو بالأمطار والسيول، لكن في الجنة ليس هكذا، أنهار تجري بغير أخدود، وبغير حفر سواقي، بل بقدرة الله عز وجل.

﴿أَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ ليس من بقر، ولا من إبل، ولا من غنم، بل هي أنهار خلقها الله عز وجل من هذا.

﴿أَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ﴾ ليس عصير عنب، ولا شعير، ولا غير ذلك، بل هو مخلوق هكذا.

﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ﴾ من نحل؟ لا، عسل خلقه الله عز وجل وصار أنهارًا يجري في الجنة، هذه أربعة أنواع من الأنهار مما ذكره الله لنا.

﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾، الخالد هو الباقي، والأصل في الخلود البقاء الدائم، هذا الأصل، قد يؤكد أحيانًا بكلمة (أبدًا)، وقد لا يراد به الدائم بقرينة، الخلود إذنْ هو الأصل البقاء الدائم، قد يؤكَّد بالأبدية، وقد لا يراد به الأبدية، فأما ما يؤكَّد بالأبدية فهو كثير في القرآن، لا في أهل الجنة، ولا في أهل النار، وأما ما لا يراد بالتأبيد بدليل آخر فمثل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء ٩٣]، فهنا ﴿خَالِدًا﴾ ليس المراد التأبيد؛ لأن قتل المؤمن عمدًا لا يُخرِج من الإيمان، اللهم إلا من استحلَّه، فمن استحله فهو كافر باستحلاله لا بقتله؛ لأن من استحل قتل المؤمن فهو كافر، سواء قتل أم لم يقتل.

المهم اجعل على بالك أن الخلود أيش؟ البقاء الدائم، قد يؤكَّد بالأبدية، وقد لا يراد به الأبد لدليل.

﴿خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ﴾ المشار إليه ما أثابهم الله به من الجنات.

﴿جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾، أي: مكافأتهم على عملهم، والمحسن يعُمّ من أحسن في عبادة الله، ومن أحسن إلى عباد الله؛ أما الإحسان في عبادة الله فقد فسَّره النبي صلى الله وعلى آله وسلم في قوله: «الْإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة.]].

فجعل للإحسان مرتبتين؛ الأولى: أن يعبد الله كأنه يراه، وهذه عبادة رغبة؛ لأن الشيء الذي تراه ترغب فيه وتطلبه، «فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ»، يعني إن لم تصل إلى هذه الحال، «فَإِنَّهُ يَرَاكَ»، أي: فاعبده خوفًا منه وهربًا من عقابه، فجعل النبي عليه الصلاة والسلام للإنسان هاتين المرتبتين.

أما الإحسان إلى عباد الله فهو بذل المعروف لهم، بالمال، والبدن، والجاه، وغير ذلك، فهو بذل المعروف، فمن أعطاك درهمًا فهو محسِن، ومن بَشَّ في وجهك وأدخل السرور عليك فهو محسِن، ومن شفع لك في أمر فهو محسن، إذنْ الإحسان يكون في عبادة الله، ويكون في معاملة عباد الله.

ولما ذكر الله سبحانه وتعالى جزاء هؤلاء المحسنين قال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [المائدة ٨٦]، والقرآن الكريم مثاني تُثَنَّى فيه المعاني، إذا ذُكِر ثواب المحسنين ذُكِر ثواب المسيئين، وإذا ذُكِر ثواب المسيئين ذُكِر ثواب المحسنين، ليبقى الإنسان بين الرغبة والرهبة.

﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا﴾ كفروا بالأمر، وكذَّبوا بالخبر، كفروا بالأمر فلم يقوموا بطاعة، ولم ينتهوا عن معصية، وكذَّبوا بالخبر فلم يُصَدِّقوا، فمن أنكر البعث فمن أي القسمين هو؟ مكذِّب، لكنه كافر، هو مكذِّب وكافر، ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ [التغابن ٧]، ومن لم يُصَلِّ فهو كافر.

فإذا قال قائل: هل نقول: إنه لا بد أن يجتمع الكفر والتكذيب؟ فالجواب: لا، إذا وُجِدَ الكفر ثبت الجزاء، إذا وُجِد التكذيب ثبت الجزاء.

ولذلك لو قال قائل: الصلوات الخمس غير مفروضة، ولا أصدق أنها مفروضة، ولكنه يصلي، لا تفوته الصلاة أبدًا، ماذا نقول فيه؟ كافر؛ لأنه مكذِّب، فالجمع بينهما ليس بشرط، بل إذا وُجِد أحدهما ثبت الحكم.

وقوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ يشمل الآيات الكونية والآيات الشرعية، فمن ادعى أن مع الله خالقًا فهو مكذِّب بالآيات الكونية، ومن أقرَّ بالخالق لكن لم يقبل شريعته فهو مكذِّب بالآيات الشرعية، وقد يوجد من يكذِّب بهما جميعًا، ومن كذَّب ببعض وصدَّق ببعض؟ فهو كافر؛ لأن الله يقول: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء ١٥١].

وقوله: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾، اسم الإشارة هنا للبُعد ولَّا للقرب؟ للبُعد، لكن البُعد قد يكون بُعدًا سُفولًا وقد يكون بُعدًا عُلُوًّا، فإذا كان البعد مشارًا به إلى عالي المرتبة فهو بُعْد عُلُوًّا، مثل قوله تعالى: ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة ١، ٢] هو بين أيدينا الآن ما هو بعيد، لكن لعلوّ مرتبته وشرفه أشار إليه بإشارة البعيد، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر ٣٣] فأشار إليهم إشارة البُعد لعلُوّ منزلتهم.

في هذه الآية: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ أي البُعْدَين أراد؟ السُّفْل، البعد سُفُولًا.

وقوله: ﴿أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾، اعلم أن الله إذا ذكر أصحاب النار أصحاب الجحيم فهذا في الكفار الخُلَّص؛ لأن الصاحب هو الملازم، ولا أحد يلازم الجحيم -يعني النار- إلا إذا كان ممن لا يدخل الجنة، فالذين كفروا وكذَّبوا بآيات الله ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾.

* يستفاد من هذه الآية الكريمة: وكذلك الآية التي قبلها: أن أشد الناس عداوة للمؤمنين هم اليهود والمشركون، والمراد من؟ المراد الجنس، ونعني بذلك أنه قد يوجد من اليهود من لا يكون أشد عداوة، وكذلك من المشركين، نجد مثلًا أبا طالب مشرك، ومع ذلك هل كان يودّ الرسول عليه الصلاة والسلام؟ نعم يَوَدُّه، لكن الجنس أن المشركين واليهود هم أشد الناس عداوة.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن عداوة هؤلاء ظاهرة؛ لقوله: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً﴾، لكن اعلم أن الظهور والبطون أمران نسبيان، بمعنى أن بعض الناس يظهر له ما يخفى على آخر، وبعض الناس يخفى عليه ما يظهر للآخر، لكن مَن سَبَر الأمور ونظر باعتبار تبيَّن له ذلك، ولَّا قد يقول مثلًا قائل: لا نجد هذا، نقول: إذا لم تجد فهذا لبلادتك؛ لأنك بليد لا تعرف.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن غير المسلمين يختلفون في العداوة للمسلمين، من أين نأخذها؟

* طالب: ﴿أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً﴾.

* الشيخ: ﴿أَشَدَّ﴾ و﴿أَشَدَّ﴾ اسم..؟

* طالب: تفضيل.

* الشيخ: اسم تفضيل، تدل على أن هؤلاء الأعداء يختلفون، وهو كذلك، هذا هو الواقع، لكن بماذا نعرف الأشد؟ نعرفه بالآثار، إذا تظاهروا علينا وتحالفوا ضدنا وما أشبه ذلك عرفنا أنهم أعداء.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن أقرب الناس مودة للمؤمنين هم النصارى، وقد بيَّنَّا في التفسير السبب في ذلك.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن كل حكم له سبب، وهذا مطرد يا إخواني، كل حكم شرعي أو قدري فله سبب، لكن من الأسباب ما يُعلَم، ومن الأسباب ما لا يُعْلَم؛ لأن الله تعالى لم يُطلعنا على كل شيء، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ﴾ إلى آخره.

* ومن فوائد الآية الكريمة: حسن تعليم الله عز وجل في كتابه العزيز؛ لأنه إذا ذكر الحكم أحيانًا ذكر العلة، فهنا ذكر حكمًا قدريًّا، وهو قرب النصارى من مودة المسلمين، هذا حكم قدري، وذكر له علة.

وذكر الله سبحانه وتعالى أحكامًا شرعية كثيرة مقرونة بحِكَمِهَا، مثل قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة ٢٢٢]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام ١٤٥]، أي هذا المطعوم، وغلط من قال: (إنه) عائد على لحم الخنزير، هذا غلط؛ لأننا إذا أعدنا آخر الكلام على أوله فأوله يقول: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ﴾ أي ذلك المطعوم، ﴿مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ﴾ أي المطعوم، ﴿رِجْسٌ﴾، وليس عائدًا على لحم الخنزير.

المهم أن من حسن تعليم الله عز وجل أنه إذا ذكر الحُكْم ذكر العلة، سواء كان الحكم قدريًّا أو كان شرعيًّا، وكذلك في السنة، أحيانًا تُذْكَر العلة، فإن النبي ﷺ أمر أبا طلحة فنادى: «إِنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ، فَإِنَّهَا رِجْسٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٥٢٨)، ومسلم (١٩٤٠ / ٣٥) من حديث أنس بن مالك.]].

* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن قرب مودة النصارى للمؤمنين له أسباب، كم؟

* طالب: خمسة أسباب.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском