Ibn 'UthayminAl‑Ma'idah · 5:82–86

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Al-Ma'idah 5:82–86, continued

* الشيخ: نشوف، أولًا: ﴿أَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾، فيُستفاد من هذا: أن العلم نافع حتى لغير المسلمين، وأن العبادة تُرَقِّق القلب؛ أما الأول فيؤخذ من قوله: ﴿بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ﴾، وأما الثاني فيؤخذ من قوله: ﴿وَرُهْبَانًا﴾؛ لأن الراهب إنما سلك هذا الطريق يريد رضا الله، فليس مستكبرًا، لكنه طالب لرضا الله، فهو إذا تبين له يكون من أقرب الناس إلى العمل به.

* من فوائد الآية الكريمة: أن بني آدم ينقسمون إلى علماء وعُبَّاد، لكن هل يمكن أن يكونوا علماء عُبَّادًا؟ نعم، وبكثرة، أن يكونوا علماء عُبَّادًا، لكن من الناس من يغلب عليه العلم، ومن الناس من يغلب عليه العبادة، أعني الذين يتصفون بالعلم والعبادة منهم من يغلب عليه جانب العلم، فتجده دائمًا في بحث، وفي تحقيق، وفي مراجعة، ومنهم من يغلب عليه العبادة، ولهذا تجدون في تراجم العلماء -رحمهم الله- أنهم إذا ترجموا لبعض العلماء قالوا: وكان كثير العبادة.

فأيهما أفضل في العالِم؛ أن يكون كثير العبادة، أو كثير المراجعة؟ كثير المراجعة لا شك أفضل، لكن يجب على كثير المراجعة أن يراجِع قلبه، إذا وجد منه قسوة فليشتغل بالعبادة قليلًا؛ لأنه أحيانًا مع كثرة المراجعة والمطالعة والمناقشة يكون الإنسان كأنه بطل بين صَفَّيْن، لا يلتفت مثلًا للصلاة والتهجد وما أشبهها، إذا رأيت من نفسك أنك أبعدت عن العبادة فارددها حتى لا تغفل عن العبادة.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من أسباب قبول الحق والمودة للمؤمنين التواضع؛ لقوله: ﴿وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾.

* ويؤخذ منها: أن الاستكبار سبب لرد الحق، وهو كذلك، التواضع سبب لقبول الحق؛ لأن الإنسان لا يرى نفسه، لا يرى نفسه أنه معصوم من الخطأ، فإذا بان له الحق اتبعه، ولهذا كان في كتاب عمر رضي الله عنه لأبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: «لا يمنعنَّك قضاء قضيته اليوم أن ترجع إلى الحق غدًا»[[أخرجه الدارقطني (٤٤٧١)، والبيهقي في السنن الكبرى (١٠ / ١٥٠).]]، أو كلمة نحوها، بمعنى أنك تتبع الحق أينما كان، فتكون مِطْوَاعًا للحق، ذليلًا أمام الحق.

وهل هذا الذل أمام الحق يوجب للإنسان أن يكون ذليلًا بين الناس؟ لا، «مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللهُ»[[أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (٨٣٠٧)، والبيهقي في شعب الإيمان (٧٧٩٠) من حديث عمر بن الخطاب.]]. ومن تواضع للحق وُفِّقَ للحق، وعلامة ذلك أنك إذا بان لك الحق اتبعته فورًا بدون تردد، بدون جدال، إن ترددت أو جادلت فهو خطر عليك عظيم، قال الله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ﴾ لماذا؟ ﴿كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام ١١٠].

ولذلك إذا بان لك الحق لا تجادل، لا تحاول أنك تروح يمين ويسار لتبرِّر رأيك، إنك على خطر، وقال عز وجل: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق ٥]: مختلط، يختلط عليهم الحق بالباطل، إذا كذبوا بالحق إذا جاءهم، انتبه لهذه الفائدة وأنت طالب علم، وربما يخالفك من يخالفك من الناس بمقتضى الدليل، ولكن تريد أن تفرض رأيك، هذا غلط كبير، اتبع الحق أينما كان يتبعك الناس أينما كنت؛ لأن الناس يطلبون الحق، فإذا رأوا منك أنه متى بان لك الحق رجعت رجعوا.

إذنْ التواضع للحق هو في الحقيقة علُوّ، كما قال النبي ﷺ: «مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ»[[أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (٨٣٠٧)، والبيهقي في شعب الإيمان (٧٧٩٠) من حديث عمر بن الخطاب.]]، ضد ذلك الاستكبار، الاستكبار -والعياذ بالله- يوجب أن لا يقبل الحق ولا يتبع الحق.

* من فوائد الآية الكريمة: فضيلة هؤلاء القوم الذين يؤمنون بالرسول عليه الصلاة والسلام، أنهم ﴿إِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾، ولا شك أن فيضها من الدمع دليل على أيش؟ على الإيمان والتصديق والتأثر؛ لأن الإنسان كلما آمن فإنه يزداد خشوعًا.

الآن إذا ذكرت آبائك وإخوانك وأصدقاءك الذين ذهبوا وماتوا، ربما تبكي أكثر مما لو ذكرت شيئًا آخر يؤمَن به؛ لأن هؤلاء أدركتهم إدراكًا حسيًّا، فالإيمان كلما قوي صار المؤمن كأنما يشاهد الشيء بعينه، فيزداد إيمانًا وخشوعًا وبكاءً.

نأخذ الفوائد المفردات،* من فوائد قوله: ﴿مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ﴾ [المائدة ٨٣] أن القرآن نزل من عند الله؛ لأن هذا مبني لما لم يُسَمَّ فاعله ﴿مَا أُنْزِلَ﴾؛ لأن فاعله معلوم، وهو الله الذي أنزله.

فيُستفاد منه: أن القرآن كلام الله، وهو كذلك، تكلم به سبحانه وتعالى حقيقةً، تكلم به على وجه مسموع، من سمعه؟ سمعه جبريل، وهو أمين قوي، نزل به على قلب الرسول ﷺ، فوعاه وعقله، حتى قال له ربه عز وجل: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة ١٦، ١٧]، ما يتفرق أبدًا، هو مجموع لك، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾ [القيامة ١٨] يعني قرأه جبريل، ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة ١٨، ١٩].

التزامات عظيمة من الله عز وجل لهذا القرآن، مما يدل على عناية الله به -سبحانه وتعالى- ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾: نبينه للناس لفظًا ومعنى، ولهذا نقول: لا يمكن يوجد في كتاب الله شيء لا يعرف الناس معناه، إن خفي على بعض علمه آخرون.

* في هذه الآية الكريمة من الفوائد: التنويه بالرسول محمد ﷺ؛ لقوله: ﴿الرَّسُولِ﴾؛ لأن (أل) هنا للعهد الذهني، يعني كأنه رسول معلوم مفهوم لا يخفى على أحد.

* ومن فوائدها: إثبات رسالة النبي ﷺ، وهو رسول الله حقًّا، أرسله الله تعالى رحمة للعالمين، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء ١٠٧].

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: نقول: الثناء على من بكى لسماع القرآن؟ نعم، نقول: الثناء على من بكى لسماع القرآن، ولكن اعلم أن البكاء نوعان: بكاء متكلَّف مُصْطَنَع، فهذا لا يفيد، وليس التكحل في العينين كالكَحَل، وبكاء آخر من لين القلب، هذا هو المفيد؛ لأنه صادر عن القلب، عن الإيمان.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن تأثر هؤلاء إنما كان بسبب معرفتهم الحق؛ ولهذا قال: ﴿مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾، والإنسان كلما علم الحق ازداد إيمانه به، وازداد تأثره به.

* من فوائد الآية الكريمة؛ ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا﴾ إلى آخره.

* من فوائد هذه الجملة: الثناء على هؤلاء الذين آمنوا بما أُنْزِل على الرسول ﷺ بأنهم يعلنون الإيمان، ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا﴾، لا يُخفُون إيمانهم؛ لأنهم مؤمنون، والمؤمن حقًّا يعلن إيمانه، لا سيما إذا كانوا قسيسين ورهبانًا؛ لأنهم قدوة للناس.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: اعتراف الأمم بأن هذه الأمة هي الشاهدة على الأمم؛ لقوله: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾، وهم أمة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة ١٤٣].

* طالب: تفسيرنا لقوله تعالى: ﴿أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً﴾ هل يُستدل من الآية عداوة النصارى للمسلمين، يكونون على خلاف ما يفهمه الناس الآن؟

* الشيخ: إي نعم، إحنا ذكرنا هذا لأجل أن لا يُفهَم منه الخطأ، يعني قولهم: ﴿أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً﴾، ما دخلوا في المودة، ولا عندهم مودة، وإلا لقال: أشدهم مودة.

* طالب: شيخ، بارك الله فيكم، الثبات إذا كان القلب قاسيًا، فقرأ الإنسان القرآن ربما لم يجد رقة فتباكى، إن قلنا: إنه لا يفيد يا شيخ، ربما التباكي يرقِّق قلبه.

* الشيخ: لا، لا، ما هو التباكي، التباكي غير البكاء المصطَنَع، بعض الناس ما يبكي، يعني يجعل صوته كأنه يبكي، وهو ما يبكي.

* الطالب: هذا رياء.

* الشيخ: هذا هو.

* طالب: أكرمك الله يا شيخ، المشكلة يا شيخ وهو الفرق بين التواضع والترفُّع؛ لأن بعض الناس مثلًا إذا تبسَّط مع العامة قد يهونون في نظرهم، خاصة إذا كان مثلًا طالب علم أو عالم، فهل يترك مثلًا التبسط؟

* الشيخ: هذا تصور، ما هو بصحيح، أنا لست أقول: تواضع للعامة، قدم له حذاءه وابسط له ظهرك يركب عليه، لا، لكن لَاقِه بوجه طلق وسماحة؛ لأن بعض الناس حتى من طلبة العلم تجده مع العامي يتكلم بأحد منخريه، ما هو بكل أنفه، وينظر، يعني ما نقدر نقول شيء، تواضع يا أخي، الناس الآن يُثْنُون على الرجل الذي يكون متواضعًا، نسمع يثنون على فلان وفلان؛ لأنه متواضع، لكن ليس معنى ذلك أنك تجعل نفسك ذليلًا أمامهم، لا، التواضع غير الذل.

* طالب: شيخ، بارك الله فيكم، ما هو الحد الأدنى الذي لا ينبغي لطالب العلم أن يقصر عنه في العبادة؟

* الشيخ: أنا أظن أن الحد الأدنى الصلوات الخمس بالنسبة للصلاة، الصلوات الخمس برواتبها، والوتر، وما يوجد له أسباب، وكذلك بالنسبة لبذل المال الزكاة والصدقات.

* الطالب: ورد القرآن؟

* الشيخ: ويش لون ورد القرآن، يعني ما يقرأ من القرآن؟ قد أقول: على حسب نشاطه، لكن أخشى أن قول هكذا يتهاون الإنسان؛ لأنه إذا قرأ على حسب نشاطه يوم يقرأ مثلًا جزأين، ثلاثة، ويوم ما يقرأ شيئًا، ويضيع عليه الوقت، ولهذا قال العلماء: ينبغي أن يكون له ورد معين يحرص عليه، وأظن أن الجزأين في اليوم إن شاء الله فيهم بركة، إذا قرأ جزأين كل يوم يحفظ القرآن في الشهر مرتين، هذه نعمة.

* الطالب: الصيام؟

* الشيخ: الصيام ما كان الرسول يصومه؛ ثلاثة أيام من كل شهر، لكن أحيانًا يكون الإنسان يحب الصيام، ولذلك كان من هدي الرسول عليه الصلاة والسلام أنه يصوم حتى يُقال: لا يفطر، ويٌفطر حتى يقال: لا يصوم[[متفق عليه؛ البخاري (١٩٦٩)، ومسلم (١١٥٦ / ١٧٥) من حديث عائشة.]]، لكن الشيء الذي ينبغي أن نواظب عليه صيام ثلاثة أيام من كل شهر؛ لأن الرسول كان لا يدع صيام ثلاثة أيام من كل شهر[[متفق عليه؛ البخاري (١٩٨١)، ومسلم (٧٢١ / ٨٥) من حديث أبي هريرة.]]، ولا يبالي أن يصومها من أول الشهر، أو وسطه، أو آخره.

* طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، كيف نجمع بين ذكر الله عز وجل حكاية عن قول هؤلاء وبين أن القرآن معجز.

* الشيخ: ويش التعارض؟

* الطالب: أنهم قد قالوه، قد يقول قائل: إن قولهم معجز.

* الشيخ: إن قولهم معجز؟! لا، هذه ما فيها إشكال، يعني هو الأخ يقول: كيف نقول: إنهم قالوا بهذا اللفظ؟ هم لم يقولوا بهذا اللفظ، فالقرآن يحكي أقوال الآخرين بالمعنى، ولذلك شوف قول السحرة: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف ١٢١، ١٢٢]، في سورة طه: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ [طه ٧٠]، والقول واحد، لكن الله تعالى قدَّم ذكر هارون في سورة طه من أجل تناسب الآيات، فكل ما يحكيه الله عن السابقين فهو بالمعنى؛ لأنا نعلم أنهم ما قالوا بالعربية، لغتهم غير عربية، وترتيبهم ليس كترتيب القرآن فيما نعلم -والله أعلم-، وقد يقال: إن الله حكى قولهم، ولكنه صاغه -سبحانه وتعالى- أو تحدث به على ما يريد.

* طالب: شيخ، أحسن الله إليك، هل التفرغ للعبادة وطلب العلم وترك الوظيفة كأن يتيسر له مال؟

* الشيخ: أما إذا كان له ما يقيته فالتفرغ لا شك أفضل، إلا إذا كانت الوظيفة تصلح بوجوده؛ لأن بعض الوظائف تحتاج إلى الشخص، مثل وظائف القضاء، كُتَّاب العدل، وأشياء كثيرة، فالإنسان ينظر للمصالح.

* طالب: قوله تعالى: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ هل يمكن أن يؤخذ منها أن الْمُجْمَل الاتباع؟

* الشيخ: لا، يعني قصدك مطلق المعية؟

* الطالب: مُجْمَل الاتباع.

* الشيخ: ليه؟

* الطالب: لما جاء به الرسل.

* الشيخ: اكتبنا معهم يعني: نفعل كما يفعلون.

* طالب: المنكرون لكلام الله يقولون: إن القرآن ليس كلام الله، إنما هو عبارة عن كلام الله، ما معنى قولهم هذا يا شيخ؟

* الشيخ: يقولون: إن الله سبحانه وتعالى ما تكلم به، لكن خلق أصواتًا لتعبر عما في نفسه، فسمعها جبريل ونزل بها، قول بلا علم، حقيقة أنك إذا تأملت كلامهم انتهيت إلى أن الله ليس بشيء، لا يتكلم، ولا يستوي على العرش، ولا ينزل، ولا يأتي للفصل بين عباده، ولا يفرح، وليس له يد، وليس له وجه، وليس له عين، اللهم لك الحمد، نسأل الله الهداية.

* * *

* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ [المائدة ٨٦ - ٨٨].

* الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلَّم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد، فإننا كما بدأنا في الأسبوع الماضي قررنا أن نبدأ بقواعد من قواعد التفسير، وهذا جيد، لكن يحتاج منكم تقييد القاعدة التي تكلمنا عليها؛ لئلا تتكرر؛ لأنه ليس بين أيدينا كتاب نقرأ منه حتى نأمن التكرار، في الأسبوع الماضي تكلمنا على قواعد في..؟

* طالب: تفسير الآية بالمضمون.

* الشيخ: إلى أين نرجع في التفسير؟

* طالب: القاعدة الأولى تكلمنا أنه –التفسير- هل هو فرض عين أو فرض كفاية، وذكرنا التفصيل في ذلك بأنه: ما لا يقوم دين المرء إلا به فهو فرض عين، على كل مسلم أن يعلم تفسيره، وما سوى ذلك فهو فرض كفاية، هذه القاعدة الأولى.

والقاعدة الثانية هي: بماذا يكون تفسير القرآن؟ فذكرنا له ثلاثة أقسام: القسم الأول: هو تفسير القرآن بالقرآن، وهذا إذا ورد فلا عدول عنه؛ لأن المتكلم بالقرآن هو الله عز وجل، وهو أعلم بمراده،

والمرتبة الثانية: هي تفسير القرآن بالسنة؛ لأن الرسول ﷺ هو أعلم الخلق بمراد الله عز وجل.

والثالث: هو تفسير القرآن بأقوال السلف؛ لأن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم هم أدرى الناس بما قال الله عز وجل.

* الشيخ: الرابع: التفسير بمقتضى اللغة العربية، فيه شيء آخر؟

* طالب: مراعاة المعنى؟

* الشيخ: أيش؟

* الطالب: كقوله تعالى (...) هل يستحسن أن يقف على..

* الشيخ: لا، الوقف والوصل ما يدخل في التفسير.

* طالب: ذكرنا الطريقة المثلى في التفسير أن يفسر الإنسان بنفسه ويحاول أن يستنبط المعاني.

* الشيخ: نعم، هذا أيضًا مهم، أن الإنسان يحاول أن يعرف معنى القرآن بنفسه أولًا، ثم بعد ذلك يرجع إلى ما قال المفسرون، وليس معنى هذا أن يأخذ بما رآه، ولكن يُكَوِّن معنى في نفسه، ثم يرجع إلى أقوال المفسرين؛ لئلا يضل، لكن كونه يقرأ أقوال المفسرين فقط قراءة عابرة كأنه صبي يُرْضَع برَضَّاعة هذا لا يستفيد الفائدة المطلوبة.

أما الليلة فهو في النسخ، نتكلم الآن في النسخ، هل يمكن النسخ في القرآن أو لا يمكن؟ يقال: الصحيح أنه يمكن، يمكن النسخ، وأنه واقع، وهذا هو ما عليه جمهور الأمة، ولا يعنينا أن ينكر ذلك من ينكره، فاليهود مثلًا قالوا: لا يمكن نسخ الشرائع؛ لأننا لو جَوَّزْنَا النسخ لَجَوَّزْنا البداء على الله، أي أنه تبدو له المصلحة بعد أن كانت خفيَّة عليه، فيحكم بشيء، ثم بعد ذلك يعدل عنه؛ لأنه لم يدرِ عن عواقب ما حكم به أولًا.

ومعلوم أنه لا يجوز للإنسان أن يصف ربه عز وجل بالجهل ثم البداء، ولكن الله عز وجل رد عليهم، فقال: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾ [آل عمران ٩٣]، فبيَّن أن النسخ واقع، وهو كذلك، ومن أجل إنكارهم النسخ أنكروا نبوة عيسى، ونبوة محمد صلى الله عليهما وسلم، وقالوا: إن شريعتيهما نسخت شريعة التوراة وهذا لا يجوز.

المسلمون مُجْمِعون على جواز النسخ عقلًا، ووقوعه شرعًا، إلا أن أبا مسلم الأصفهاني رحمه الله قال: لا نسخ في القرآن، وحَمَل النسخ الذي ثبت في القرآن على التخصيص.

مثال ذلك: أوجب الله على المسلمين في الجهاد أن الواحد يصابر عشرة، ثم نسخ ذلك وقال: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ [الأنفال ٦٦]، وهذا واضح أن هذا نسخ، وكذلك في الحديث: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا»[[أخرجه مسلم (٩٧٧ / ١٠٦) من حديث بريدة بن الحصيب.]]، هذا أيضًا نسخ واضح، ثبت بنفس القرآن ونفس السنة.

ادعى هو رحمه الله أن هذا تخصيص وليس بنسخ، ووجَّه قوله: بأن الحكم المنسوخ كان عامًّا في جميع الأزمان وفي جميع الأحوال، ثم نُسِخ، فخرج بالنسخ الزمنُ الذي تبقى، وقال: هذا تخصيص.

وبناء على هذا التوجيه يكون الخلاف بينه وبين جمهور الأمة خلافًا لفظيًّا لا فائدة منه، ما دمنا متفقين على أنه يمكن أن يكون هذا الحكم العام في كل زمن، وفي كل مكان، وفي كل أمة، وفي كل حال، يجوز أن يُلْغَى في وقت من الأوقات، فهذا هو النسخ، سَمِّه تخصيصًا، أو سَمِّه نسخًا.

ثم يقال له رحمه الله: ما الفائدة من أن نتحاشى كلمة (نسخ)، والله تعالى في القرآن يقول: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة ١٠٦].

نرجع إلى جواز النسخ عقلًا، أما وقوعه شرعًا فلا شك فيه، لكن كيف يجوز عقلًا؟ ألا يجوز أن يرد ما أورده اليهود؟ بأن الله بَدَا له بعد أن كان خفيًّا عنه أن الحكم منسوخ لا يستقيم؟

فالجواب: لا، الأحكام تثبت بحسب أحوال الأمم، فقد يكون الوجوب مثلًا مصلحة للأمة في وقت، غير مصلحة في وقت آخر، أليس كذلك؟

وقد يكون النسخ لابتلاء المكلَّف، يبتليه الله عز وجل، هل يمتثل أو لا يمتثل، ثم يأتي النسخ؛ لأن بعض الناس قد لا يقبل النسخ، كالذين ارتدوا حينما حُوِّلَت القبلة؛ لأنهم قالوا: كيف أمس نتَّجه إلى بيت المقدس، والآن نتجه إلى الكعبة؟ لا يمكن، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة ١٤٣]، ويكفي هذا حكمة.

فإذا كان تغيير الحُكْم ونسخه له حِكَم لم يلزم على الله البداء؛ لأنه سبحانه وتعالى يشرع لعباده من الأحكام ما تقوم به مصالح دينهم ودنياهم، أرأيت لو كَلَّفت ولدك بعمل، ثم رأيت هذا العمل شاقًّا عليه، فهل من المصلحة أن تبقيه في هذا العمل الشاق، أو أن تنقله إلى عمل آخر؟ تنقله إلى عمل آخر، هذا مقتضى العقل، فحينئذ يبطل ما ادَّعاه اليهود من أنه يلزم منه البداء على الله، أي الظهور بعد الخفاء.

إذنْ فالنسخ جائز عقلًا، وواقع شرعًا، ثم إن النسخ يكون على ثلاثة وجوه: نسخ للحكم مع بقاء اللفظ، ونسخ اللفظ مع بقاء الحكم، ونسخهما جميعًا، ثلاثة أقسام.

الأول: نسخ الحكم مع بقاء اللفظ، وهذا كثير، مثل قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة ١٤٩] هذا نسخ ليش؟ للقبلة الأولى، اللفظ باقٍ ولَّا لا؟ باقٍ؛ لأن الله قال: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ﴾ [البقرة ١٤٤]، ومثل قول الله تبارك وتعالى في الصوم: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة ١٨٧]، ومثل قوله في الآية في مصابرة العدو أن الله تعالى أوجب أن يصابِر المسلمون عشرة أمثالهم، ثم نُسِخَ ذلك، هذا نسخ أيش؟ نسخ الحكم مع بقاء اللفظ.

وهنا يرد سؤال: ما الفائدة من نسخ الحكم مع بقاء اللفظ، لماذا لم ينسخ اللفظ؛ لأن العمل باللفظ انتهى؟ فيقال: الفائدة بالنسبة للقرآن، أولًا: زيادة الأجر بالتلاوة، وثانيًا: تذكير العباد بنعمة الله عليهم؛ حيث نقلهم من الأشد إلى الأخف، أو بالعكس، أو بالمماثل، لكن المهم التذكير بالنعمة.

القسم الثاني عكس هذه المسألة، وهو: نسخ اللفظ مع بقاء الحكم، مثاله آية الرجم، آية الرجم كانت قرآنًا يُتْلَى.

يقول عمر رضي الله عنه: «قرأناها ووعيناها، ورجم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ورجمنا بعده»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٨٢٩)، ومسلم (١٦٩١ / ١٥). ]]، فهي كانت موجودة في القرآن، أين لفظها؟ غير موجود، ما في القرآن أن الثيب يُرْجَم إذا زنى، فاللفظ غير موجود -أعني اللفظ المنسوخ- ولفظ الناسخ؟ الناسخ موجود أو غير موجود؟ ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور ٢]، والثيِّب جاء في السنة، فهنا لا يوجد آية الرجم في القرآن، لفظها غير موجود.

فما هي الآية التي نُسِخَت؟ ورد أن لفظها: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالًا من الله والله عزيز حكيم)[[أخرجه أحمد (٢١٢٠٧) من حديث أبي بن كعب.]]، لكن هذا لا يصح، هذا اللفظ لا يطابق الحكم؛ لأن الحكم منوط بأيش؟ بالثيوبة، ما هو بالشيخوخة، وعمر رضي الله عنه يقول: «وإن الرجم حق ثابت في كتاب الله على من زنى إذا أحصن وكان الحبل أو الاعتراف»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٨٢٩)، ومسلم (١٦٩١ / ١٥). ]].

فقوله: إنه حق ثابت في القرآن على من زنى إذا أحصن، ما قال: إذا شاخ، قال: إذا أحصن، يتبين أن لفظ الآية المنسوخة ليس كما رُوِيَ، ولذلك لو زنى الشيخ وهو بكر لم يُرْجَم، ولو زنى الشاب وهو ثيِّب يُرْجَم، إذن الآية غير معروفة اللفظ، لكن نعلم أنها لفظ دالٌّ على ما ذكره عمر رضي الله عنه.

فإن قال قائل: ما الحكمة من أنه يُنْسَخ اللفظ ويبقى الحكم؟ لأننا ذكرنا أن بقاء اللفظ فيه فائدة وهي التلاوة، لكن هنا ما الفائدة؟ الفائدة -والله أعلم- أنه يتبين فضل هذه الأمة على من سبقها، فاليهود حاولوا إخفاء آية الرجم، مع أنها موجودة في التوراة، لكنهم تركوا العمل بها، وسبب ترك العمل بها أنه كثر الزنا في أشرافهم، وشق عليهم أن يقتلوا أشرافهم، فأحدثوا حكمًا جائرًا ليس في شريعة الله.

هذه الأمة -ولله الحمد- عملت بحكم لا يوجد نصُّه، فأظهرت الحكم مع خفاء الدليل، واليهود بالعكس؛ أبطلوا الحكم مع وجود الدليل، هذا ما تبيَّن من الحكمة.

وقد يقال: إن هناك حكمة أخرى، وهي: بشاعة الجريمة؛ لأن زنا الثيِّب لا شك أنه بشع، وأقبح مِن زنا الشاب، ولذلك كانت عقوبته الرجم، بخلاف غير المحصن.

هذا الأخير الإنسان يتردد في أن هذا هو الحكمة؛ لأنه سيقول: إن هذا هو مراد الله عز وجل، وهذا صعب؛ لأن الله سبحانه وتعالى ذكر ما هو أبشع من هذا، وهو إتيان الذكر –اللواط- صريحًا: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ [الشعراء ١٦٥، ١٦٦].

لكن الوجه الأول وهو: بيان فضل هذه الأمة على من سبقها واضح.

بقي القسم الثالث وهو: نسخ اللفظ والحكم، هذا له مثال، وهو حديث عائشة في الرضاع: «كان فيما أُنْزِل عشر رضعات معلومات يُحَرِّمن، فنُسِخْنَ بخمس معلومات»[[أخرجه مسلم (١٤٥٢ / ٢٤).]]، الآن لا تجد عشر رضعات، لا في القرآن، ولا في الحكم، عشر رضعات العمل بها منسوخ، إلى كم؟ إلى خمس، الخمس منسوخة لفظًا لا حكمًا، والعشر منسوخة لفظًا وحكمًا.

فيه أقسام أيضًا للنسخ لكن الوقت ضاق علينا، نؤجله إن شاء الله إلى الدرس القادم.

* * *

نعود إلى درسنا، يقول الله تبارك وتعالى: ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾، تقدم الكلام عليها، وعلى فوائدها.

قال الله تعالى عن هؤلاء النصارى الذين أسلموا، قال: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ إلى آخره.

* في هذه الآية من الفوائد: دفع اللوم عن الإنسان، يعني الإنسان ينبغي أن يدفع اللوم عن نفسه، ولا يبدي عِرْضَه لعباد الله يعملون ما يشاؤون فيه، ولهذا أصل من السنة؛ فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما قام يقلِب إحدى زوجاته وهي صفية رضي الله عنها بعد أن بقيت عنده، قام يقلِبها، فمرَّ به رجلان من الأنصار، فلما رأيَا رسول الله ﷺ ومعه أهله خجلَا وسارَا بسرعة، فقال لهما: «عَلَى رِسْلِكُمَا، إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ»، فقالَا: سبحان الله،» يعني لا يمكن أن يقع في قلوبنا شيء، فقال لهما: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ، وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَرًّا»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٠٣٥)، ومسلم (٢١٧٥ / ٢٤) من حديث صفية بنت حيي.]]، أو قال: «شَيْئًا»».

* من فوائد هذه الآية الكريمة أيضًا على الوجه الثاني في قوله: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ﴾: حمل النفس عند الوسواس على الإيمان والعمل الصالح، يعني إذا رأيت في نفسك فتورًا فقوِّها، قَوِّ عزيمتها؛ لأننا ذكرنا في قوله: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ﴾ احتمالين.

* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن ما جاء به الرسول ﷺ حق بشهادة من سبق من الأمم؛ لقوله: ﴿وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ﴾.

وهل يعتد بشهادة الأمم السابقة؟ الجواب: نعم يُعْتَدُّ؛ لقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ [يونس ٩٤].

* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإنسان لا ينبغي أن يُعْجَب بعمله، فيشهد لنفسه أنه من أهل الجنة؛ لقولهم: ﴿وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا﴾، ولم يجزموا بذلك.

ولهذا مهما عملت من عمل صالح مبني على الإيمان لا تُزَكِّ نفسك، لا تدري فلعل هناك سرًّا في القلب لا تشعر به -أعاذنا الله وإياكم من النفاق- «وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٨٩٨)، ومسلم (١١٢ / ١٧٩) من حديث سهل بن سعد.]].

يمكن أن نأخذ من هذا أنه لا يُشْهَد لأحد بالجنة لكونه مؤمنًا عاملًا صالحًا؟ يمكن، ولهذا من عقيدة أهل السنة والجماعة ألَّا نشهد لأحد بالجنة إلا من شهد له الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي اختيار الرفيق الصالح؛ لقوله: ﴿وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾، وهذا أمر دَلَّت عليه السنة دلالة صريحة؛ فإن النبي ﷺ قال: «مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ؛ إِمَّا أَنْ يَبِيعَكَ، أَوْ أَنْ يُحْذِيَكَ، أَوْ تَجِدَ مِنْهُ رَائِحَةً طَيِّبَةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٥٣٤)، ومسلم (٢٦٢٨ / ١٤٦) من حديث أبي موسى الأشعري.]].

ثم قال تعالى: ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ﴾ إلى آخره.

* في هذه الآية الكريمة: بيان فضل الله عز وجل، حيث أثاب هؤلاء الذين مَنَّ عليهم بالإيمان بهذا الجزاء العظيم.

* ومن فوائدها: إثبات الأسباب؛ لقوله: ﴿بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ﴾.

فإن قال قائل: كيف نجمع بين هذه الآية الكريمة وأمثالها، وقول النبي ﷺ: «لَنْ يَدْخُلَ أَحَدٌ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ»، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِرَحْمَتِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٦٧٣)، ومسلم (٢٨١٦ / ٧٥) من حديث أبي هريرة.]]، فنفى أن يدخل الجنة أحد بعمله، مع أن النصوص كثيرة في أن العمل يدخل به الإنسان الجنة؟

فالجواب أن يقال: الباء تكون للسببية أحيانًا، وتكون للعِوَض أحيانًا، فإذا قلت: بعت عليك هذا الثوب بدرهم، فالباء للعِوَض، ولا يمكن أن تكون للسببية، وإذا قلت: أكرمتك بما أكرمتني، صارت للسببية، فالمنفيُّ هو أن تكون الباء للعوض، «لَنْ يَدْخُلَ أَحَدٌ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ»، يعني لا يمكن أن يكون العمل كالدرهم بالنسبة للثوب في البيع، لا يمكن هذا؛ لأن الله سبحانه وتعالى لو أراد أن يحاسبنا على أعمالنا لكانت نعمة واحدة من نعمه تحيط بأعمالنا كلها، بل إن توفيقنا للعمل الصالح يا إخواننا نعمة تحتاج إلى شكر.

فإذن لا يمكن أن يكون دخولنا الجنة _وأسأل الله أن يدخلني وإياكم إياها_ لا يمكن أن يكون عوضًا عن العمل، لكن يكون سببًا، وبهذا الجمع يزول الإشكال، واعلم أنه لا يمكن أن يقع تعارض بين نصوص الكتاب والسنة أبدًا، فإما أن لا يكون تعارض، وإما أن يكون تعارض بحسب فهم المستدِلّ، أما أن يوجد تعارض بين كلام الله بعضه ببعض، أو بين كلام الله وما صح من سُنَّة الرسول، أو بين سُنَّة الرسول بعضها مع بعض فهذا مستحيل.

* ومن فوائد هذه الآية: إثبات الجنة، وأنها أنواع؛ لقوله: ﴿جَنَّاتٍ﴾.

* ومن فوائدها: أن الجنة ذات أنهار مطردة تحت هذه القصور والأشجار، ولا يمكن للإنسان أن يتصور ذلك المنظر العظيم البهيج السارَّ أبدًا؛ لأن الجنة فوق ما ندرك، كما قال الله عز وجل: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٧]، وهذا في القرآن، وكما قال تعالى: «أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٤٤)، ومسلم (٢٨٢٤ / ٢) من حديث أبي هريرة.]]، وهذا في الحديث القدسي.

* ومن فوائد هذه الآية: أن الأنهار في الجنة أنواع؛ للجمع: ﴿الْأَنْهَارُ﴾، وقد مر علينا تفسير أنواعها.

* من فوائدها: أن نعيم الجنة دائم؛ لقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾، وقد قررنا أن الخلود ما هو المكث الطويل، هو المكث الدائم، إلا بدليل.

* ومن فوائد الآية الكريمة: الحث على الإحسان؛ لقوله: ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾، الإحسان في عبادة الله، والإحسان إلى عباد الله، «وَلَا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا، وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ»[[أخرجه مسلم (٢٦٢٦ / ١٤٤) من حديث أبي ذر.]].

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: علُوُّ هذا الجزاء؛ لقوله: ﴿وَذَلِكَ﴾، حيث أشار إليه بإشارة البعيد.

5:86Page 122

وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِيمِ ٨٦

But those who disbelieved and denied Our signs - they are the companions of Hellfire.

ثم قال الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾.

* من فوائدها: أن الكفر والتكذيب بآيات الله من أسباب دخول النار والخلود فيها؛ لقوله: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾.

* ومن فوائدها: بيان هذا القرآن الكريم، وأنه مثاني تُثَنَّى فيه المعاني والأحوال، حتى لا يَمَلَّ القارئ، وحتى يكون سير الإنسان إلى ربه بين الخوف والرجاء، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر ٢٣].

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان الواعظ للناس أن لا تكون موعظته بالترغيب دائمًا، أو بالترهيب دائمًا؛ لأنه إن أدام الترغيب أوقعهم في الأمن من مكر الله، وإن أدام الترهيب أوقعهم في القنوط من رحمة الله، فالواعظ في الحقيقة كالطبيب، إن أعطى جرعة زائدة هلك المريض، وإن نقص لم يبرأ المريض، لا بد أن يكون الإنسان يراعي الأحوال، لا يقتصر على الترغيب دائمًا، ولا على الترهيب دائمًا، وإذا قلنا بهذه القاعدة تبيَّن لنا أن من الناس مَن الأَوْلَى بحقه الترغيب، ومن الناس مَن الأَوْلَى بحقه الترهيب، إذا رأيت شخصًا مقبلًا على طاعة الله حريصًا عليها، فهنا ماذا نقول؟ الأَوْلَى الترغيب، حتى نَحُثَّه على الطاعة وتقدمها، ونؤمله القبول، وإذا رأيت أحدًا بالعكس متهاونًا بالطاعة، مُصِرًّا على المعصية، فهنا جانب الترهيب أولى، ومع ذلك نأمره بالتوبة ونُرَغِّبُه في قبولها.

* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات هذا الاسم للنار، وهو الجحيم، ولها أسماء متعددة، وأسماؤها تعتبر أوصافًا لها، فجهنم، والنار، والحريق، وما أشبه ذلك، هذه كلها أسماء تعتبر أوصافًا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском