Ibn 'UthayminAl‑Hadid · 57:7–15

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Al-Hadid 57:7–15

57:7Page 538

ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسۡتَخۡلَفِينَ فِيهِۖ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَأَنفَقُواْ لَهُمۡ أَجۡرٞ كَبِيرٞ ٧

Believe in Allāh and His Messenger and spend out of that in which He has made you successive inheritors. For those who have believed among you and spent,1 there will be a great reward.

﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: ٧]، ﴿آمِنُوا﴾ الخطاب للعباد كلهم، ﴿بِاللَّهِ﴾ رب العالمين ﴿وَرَسُولِهِ﴾ محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والأمر هنا للوجوب، الذي هو أشد أنواع الوجوب تحتمًا، الإيمان بالله أن تؤمن بأنه رب العالمين، أن تؤمن بأنه الإله المعبود حقًّا الذي لا يستحق العبادة إلا هو، أن تؤمن بأن له الأسماء الحسنى والصفات العليا، أن تؤمن بأنه الفعال لما يريد، أن تؤمن بأنه لا معقب لحكمه وهو السميع العليم، أن تؤمن بأن مرجع الخلائق إليه في الأحكام الشرعية وفي الأحكام الكونية، فمن يدبر الخلق؟ من؟

لا يدبر الخلق إلا الله عز وجل، يدبر أمره.

من الذي يحكم بينهم فيما كانوا فيه يختلفون؟ الله عز وجل.

رسوله محمد عليه الصلاة والسلام أرسله الله تعالى إلى جميع الخلق؛ الإنس والجن، وختم به النبوات، فلا نبي بعده، والدليل: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ يعني وكان رسول الله ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب ٤٠] فلا نبي بعده، فمن ادعى النبوة بعده فهو كافر، يجب أن يقص عنقه إلا أن يتوب ويرجع.

قال تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد ٧] الإنفاق: البذل، و﴿مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ يعني المال؛ لأن الله جعلنا مستخلفين في هذا المال، فهو الذي ملكنا إياه، فلا منة لنا على الله بما ننفق، بل المنة لله علينا بما أعطى، والمنة له علينا بما شرع لنا من الإنفاق، ولولا أن الله شرع لنا أن ننفق لكان الإنفاق ضياعًا وبدعة، ولكن شرع لنا أن ننفق، إذن له المنة أولًا لما ملكنا من المال، وله المنة ثانيًا بما شرع لنا من إنفاقه.

﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الحديد ٧] الذين آمنوا بمن؟! بالله ورسوله؛ لأنه قال: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا﴾ أي: مما جعلهم مستخلفين فيه لهم أجر كبير، والآيات كما تعلمون لهم أجر كبير، ولهم أجر عظيم، ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام ١٦٠]، إذن أجر كثير، فوصف الله الأجور على العمل بهذه الأوصاف كبير، عظيم، كثير؛ الكثير نأخذه من قوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾، وبهذا تعرف منة الله عز وجل علينا والحمد لله، يأمرنا بالعمل ونعمل به ويأجرنا عليه أجرًا كثيرًا، أجرًا عظيمًا، أجرًا كبيرًا، منة عظيمة كبيرة، فعلينا أن نشكر الله، وأن ننفق مما جعلنا مستخلفين فيه.

وهل ننفق كل ما نملك أم بعضه؟ ﴿أَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ﴾ (من) هذه هل هي للتبعيض أو هي لبيان، بيان ما ينفق منه؟ إذا كانت للتبعيض فالمعنى أنفقوا بعض ما جعلكم ما هو كله، إذا جعلناها للبيان فالمعنى أنفقوا مما جعلكم حسب ما تقتضيه المصلحة، إما الكل وإما البعض، فأيهما أحسن؟ أن نجعل (من) للتبعيض أم نجعل (من) للبيان؟ الثاني إذا جعلناها للبيان صار الإنسان مخيرًا أن ينفق كل ماله أو بعض ماله، أكثره أو أقله حسب ما تقتضيه المصلحة.

ومعلوم أنه كلما كان المعنى أوسع كان أولى بالأخذ به، والقرآن الكريم العظيم معانيه واسعة عظيمة، ولذلك حث النبي ﷺ مرة على الصدقة، وكان الصحابة رضي الله عنهم يتسابقون إلى الخير، كل واحد يحب أن يكون هو السابق، فقال عمر رضي الله عنه: اليوم أسبق أبا بكر؛ لأن هذين الرجلين هما أخص الصحابة بالرسول عليه الصلاة والسلام، وأحب الصحابة إلى الرسول.

إن النبي ﷺ يحب أبا بكر رضي الله عنه أشد من حب علي بن أبي طالب رضي الله عنه، مع أن علي بن أبي طالب ابن عمه وزوج ابنته، لكن أبا بكر يحبه أشد وأكثر، فقد سئل: «مَن أحبُّ الناس إليك؟ قال: «أَبُو بَكْرٍ»[[أخرجه أبو داود (١٦٧٨) والترمذي (٣٦٧٥) من حديث عمر بن الخطاب.]] وهذا كلامه، وكلامه صدق ولَّا فيه شك؟ صدق ولا شك في هذا، يقول: «لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٦٦) ومسلم (٢٣٨٢ / ٢) من حديث أبي سعيد.]].

المهم عمر كان هو وأبو بكر كفرسي رهان، يحب أن يسبقه، لا حسدًا لأبي بكر، ولكن حبًّا للفضل لنفسه، قال: اليوم أسبق أبا بكر، فجاء بنصف ماله لينفقه، نصف ماله يعني لو كان عنده مئتان جاب، ألفان، مليونان، نصف ماله، «أتى به النبي عليه الصلاة والسلام، قال: «يَا عُمَرُ، مَاذَا تَرَكْتَ لِأَهْلِكَ؟» قال: تركت لهم الشطر، يعني النصف، جاء أبو بكر، قال: «مَا تَرَكْتَ لِأَهْلِكَ؟»، قال: تركت لهم الله ورسوله، كل ماله، فقال عمر: والله لا أسابقك على شيء بعدها أبدًا»[[أخرجه أحمد في فضائل الصحابة (٥٢٧) من حديث عمر بن الخطاب.]]، عرف أنه يعجز أن يسبق أبا بكر.

الشاهد من هذا الحديث أيش؟ أن أبا بكر تصدق بجميع ماله، فإذا رأى الإنسان المصلحة في التصدق بجميع ماله وأن عنده من قوة التوكل، والاعتماد على الله، واكتساب الرزق، ما يمكنه أن يسترد شيئًا من المال لأهله ونفسه، حينئذ نقول: تصدق بجميع مالك، أنفق جميع مالك، إذا كان الأمر بالعكس؛ كان رجلًا أخرق لا يعرف أن يكتسب، وليس هناك داع أن ينفق كثيرًا، فهنا نقول: الأولى أن تنفق بعض المال.

إذن يا جماعة ﴿أَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ﴾ هل (من) للتبعيض أو للبيان؟ للبيان، يعني: أنفقوا من هذا المال ما يكون فيه المصلحة.

في هذه الآية دليل على أنه ينبغي للإنسان أن يحقق إيمانه ويثبته، وكلما رأى فيه تزعزعًا استعاذ بالله من الشيطان الرجيم ومضى في سبيله، وأن ينفق من المال.

وهنا سؤال: هل المال محبوب للنفوس؟

قال الله تعالى: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر ٢٠] وقال عز وجل: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْر﴾ يعني المال ﴿لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات ٨] لا يمكن أن يبذل الإنسان شيئا محبوبًا إليه إلا لما هو أحب، فإذا بذل الإنسان المحبوب إليه ابتغاء رضوان الله، علمنا أن الرجل يحب رضوان الله أكثر من محبة المال، وبذلك يتحقق الإيمان.

57:8Page 538

وَمَا لَكُمۡ لَا تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلرَّسُولُ يَدۡعُوكُمۡ لِتُؤۡمِنُواْ بِرَبِّكُمۡ وَقَدۡ أَخَذَ مِيثَٰقَكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٨

And why do you not believe in Allāh while the Messenger invites you to believe in your Lord and He has taken your covenant, if you should [truly] be believers?

﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الحديد: ٨] هذا معطوف على الآية التي قبلها، وهي قوله تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (٧) وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [الحديد ٧، ٨] يعني: أي شيء يمنعكم من الإيمان بالله وقد تمت أسباب وجوب الإيمان به، وذلك بدعوة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما قال عز وجل: ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ﴾ يعني أخذ الله ميثاقكم: العهد أن تؤمنوا به، وبرسله، فصار هناك سببان للإيمان:

الأول: دعوة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إليه.

والثاني: الميثاق الذي أخذه الله علينا، وذلك بما أعطانا عز وجل من الفطرة والعقل والفهم الذي ندرك به ما ينفعنا ويضرنا، هذا هو الصحيح في معنى الميثاق، وقيل: إنه الميثاق الذي أخذه الله تعالى على بني آدم حين أخرجهم من ظهره، إن صح الحديث الوارد في ذلك.

المهم أن الله تعالى ينكر على من لم يؤمن ويقول: ما الذي حملك على ألا تؤمن وقد تمت أسباب وجوب الإيمان بدعوة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأخذ الميثاق؟!

﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ يعني إن كنتم مؤمنين فالزموا الإيمان بالله ورسوله.

57:9Page 538

هُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبۡدِهِۦٓ ءَايَٰتِۭ بَيِّنَٰتٖ لِّيُخۡرِجَكُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ بِكُمۡ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٞ ٩

It is He who sends down upon His Servant [Muḥammad (ﷺ)] verses of clear evidence that He may bring you out from darknesses into the light. And indeed, Allāh is to you Kind and Merciful.

﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [الحديد: ٩] لما ذكر أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يدعو إلى الإيمان، بيَّن أنه ﷺ أتى بآيات بينات، أي: علامات دالة على صدقه، وأن ما جاء به فهو حق، بينات: ظاهرات، بما اشتملت عليه من القصص النافعة، والأخبار الصادقة، والأحكام العادلة، والفصاحة التامة، والبيان العجيب، حتى إن العرب -وهم أئمة البلاغة وأمراؤها- تحداهم الله عز وجل عدة مرات أن يأتوا بمثل هذا القرآن ولم يستطيعوا، فيقول عز وجل: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ أي: علامات دالة على أنه رسول الله حقًّا، وأن ما جاء به فهو حق، وذلك لما اشتملت عليه من الأخبار الصادقة والأحكام العادلة والقصص النافعة، والفصاحة والبلاغة وغير ذلك مما هو معلوم.

وقوله عز وجل: ﴿لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [الحديد ٩] قوله: ﴿لِيُخْرِجَكُمْ﴾ يَحتمِل أن يكون المراد بذلك الرسول ﷺ، أي: ليكون سببًا لإخراجكم من الظلمات إلى النور، ويحتمل أن يعود إلى الله عز وجل، أي: ليخرجكم الله تعالى بهذه الآيات من الظلمات إلى النور، وكلا المعنيين حق، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة ٢٥٧]، وقال الله تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [إبراهيم ١]، فالنبي ﷺ سبب أن يخرج الناس من الظلمات إلى النور، وأما المخرج حقيقة فهو الله عز جل.

والمراد بالظلمات ظلمات الجهل وظلمات الشرك، ظلمات العدوان، ظلمات العصيان، كل ما خالف الحق فهو ظلم، وكل ما وافقه فهو نور.

فقوله عز جل: ﴿لِيُخْرِجَكُمْ﴾ الضمير يعود على من؟ الضمير ليخرجكم من؟

* طالب: الكاف..

* الشيخ: الكاف للناس، لكن الفاعل الضمير يعود على من؟ إما على الله وإما على الرسول.

ما هو الذي يؤيد أن يعود إلى الله؟ قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة ٢٥٧]، والذي يؤيد أن يعود إلى الرسول؟ ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [إبراهيم ١]، وإذا كانت الآية تحتمل معنيين، ولا منافاة بينهما، تُحمل عليهما جميعًا، فالله المخرج حقيقة، والرسول مخرج على أنه سبب.

﴿وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحديد ٩] الجملة هذه خبرية مؤكدة بـ(إن) واللام، ﴿وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾، والرأفة أرق الرحمة، والرحمة أعم، فهو عز وجل رؤوف رحيم، أي: ذو رحمة بالمؤمنين عز وجل، كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب ٤٣] رحمة الله سبحانه وتعالى إما عامة وإما خاصة، فالعامة: الشاملة لجميع الناس، والخاصة: بالمؤمنين، كما قال عز وجل: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب ٤٣].

فإذا قال قائل: أي رحمة من الله عز وجل للكافر؟

فالجواب: أمده بأنعام وبنين وعقل وأمن ورزق، بل إنهم -أي الكفار- قد عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا، أليس كذلك؟ قال الله عز وجل: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [النحل ٦١].

فإذا سألك سائل: هل لله رحمة على الكافر؟ فلا تقل: نعم ولَّا لا، أما بالمعنى العام فنعم رحِمه، ولولا رحمة الله به لهلك، وأما بالمعنى الخاص فلا، الرحمة الخاصة للمؤمنين فقط؛ كما قال عز جل: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب ٤٣].

57:10Page 538

وَمَا لَكُمۡ أَلَّا تُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَٰثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ لَا يَسۡتَوِي مِنكُم مَّنۡ أَنفَقَ مِن قَبۡلِ ٱلۡفَتۡحِ وَقَٰتَلَۚ أُوْلَٰٓئِكَ أَعۡظَمُ دَرَجَةٗ مِّنَ ٱلَّذِينَ أَنفَقُواْ مِنۢ بَعۡدُ وَقَٰتَلُواْۚ وَكُلّٗا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ١٠

And why do you not spend in the cause of Allāh while to Allāh belongs the heritage of the heavens and the earth? Not equal among you are those who spent before the conquest [of Makkah] and fought [and those who did so after it]. Those are greater in degree than they who spent afterwards and fought. But to all Allāh has promised the best [reward]. And Allāh, of what you do, is Aware.

﴿وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٩) وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ١٠] استمع لتعرف أن القرآن يتصل بعضه ببعض، قال الله تعالى في أول الآيات: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد ٧] ثم قال: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [الحديد ٨]، ثم قال: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، لما أمرنا أن ننفق مما جعلنا مستخلفين فيه قال: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يعني: أي شيء يمنعكم؟ والإنفاق في سبيل الله يشمل كل شيء أمر الله بالإنفاق فيه، ففي سبيل الله هنا عامة، وعليه يدخل في ذلك الإنفاق على النفس، والإنفاق على الزوجة، والإنفاق على الأهل، والإنفاق على الفقراء، واليتامى، والإنفاق في سبيل الله، كل ما أمر الله بالإنفاق فيه فهو داخل في هذه الآية، حتى على النفس؟ نعم، إنفاقك على نفسك صدقة، إنفاقك على زوجك صدقة، لكن لاحظ النية؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لسعد بن أبي وقاص: «وَاعْلَمْ أَنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللهِ إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا»[[متفق عليه، البخاري (٥٦) ومسلم (١٦٢٨ / ٥) من حديث سعد بن أبي وقاص.]] لازم، القيد هذا لا بد منه، تبتغي به وجه الله «إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا» أي: أُثبت عليها.

إذن ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ما المراد بالإنفاق في سبيل الله؟ كل ما أمر الله بالإنفاق فيه.

﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد ١٠] يعني كيف لا تنفق والذي سيرث السماوات والأرض هو الله، ومن جملة (...) مالك الذي بخلت به سيرثه الله عز وجل، فإذا ورث مالك من بعدك فإما أن يرثه صالح فيكون أسعد به منك، وإما أن يرثه مفسد فتكون خلفت له ما يستعين به على إفساده، أفهمتم هذا؟ إذا خلفت المال فإما أن تخلفه إلى من ينفقه في سبيل الله فيكون هو أسعد بمالك منك، وإما أن تخلفه لمفسد يستعين به على معصية الله، فتكون أعنته على معصية الله بما خلفت له من المال.

إذن ما هو اللائق بك؟ أن تنفقه في سبيل الله، حتى يكون لك غُنمه، وتسلم من غائلته، لو ورثه من يفسد به.

تذكر -يا أخي- عندما تفكر في الإنفاق فيأتيك الشيطان ويأمرك بالبخل ويعدك الفقر، فكر أنك إذا خلفت هذا المال فلا بد أن يورث، لن يُدفَن معك، لا بد أن يورث، ويكون الإرث دائرًا بين الأمرين السابقين اللذين ذكرتهما، وهو إما أن يرثه من ينفقه في سبيل الله فيكون أسعد بمالك منك، وإما أن يرثه من يستعين به على الفساد في الأرض فتكون أنت سببًا للإفساد في الأرض، ولا بد من هذا.

قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ [الحديد ١٠].

من أنفق في أيش؟ في سبيل الله، لا يستوي منكم من أنفق في سبيل الله وقاتل، يعني مع من لم ينفق ولم يقاتل، لا يمكن أن يستوي هذا وهذا؛ لأن دين الإسلام دين العدل في العمل والجزاء ، انتبه! دين العدل في أيش؟ في العمل والجزاء، وليس كما يقول المحدَثون المحدِثون أنه دين المساواة، هذا غلط عظيم، لكن يتوسل به أهل الآراء والأفكار الفاسدة إلى مقاصد ذميمة، حتى يقول: المرأة والرجل سواء، والمؤمن والفاسق سواء، والعربي والعجمي سواء، ولا فرق، وسبحان الله! إنك لن تجد في القرآن كلمة المساواة بين الناس، لا بد من فرق، بل أكثر ما في القرآن نفي المساواة ﴿لَا يَسْتَوِي﴾.

﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر ٩] وآيات كثيرة.

فاحذر أن تُتابع فتكون كالذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء، بدلًا من أن تقول: الدين الإسلامي دين المساواة، قل أيش؟ دين العدل الذي أمر الله به أن يعطَى كل ذي حق حقه، أرأيت المرأة مع الرجل في الإرث سواء ولَّا يختلفون؟ يختلفون، في الدية؟ الدية دية النفس المرأة نصف دية الرجل، في العقيقة، فك الرهان: الذكر ثنتان والأنثى واحدة، في الدين المرأة ناقصة؛ إذا حاضت لم تصلِّ ولم تصم، في العقل المرأة ناقصة: شهادة الرجل بشهادة امرأتين، وهلم جرًّا، الذين ينطقون بكلمة مساواة إذا قررنا هذا وأنه من القواعد الشريعة الإسلامية، ألزمونا بالمساواة في هذه الأمور، وإلا لصرنا متناقضين، فنقول: دين الإسلام هو دين العدل، يعطي كل إنسان ما يستحق، حتى جاء في الحديث: «أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ إِلَّا الْحُدُودَ»[[أخرجه أبو داود (٤٣٧٥) والنسائي (٧٢٥٣) من حديث عائشة.]]، يعني إذا أخطأ الإنسان الوجيه الشريف في غير الحدود فاحفظ عليه كرامته وأقله، هذا الذي تقيله إذا كان من الشرفاء إقالتك إياه أعظم تربية من أن تجلده ألف جلدة؛ لأنه كما قيل: الكريم إذا أكرمته ملكته، لكن لو جاء إنسان فاسق ماجن هذا اشدد عليه العقوبة واعزره، ولهذا لما كثر شرب الخمر في عهد عمر بن الخطاب ماذا فعل؟ ضاعف العقوبة، بدل أربعين جعلها ثمانين[[أخرجه مسلم (١٧٠٧ / ٣٨) من حديث علي بن أبي طالب.]].

كذلك الحديث الصحيح الذي رواه أهل السنن: «مَنْ شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِنْ شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِنْ شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِنْ شَرِبَ –يعني- الرَّابِعَةَ فَاقْتُلُوهُ»[[أخرجه أبو داود (٤٤٨٣) والنسائي (٥٦٦١) من حديث ابن عمر ونفر من أصحاب النبي ﷺ.]] لأن هذا ما فيه فائدة، ثلاث مرات نعاقبه ولكن لا فائدة، إذن خير له ولغيره أيش؟ أن يقتل، إذا قتلناه استراح من الإثم، كما قال عز وجل: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عمران ١٧٨].

الخلاصة: التعبير بأن دين الإسلام دين المساواة غلط ولَّا صح؟

* طلبة: غلط.

* الشيخ: غلط، ما هو الصحيح؟

* طلبة: دين العدل.

* الشيخ: دين العدل لا شك.

العجب أن هؤلاء الذين يقولون هذا الكلام يقولون: إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ إِلَّا بِالتَّقْوَى»[[أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (٤٧٤٩) من حديث أبي سعيد.]] فيتناقضون، الحديث ما نفى مطلقًا قال: إلا بالتقوى، إذن يختلفون بالتقوى ولَّا ما يختلفون؟ يختلفون، ثم إن هذا الحديث أظنه لا يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنه قال: «إِنَّ اللهَ اصْطَفَى مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيلَ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ كِنَانَةَ قُرَيْشًا، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ»[[أخرجه مسلم (٢٢٧٦ / ١) من حديث واثلة بن الأسقع.]] ففضل، ولا شك عندنا أن العرب -أعني جنس العرب- أفضل من جنس غير العرب، لا شك عندنا في هذا، والدليل على هذا أن الله جعل في العرب أكمل نبوة ورسالة، من؟ محمد ﷺ، أكمل نبوة ورسالة جعلها الله في العرب، وقد قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤] فالأجناس تختلف، وقال عليه الصلاة السلام: «خِيَارُكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِي الْإِسْلَامِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٧٤) ومسلم (٢٣٧٨ / ١٦٨) من حديث أبي هريرة.]]، احذر أن تتابع في العبارات التي ترد من المحدِثين المحدَثين حتى تتأملها وما فيها من الإيحاءات التي تدل على مفاسد ولو على المدى البعيد.

أسأل الله أن يهدني وإياكم الصراط المستقيم، وأن يتولانا في الدنيا والآخرة، إنه على كل شيء قدير.

* * *

﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ [الحديد ١٠] أي: لا يكونون سواء، الذي أنفق من قبل الفتح.. والمراد بالفتح هنا صلح الحديبية الذي جرى بين النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وبين قريش، وذلك في ذي القعدة من عام ستة من الهجرة، وسُمي فتحًا لأنه صار فيه توسيع للمسلمين، وتوسيع أيضًا للمشركين، اختلط الناس بعضهم ببعض وأمن الناس بعضهم من بعض، حتى يسر الله عز وجل أن نقضت قريش العهد، فكان من بعد ذلك الفتح الأعظم، فتح مكة في السنة الثامنة من ذي الهجرة في رمضان.

قال الله عز وجل: ﴿أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ وذلك لأن الأولين أنفقوا وقاتلوا وسبقوا إلى الإسلام، وكان الإسلام في حاجة لهم ولإنفاقهم، فكانوا أفضل ممن أنفق من بعد وقاتل، والله سبحانه وتعالى يجزي بالعدل بين عباده، ولكن لما كان تفضيل السابقين قد يُفهم منه أن لا فضل للاحقين قال: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد ١٠]، كُلًّا من الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا، والذين أنفقوا من بعد وقاتلوا، وعدهم الله الحسنى، يعني الجنة.

﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [الحديد ١٠] أي: عليم ببواطن أموركم كظواهرها، لا يخفى عليه شيء، وإذا كان عالمًا بها فسوف يجازي كل عامل بما عمل، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة ٧، ٨] المراد بالفتح هنا صلح الحديبية، والمراد بالحسنى: الجنة.

إذن كل الصحابة وعدهم الله تعالى الجنة، فنحن نشهد لكل الصحابة أنهم في الجنة، لكن لا نشهد لأحد بعينه إلا من شهد له الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

57:11Page 538

مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقۡرِضُ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا فَيُضَٰعِفَهُۥ لَهُۥ وَلَهُۥٓ أَجۡرٞ كَرِيمٞ ١١

Who is it that would loan Allāh a goodly loan so He will multiply it for him and he will have a noble reward?

ثم قال عز وجل حاثًّا ومرغبًا على الإنفاق في سبيله فقال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾ [الحديد ١١] أي: أين الذين يقرضون الله قرضًا حسنًا، أي: ينفقون فيما أمرهم بالإنفاق فيه، وأشار الله في هذا إلى شيئين: الإخلاص والمتابعة، الإخلاص في قوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ يعني: لا يريد سوى الله عز وجل، والمتابعة في قوله: ﴿حَسَنًا﴾؛ لأن العمل الحسن ما كان موافقا للشريعة الإسلامية، وهذان -أعني الإخلاص والمتابعة- هما شرطان في كل عمل؛ أن يكون مخلصًا لله، وأن يكون متابعًا فيه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

وصف الله تعالى الإنفاق في سبيله بالقرض تشبيهًا بالقرض الذي يقرضه الإنسان غيره؛ لأنك إذا أقرضت غيرك فإنك واثق من أنه سيرد عليك، هكذا أيضًا العمل الصالح سيرد على الإنسان بلا شك، ولهذا قال: ﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾، المضاعفة هنا يعني الزيادة، وقد بيَّن الله تبارك وتعالى قدرها في سورة البقرة فقال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة ٢٦١]، فأنت إذا أنفقت درهمًا فهو -أعني جزاءه- سبع مئة درهم ثوابًا من عند الله عز وجل، والله تعالى فضله أكثر من عدله وأوسع، ورحمته سبقت غضبه، إذن يضاعفه له إلى كم؟ إلى سبع مئة، بل إلى أكثر، كما جاء في الحديث[[متفق عليه؛ البخاري (٦٤٩١)، ومسلم (١٣١ / ٢٠٧) من حديث ابن عباس.]] إلى أضعاف كثيرة.

﴿وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ أي: حسن واسع، وذلك فيما يجده في الجنة، ففيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.

57:12Page 539

يَوۡمَ تَرَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ يَسۡعَىٰ نُورُهُم بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَبِأَيۡمَٰنِهِمۖ بُشۡرَىٰكُمُ ٱلۡيَوۡمَ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ١٢

On the Day you see the believing men and believing women, their light proceeding before them and on their right, [it will be said], "Your good tidings today are [of] gardens beneath which rivers flow, wherein you will abide eternally." That is what is the great attainment.

ثم قال الله عز وجل: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الحديد ١٢] يعني: اذكر للأمة يوم ترى أيها الإنسان المؤمنين والمؤمنات يوم القيامة ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ أي أمامهم ﴿وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ [الحديد ١٢] يكون من الأمام ومن اليمين، أما من الأمام فلأجل أن يقتدي الإنسان به؛ لأن النور إذا كان أمام الإنسان تبعه، وأما عن اليمين فتكريمًا لليمين، يكون بين أيديهم وبأيمانهم.

وقوله: ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ﴾ يفيد أن هذا النور على حسب الإيمان؛ لأن الحكم إذا عُلق بوصف كان قويًّا بقوة ذلك الوصف وضعيفًا بضعفه.

إذن نورهم على حسب إيمانهم، لا الذكر ولا الأنثى.

﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾، لماذا خص بين الأيدي والأيمان؟

* طالب: (...).

* الشيخ: نعم، أحسنت.

﴿بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ﴾ [الحديد ١٢] تقوله الملائكة لهم: ﴿بُشْرَاكُمُ﴾ أي: ما تبشرون به ﴿الْيَوْمَ﴾ يعني يوم القيامة ﴿جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ وهذه الجنات فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ [الزخرف ٧١]، فيها ما يشاءون كما قال الله عز وجل: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق ٣٥]، وجمعها بأنها جنات متعددة متنوعة درجات مختلفة حسب قوة الإيمان والعمل.

وقوله: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [الحديد ١٢] أي: تسير، والأنهار جمع نهر، وقد بيَّن الله تبارك وتعالى في سورة القتال أنها أربعة أنواع ﴿أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد ١٥]، وهذه الأنهار لا تحتاج إلى حفر ساقية ولا إلى جدولة، تسير على سطح الأرض حيث شاء أهلها، قال ابن القيم رحمه الله:

أَنْهَارُهَا مِنْ غَيْرِ أُخْدُودٍ جَرَتْ ∗∗∗ سُبْحَانَ مُمْسِكِهَا عَنِ الْفَيَضَانِ

لا تذهب يمينًا ولا شمالًا إلا حيث أراد أهلُها.

وأشار في قوله:﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ إلى علو قصورها وأشجارها، يعني: تكون هذه الأنهار من تحت هذه القصور العالية والأشجار الرفيعة.

﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [الحديد ١٢] أي: ماكثين فيها، وقد جاءت آيات متعددة بأن هذا المكث دائم، ليس فيه زوال ولا انقطاع ولا تغير ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الحديد ١٢]، ﴿ذَلِكَ﴾ المشار إليه ما وعدهم الله به، الجنات التي تجري من تحتها الأنهار ﴿هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾، (هو) يسميه العلماء ضمير فصل، وهو مفيد للتوكيد والاختصاص، أي: هذا الذي ذكر هو الفوز العظيم؛ لأنه لا فوز مثله، كما أنه لا فوز أعظم منه، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهله، إنه على كل شيء قدير.

57:13Page 539

يَوۡمَ يَقُولُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتُ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱنظُرُونَا نَقۡتَبِسۡ مِن نُّورِكُمۡ قِيلَ ٱرۡجِعُواْ وَرَآءَكُمۡ فَٱلۡتَمِسُواْ نُورٗاۖ فَضُرِبَ بَيۡنَهُم بِسُورٖ لَّهُۥ بَابُۢ بَاطِنُهُۥ فِيهِ ٱلرَّحۡمَةُ وَظَٰهِرُهُۥ مِن قِبَلِهِ ٱلۡعَذَابُ ١٣

On the [same] Day the hypocrite men and hypocrite women will say to those who believed, "Wait for us that we may acquire some of your light." It will be said, "Go back behind you1 and seek light." And a wall will be placed between them with a door, its interior containing mercy, but on the outside of it is torment.

﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد: ١٣].

﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ﴾ يعني: اذكر يوم يقول، فكلمة ﴿يَوْمَ يَقُولُ﴾ ظرف، زمان ولا بد لظرف الزمان والمكان والجار والمجرور لا بد لها من شيء تتعلق به، والعلماء يقدرون المحذوف في كل مكان بما يناسبه، فهنا المناسب أن يكون التقدير: اذكر أيها الإنسان يوم يقول المنافقون، إلى آخره .

هذا اليوم هو يوم القيامة، والمنافقون هم الذين أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر، ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [الفتح ١١] ولم يظهر النفاق إلا بعد أن قويت شوكة المسلمين بعد غزوة بدر. وكانت غزوة بدر في رمضان في السنة الثانية من الهجرة، انتصر فيها المسلمون انتصارًا ساحقًا على الكفار، فلما بزغ فجر الإسلام وقويت الشوكة ظهر النفاق.

النفاق هو أن الإنسان يظهر الإسلام ويبطن الكفر، وشاع ذلك في المسلمين، فكانوا يأتون إلى الصلاة مع الناس ويحضرون الجماعة لكنها ثقيلة عليهم، وأثقل الصلوات على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر؛ لأنه ليس هناك أضواء يشاهدون فيها، وهم إنما يصلون يراءون الناس.

في يوم القيامة يظهر نور للمؤمنين والمنافقين ثم ينطفئ نور المنافقين، وأنت تعلم أيها الإنسان أن انطفاء النور بعد وجوده يكون أشد ظلمة مما لو لم يكن هناك نور، أليس كذلك؟ ولهذا لو أنك أطفأت النور القوي ثم فتحت عينيك لم ترَ شيئًا إلا بعد برهة من الزمن، فيكون انطفاء النور بعد وجوده أشد عليهم مما لو لم يكن هناك نور، ثم تكون الحسرة أشد.

فيقول المنافقون للذين آمنوا: ﴿انْظُرُونَا﴾ انظروا إلينا ﴿نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ أي: نأخذ شيئًا قليلًا بقدر الحاجة، ﴿قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ﴾ والقيل هذا إما من المؤمنين أو من الملائكة، ما ندري، الله أعلم.

﴿قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ وهل هذا حقيقة أو تهكم بهم؟ يعني: هل هو حقيقة أنهم يريدون أن يذهبوا إلى مكان النور الذي انطفأ فيه النور لعله يتجدد النور، أو أن هذا من باب الاستهزاء بهم والسخرية، والآية محتملة هذا وهذا.

ثم بعد ذلك ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ﴾ أي: بين المنافقين والمؤمنين، ﴿بِسُورٍ لَهُ بَابٌ﴾، والسور هذا سور عظيم يمنع من القفز من ورائه، ﴿لَهُ بَابٌ﴾ يدخل منه المؤمنون ويُمنَع منه المنافقون.

﴿بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ﴾ باطن هذا السور فيه الرحمة للمؤمنين ﴿وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ للمنافقين، وأنت لا تستطيع أن تتصور هذه الحال؛ لأن الحال أعظم من أن نتصورها، حال عظيمة.

57:14Page 539

يُنَادُونَهُمۡ أَلَمۡ نَكُن مَّعَكُمۡۖ قَالُواْ بَلَىٰ وَلَٰكِنَّكُمۡ فَتَنتُمۡ أَنفُسَكُمۡ وَتَرَبَّصۡتُمۡ وَٱرۡتَبۡتُمۡ وَغَرَّتۡكُمُ ٱلۡأَمَانِيُّ حَتَّىٰ جَآءَ أَمۡرُ ٱللَّهِ وَغَرَّكُم بِٱللَّهِ ٱلۡغَرُورُ ١٤

They [i.e., the hypocrites] will call to them [i.e., the believers], "Were we not with you?" They will say, "Yes, but you afflicted yourselves1 and awaited [misfortune for us] and doubted, and wishful thinking deluded you until there came the command of Allāh. And the Deceiver [i.e., Satan] deceived you concerning Allāh.

﴿يُنَادُونَهُمْ﴾ [الحديد: ١٤] المنادي من؟ المنافقون، والمنادى؟ المؤمنون ﴿يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ [الحديد ١٤] يعني: في الدنيا كنا معكم نصلي معكم، ونتصدق، ونذكر الله ﴿قَالُوا بَلَى﴾ [الحديد ١٤] يعني: أنتم معنا ولكن في الظاهر دون الباطن ولهذا قالوا: ﴿بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [الحديد ١٤] يعني: أضللتموها ﴿وَتَرَبَّصْتُمْ﴾ [الحديد ١٤] انتظرتم بنا الدوائر؛ لأن المنافقين يتربصون الدوائر للمؤمنين، ﴿وَارْتَبْتُمْ﴾ شككتم في الأمر، ليس عندكم إيمان ﴿وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ﴾ أي: ظننتم أنكم محسنون؛ لأنهم يقولون: ﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ [النساء ٦٢] نوفق بين المؤمنين والكافرين، وبين الإيمان والكفر ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾ [البقرة ١٤] يعني: فهم مع المؤمنين ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ [البقرة ١٤] فهم مع الكفار، ظنوا أنهم بهذه المداهنة كسبوا المعركة فغرتهم الأماني ﴿حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ [الحديد ١٤] أمر الله سبحانه وتعالى وذلك بموتهم.

﴿وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾، الغرور هو الشيطان، دليل هذا قول الله تبارك وتعالى عنه حين وسوس الشيطان إلى أبوينا، قال الله عنه: ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾ [الأعراف ٢٢] إذن فالغَرور هو الشيطان.

57:15Page 539

فَٱلۡيَوۡمَ لَا يُؤۡخَذُ مِنكُمۡ فِدۡيَةٞ وَلَا مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ مَأۡوَىٰكُمُ ٱلنَّارُۖ هِيَ مَوۡلَىٰكُمۡۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ١٥

So today no ransom will be taken from you or from those who disbelieved. Your refuge is the Fire. It is most worthy of you, and wretched is the destination."

﴿حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (١٤) فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ﴾ [الحديد: ١٤، ١٥] الله المستعان، الأسير في الدنيا يمكن أن يفدي نفسه ويبذل مالًا فيسلم، لكن في الآخرة ما فيه فداء ﴿فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ﴾ أيها المنافقون.

﴿وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحديد ١٥] الذين أعلنوا الكفر وصاروا أشجع من هؤلاء المنافقين، فلا فدية لا لهؤلاء ولا إلى هؤلاء.

﴿مَأْوَاكُمُ النَّارُ﴾ [الحديد ١٥] أي: مثواكم ومآلكم النار، ﴿هِيَ مَوْلَاكُمْ﴾ الذي تتولونه والتي تتولاكم، فهم يتولون النار بعمل أهلها، والنار تتولاهم لأنهم مستحقون لها ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الحديد ١٥] أي: المرجع، وهذا تقبيحًا لها، أعاذنا الله وإياكم منها، نسأل الله أن يجعلني وإياكم ممن زُحزح عن النار وأُدخل الجنة، ومن الفائزين المتقين المفلحين.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском