Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Al-Hadid 57:16–20
57:16Page 539
۞ أَلَمۡ يَأۡنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَن تَخۡشَعَ قُلُوبُهُمۡ لِذِكۡرِ ٱللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلۡحَقِّ وَلَا يَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلُ فَطَالَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَمَدُ فَقَسَتۡ قُلُوبُهُمۡۖ وَكَثِيرٞ مِّنۡهُمۡ فَٰسِقُونَ ١٦
Has the time not come for those who have believed that their hearts should become humbly submissive at the remembrance of Allāh and what has come down of the truth? And let them not be like those who were given the Scripture before, and a long period passed over them, so their hearts hardened; and many of them are defiantly disobedient.
قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الحديد ١٦]. يعني: ألم يحق لهؤلاء المؤمنين ﴿أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي: أن تذل وتنقاد غاية الانقياد لذكر الله تعالى في القلوب واللسان والجوارح.
﴿وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ يعني القرآن الكريم، وهو من ذكر الله، لكنه ذكره بخصوصه لأهميته.
﴿وَلَا يَكُونُوا﴾ يعني: وألا يكونوا ﴿كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد ١٦] الذين أوتوا الكتاب من قبل هم اليهود والنصارى ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ﴾ يعني: طال بهم الزمن ونسوا حظا مما ذكروا به ﴿فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ والعياذ بالله ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ وبعضهم مستقيمون.
هذه الآية الكريمة يبين الله تبارك وتعالى أنه قد حق للمؤمنين أن تخشع قلوبهم لذكر الله ولكتاب الله، وألا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم؛ لبعدهم عن زمن الرسالات. وفي هذا إشارة إلى أن أول الأمة خير من آخرها، وأخشع قلوبًا؛ وذلك لقربهم من عهد الرسالة. وقد صح بذلك الحديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٥٢) ومسلم (٢٥٣٣ / ٢١٢) من حديث عبد الله بن مسعود.]].
وفي هذا التنديد التام باليهود والنصارى؛ لأنها قست قلوبهم لما طال عليهم الأمد.
وفيه العدالة التامة في حكم الله عز وجل، حيث قال: ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد ١٦]، ولم يعمم، وهذا هو الواجب على من تحدث عن قوم أن يبين الواقع؛ لأن بعض الناس إذا رأى من قوم زيغًا في بعضهم، عمم الحكم على الجميع، والواجب العدل، إن كان الأكثر هم الفاسقين قال: أكثرهم، إن كان كثير منهم فاسقين دون الأكثر عبر بكثير، على حسب ما تقتضيه الحال؛ لأن الواجب أن يقول الإنسان بالعدل ولو على نفسه أو الوالدين والأقربين.
57:17Page 539
ٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يُحۡيِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَاۚ قَدۡ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ ١٧
Know that Allāh gives life to the earth after its lifelessness. We have made clear to you the signs; perhaps you will understand.1
قال الله تبارك وتعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الحديد ١٧].
﴿اعْلَمُوا﴾ فعل أمر بالعلم في هذه القضية الهامة، وهي أن الله يحيي الأرض بعد موتها، يعني أن الأرض تجدها يابسة ليس فيها نبات، فينزل الله عليها المطر فتنبت وتحيا وتنمو، إذا علمنا هذا ونحن عالمون به نشاهده فإننا نستدل به على قدرة الله تبارك وتعالى على إحياء الموتى، فإن الناس أحياء الآن ثم يموتون ثم يُبعَثون يوم القيامة، فالقادر على إحياء الأرض بعد موتها قادر على إحياء الأجسام بعد موتها من أجل الحساب والجزاء؛ لأنه ليس من الحكمة أن يخلق الله تبارك وتعالى خلقًا يأمرهم وينهاهم ويبيح دماء من لم يستجب وأموالهم، ثم تكون النتيجة أن يموت الإنسان فقط.
بل لا بد -أيها الإخوة- من حياة هي الحياة الحقيقية، كما قال عز وجل: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت ٦٤]، معنى ﴿الْحَيَوَانُ﴾ أي: الحياة الحقيقية التي ليس بعدها موت، وليس المراد بالحيوان الحيوانات الدواب، المراد ﴿الْحَيَوَانُ﴾ يعني: الحياة التامة الكاملة.
أنتم الآن تشاهدون الأرض يابسة ليس فيها ورقة خضراء، فينزل الله المطر ثم تنبت تحيا تنمو، فالقادر على أن يجعل هذه العيدان اليابسة خضراء نامية قادر على أن يحيي الموتى، وبكلمة واحدة، قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات ١٣، ١٤]، وقال عز وجل: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس ٥٣]، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢].
﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ [الحديد ١٧] أي: أظهرناها لكم، والآيات هي العلامات الدالة على كمال قدرة الله جل وعلا، وعلى كمال رحمته، وأضرب لكم مثلًا: إذا أنزل الله المطر، ونبتت الأرض، وشبعت البهائم، وطابت الأجواء، هذا من آثار أيش؟ من آثار رحمته، نستدل بهذا على رحمة الله، ونستدل بما خلق الله في الكون من الشمس والقمر والنجوم وما خلق الله تعالى في الأرض من الجبال والأنهار وغيرها على كمال حكمة الله عز وجل؛ لأنك إذا تدبرتها وجدت فيها من الحكمة ما يبهر العقل.
إذن الآيات جمع آية، وهي العلامة، يعني العلامات الدالة على كمال قدرة الله عز وجل وسلطانه.
﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الحديد ١٧] (لعل) هنا للتعليل، وليست للرجاء، مع أنها في اللغة العربية تأتي للرجاء كثيرًا، لكنها هنا للتعليل؛ لأن الرجاء لا يمكن في حق الله؛ إذ إن الرجاء طلب شيء فيه نوع من العسر، لكن الله عز وجل لا يُتصور في حقه الرجاء، لكن تأتي (لعل) للتعليل، أي: لأجل أن تعقلوا، والمراد بالعقل هنا عقل الرشد، أي: تعقلون عقلًا ترشدون به، ويكون دليلًا لكم على ما فيه الخير.
57:18Page 539
إِنَّ ٱلۡمُصَّدِّقِينَ وَٱلۡمُصَّدِّقَٰتِ وَأَقۡرَضُواْ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا يُضَٰعَفُ لَهُمۡ وَلَهُمۡ أَجۡرٞ كَرِيمٞ ١٨
Indeed, the men who practice charity and the women who practice charity and [they who] have loaned Allāh a goodly loan - it will be multiplied for them, and they will have a noble reward.
﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ [الحديد: ١٨].
﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ﴾ أصلها (إن المتصدقين) لكن قلبت التاء صادًا لعِلة تصريفية معروفة عند أهل النحو، يعني: إن المتصدقين والمتصدقات.
﴿وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ يعني: أنفقوا في سبيل الله إنفاقًا حسنًا، والإنفاق الحسن -يا إخواننا- ما جمع شرطين:
الأول: الإخلاص لله عز وجل.
والثاني: المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
فالمرائي الذي ينفق رياء هل أقرض الله قرضًا حسنًا؟ لا، يعني: إنسان تصدق على فقير من أجل أن يراه الناس، فيقولون: فلان كثير الصدقة، هذا مراءٍ وصدقته لا تنفعه ولا تُقبَل منه؛ لأن كل عمل يُراد به غير الله فهو غير مقبول، قال الله تبارك وتعالى في الحديث القُدُسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة.]]، إنسان آخر صار يتعبد لله تعالى بعبادات غير مشروعة، صاحب بدعة، لكنه مخلص لو سألته: لم فعلت هذا؟ قال: أريد ثواب الله، أريد التقرب إلى الله.
هل تنفعه العبادة؟ لا، لماذا؟ لعدم المتابعة.
فإذن يكون قوله عز وجل: ﴿وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [الحديد ١٨] أي: مخلصين فيه لله متبعين لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وهنا سؤال: ﴿أَقْرَضُوا اللَّهَ﴾ هل الله فقير حتى يقرض؟! حاشا وكلا ليس فقيرًا، ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران ١٨١] إذن كيف يقول: أقرضوا الله؟ يقول هذا جل وعلا ليبين أن أجرهم مضمون كما أن القرض مضمون، أنا لو أقرضت شخصًا ألف ريال ثبت في ذمته ولا بد أن يوفيني، كذلك جعل الله عز وجل التعبد له بمنزلة القرض، أي أنه مضمون سيُرد عليك، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة.
لكن كيف تكون الواحدة بعشرة وهذا ربا في القرض، كيف يكون هذا؟
الجواب: أولًا: لا ربا بين العبد وبين ربه.
ثانيًا: القرض إذا أعطاك المقترض شيئًا بدون شرط فهو حلال، يعني: لو استقرض منك ألف ريال وأعطاك ألفًا ومئة بدون شرط فهو حلال؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم استقرض بكرًا -البكر يعني: بعير صغير- ورد خيرًا منه، وقال: «أَحْسَنُكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٣٠٥) ومسلم (١٦٠١ / ١٢٠) بلفظ «إن خياركم أحسنكم قضاء» من حديث أبي هريرة.]]، هل المقرض استفاد أو لا؟ استفاد، لكنه استفاد بلا شرط، ولهذا تجدون عبارة الفقهاء: (كل شرط جر نفعًا للمقرِض فهو ربًا) شوف (كل شرط) ولم يقولوا: كل زيادة.
فالمهم الآن الجواب إذا قال قائل: إن الله عز وجل يجزي الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وقد سمى الله تعالى الإنفاق في سبيله قرضًا، فكيف يصح أن يجزي الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف؟ قلنا: الجواب من وجهين:
الأول: أنه ليس بين العبد وبين ربه ربا.
ثانيا: أن الزيادة إذا لم تكن شرطًا فهي جائزة، هذه تدل على كرم الموفي.
﴿يُضَاعَفُ لَهُمْ﴾ [الحديد ١٨] هذه خبر (إن)، يعني ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ﴾، أي: يُعطَون أجرهم مضاعفًا، عشرة إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة.
﴿وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ أي: ثواب كريم، والكريم هو الحسن الطيب، وذلك أن الجنة فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
هذا كريم، وأصل الكرم: الحسن، دليل هذا: قول النبي ﷺ لمعاذ بن جبل لما بعثه إلى اليمن قال له: «إِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ» يعني: إذا أخذت الزكاة اجتنب كرائم الأموال، يعني أحاسنها «وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٤٩٦)، ومسلم (١٩ / ٣١) من حديث ابن عباس.]].
57:19Page 540
وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦٓ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَۖ وَٱلشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمۡ لَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ وَنُورُهُمۡۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِيمِ ١٩
And those who have believed in Allāh and His messengers - those are [in the ranks of] the supporters of truth and the martyrs, with their Lord. For them is their reward and their light.1 But those who have disbelieved and denied Our verses - those are the companions of Hellfire.
ثم قال عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ [الحديد ١٩].
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ الإيمان بالله يتضمن أربعة أشياء:
أولًا: الإيمان بوجوده.
والثاني: الإيمان بربوبيته.
والثالث: الإيمان بألوهيته.
والرابع: الإيمان بأسمائه وصفاته.
الإيمان بوجود الله لا ينكره إلا مكابر في الواقع، لا ينكره أحد من قلبه إطلاقًا؛ لأن كل إنسان يعرف أن هذا الكون المستقر المنظم لا بد له من موجد ومنظم كل إنسان، مَن الموجد والمنظم؟ الله عز وجل؛ لأن كل إنسان أيضًا يعلم أنه لا يستطيع أحد من البشر أن يتصرف في هذا الكون، من الذي يأتي بالليل مع وجود النهار؟ من الذي يأتي بالنهار مع وجود الليل؟ ما أحد يقدر.
إذن كل إنسان عاقل فهو مؤمن بقلبه، وإن أنكر بلسانه، مؤمن بوجود الله عز وجل، وجه ذلك: أن هذه الخليقة العظيمة لا بد لها من مدبر.
لو قال قائل: إنها جاءت هكذا صدفة؟ طيب من جاء بها؟ ثم الشيء إذا جاء صدفة ما يكون منظمًا.
لو قال قائل: هي أوجدت نفسها؟ نقول: هذا أيضا محال عقلًا، كيف توجد نفسها وهي عدم؟! هذا لا يمكن، إذن: لا بد لها من موجد، ولهذا قال الله تعالى في سورة الواقعة: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ [الواقعة ٥٨، ٥٩]، بل أنت يا ربنا إحنا ما نقدر نخلق، الإنسان ما يقدر يخلق جنينًا في بطن أمه أبدًا، قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ [الحج ٧٣]، استمع ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ خطاب للناس كلهم الكافر والمؤمن ﴿ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ ولهذا إذا قرأت الآية يجب تستمع ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ كلهم ﴿لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج ٧٣]، هذا الذباب المهين لا يمكن أن يخلقوه ولو اجتمعوا له، كل المعبودات ما يمكن تخلق ذبابة، وهو من أصغر الحيوان وأذلها وأهشها، زد على هذا ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾ [الحج ٧٣] يعني: لو أن الذباب أخذ من هذه الأصنام شيئًا ما استطاعت أن تستنقذه منهم.
قال أهل العلم: المعنى لو وقع الذباب على أحد هذه الأصنام وامتص من الطيب الذي فيها -لأنهم يطيبون أصنامهم- ما استطاعت الأصنام أن تستنقذه ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج ٧٣].
أقول مرة ثانية: لا يمكن لأحد أن ينكر من صميم قلبه وجود الله عز وجل أبدًا؛ لأنه باتفاق العقلاء أن كل حادث لا بد له من محدِث، ولا أحد يحدِث هذا الكون إلا الله عز وجل. هذا واحد.
الثاني: الإيمان بربوبيته، أي: بأنه وحده الخالق المالك المدبر لجميع الأمور، هو الله وحده، هو الخالق المالك المدبر لجميع الأمور، فلا خالق إلا الله، ولا مدبر للكون إلا الله، ولا مالك للكون إلا الله عز وجل، حتى ملك الإنسان لما في يده ليس ملكًا حقيقيًّا، الدليل: أنه لا يمكن أن يتصرف فيما بيده كما يشاء، الآن هذا قلمي وهو ملك لي، أليس كذلك؟ لكن ليس لي أن أتصرف فيه كما شئت، لو أردت أن أحرقه أو أكسره مُنعت، شرعًا حرام عليَّ؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن إضاعة المال[[متفق عليه؛ البخاري (١٤٧٧)، ومسلم (٥٩٣ / ١٢) من حديث المغيرة بن شعبة.]].
إذن ملك الإنسان لِما بيده ليس ملكًا حقيقيًّا، بل إنه يختص به عن غيره فقط.
الثالث: أنه وحْده المنفرد بتدبير الأمور، ما أحد يستطيع أن يدبر الأمور أبدًا، عبادة الأصنام حق ولَّا غير حق؟ غير حق، الأصنام نفسها تُسمَّى آلهةً، فهل هي إله حق؟ لا، كما قال عز وجل: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج ٦٢].
إذن الألوهية أن تؤمن بأنه لا إله إلا الله، أي: لا معبود حق إلا الله عز وجل، وما عُبد من دونه فهو باطل، وعليه فلا تصرف العبادة إلا لله.
والرابع: الإيمان بالأسماء والصفات؛ أسمائه وصفاته.
هل لله أسماء؟ نعم، هل له صفات؟ نعم، أسماؤه حسنى، قال الله عز وجل: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف ١٨٠] صفاته كذلك عليا، ما فيه صفة نقص، قال الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل ٦٠] أي: الوصف الأعلى.
إذن علينا أن نؤمن بأسماء الله وأن نؤمن بصفات الله.
أسماء الله تعالى كثيرة، ما يمكن حصرها مهما أردت، ما يمكن تحصيها، الدليل: حديث عبد الله بن مسعود، واحفظوه لأنه مفيد؛ أنه «مَا مِنْ إِنْسَانٍ يُصِيبُهُ هَمٌّ أَوْ غَمٌّ أَوْ حَزَنٌ ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ، ابْنُ عَبْدِكَ، ابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ اللَّهُمَّ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ»[[أخرجه أحمد (٣٧١٢) من حديث ابن مسعود.]].
فجعل الله الأسماء ثلاثة أقسام: ما أنزله في كتابه، مثل: الرحمن، أو علمته أحدًا من خلقك، مثل: الرب، الشافي، هذه ما هي بالقرآن لكن جاءت في السنة، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ»[[أخرجه النسائي (٥) والدارمي (٧١١) من حديث عائشة.]]، وقال عليه الصلاة والسلام: «أَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ»[[أخرجه مسلم (٤٧٩ / ٢٠٧) من حديث ابن عباس.]]، هذا أنزله في كتابه أو علمه أحدًا من خلقه الثاني.
القسم الثالث: ما استأثر الله به في علم الغيب، واستأثر بمعنى انفرد، ما انفرد الله بعلمه فلم ينزله في الكتاب، ولم يعلمه أحدًا من الخلق، هل يمكن الإحاطة به؟ لا يمكن. إذن أسماء الله لا يمكن الإحاطة بها ولا محصورة بعدد؛ لأننا لا نعلمها.
وأما قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِنَّ للهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٧٣٦)، ومسلم (٢٦٧٧ / ٦) من حديث أبي هريرة.]]، فالمعنى أن من الأسماء تسعة وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة، هذا المعنى، ومن أحصاها أي: عرفها لفظًا، وعرفها معنًى، وتعبد لله بمقتضاها، وليس المراد أن تحفظه بس، لا، لا بد من حفظ اللفظ، والثاني: فهم المعنى، والثالث: التعبد لله بها بمقتضاها، فمثلًا إذا علمت أن الله سبحانه وتعالى غفور تعرض للمغفرة، لا تقل: الله غفور ويفعل الذنب كلما شاء، تعرض للمغفرة، استغفر الله تجد الله غفورًا رحيمًا، إذا علمت أن الله عزيز تتعبد لله بمقتضى هذا وتخاف منه وتحذر، وهلم جرًّا.
أما الإيمان بالرسل فإنه يتضمن تصديقهم فيما أخبروا كلهم من أولهم إلى آخرهم، يجب أن نصدق بما أخبرت به الرسل إذا صح عنهم، وأما العمل بشرائعهم فإننا لا نعمل، أو لا يلزمنا العمل إلا أولًا: تصديقهم بما أخبروا به، لكن بشرط أن يصح عنهم.
والثاني: العمل بالشرائع، ولكن هذا لا يكون إلا بشريعة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لأن شريعته نسخت جميع الشرائع: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ [الحديد ١٩]، ﴿أُولَئِكَ﴾ أي الذين آمنوا بالله ورسله ﴿هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ أي: البالغون في الصدق مبلغًا كبيرًا؛ لأن الصديق صيغة مبالغة، والصدق يكون بالقصد وبالقول وبالفعل، فأما الصدق بالقصد فأن يقصد الإنسان بعبادته وجه الله تبارك وتعالى، لا يقصد غيره، فمن قصد بعبادته شيئًا غير الله فقد أشرك ولا يقبل عمله، لقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الحديث القدسي عن الله تبارك وتعالى أنه قال: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة.]].
الثاني: الصدق في القول، بأن يكون الإنسان صادقًا فيما يخبر به، وقد أثنى الله تعالى على الصادقين وأمر أن نكون معهم، فقال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة ١١٩]، وأثنى على المهاجرين الذين هاجروا من ديارهم وأموالهم ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر ٨].
وأمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالصدق وحث عليه ورغب فيه، فقال: «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ؛ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَلَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ؛ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَلَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ كَذَّابًا»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠٩٤)، ومسلم (٢٦٠٧ / ١٠٥) من حديث ابن مسعود.]].
أما الصدق بالفعل فمتابعة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لأن من كان صادقًا فيما يدعي من محبة الله ورسوله فليتبع الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران ٣١]، وقد سمى بعض السلف هذه الآية آية المحنة، يعني الامتحان، فمَنِ ادعى أنه يحب الله ورسوله قلنا له: تفضل، اتبع الرسول، إن اتبعه فهو صادق، وإن خالفه فليس بصادق.
﴿وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ [الحديد ١٩] ﴿وَالشُّهَدَاءُ﴾ جمع شهيد، والمراد بهم: من قُتلوا في سبيل الله، والقتال في سبيل الله: أن يقاتل الإنسان عدو الله لتكون كلمة الله هي العليا، هذا هو القتال في سبيل الله، قال ذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين سئل عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل ليرى مكانه، أي ذلك في سبيل الله؟ قال: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٤٥٨)، ومسلم (١٩٠٤ / ١٥٠) من حديث أبي موسى الأشعري.]]، هذا الضابط يقاتل شجاعة معناها يحب القتال، شجاع يحب أن يقاتل؛ كالصياد يحب أن يصيد، الصياد الذي يهوى الصيد تجده يحب هذا، ويخرج ويتجشم المصاعب ليصيد الصيدة، وإذا صادها صارت عنده أرخص من كل شيء.
فهذا يقاتل شجاعة لأنه شجاع يحب أن يقاتل.
«وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً» يعني: عصبية لقومه.
«وَيُقَاتِلُ لِيُرَى مَكَانُهُ» يعني رياءً، كما جاء في اللفظ الآخر «وَيُقَاتِلُ رِيَاءً». قال: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ»، من قاتل ليسترد أرضه المغصوبة في سبيل الله أو من باب الحمية؟ من باب الحمية، إلا إذا قال: أريد أن أستردها لأقيم عليها شعائر الإسلام، فهذا في سبيل الله، أما من قاتل لأن هذه أرضه ويريد أن ترد عليه فهذا حمية، ليس له أجر الشهداء إذا قتل.
هؤلاء شهداء ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ أي: ثوابهم العظيم، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران ١٦٩ - ١٧١].
﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ ولما ذكر عز وجل أصحاب اليمين وثوابهم ذكر أصحاب الشمال بعد ذلك، قال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [الحديد ١٩] وهذا لأن القرآن مثان، يعني: تثنى فيه الأمور والمعاني، ولهذا تجد القرآن الكريم في الغالب إذا ذكر الله الجنة ذكر النار، وإذا ذكر أولياء الله ذكر أعداء الله، والحكمة من ذلك: ألا يمل الإنسان؛ لأنه كلما تنقل المعنى إلى معنى آخر نشط الإنسان.
وحكمة أخرى: أن يكون الإنسان سائرًا إلى الله -أي: متعبدًا لله- بين الخوف والرجاء؛ لأنه إذا ذكر صفات المؤمنين أو إذا مرت به صفات المؤمنين قوى جانب الرجاء، وإذا ذكرت أحوال الكافرين غلب جانب الخوف، ولهذا قال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ عطف التكذيب على الكفر، وهو نوع منه، لكن لأنه أشد، يعني اللي يكفر، ولكن ما يكذب أهون من الذي يكذب، فعطف ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ على ﴿كَفَرُوا﴾ من باب عطف الخاص على العام؛ كعطف الروح على الملائكة وهو منهم، قال الله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ [القدر ٤] والروح جبريل وهو من الملائكة.
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾، الجحيم: اسم من أسماء النار، وأصحابها: يعني الملازمين لها، ولهذا إذا مرت بك آية فيها ﴿أَصْحَابُ﴾ فالمعنى أنهم ملازمون لها مخلدون فيها، نسأل الله العافية.
في الآيات الأولى الترغيب بالأوصاف التي توصل إلى الجنات؛ لأن الله تعالى لم يذكر لنا هذه الأمور لنطلع عليها فقط، ولكن لنسعى لها، وفيها التحذير من الكفر والتكذيب، لئلا يقع الإنسان في هذا العقاب الأليم ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾.
57:20Page 540
ٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا لَعِبٞ وَلَهۡوٞ وَزِينَةٞ وَتَفَاخُرُۢ بَيۡنَكُمۡ وَتَكَاثُرٞ فِي ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَوۡلَٰدِۖ كَمَثَلِ غَيۡثٍ أَعۡجَبَ ٱلۡكُفَّارَ نَبَاتُهُۥ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَىٰهُ مُصۡفَرّٗا ثُمَّ يَكُونُ حُطَٰمٗاۖ وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٞ شَدِيدٞ وَمَغۡفِرَةٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٞۚ وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا مَتَٰعُ ٱلۡغُرُورِ ٢٠
Know that the life of this world is but amusement and diversion and adornment and boasting to one another and competition in increase of wealth and children - like the example of a rain whose [resulting] plant growth pleases the tillers; then it dries and you see it turned yellow; then it becomes [scattered] debris. And in the Hereafter is severe punishment and forgiveness from Allāh and approval. And what is the worldly life except the enjoyment of delusion.
﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ إلى آخره [الحديد: ٢٠] لما ذكر الله أحوال المؤمنين وأحوال الكافرين وهم في الدنيا كل يعمل على شاكلته، بيَّن حقيقة الدنيا ما هي، وأمرنا أن نعلم من أجل أن يجتهد الإنسان في التأمل والتفكر، فالأمر بالعلم بشيء واقع يعني أن المطلوب أن تتأمل كثيًرا حتى يتبين لك الأمر.
﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ وهي حياتنا هذه ﴿لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾، خمسة أشياء، اللعب بالجوارح، واللهو بالقلوب.
أما اللعب بالجوارح فأن يعمل الإنسان أعمالًا تصده عن ذكر الله وعن الصلاة.
وأما اللهو بالقلوب فهو الغفلة، وهذا أشد وأعظم، غفلة القلب، أعاذنا الله وإياكم منها، وأحيا قلوبنا وقلوبكم، الغفلة عظيمة تفقدك جميع لذات الطاعات، وتحرم من جميع آثارها؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [الكهف ٢٨] لم يقل: لا تطع من أسكتنا لسانه، قال: ﴿مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ﴾ [الكهف ٢٨] وما أكثر ذكرنا باللسان مع غفلة الجنان، وهذا لا شك أنه ينقص الثواب وينقص الآثار المترتبة على الذكر، من صلاح القلب والاتجاه إلى الله، وإنابته إليه، وغير ذلك.
﴿لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ اللعب في الجوارح، واللهو في القلوب.
﴿وَزِينَةٌ﴾ نعم زينة بالملابس، زينة بالمراكب، زينة بالمساكن، زينة في كل شيء، ولذلك تجد الإنسان ولو كان فقيرًا يحب أن يزين بيته؛ ديكور وغيره، وكذلك سيارته، عندنا أزواج إذا أراد الزوج يركب سيارة يجعل عليها عقودًا من الأزهار وغيرها؛ زينةً.
﴿وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ﴾ كل واحد يفخر على الثاني، أنا من القبيلة الفلانية وأنت من القبيلة الفلانية، قبيلتك لا تساوي شيئًا في المجتمع، وقبيلتي قبيلة رفيعة، يتفاخرون، تفاخر في العلم، يكون هذا عنده علم بالطب وهذا لا يعرف في الطب، هذا علمه بالهندسة وهذا لا يعرف فيفخر عليه. وأقبح من ذلك التفاخر بالعلم الشرعي؛ لأن العلم الشرعي يجب على الإنسان إذا اكتسبه ومنَّ الله عليه به أن يزداد تواضعًا وأن يعرف نفسه وقدر نفسه.
﴿وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ﴾ ومن ذلك ما يحصل بين الشعراء في بعض الأحيان من التطاول على الآخرين والتفاخر، كما يوجد في بعض الأفراح وبعض المناسبات عما نسمع.
﴿وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ تكاثر، كل واحد يحب أن يكون أكثر أموالًا وأكثر أولادًا، وهذا كقوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [آل عمران ١٤] هذه حقيقة الدنيا، ومع ذلك مع هذا اللهو واللعب والتفاخر والزينة هل تبقى؟ أبدًا، ما تبقى، لا بد أن تزول، وإذا طال بالإنسان زمان عاد إلى الهرم، وفي هذا يقول الشاعر:
لَا طِيبَ لِلْعَيْشِ مَا دَامَتْ مُنَغَّصَةً ∗∗∗ لَذَّاتُهُ بِادِّكَارِ الْمَـــــــــــوْتِوَالْهَـــــــــــرَمِ
كل إنسان إذا فكر في عيشه وأنه في نعيم يقول: فما بعد ذلك؟ ما الذي بعده؟ إما موت أو هرم، إما أن تموت وتنتهي من الدنيا، وإما أن تهرم وتكون عالة على ابنك وبنتك، حتى أهلك يملون منك، ولهذا أشار الله عز وجل إلى هذه الحالة فقال: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا﴾ أي: الوالدان ﴿أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء ٢٣] لأنهما إذا بلغا الكبر اختل تفكيرهما، وصارا يتعبان، فأنت إما أن تموت أو تصل إلى حال الهرم، هذا إن بقيت لك الدنيا، وإلا فقد تسلب إياها قبل أن تصل إلى الهرم وقبل أن تموت.
إذن نأخذ من هذا الحذر من فتنة الدنيا، وكم من إنسان أطغته الحياة الدنيا فهلك، وفي الحديث القدسي: «إِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ إِذَا أَغْنَيْتُهُ أَفْسَدَهُ الْغِنَى»[[الأسماء والصفات للبيهقي (١ / ٣٠٧) من حديث أنس بن مالك.]] بل قد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «وَاللهِ مَا الْفَقْرُ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَإِنَّمَا أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُفْتَحَ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ فَتَنَافَسُوا فِيهَا كَمَا تَنَافَسَ فِيهَا مَنْ قَبْلَكُمْ، فَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٠١٥)، ومسلم (٢٩٦١ / ٦) من حديث عمرو بن عوف.]]، وصدق الرسول عليه الصلاة والسلام، أكثر الفسقة، أكثر الكفرة ممن؟ من الملأ والأشرار، اقرءوا القرآن، من يكذب الرسل؟ الملأ والأشرار، اعتبروا بالواقع الآن، أكثر ما يفسد الدنيا هم الأثرياء والأغنياء الذين فُتحت عليهم الدنيا، فليحذرها العاقل اللبيب وليقتصر منها على ما ينفعه في الآخرة، هذه حقيقة الدنيا.
ثم ضرب الله لها مثلًا؛ لأن الأمثال تقرب المعاني؛ إذ إن المثل يعني قياس المعنى على المحسوس: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ غيث أي: مطر تنبت به الأرض وتزول به الشدة، ﴿أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ أي: النبات الناشئ عنه، وأعجبهم أي: استحسنوه، والكفار هم الكافرون بالله عز وجل؛ لأن الكافر تعجبه الدنيا، ويفرح بها، ويُسَر بها، وقلبه متعلق بها، ليس له هم إلا ما يراه من زينتها ولهوها، فهو قد ﴿أَعْجَبَ الْكُفَّارَ﴾ أي: الكفار بالله.
﴿نَبَاتُهُ﴾ أي: نبات هذا الغيث، ولماذا خص الكفار؟ قلت لكم: لأن الكفار هم الذين يستحسنون الدنيا، ويعجبون منها، وتتعلق قلوبهم بها، أما المؤمنون فهم على العكس لا يهمهم إلا ما فيه مصلحة الآخرة.
وقيل: إن المراد بالكفار هنا الزراع، ولكن هذا ليس بصحيح؛ لأن إطلاق الكفار على الزراع نادر جدًّا، هذا إن صح، والذين يقولون: إن المراد بهم الزراع يقولون: لأن الكافر يكفر الحب -أي: يستره في الأرض، يحرث الأرض عليه- لأجل أن يخرج، ولكن ما قررناه أولًا هو الصواب أن المراد بالكفارِ الكفارُ بالله.
﴿أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ﴾ بعدما يظهر ويعجب الكفار ويستحسنونه ويتعجبون منه ﴿يَهِيجُ﴾ أي: ييبس ويجف ﴿فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا﴾ بعد أن كان أخضر ناميًا يكون مصفرًا دائمًا، ﴿ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا﴾ يعني: يتحطم ويتكسر؛ لأنه يبس، فماذا كانت النتيجة لهذا الزرع؟ التلف والزوال، هذه حال الدنيا، تزهو للإنسان بنعيمها وقصورها ومراكبها وأموالها وأولادها وزوجاتها وغير ذلك، وإذا بها تتحطم.
كم من غني كان مسرورًا في أهله منعمًا في بيته وفي مركوبه وفي ثيابه وفي كل أحواله إذا به يعود فقيرًا، فتتحطم دنياه، فإن لم تكن مات وتحطمت دنياه بفراقه هذه الدنيا فلا بد من أحد أمرين: إما أن تفارقك الدنيا، وإما أن تفارقها، هذه حال الدنيا، وهذا أمر لا يشك فيه في الواقع، لكن النفوس معها غفلة، يسهو بها الإنسان عن مثل هذا الأمر الواقع، فيظن أن كل شيء على ما يرام ويستبعد زوال الدنيا أو زواله هو عن الدنيا.
أما الآخرة فاستمع إليها، قال: ﴿وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ للكافرين ﴿وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ﴾ للمؤمنين، فأيما أحق: أن يؤثر الإنسان الدنيا التي مآلها الفناء والزوال أو الآخرة؟ الثاني، يؤثر الآخرة، هذا العقل؛ لأنك إن آثرت الدنيا ففي الآخرة عذاب شديد، وإن آثرت الآخرة ففيها مغفرة من الله ورضوان، مغفرة للذنوب ورضوان بالحسنات، ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾، هذه الجملة فيها حصر، طريقه: النفي والإثبات، وهو أعلى طرق الحصر، ما الحياة الدنيا إلا متاع لا غير، ومتاع الغرور يغتر بها الإنسان فيلهو ويلعب ويفرح ويبطر ثم تزول.
كل هذه الجمل وهذه الأوصاف يريد الله عز وجل -وهو أعلم- أن يزهد الإنسان في الدنيا ويرغب في الآخرة.
وإني سائلكم: من زهد في الدنيا ورغب في الآخرة هل يفوته شيء من نعيم الدنيا؟
الجواب: لا، لا يفوته، حتى وإن افتقر، فإنه لا يفوته نعيم الدنيا، دليل هذا من القرآن والسنة قال الله عز وجل: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل ٩٧] لم يقل: لنكثرن ماله وأولاده وقصوره، ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ مطمئنة مستريح البال فيها ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل ٩٧] وبين النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذلك في قوله: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ؛ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٩٩ / ٦٤) من حديث صهيب.]].
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences